العودة   منتديات فيلمى > قسم عام > القسم الاسلامي

البدايه والنهايه - الامام ابن كثير الجزء الاول

الكتاب : البداية والنهاية المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ) حققه ودقق اصوله وعلق حواشيه: علي شيري -----------------------------

Post البدايه والنهايه - الامام ابن كثير الجزء الاول
بواسطة kh_06

الكتاب : البداية والنهاية
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
(المتوفى : 774هـ)

حققه ودقق اصوله وعلق حواشيه: علي شيري
-----------------------------

البداية والنهاية - الجزء الأول
البداية والنهاية - ابن كثير ج 1
البداية والنهاية
ابن كثير ج 1

(1/)

البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774 ه.
حققه ودقق اصوله وعلق حواشيه علي شيري الجزء الاول دار إحياء التراث العربي

(1/3)

طبعة جديدة محققة الطبعة الاولى 1408 ه.
1988 م

(1/4)

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الاول والآخر، الباطن الظاهر، الذي هو بكل شئ عليم، الاول فليس قبله شئ، الآخر فليس بعده شئ، الظاهر فليس فوقه شئ الباطن، فليس دونه شئ، الازلي القديم الذي لم يزل موجودا بصفات الكمال، ولا يزال دائما مستمرا باقيا سرمديا بلا انقضاء ولا انفصال ولا زوال.
يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، وعدد الرمال.
وهو العلي الكبير المتعال، العلي العظيم الذي خلق كل شئ فقدره تقديرا.
ورفع السموات بغير عمد، وزينها بالكواكب الزاهرات، وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وسوى فوقهن سريرا، شرجعا عاليا منيفا متسعا مقبيا مستديرا.
وهو العرش العظيم - له قوائم عظام، تحمله الملائكة الكرام، وتحفه الكروبيون عليهم الصلاة والسلام، ولهم زجل بالتقديس
والتعظيم.
وكذا أرجاء السموات مشحونة بالملائكة، ويفد منهم في كل يوم سبعون ألفا إلى البيت المعمور بالسماء الرابعة لا يعودون إليه، آخر ما عليهم في تهليل وتحميد وتكبير وصلاة وتسليم.
ووضع الارض للانام على تيار الماء.
وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام قبل خلق السماء، وأنبت فيها من كل زوجين اثنين، دلالة للالباء من جميع ما يحتاج العباد إليه في شتائهم وصيفهم، ولكل ما يحتاجون إليه ويملكونه من حيوان بهيم.
وبدأ خلق الانسان من طين، وجعل نسله من سلالة من ماء مهين، في قرار مكين.
فجعله سميعا بصيرا، بعد ان لم يكن شيئا مذكورا.
وشرفه بالعلم والتعليم.
خلق بيده الكريمة آدم أبا البشر، وصور جثته ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وخلق منه زوجه حواء أم البشر فآنس بها وحدته، وأسكنهما جنته، واسبغ عليهما نعمته.
ثم أهبطهما إلى الارض لما سبق في ذلك من حكمة الحكيم.
وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، وقسمهم بقدرة العظيم ملوكا ورعاة، وفقراء وأغنياء، وأحرارا وعبيدا، وحرائر وإماء.
وأسكنهم أرجاء الارض، طولها والعرض، وجعلهم

(1/5)

خلائف فيها يخلف البعض منهم البعض، إلى يوم الحساب والعرض على العليم الحكيم.
وسخر لهم الانهار من سائر الاقطار، تشق الاقاليم إلى الامصار، ما بين صغار وكبار، على مقدار الحاجات والاوطار، وأنبع لهم العيون والآبار.
وأرسل عليهم السحائب بالامطار، فأنبت لهم سائر صنوف الزرع والثمار.
وآتاهم من كل ما سألوه بلسان حالهم وقالهم: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار): فسبحان الكريم العظيم الحليم * وكان من أعظم نعمه عليهم.
وإحسانه إليهم، بعد أن خلقهم ورزقهم ويسر لهم السبيل وأنطقهم، أن أرسل رسله إليهم، وأنزل كتبه عليهم: مبينة حلاله وحرامه، وأخباره وأحكامه، وتفصيل كل شئ في المبدإ والمعاد إلى يوم القيامة.
فالسعيد من قابل الاخبار بالتصديق والتسليم، والاوامر بالانقياد والنواهي بالتعظيم.
ففاز
بالنعيم المقيم، وزحزح عن مقام المكذبين في الجحيم ذات الزقوم والحميم، والعذاب الاليم * أحمده حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه يملا أرجاء السموات والارضين، دائما أبد الآبدين، ودهر الداهرين، إلى يوم الدين، في كل ساعة وآن ووقت وحين، كما ينبغي لجلاله العظيم، وسلطانه القديم ووجهه الكريم * وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ولد له ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا نظير ولا وزير له ولا مشير له، ولا عديد ولا نديد ولا قسيم.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، المصطفى من خلاصة العرب العرباء من الصميم، خاتم الانبياء، وصاحب الحوض الاكبر الرواء، صاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة، وحامل اللواء الذي يبعثه الله المقام المحمود الذي يرغب إليه فيه الخلق كلهم حتى الخليل إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعلى سائر اخوانه من النبيين والمرسلين، وسلم وشرف وكرم أزكى صلاة وتسليم، وأعلى تشريف وتكريم.
ورضي الله عن جميع أصحابه الغر الكرام، السادة النجباء الاعلام، خلاصة العالم بعد الانبياء.
ما اختلط الظلام بالضياء، وأعلن الداعي بالنداء وما نسخ النهار ظلام الليل البهيم.
(أما بعد) فهذا كتاب أذكر فيه بعون الله وحسن توفيقه ما يسره الله تعالى بحوله وقوته من ذكر مبدإ المخلوقات: من خلق العرش والكرسي والسموات، والارضين وما فيهن وما بينهن من الملائكة والجان والشياطين، وكيفية خلق آدم عليه السلام، وقصص النبيين، وما جرى مجرى ذلك إلى أيام بني إسرائيل وأيام الجاهلية حتى تنتهي النبوة إلى أيام نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه.
فنذكر سيرته كما ينبغي فتشفي الصدور والغليل، وتزيح الداء عن العليل.
ثم نذكر ما بعد ذلك إلى زماننا، ونذكر الفتن والملاحم وأشراط الساعة.
ثم البعث والنشور وأهوال القيامة، ثم صفة ذلك وما في ذلك اليوم، وما يقع فيه من الامور الهائلة.
ثم صفة النار، ثم صفة الجنان وما فيها من الخيرات الحسان، وغير ذلك وما يتعلق به، وما ورد في

(1/6)

ذلك من الكتاب والسنة والآثار والاخبار المنقولة المقبولة عند العلماء وورثة الانبياء، الآخذين من
مشكاة النبوة المصطفوية المحمدية على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام.
ولسنا نذكر من الاسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله مما لا يخالف كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهو القسم الذي لا يصدق ولا يكذب، مما فيه بسط لمختصر عندنا، أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا فنذكره على سبيل التحلي به لا على سبيل الاحتياج إليه والاعتماد عليه.
وإنما الاعتماد والاستناد على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما صح نقله أو حسن وما كان فيه ضعف نبينه.
وبالله المستعان وعليه التكلان.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحيكم العلي العظيم.
فقد قال الله تعالى في كتابه (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا) وقد قص الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خبر ما مضى من خلق المخلوقات، وذكر الامم الماضين، وكيف فعل بأوليائه، وماذا أحل بأعدائه.
وبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لامته بيانا شافيا، سنورد عند كل فصل ما وصل إلينا عنه، صلوات الله وسلامه عليه.
من ذلك تلو الآيات الواردات (1) في ذلك فأخبرنا بما نحتاج إليه من ذلك، وترك ما لا فائدة فيه مما قد يتزاحم على علمه ويتراجم في فهمه طوائف من علماء أهل الكتاب مما لا فائدة فيه لكثير من الناس إليه.
وقد يستوعب نقله طائفة من علمائنا ولسنا نحذو حذوهم ولا ننحو نحوهم ولا نذكر منها إلا القليل على سبيل الاختصار.
ونبين ما فيه حق مما وافق ما عندنا، وما خالفه فوقع فيه الانكار.
فأما الحديث الذي رواه البخاري رحمه الله في صحيحه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائل ولا حرج، وحدثوا عني ولا تكذبوا علي ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " فهو محمول على الاسرائيليات المسكوت عنها عندنا.
فليس عندنا ما يصدقها ولا ما يكذبها، فيجوز روايتها للاعتبار.
وهذا هو الذي نستعمله في كتابنا هذا * فأما ما شهد له شرعنا بالصدق فلا حاجة بنا إليه استغناء بما عندنا.
وما شهد له شرعنا منها بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته، إلا على سبيل الانكار والابطال.
فإذا كان الله، سبحانه وله الحمد، قد أغنانا برسولنا محمد، صلى الله عليه وسلم، عن سائر الشرائع،
وبكتابه عن سائر الكتب، فلسنا نترامى على ما بأيديهم مما وقع فيه خبط وخلط، وكذب ووضع، وتحريف وتبديل، وبعد ذلك كله نسخ وتغيير.
فالمحتاج إليه قد بينه لنا رسولنا، وشرحه وأوضحه.
عرفه من عرفه، وجهله من جهله.
كما قال علي بن أبي طالب " كتاب الله فيه خير ما قبلكم ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم وهو الفضل ليس بالهزل.
من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله " وقال أبو ذر، رضي الله عنه: " لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يطير بجناحيه إلا أذكرنا منه علما "

(1/7)

وقال البخاري في كتاب بدء الخلق، وروي عن عيسى بن موسى غنجار عن رقية عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال " سمعت عمر بن الخطاب يقول قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم.
وأهل النار منازلهم " حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه " قال أبو مسعود الدمشقي في أطرافه هكذا قال البخاري، وإنما رواه عيسى غنجار عن أبي حمزة عن رقية، وقال الامام أحمد بن حنبل رحمه الله في مسنده: حدثنا أبو عاصم حدثنا عزرة بن ثابت، حدثنا علباء بن أحمر اليشكري: حدثنا أبو زيد الانصاري، قال قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " صلاة الصبح، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، ثم نزل فصلى الظهر.
ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى العصر ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غابت الشمس فحدثنا بما كان، وما هو كائن فأعلمنا أحفظنا " انفرد باخراجه مسلم فرواه في كتاب الفتن من صحيحه عن يعقوب بن ابراهيم الدورقي وحجاج بن الشاعر، جميعا عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل عن عزرة عن علباء عن أبي زيد عمرو بن أخطب بن رفاعة الانصاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
فصل قال الله تعالى في كتابه العزيز (الله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل) [ الزمر: 62 ] فكل ما سواه تعالى فهو مخلوق له، مربوب ومدبر، مكون بعد أن لم يكن
محدث بعد عدمه.
فالعرش الذي هو سقف المخلوقات إلى ما تحت الثرى، وما بين ذلك من جامد وناطق الجميع خلقه، وملكه وعبيده وتحت قهره وقدرته، وتحت تصريفه ومشيئته (خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام.
ثم استوى على العرش.
يعلم ما يلج في الارض، وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم أينما كنتم، والله بما تعملون بصير) [ الحديد: 4 ].
وقد أجمع العلماء قاطبة لا يشك في ذلك مسلم أن الله خلق السموات والارض، وما بينهما في ستة أيام كما دل عليه القرآن الكريم.
فاختلفوا في هذه الايام أهي كأيامنا هذه أو كل يوم كألف سنة مما تعدون ؟ على قولين كما بينا ذلك في التفسير، وسنتعرض لايرادة في موضعه.
واختلفوا هل كان قبل خلق السموات والارض شئ مخلوق قبلهما.
فذهب طوائف من المتكلمين إلى أنه لم يكن قبلهما شئ وأنهما خلقتا من العدم المحض.
وقال آخرون بل كان قبل السموات والارض مخلوقات أخر لقوله [ تعالى ] (وهو الذي خلق السموات والارض في ستة أيام وكان عرشه على الماء) [ يونس: 3 ] الآية.
وفي حديث عمران بن حصين كما سيأتي " كان الله ولم يكن قبله شئ وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شئ ثم خلق السموات والارض " وقال الامام أحمد بن

(1/8)

حنبل حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا أبو يعلى (1) بن عطاء عن وكيع بن حدس عن عمه أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي أنه قال " يا رسول الله أين كان (2) ربنا قبل أن يخلق السموات والارض ؟ قال: كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء (3) ثم خلق عرشه على الماء " ورواه عن يزيد بن هرون عن حماد بن سلمة به.
ولفظه أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه ؟ وباقيه سواء وأخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع وابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح ثلاثتهم عن يزيد بن هرون، وقال الترمذي حسن.
واختلف هؤلاء في أيها خلق أولا ؟ فقال قائلون خلق القلم قبل هذه الاشياء كلها، وهذا هو اختيار ابن جرير، وابن الجوزي، وغيرهما قال ابن جرير، وبعد القلم السحاب الرقيق.
واحتجوا بالحديث الذي رواه الامام أحمد، وأبو داود
والترمذي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أول ما خلق الله القلم.
ثم قال له أكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة " لفظ أحمد (4).
وقال الترمذي حسن صحيح غريب.
والذي عليه الجمهور فيما نقله الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره (أن العرش مخلوق قبل ذلك) وهذا هو الذي رواه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس كما دل على ذلك الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (5).
حيث قال: حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو [ بن عبد الله بن عمرو ] بن السرح حدثنا ابن وهب أخبرني أبو هانئ الخولاني عن أبي عبد الرحمن الجيلي (6) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " كتب الله مقادير الخلائق (7) قبل أن يخلق السموات والارض بخمسين ألف سنة، قال وعرشه على الماء قالوا فهذا التقدير هو كتابته بالقلم المقادير.
وقد دل هذا الحديث أن ذلك بعد خلق العرش فثبت تقديم العرش على القلم الذي كتب به المقادير.
وقد دل هذا الحديث أن ذلك بعد خلق العرش فثبت تقديم العرش على القلم الذي كتب به المقادير كما ذهب إلى ذلك الجماهير.
ويحمل حديث
__________
(1) مسند أحمد ج 4 / 11 و 12 وفي الروايتين عن يعلى بن عطاء وليس أبو يعلى.
(2) قوله أين كان: للسؤال عن المكانة دون المكان كما نص عليه ابن العربي في شرح الترمذي.
وفي عماء أي في حجاب معنوي يحول دون العلم به فيتفق الممدود والمقصور في المعنى.
قال يزيد بن هارون: عماء أي ليس معه شئ.
وهو أجود ما ذكره.
وحمل (في) على معنى (على) هنا لا يجدي ولا يبعد الامر عن التمكن.
(3) ما تحته هواء: قال البيهقي في الاسماء: أي ما تحت السماء هواء، والمراد بالسحاب ليس السحاب المعهود الذي فوقه هواء وتحته هواء بل المراد السحاب المعنوي والحجاب الذي يحجب عن العلم به سبحانه (قاله ابن العربي).
(4) مسند أحمد ج 5 / 317.
(5) 46 كتاب القدر (2) باب حجاج آدم صلى الله عليه وآله - 16 - 2653 ص 2044.
(6) عند مسلم: الحبلي.
(7) كتب الله مقادير الخلائق: قال العلماء: المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، لا أصل التقدير.
فإن ذلك أزلي لا أول له.
[ * ]

(1/9)

القلم على أنه أول المخلوقات من هذا العالم.
ويؤيد هذا ما رواه البخاري عن عمران بن حصين: قال قال أهل اليمن لرسول الله صلى الله عليه وسلم " جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الامر فقال كان الله ولم يكن شئ قبله * وفي رواية معه، وفي رواية غيره " وكان عرشه على الماء.
وكتب في الذكر كل شئ وخلق السموات والارض " وفي لفظ: ثم خلق السموات والارض.
فسألوه عن ابتداء خلق السموات والارض.
ولهذا قالوا جئناك نسألك عن أول هذا الامر فأجابهم عما سألوا فقط.
ولهذا لم يخبرهم بخلق العرش كما أخبر به في حديث أبي رزين المتقدم.
قال ابن جرير وقال آخرون " بل خلق الله عزوجل الماء قبل العرش " رواه السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: قالوا " ان الله كان عرشه على الماء (1)، ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء " وحكى ابن جرير عن محمد بن اسحاق أنه قال " أول ما خلق الله عزوجل النور والظلمة ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما، وجعل النور نهارا مضيئا مبصرا " قال ابن جرير وقد قيل: " إن الذي خلق ربنا بعد القلم الكرسي.
ثم خلق بعد الكرسي العرش، ثم خلق بعد ذلك الهواء والظلمة.
ثم خلق الماء فوضع عرشه على الماء " والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل فيما ورد في صفة خلق العرش والكرسي.
قال الله تعالى (رفيع الدرجات ذو العرش) [ غافر: 15 ] وقال تعالى (فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم) [ المؤمنون: 116 ] وقال الله (لا إله إلا هو رب العرش العظيم) [ المؤمنون: 86 ] وقال (وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد) [ البروج: 14 ].
وقال تعالى (الرحمن على العرش استوى) [ طه: 5 ] وقال (استوى على العرش) [ الرعد: 2 ] في غير ما آية من القرآن، وقال تعالى (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به
ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما) [ غافر: 7 ] وقال تعالى (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) [ الحاقة: 17 ] وقال تعالى (وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين) [ الزمر: 75 ] وفي الدعاء المروي في الصحيح في دعاء الكرب " لا إله إلا الله العظيم الحليم.
لا إله إلا الله رب العرش الكريم.
لا إله إلا الله رب السموات ورب الارض رب العرش الكريم ".
وقال الامام أحمد (2) حدثنا عبد الرزاق حدثنا يحيى بن العلاء عن عمه شعيب بن
__________
(1) قال ابن العربي: " وكان عرشه على الماء " والذي عندي أنه أراد بالعرش الخلق كله - وهو بهذا المعنى وعلى الماء بمعنى يمسكه بقدرته لا بعمد ترافده وأساس يعاضده.
(2) مسند أحمد ج 1 / 206 وسقط فيه الاحنف بن قيس.
[ * ]

(1/10)

خالد حدثني سماك بن حرب عن عبد الله بن عميرة عن الاحنف بن قيس عن عباس بن عبد المطلب قال: كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبطحاء فمرت سحابة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أتدرون ما هذا قال قلنا السحاب قال والمزن قال قلنا والمزن قال والعنان قال فسكتنا فقال هل تدرون كم بين السماء والارض قال قلنا الله ورسوله أعلم.
قال بينهما مسيرة خمسمائة سنة ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكشف كل سماء (1) مسيرة خمسمائة سنة وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والارض، ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين ركبهن واظلافهن كما بين السماء والارض ثم على ظهورهم (2) العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والارض والله فوق ذلك وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شئ ".
هذا لفظ الامام أحمد.
ورواه أبو داود وابن ماجة والترمذي من حديث سماك باسناده نحوه.
وقال الترمذي هذا حديث حسن، وروى شريك بعض هذا الحديث عن سماك ووقفه ولفظ أبي داود " وهل تدرون بعد ما بين السماء والارض ؟ قالوا لا ندري " قال " بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتين أو ثلاثة وسبعون سنة " والباقي نحوه.
وقال أبو داود حدثنا عبد الاعلى بن حماد ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار، وأحمد بن سعيد
الرباطي قالوا حدثنا وهب بن جرير.
قال أحمد كتبناه من نسخته وهذا لفظه.
قال حدثنا أبي قال سمعت محمد بن اسحاق يحدث عن يعقوب بن عقبة عن جبير بن محمد بن جبير ابن مطعم عن أبيه عن جده قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم اعرابي فقال يارسول الله جهدت الانفس وجاعت العيال (3) ونهكت الاموال وهلكت الانعام.
فاستسق الله لنا فانا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ويحك أتدري ما تقول " وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه.
ثم قال " ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ويحك أتدري ما الله إن عرشه على سمواته لهكذا " وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنه ليئط به أطيط الزحل بالراكب.
قال ابن بشار في حديثه " ان الله فوق عرشه وعرشه فوق سمواته " وساق الحديث.
وقال عبد الاعلى وابن المثنى وابن بشار عن يعقوب بن عقبة وجبير بن محمد بن جبير عن أبيه عن جده، قال أبو داود والحديث بإسناد أحمد بن سعيد وهو الصحيح.
وافقه عليه جماعة منهم يحيى بن معين وعلي بن المديني ورواه جماعة منهم عن ابن اسحاق كما قال أحمد أيضا، وكان سماع عبد الاعلى وابن المثنى وابن بشار في نسخة واحدة فيما بلغني.
تفرد بإخراجها أبو داود، وقد صنف الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي جزءا في الرد على هذا الحديث.
سماه (ببيان الوهم والتخليط الواقع في حديث الاطيط) واستفرغ وسعه في الطعن على محمد بن إسحاق بن بشار راويه.
وذكر كلام الناس فيه، ولكن قد روى هذا اللفظ من طريق أخرى عن غير محمد بن
__________
(1) كذا في الاصل، وفي المسند وكيف بالياء، ولعل الصواب كثف.
(2) في المسند: ثم فوق ذلك.
(3) كذا في الاصل، وفي سنن أبي داود: وضاعت العيال.
[ * ]

(1/11)

اسحاق، فرواه عبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما، وابن أبي عاصم والطبراني في كتابي السنة لهما، والبزار في مسنده والحافظ الضياء المقدسي في مختارته من طريق أبي إسحاق السبيعي عن عبد الله بن خليفة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال " أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت
ادع الله أن يدخلني الجنة قال فعظم الرب تبارك وتعالى وقال " إن كرسيه وسع السموات والارض وإن له أطيطا كأطيط الزحل الجديد من ثقله.
عبد الله بن خليفة هذا ليس بذاك المشهور.
وفي سماعه من عمر نظر.
ثم منهم من يرويه موقوفا ومرسلا، ومنهم من يزيد فيه زيادة غريبة والله أعلم * وثبت في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا سألتم الله الجنة فسلوه الفردوس فانه أعلى الجنة وأوسط الجنة وفوقه عرش الرحمن ".
يروى وفوقه بالفتح على الظرفية، وبالضم.
قال شيخنا الحافظ المزي وهو أحسن، أي وأعلاها عرش الرحمن.
وقد جاء في بعض الآثار (أن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش وهو تسبيحه وتعظيمه) وما ذاك إلا لقربهم منه.
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ (1).
وذكر الحافظ ابن الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب صفة العرش عن بعض السلف " أن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء بعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة " وذكرنا عند قوله تعالى (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) [ المعارج: 4 ] أنه بعد ما بين العرش إلى الارض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة وإتساعه خمسون ألف سنة.
وقد ذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة ولذا سموه الفلك التاسع والفلك الاطلس والاثير.
وهذا ليس بجيد لانه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، والفلك لا يكون له قوائم ولا يحمل، وأيضا فانه فوق الجنة والجنة فوق السموات وفيها مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والارض فالبعد الذي بينه وبين الكرسي ليس هو نسبة فلك إلى فلك.
وأيضا فإن العرش في اللغة عبارة عن السرير الذي للملك كما قال تعالى (ولها عرش عظيم) [ النمل: 23 ].
وليس هو فلكا ولا تفهم منه العرب ذلك.
والقرآن إنما نزل بلغة العرب فهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم وهو سقف المخلوقات.
قال الله تعالى (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا) [ غافر: 7 ] وقد تقدم في حديث الاوعال أنهم ثمانية، وفوق ظهورهن العرش،
وقال تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) [ الحاقة: 17 ] وقال شهر بن حوشب " حملة العرش ثمانية أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد
__________
(1) قال أبو علي بن محمد بن مهدي الطبري: الصحيح من التأويل في هذا أن يقال الاهتزاء هو الاستبشار والسرور (الاسماء والصفات ص 503).
[ * ]

(1/12)

علمك " وأربعة يقولون " سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك " فأما الحديث الذي رواه الامام أحمد حدثنا عبد الله بن محمد هو أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن اسحاق عن يعقوب بن عقبة (1) عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق أمية يعني ابن أبي الصلت في بيتين من شعره فقال: رجل وثور تحت رجل يمينه * والنسر للاخرى وليث مرصد (2) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق.
فقال: والشمس تطلع كل آخر ليلة * حمراء مطلع لونها متورد (3) تأبى فلا تبدو لنا في رسلها * إلا معذبة وإلا تجلد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صدق " فانه حديث صحيح الاسناد رجاله ثقات.
وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة، فيعارضه حديث الاوعال.
اللهم إلا أن يقال إن اثبات هؤلاء الاربعة على هذه الصفات لا ينفي ما عداهم.
والله أعلم.
ومن شعر أمية بن أبي الصلت في العرش قوله: مجدوا الله فهو للمجد أهل * ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء العالي الذي بهر النا * س وسوى فوق السماء سريرا شرجعا لا يناله بصر العي * ن ترى حوله الملائك صورا صور جمع أصور وهو المائل العنق لنظره إلى العلو (4) والشرجع هو العالي المنيف.
والسرير هو العرش في اللغة.
ومن شعر عبد الله بن رواحة رضي الله عنه الذي عرض به عن القراءة لامرأته
حين اتهمته بجاريته.
شهدت بأن وعد الله حق * وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف * وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة كرام * ملائكة الآله مسومينا
__________
(1) مسند أحمد ج 1 / 256 وفيه يعقوب بن عتيبة ; وفي التقريب أبن عتبة وفي الكاشف ابن عتبة الثقفي ثقة من العلماء مات سنة 128 ه.
وقال إبراهيم بن سعد: كان ورعا مسلما يستعمل على الصدقات ويستعين به الولاة.
وكذلك هو ابن عتبة في الطبري والاغاني.
(2) قال الجاحظ في الحيوان 6 / 68 طبع مصر: وقد جاء في الخبر أن من الملائكة من هو في صورة الرجال ومنهم من هو في صورة الثيران، ومنهم من هو في صورة النسور ويدل على ذلك تصديق النبي صلى الله عليه وسلم لامية.
" وأورد البيت.
(3) في المسند: حمراء يصبح لونها بتورد.
(4) صور جمع أصور وهو المائل العنق لثقل حمله.
(اللسان).
[ * ]

(1/13)

ذكره ابن عبد البر وغير واحد من الائمة * وقال أبو داود حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام.
ورواه ابن أبي عاصم ولفظه محقق الطير (1) مسيرة سبعمائة عام.
وأما الكرسي فروى ابن جرير من طريق جويبر (2) وهو ضعيف - عن الحسن البصري أنه كان يقول لكرسي هو العرش وهذا لا يصح عن الحسن بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره وعن ابن عباس وسعيد بن جبير أنهما قالا في قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والارض) (3) أي علمه والمحفوظ عن ابن عباس كما رواه الحاكم في مستدركه.
وقال إنه على شرط
الشيخين ولم يخرجاه من طريق سفيان الثوري عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله عزوجل.
وقد رواه شجاع بن مخلد الفلاس في تفسيره عن أبي عاصم النبيل عن الثوري فجعله مرفوعا والصواب انه موقوف على ابن عباس وحكاه ابن جرير عن أبي موسى الاشعري والضحاك بن مزاحم واسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير ومسلم البطين وقال السدي عن أبي مالك " الكرسي تحت العرش.
وقال السدي السموات والارض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش " وروى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه قال: " لو أن السموات السبع والارضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة " وقال ابن جرير حدثني يونس حدثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد حدثني أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس " قال وقال أبو ذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الارض " أول الحديث مرسل.
وعن أبي ذر منقطع.
وقد روي عنه من طريق أخرى موصولا فقال الحافظ أبو بكر بن مردوية في تفسيره أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني أنبأنا عبد الله بن وهيب المغربي أنبأنا محمد بن أبي سري العسقلاني أنبأنا محمد بن عبد الله التميمي عن القاسم بن محمد الثقفي عن أبي ادريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
__________
(1) قوله محقق الطير، كذا بالاصول ولم نعثر له على معنى..(2) يقال اسمه جابر وجويبر لقب، ابن سعيد الازدي أبو قاسم البلخي نزيل الكوفة.
تركوه.
قال ابن حجر: ضعيف جدا مات بعد المائة والاربعين (التقريب 1 / 136) (الكاشف 1 / 133).
(3) سورة البقرة الآية: 255.
[ * ]

(1/14)

الكرسي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والذي نفسي بيده ما السموات السبع والارضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة * وقال
ابن جرير في تاريخه حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن سفيان عن الاعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قوله عزوجل وكان عرشه على الماء على أي شئ كان الماء ؟ قال: على متن الريح قال: والسموات والارضون وكل ما فيهن من شئ تحيط بها البحار ويحيط بذلك كله الهيكل ويحيط بالهيكل فيما قيل الكرسي.
وروى (1) عن وهب ابن منبه نحوه.
وفسر وهب الهيكل فقال شئ من أطراف السموات يحدق بالارضين والبحار كأطناب الفسطاط * وقد زعم بعض من ينتسب إلى علم الهيئة أن الكرسي عبارة عن الفلك الثامن الذي يسمونه فلك الكواكب الثوابت.
وفيما زعموه نظر لانه قد ثبت أنه أعظم من السموات السبع بشئ كثير ورد الحديث المتقدم بأن نسبتها إليه كنسبة حلقة ملقاة بأرض فلاة وهذا ليس نسبة فلك إلى فلك.
فإن قال قائلهم فنحن نعترف بذلك ونسميه مع ذلك فلكا فنقول الكرسي ليس في اللغة عبارة عن الفلك وإنما هو كما قال غير واحد من السلف بين يدي العرش كالمرقاة إليه.
ومثل هذا لا يكون فلكا.
وزعم أن الكواكب الثوابت مرصعة فيه لا دليل لهم عليه.
هذا مع اختلافهم في ذلك أيضا كما هو مقرر في كتبهم والله أعلم.
ذكر اللوح المحفوظ قال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا منجاب بن الحارث حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا زياد بن عبد الله عن ليث عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال " ان الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور لله فيه في كل يوم ستون وثلثمائة لحظة يخلق ويرزق ويميت ويحيى ويعز ويذل ويفعل ما يشاء " وقال اسحاق بن بشر أخبرني مقاتل وابن جريج عن مجاهد عن ابن عباس قال " إن في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده دينه الاسلام ومحمد عبده ورسوله.
فمن آمن بالله وصدق بوعده واتبع رسله أدخله الجنة " قال " واللوح المحفوظ لوح من درة بيضاء: طوله ما بين السماء والارض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب.
وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور، وكلامه معقود بالعرش، واصله في حجر ملك " وقال أنس بن مالك، وغيره
من السلف " اللوح المحفوظ في جبهة إسرافيل " وقال مقاتل هو عن يمين العرش.
ما ورد في خلق السموات والارض وما بينهما قال الله تعالى (الحمد لله الذي خلق السموات والارض، وجعل الظلمات والنور ثم
__________
(1) أي ابن جرير.
[ * ]

(1/15)

الذين كفروا بربهم يعدلون) [ الانعام: 1 ] وقال تعالى (خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام) [ هود: 7 ] في غير ما آية من القرآن وقد اختلف المفسرون في مقدار هذه الستة الايام على قولين.
فالجمهور على أنها كأيامنا هذه.
وعن ابن عباس، ومجاهد والضحاك، وكعب الاحبار: أن كل يوم منها كألف سنة مما تعدون.
رواهن ابن جرير، وابن أبي حاتم، واختار هذا القول الامام أحمد بن حنبل في كتابه الذي رد فيه على الجهمية، وابن جرير وطائفة من المتأخرين والله أعلم.
وسيأتي ما يدل على هذا القول.
وروى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم، وغيره أن أسماء الايام الستة " أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت " وحكى ابن جرير في أول الايام ثلاثة أقوال، فروى عن محمد بن اسحاق أنه قال " يقول أهل التوراة ابتدأ الله الخلق يوم الاحد، ويقول أهل الانجيل: ابتدأ الله الخلق يوم الاثنين، ونقول نحن المسلمون فيما انتهى إلينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأ الله الخلق يوم السبت " وهذا القول الذي حكاه ابن اسحاق عن المسلمين مال إليه طائفة من الفقهاء من الشافعية، وغيرهم.
وسيأتي فيه حديث أبي هريرة (خلق الله التربة يوم السبت) والقول بأنه الاحد رواه ابن جرير عن السدي عن أبي مالك، وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن جماعة من الصحابة ورواه أيضا عن عبد الله بن سلام، واختاره ابن جرير.
وهو نص التوراة، ومال إليه طائفة آخرون من الفقهاء.
وهو أشبه بلفظ الاحد ولهذا كمل الخلق في ستة أيام فكان آخرهن الجمعة فاتخذه المسلمون عيدهم في الاسبوع وهو اليوم الذي أضل الله عنه أهل الكتاب قبلنا كما سيأتي بيانه ان شاء الله.
وقال تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شئ عليم)
[ البقرة: 29 ] وقال تعالى: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين.
ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين.
فقضاهن سبع سموات في يومين، وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح، وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم) [ فصلت: 9 ] فهذا يدل على أن الارض خلقت قبل السماء لانها كالاساس للبناء كما قال تعالى: (الله الذي جعل لكم الارض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين) [ غافر: 64 ] قال تعالى (ألم نجعل الارض مهادا والجبال أوتادا إلى أن قال وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا) [ المرسلات: 25 ] وقال [ تعالى ] (أو لم ير الذين كفروا أن السموات والارض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون) [ الانبياء: 30 ] أي فصلنا ما بين السماء والارض حتى هبت الرياح ونزلت الامطار وجرت العيون، والانهار وانتعش الحيوان.
ثم قال (وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون) [ الانبياء: 32 ] أي عما خلق فيها من الكواكب الثوابت، والسيارات والنجوم

(1/16)

الزاهرات والاجرام النيرات، وما في ذلك من الدلالات على حكمة خالق الارض والسموات كما قال تعالى * (وكأين من آية في السموات والارض يمرون عليها وهم عنها معرضون وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) * [ يوسف: 105 ] فأما قوله تعالى (أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والارض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها متاعا لكم ولانعامكم) [ النازعات: 28 ] فقد تمسك بعض الناس بهذه الآية على تقدم خلق السماء على خلق الارض.
فخالفوا صريح الآيتين المتقدمين ولم يفهموا هذه الآية الكريمة فان مقتضى هذه الآية أن دحي الارض وإخراج الماء والمرعى منها بالفعل بعد خلق السماء.
وقد كان ذلك مقدرا فيها بالقوة كما قال تعالى (وبارك فيها وقدر فيها
أقواتها) [ فصلت: 10 ] أي هيأ أماكن الزرع ومواضع العيون والانهار ثم لما أكمل خلق صورة العالم السفلي والعلوي دحى الارض أخرج منها ما كان مودعا فيها فخرجت العيون وجرت الانهار، ونبت الزرع والثمار ولهذا فسر الدحي بإخراج الماء والمرعى منها وإرسال الجبال فقال (والارض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها) وقوله (والجبال أرساها) [ المرسلات: 30 - 32 ] أي قررها في أماكنها التي وضعها فيها وثبتها وأكدها وأطدها وقوله (والسماء بنيناها بايد وإنا لموسعون، والارض فرشناها فنعم الماهدون، ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) [ الذاريات: 37 ] بأيد أي بقوة.
وأنا لموسعون، وذلك أن كل ما علا اتسع فكل سماء أعلى من التي تحتها فهي أوسع منها.
ولهذا كان الكرسي أعلى من السموات.
وهو أوسع منهن كلهن.
والعرش أعظم من ذلك كله بكثير.
وقوله بعد هذا (والارض فرشناها) أي بسطناها وجعلناها مهدا أي قارة ساكنة غير مضطربة ولا مائدة بكم.
ولهذا قال (فنعم الماهدون) والواو لا تقتضي الترتيب في الوقوع.
وإنما يقتضي الاخبار المطلق في اللغة والله أعلم * وقال البخاري حدثنا عمر بن جعفر بن غياث حدثنا أبي حدثنا الاعمش حدثنا جامع بن شداد عن صفوان بن محرز أنه حدثه عن عمران بن حصين قال " دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال اقبلوا البشرى يا بني تميم " قالوا قد بشرتنا فاعطنا مرتين ثم دخل عليه ناس من اليمن فقال " اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إن لم يقبلها بنو تميم " قالوا قد قبلنا يارسول الله قالوا جئناك نسألك عن هذا الامر.
قال " كان الله ولم يكن شئ غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شئ وخلق السموات والارض " فنادى مناد ذهبت ناقتك يا ابن الحصين فانطلقت فإذا هي تقطع دونها السراب فوالله لوددت اني كنت تركتها " هكذا رواه هاهنا وقد رواه في كتاب المغازي وكتاب التوحيد وفى بعض ألفاظه (ثم خلق السموات والارض) وهو لفظ النسائي أيضا.
وقال الامام أحمد بن حنبل (1) حدثنا حجاج حدثني ابن جريج أخبرني إسماعيل بن
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 327.
[ * ]

(1/17)

مية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال " أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال [ فيها ] يوم الاحد وخلق لشجر [ فيها ] يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاث (1) وخلق النور يوم الاربعاء وبث [ فيها ] لدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر خلق خلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل " وهكذا رواه مسلم عن سريج بن يونس وهرون بن عبد الله والنسائي عن هرون ويوسف بن سعيد ثلاثتهم عن حجاج بن محمد المصيصي الاعور عن ابن جريج به مثله سواء.
وقد رواه النسائي في التفسير عن ابراهيم ين يعقوب الجوزجاني عن محمد ابن الصباح عن أبي عبيدة الجداد عن الاخضر بن عجلان عن ابن جريح عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي فقال يا أبا هريرة " إن الله خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت " وذكر تمامه بنحوه فقد اختلف فيه على ابن جريج وقد تكلم في هذا الحديث على ابن المديني والبخاري والبيهقي وغيرهم من الحفاظ قال البخاري في التأريخ، وقال بعضهم عن كعب وهو أصح يعني أن هذا الحديث مما سمعه أبو هريرة وتلقاه من كعب الاحبار فإنهما كانا يصطحبان ويتجالسان للحديث، فهذا يحدثه عن صحفه، وهذا يحدثه بما يصدقه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكان هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صحفه، فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأكد رفعه بقوله " أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي " ثم في متنه غرابة شديدة.
فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السموات، وفيه ذكر خلق الارض وما فيها في سبعة أيام.
وهذا خلاف القرآن لان الارض خلقت في أربعة أيام ثم خلقت السموات في يومين من دخان.
وهو بخار الماء الذي ارتفع حين اضطرب الماء العظيم الذي خلق من ربذة الارض بالقدرة العظيمة البالغة كما قال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي خلق لكم ما في الارض
جميعا ثم استوى إلى (2) السماء فسواهن سبع سموات " قال إن الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء * ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعل سبع أرضين في يومين (الاحد والاثنين) وخلق الارض على حوت وهو النون قال الله تعالى (نون والقلم وما يسطرون) (3) والحوت
__________
(1) في المسند: الثلاثاء وما بين معكوفين في الحديث زيادة من المسند.
(2) قال البيهقي في الاسماء ص 520: قال يحيى بن زياد الفراء: الاستواء في كلام العرب على جهتين: احداهما: ان يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته ; أو يستوي من اعوجاج، ووجه ثالث: أن تقول كان مقبلا علي فلان يشاتمني والي سواء على معنى أقبل إلي وعلي.
وعن ابن عباس قال: استوى: صعد.
(3) سورة القلم الآية 1.
[ * ]

(1/18)

في الماء والماء على صفات والصفات على ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة في الريح.
وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في السماء ولا في الارض فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الارض فأرسى عليها الجبال فقرت.
وخلق الله يوم الثلاثاء الجبال وما فيهن من المنافع.
وخلق يوم الاربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب وفتق السماء وكانت رتقا فجعلها سبع سموات في يومين الخميس والجمعة.
وإنما سمي يوم الجمعة لانه جمع فيه خلق السموات والارض وأوحى في كل سماء أمرها.
ثم قال خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والبحار وجبال البرد وما لا يعلمه غيره.
ثم زين السماء بالكواكب فجعلها زينة وحفظا يحفظ من الشياطين.
فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش.
هذا الاسناد يذكر به السدي أشياء كثيرة فيها غرابة وكان كثير منها متلقى من الاسرائيليات.
فإن كعب الاحبار لما أسلم في زمن عمر كان يتحدث بين يدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأشياء من علوم أهل الكتاب فيستمع له عمر تأليفا له، وتعجبا مما عنده مما يوافق كثير منه الحق الذي ورد به الشرع المطهر فاستجاز كثير من الناس نقل ما يورده كعب الاحبار لهذا، ولما جاء من الاذن في التحديث عن بني إسرائيل لكن كثيرا ما يقع مما يرويه غلط كبير وخطأ
كثير * وقد روى البخاري في صحيحه (1) عن معاوية أنه كان يقول في كعب الاحبار (وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب) أي فيما ينقله لا أنه يتعمد ذلك والله أعلم.
ونحن نورد ما نورده من الذي يسوقه كثير من كبار الائمة المتقدمين عنهم.
ثم نتبع ذلك من الاحاديث بما يشهد له بالصحة أو يكذبه ويبقى الباقي مما لا يصدق ولا يكذب وبه المستعان وعليه التكلان.
قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي عن أبي زناد عن الاعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي " وكذا رواه مسلم (3) والنسائي عن قتيبة به.
ثم قال البخاري: (3)
__________
(1) صحيح البخاري - من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن انه سمع معاوية " يحدث رهطا من قريش بالمدينة.
وذكر كعب الاحبار فقال: انه كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا لنبلو مع ذلك عليه الكذب.
(2) البخاري - كتاب بدء الخلق - ج 4 / 73.
عند مسلم في 49 كتاب التوبة ج 14 (2751) عن قتيبة بن سعد وفيه: لما خلق الله.
وقوله عنده: قال العيني في شرح البخاري: والعندية ليست مكانية بل إشارة إلى كمال كونه مكنونا عن الخلق، مرفوعا عن حيز إدراكهم.
(3) في كتاب بدء الخلق.
باب ما جاء في سبع أرضين.

(1/19)

ما جاء في سبع أرضين وقوله تعالى (والله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير ; وان الله قد أحاط بكل شئ علما) (1) ثم قال حدثنا علي بن عبد الله أخبرنا ابن علية عن علي بن المبارك حدثنا يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن وكانت بينه وبين ناس خصومة في أرض فدخل على عائشة فذكر لها ذلك.
فقالت: يا أبا سلمة اجتنب الارض فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أرضين " ورواه أيضا في كتاب المظالم ومسلم من طرق عن يحيى بن كثير به * ورواه أحمد من حديث محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة به، ورواه أيضا عن يونس عن إبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة بمثله.
ثم قال البخاري حدثنا بشر بن محمد قال أخبرنا عبد الله عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم " من أخذ شيئا من الارض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين " ورواه في المظالم أيضا عن مسلم بن إبراهيم عن عبد الله هو ابن المبارك عن موسى بن عقبة به وهو من أفراده.
وذكر البخاري هاهنا حديث محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض السنة اثني عشر شهرا " الحديث ومراده والله أعلم تقرير قوله تعالى (الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن) أي في العدد كما أن عدة الشهور الآن اثني عشر مطابقة لعدة الشهور عند الله في كتابه الاول فهذه مطابقة في الزمن كما أن تلك مطابقة في المكان.
ثم قال البخاري حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه خاصمته أروى (2) في حق زعمت أنه ائتقصه لها إلى مروان فقال سعيد رضي الله عنه أنا انتقص من حقها شيئا ؟ أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من أخذ شبرا من الارض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين " ورواه (3).
وقال الامام أحمد حدثنا حسن وأبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا عبد الله ابن لهيعة حدثنا عبد الله (4) بن أبي جعفر عن أبي عبد الرحمن عن ابن مسعود قال " قلت يارسول الله أي الظلم أعظم ؟ قال: ذراع من الارض ينتقصه المرء المسلم من حق أخيه فليس حصاة من الارض يأخذها
__________
(1) سورة الطلاق الآية 12.
(2) أروى بفتح الهمزة وسكون الراء وهي أروى بنت أبي أوس.
(3) قوله ورواه هكذا بالاصل: وفي البخاري: قال ابن أبي الزناد عن هشام عن أبيه (عروة) قال قال لي سعيد بن
زيد: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم.
(4) مسند أحمد ج 1 / 397 وفيه: عبيد الله بدل عبد الله.
[ * ]

(1/20)

أحد إلا طوقها يوم القيامة إلى قعر الارض، ولا يعلم قعرها إلا الذي خلقها " تفرد به أحمد.
وهذا إسناد لا بأس به.
وقال الامام أحمد حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من أخذ شبرا من الارض بغير حقه طوقه من سبع أرضين " تفرد به من هذا الوجه وهو على شرط مسلم.
وقال أحمد حدثنا يحيى عن ابن عجلان حدثني أبي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من اقتطع شبرا من الارض بغير حقه طوقه إلى سبع أرضين " تفرد به أيضا وهو على شرط مسلم.
وقال أحمد أيضا حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أخذ من الارض شبرا بغير حقه طوقه من سبع أرضين " تفرد به أيضا وقد رواه الطبراني من حديث معاوية بن قرة عن ابن عباس مرفوعا مثله * فهذه الاحاديث كالمتواترة في إثبات سبع أرضين والمراد بذلك أن كل واحدة فوق الاخرى والتي تحتها في وسطها عند أهل الهيئة حتى ينتهي الامر إلى السابعة وهي صماء لا جوف لها، وفي وسطها المركز وهي نقطة مقدرة متوهمة.
وهو محط الاثقال، إليه ينتهي ما يهبط من كل جانب إذا لم يعاوقه مانع.
واختلفوا هل هن متراكمات بلا تفاصل أو بين كل واحدة والتي تليها خلاء على قولين وهذا الخلاف جار في الافلاك أيضا.
والظاهر أن بين كل واحدة والتي تليها خلاء على قولين.
وهذا الخلاف جار في الافلاك أيضا.
والظاهر أن بين كل واحدة منهن وبين الاخرى مسافة لظاهر قوله تعالى (الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن) الآية وقال الامام أحمد حدثنا شريح حدثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة قال " بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مرت سحابة فقال " أتدرون ما هذه قلنا الله ورسوله أعلم قال العنان وزوايا الارض تسوقه إلى من لا يشكرونه من عباده ولا يدعونه أتدرون ما هذه فوقكم: قلنا الله ورسوله أعلم قال الرفيع موج مكفوف وسقف محفوظ أتدرون كم بينكم وبينها قلنا الله ورسوله أعلم.
قال مسيرة خمسمائة سنة.
ثم قال أتدرون ما الذي فوقها قلنا الله ورسوله أعلم قال مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع سموات * ثم قال أتدرون ما فوق ذلك قلنا الله ورسوله أعلم قال العرش أتدرون كم بينه وبين السماء السابعة قلنا الله ورسوله أعلم.
قال مسيرة خمسمائة عام.
ثم قال أتدرون ما هذه تحتكم قلنا الله وروسله أعلم قال أرض أتدرون ما تحتها قلنا الله ورسوله أعلم قال أرض أخرى أتدرون كم بينهما قلنا الله ورسوله أعلم.
قال مسيرة سبعمائة عام حتى عد سبع أرضين ثم قال وأيم الله لو دليتم أحدكم إلى الارض السفلى السابعة لهبط.
ثم قرأ هو الاول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، وغير واحد عن يونس بن محمد المؤدب عن شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة، قال حدث الحسن عن أبي هريرة وذكره إلا أنه ذكر أن بعد ما بين كل أرضين خمسمائة عام وذكر في آخره كلمة (1) ذكرناها عند تفسير هذه الآية من
__________
(1) في المسند: والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم رجلا بحبل إلى الارض السفلى لهبط على الله.
قال ابن [ * ]

(1/21)

سورة الحديد ثم قال الترمذي هذا حديث غريب من هذا الوجه قال ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد أنهم قالوا لم يسمع الحسن من أبي هريرة * ورواه أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره من حديث أبي جعفر الرازي عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة فذكر مثل لفظ الترمذي سواء بدون زيادة في آخره ورواه ابن جرير في تفسيره عن بشر عن يزيد عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلا وقد يكون هذا أشبه والله أعلم.
ورواه الحافظ أبو بكر البزار والبيهقي من حديث أبي ذر الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لا يصح إسناده والله أعلم (1) * وقد تقدم عند صفة العرش من حديث الاوعال ما يخالف هذا في ارتفاع العرش عن السماء السابعة وما يشهد له.
وفيه وبعد ما بين كل سماءين خمسمائة عام، وكثفها أي سمكها خمسمائة عام * وأما ما ذهب إليه بعض المتكلمين على حديث (طوقه من سبع أرضين) أنها سبعة أقاليم.
فهو قول يخالف ظاهر الآية والحديث الصحيح وصريح كثير من ألفاظه مما يعتمد من الحديث الذي أوردناه من طريق الحسن عن أبي هريرة.
ثم إنه حمل الحديث والآية على خلاف ظاهرهما بلا مستند
ولا دليل والله أعلم.
وهكذا ما يذكره كثير من أهل الكتاب وتلقاه عنهم طائفة من علمائنا من أن هذه الارض من تراب والتي تحتها من حديد والاخرى من حجارة من كبريت والاخرى من كذا فكل هذا إذا لم يخبر به ويصح سنده إلى معصوم فهو مردود على قائله.
وهكذا الاثر المروي عن ابن عباس أنه قال: في كل أرض من الخلق مثل ما في هذه حتى آدم كآدمكم وإبراهيم كإبراهيمكم فهذا ذكره ابن جرير مختصرا واستقصاه البيهقي في الاسماء والصفات وهو محمول إن صح نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس رضي الله عنه عن الاسرائيليات والله أعلم * وقال الامام أحمد حدثنا يزيد حدثنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما خلق الله الارض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت يا رب هل من خلقك شئ أشد من الجبال قال نعم الحديد.
قالت يا رب فهل من خلقك شئ أشد من الحديد قال نعم النار.
قالت يا رب فهل من خلقك شئ أشد من النار قال نعم الريح.
قالت يا رب فهل من خلقك شئ أشد من الريح قال نعم ابن آدم يتصدق بيمينه يخفيها من شماله تفرد به أحمد * وقد ذكر أصحاب الهيئة إعداد جبال الارض في سائر بقاعها شرقا وغربا، وذكروا طولها وبعد إمتدادها وإرتفاعها وأوسعوا القول في ذلك بما يطول شرحه هنا.
وقد قال الله تعالى (ومن
__________
= العربي: والمقصود من الخبر ان نسبة الباري من الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت، إذ لا ينسب إلى الكون في واحدة منهما بذاته.
(1) قال البيهقي في الاسماء ص 506: هذه الرواية اشتهرت فيما بين الناس..والذي روي في آخر الحديث إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى وان العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى سواء ; وانه الظاهر.
[ * ]

(1/22)

الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود) (1) قال ابن عباس وغير واحد الجدد الطرائق وقال عكرمة وغيره الغرابيب الجبال الطوال السود.
وهذا هو الشاهد من الجبال في سائر الارض تختلف باختلاف بقاعها وألوانها.
وقد ذكر الله تعالى في كتابه الجودي على التعيين وهو جبل عظيم
شرقي جزيرة ابن عمر إلى دجلة.
عند الموصل إمتداده من الجنوب إلى الشمال مسيرة ثلاثة أيام وإرتفاعه مسيرة نصف يوم وهو أخضر لان فيه شجرا من البلوط وإلى جانبه قرية يقال لها قرية الثمانين لسكني الذين نجوا في السفينة مع نوح عليه السلام في موضعها فيما ذكره غير واحد من المفسرين والله أعلم.
فصل في البحار والانهار قال الله تعالى (وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون.
وألقى في الارض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهدون.
وعلامات وبالنجم هم يهتدون.
أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم) [ النحل: 14 - 15 ] وقال تعالى (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) [ فاطر: 12 ] وقال تعالى (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا) [ الفرقان: 53 ] وقال تعالى: (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان) [ الرحمن: 19 - 20 ] فالمراد بالبحرين البحر الملح المر وهو الاجاج والبحر العذب هو هذه الانهار السارحة بين أقطار والامصار لمصالح العباد قاله ابن جريج وغير واحد من الائمة.
وقال تعالى: (ومن آياته الجوار في البحر كالاعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ويعفو عن كثير) [ الشورى: 33 ] وقال تعالى (ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختال كفور) [ لقمان: 31 ] وقال تعالى: (إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف
الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لآيات لقوم يعقلون) [ الحج: 65 ] فامتن تعالى
__________
(1) سورة فاطر الآية 27.
الجدد جمع جدة.
قال الزهري: الطرائق أو الخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض..[ * ]

(1/23)

على عباده بما خلق لهم من البحار والانهار فالبحر المحيط بسائر أرجاء الارض وما ينبت منه في جوانبها الجميع مالح الطعم مر وفي هذا حكمة عظيمة لصحة الهواء إذ لو كان حلوا لانتن الجو وفسد الهواء بسبب ما يموت فيه من الحيوانات فكان يؤدي إلى تفاني بني آدم ولكن اقتضت الحكمة البالغة أن يكون على هذه الصفة لهذه المصلحة.
ولهذا لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحر قال: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " (1).
وأما الانهار فماؤها حلو عذب فرات سائغ شرابها لمن أراد ذلك.
وجعلها جارية سارحة ينبعها تعالى في أرض ويسوقها إلى أخرى رزقا للعباد.
ومنها كبار ومنها صغار بحسب الحاجة والمصلحة.
وقد تكلم أصحاب علم الهيئة والتفسير على تعداد البحار والانهار الكبار وأصول منابعها وإلى أين ينتهي سيرها بكلام فيه حكم ودلالات على قدرة الخالق تعالى، وأنه فاعل بالاختيار والحكمة - قوله تعالى (والبحر المسجور) [ الطور: 6 ] فيه قولان أحدهما أن المراد به البحر الذي تحت العرش المذكور في حديث الاوعال.
وأنه فوق السموات السبع بين أسفله وأعلاه كما بين سماء إلى سماء، وهو الذي ينزل منه المطر قبل البعث فتحيا منه الاجساد من قبورها.
وهذا القول هو اختيار الربيع بن أنس.
والثاني آن البحر اسم جنس يعم سائر البحار التي في الارض وهو قول الجمهور * واختلفوا في معنى البحر المسجور فقيل المملوء وقيل يصير يوم القيامة نارا تؤجج فيحيط بأهل الموقف كما ذكرناه في التفسير عن علي وابن عباس وسعيد بن جبير وابن مجاهد وغيرهم.
وقيل المراد به الممنوع المكفوف المحروس عن أن يطغى فيغمر الارض ومن عليها فيغرقوا.
رواه الوالبي عن ابن عباس وهو قول السدي وغيره ويؤيده الحديث الذي رواه الامام أحمد (1) حدثنا يزيد حدثنا
العوام حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال " لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات [ على الارض ] يستأذن الله عزوجل أن يتفصح عليهم فيكفه الله عزوجل " ورواه اسحاق بن راهوية
__________
(1) اخرجه أحمد في مسنده 2 / 227، 261، 278، 292 ; 3 / 273 ; 5 / 265.
وأبو داود في الطهارة والترمذي في الطهارة والنسائي في الطهارة والمياه والصيد.
وأخرجه ابن ماجة في الطهارة.
وفي موطأ مالك والدارمي في الوضوء والصيد.
(2) سورة الطور الآية 6.
في معنى المسجور قال مجاهد: الموقد ; وافقه الضحاك وشمر بن عطية ومحمد بن كعب والاخفش: انه بمنزلة التنور المسجور - الموقد المحمى -.
وعن ابن عباس قال: المسجور الذي ذهب ماؤه.
وقيل المسجور أي المفجور.
وعند المهايمي: أورده بعد السقف المرفوع للاشارة إلى أنه إذا ارتفع العمل إلى السماء فاض منها على العبد من العلوم ما يجعله بحرا من المحبة ما يسجر بنار الشوق إلى ربه.
[ * ]

(1/24)

عن يزيد بن هرون عن العوام بن حوشب حدثني شيخ مرابط قال " خرجت ليلة المحرس لم يخرج أحد من المحرس غيري فأتيت الميناء فصعدت فجعل يخيل إلي أن البحر يشرف يحاذي برؤوس الجبال فعل ذلك مرارا وأنا مستيقظ فلقيت أبا صالح فقال حدثنا عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات يستأذن الله أن يتفصح عليهم فيكفه الله عزوجل في إسناده رجل مبهم والله أعلم.
وهذا من نعمه تعالى على عباده أن كف شر البحر عن أن يطغى عليهم وسخره لهم يحمل مراكبهم ليبلغوا عليها إلى الاقاليم النائية بالتجارات وغيرها وهداهم فيه بما خلقه في السماء والارض من النجوم والجبال التي جعلها لهم علامات يهتدون بها في سيرهم وبما خلق لهم فيه من الآلئ والجواهر النفيسة العزيزة الحسنة الثمينة التي لا توجد إلا فيه وبما خلق فيه من الدواب الغريبة
وأحلها لهم حتى ميتتها كما قال تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " وفي الحديث الآخر " أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال " رواه أحمد وابن ماجة وفي إسناده نظر * وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده " وجدت في كتاب عن محمد بن معاوية البغدادي حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه قال " كلم الله هذا البحر الغربي وكلم البحر الشرقي فقال للغربي إني حامل فيك عبادا من عبادي فكيف أنت صانع بهم قال أغرقهم.
قال بأسك في نواحيك وحرمه الحلية والصيد، وكلم هذا البحر الشرقي فقال إني حامل فيك عبادا من عبادي فما أنت صانع بهم قال أحملهم على يدي، وأكون لهم كالوالدة لولدها فأثابه الحلية والصيد * ثم قال لا تعلم أحدا.
ما رواه عن سهيل إلا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر وهو منكر الحديث.
قال وقد رواه سهيل عن عبد الرحمن بن أبي عياش عن عبد الله بن عمرو موقوفا.
قلت الموقوف على عبد الله بن عمرو بن العاص أشبه فإنه قد كان وجد يوم اليرموك ذاملتين مملوءتين كتبا من علوم أهل الكتاب فكان يحدث منهما بأشياء كثيرة من الاسرائيليات منها المعروف والمشهور والمنكور والمردود.
فأما المعروف فترد به عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو القاسم المدني قاضيها.
قال فيه الامام أحمد ليس بشئ وقد سمعته منه * ثم مزقت حديثه كان كذابا وأحاديثه مناكير * وكذا ضعفه بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والجوزجاني والبخاري وأبو داود والنسائي وقال ابن عدي عامة أحاديثه مناكير وأفظعها حديث البحر * قال علماء التفسير المتكلمون على العروض والاطوال والبحار والانهار والجبال والمساحات وما في الارض من المدن والخراب والعمارات والاقاليم السبعة الحقيقة في إصطلاحهم والاقاليم المتعددة العرفية وما في البلدان والاقاليم من الخواص والنباتات وما يوجد في كل قطر من صنوف

(1/25)

المعادن والتجارات قالوا الارض مغمورة بالماء العظيم إلا مقدار الربع منها وهو تسعون درجة
والعناية الالهية اقتضت إنحسار الماء عن هذا القدر منها لتعيش الحيوانات عليها وتنبت الزرع والثمار منها كما قال تعالى (والارض وضعها للانام فيها فاكهة والنخل ذات الاكمام والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان) [ الرحمن: 10 - 13 ] قالوا المعمور من هذا البادي منها قريب الثلثين منه أو أكثر قليلا.
هو خمس وتسعون درجة.
قالوا فالبحر المحيط الغربي ويقال له أوقيانوس وهو الذي يتاخم بلاد المغرب وفيه الجزائر الخالدات وبينها وبين ساحله عشر درج مسافة شهر تقريبا وهو بحر لا يمكن سلوكه ولا ركوبه لكثرة موجه وإختلاف ما فيه من الرياح والامواج وليس فيه صيد ولا يستخرج منه شئ ولا يسافر فيه لمتجر ولا لغيره وهو آخذ في ناحية الجنوب حتى يسامت الجبال القمر ويقال جبال القمر التي منها أصل منبع نيل مصر ويتجاوز خط الاستواء * ثم يمتد شرقا ويصير جنوبي الارض.
وفيه هناك جزائر الزابج وعلى سواحله خراب كثير * ثم يمتد شرقا وشمالا حتى يتصل ببحر الصين والهند * ثم يمتد شرقا حتى يسامت (1) نهاية الارض الشرقية المكشوفة.
وهناك بلاد الصين.
ثم ينعطف في شرق الصين إلى جهة الشمال حتى يجاوز بلاد الصين ويسامت سد يأجوج ومأجوج.
ثم ينعطف ويستدير على أراضي غير معلومة الاحوال * ثم يمتد مغربا في شمال الارض ويسامت بلاد الروس ويتجاوزها ويعطف مغربا وجنوبا ويستدير على الارض ويعود إلى جهة الغرب وينبثق من الغربي إلى متن الارض الزقاق الذي ينتهي أقصاه إلى أطراف الشام من الغرب * ثم يأخذ في بلاد الروم حتى يتصل بالقسطنطينية وغيرها من بلادهم.
وينبعث من المحيط الشرقي بحار أخر فيها جزائر كثيرة، حتى إنه يقال: إن في بحر الهند ألف جزيرة وسبعمائة جزيرة فيها مدن وعمارات سوى الجزائر العاطلة ويقال لها البحر الاخضر فشرقيه بحر الصين وغربيه بحر اليمن وشماله بحر الهند وجنوبيه غير معلوم * وذكروا أن بين بحر الهند وبحر اليمن جبالا فاصلة بينهما وفيها فجاج يسلك المراكب بينها يسيرها لهم الذي خلقها كما جعل مثلها في البر أيضا قال الله تعالى (وجعلنا في الارض رواسي أن تميد بكم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلكم تهتدون) * وقد ذكر بطليموس أحد ملوك الهند في كتابه
المسمى بالمجسطي الذي عرب في زمان المأمون، وهو أصل هذه العلوم أن البحار المتفجرة من المحيط الغربي والشرقي والجنوبي والشمالي كثيرة جدا.
فمنها ما هو واحد، ولكن يسمى بحسب البلاد المتاخمة له.
فمن ذلك بحر القلزم.
والقلزم قرية على ساحله قريب من أيلة.
وبحر فارس وبحر الخزر وبحر ورنك وبحر الروم وبحر بنطش وبحر الازرق، مدينة على ساحله وهو بحر القرم أيضا ويتضايق حتى يصب في بحر الروم عند جنوبي القسطنطينية وهو خليج القسطنطينية،
__________
(1) يسامت: يسير.
[ * ]

(1/26)

ولهذا تسرع المراكب في سيرها من القرم إلى بحر الروم وتبطئ إذا جاءت من الاسكندرية إلى القرم لاستقبالها جريان الماء.
وهذا من العجائب في الدنيا فإن كل ماء جار فهو حلو إلا هذا وكل بحر راكد فهو ملح أجاج إلا ما يذكر عن بحر الخزر وهو بحر جرجان وبحر طبرستان أن فيه قطعة كبيرة ماء حلوا فراتا على ما أخبر به المسافرون عنه.
قال أهل الهيئة وهو بحر مستدير الشكل إلى الطول ما هو * وقيل إنه مثلث كالقلع وليس هو متصلا بشئ من البحر المحيط بل منفرد وحده، وطوله ثمانمائة ميل وعرضه ستمائة وقيل أكثر من ذلك والله أعلم.
ومن ذلك البحر الذي يخرج منه المد والجزر عند البصرة وفي بلاد المغرب نظيره أيضا يتزايد الماء من أول الشهر ولا يزال في زيادة إلى تمام الليلة الرابعة عشر منه وهو المد * ثم يشرع في النقص وهو الجزر إلى آخر الشهر * وقد ذكروا تحديد هذه البحار ومبتداها ومنتهاها وذكروا ما في الارض من البحيرات المجتمعة من الانهار وغيرها من السيول وهي البطائح * وذكروا ما في الارض من الانهار المشهورة الكبار، وذكروا ابتداءها وإنتهاءها ولسنا بصدد بسط ذلك والتطويل فيه وإنما نتكلم على ما يتعلق بالانهار الوارد ذكرها في الحديث.
وقد قال الله تعالى: (الله الذي خلق السموات والارض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الانهار وسخر لكم الشمس والقمر
دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار) ففي الصحيحين من طريق قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر سدرة المنتهى قال فإذا يخرج من أصلها نهران باطنان ونهران ظاهران.
فأما الباطنان ففي الجنة وأما الظهران فالنيل والفرات * وفي لفط في البخاري وعنصرهما أي مادتهما أو شكلهما وعلى صفتهما ونعتهما وليس في الدنيا مما في الجنة الاسماوية وفي صحيح مسلم من حديث عبيد الله بن عمر عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة ".
وقال الامام أحمد حدثنا ابن نمير ويزيد أنبأنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فجرت أربعة أنهار من الجنة الفرات والنيل وسيحان وجيحان " وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وكأن المراد والله أعلم من هذا أن هذه الانهار تشبه أنهار الجنة في صفائها وعذوبتها وجريانها ومن جنس تلك في هذه الصفات ونحوها كما قال في الحديث الآخر الذي رواه الترمذي وصححه من طريق سعيد بن عامر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم " أي تشبه ثمر الجنة لا أنها مجتناة من الجنة، فان الحس يشهد بخلاف ذلك فتعين أن المراد غيره وكذا قوله صلى الله عليه وسلم " الحمى من فيح جهنم

(1/27)

فابردوها بالماء " وكذا قوله " إذا اشتد الحمى فأبردوها بالماء فإن شدة الحر من فيح جهنم " * وهكذا هذه الانهار أصل منبعها مشاهد من الارض * أما النيل.
وهو النهر الذي ليس في أنهار الدنيا له نظير في خفته ولطافته وبعد مسراه فيما بين مبتداه إلى منتهاه فمبتداه من الجبال القمر أي البيض ومنهم من يقول جبال القمر بالاضافة إلى الكوكب وهي في غربي الارض وراء خط الاستواء إلى الجانب الجنوبي.
ويقال إنها حمر ينبع من بينها عيون * ثم يجتمع من عشر مسيلات متباعدة.
ثم يجتمع كل خمسة منها في بحر.
ثم يخرج منها أنهار ستة.
ثم يجتمع كلها في بحيرة أخرى.
ثم يخرج منها نهر واحد هو النيل فيمر على بلاد
السودان الحبشة ثم على النوبة ومدينتها العظمى دمقلة ثم على أسوان ثم يفد على ديار مصر (1).
وقد تحمل إليها من بلاد الحبشة زيادات أمطارها واجترف من ترابها وهى محتاجة إليهما معا لان مطرها قليل لا يكفي زروعها وأشجارها.
وتربتها رمال لا تنبت شيئا حتى يجئ النيل بزيادته وطينه فينبت فيه ما يحتاجون إليه وهي من أحق الاراضي بدخولها في قوله تعالى (أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الارض الجرز فنخرج به رزعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون) ثم يجاوز النيل مصر قليلا فيفترق شطرين عند قرية على شاطئه يقال لها شطنوف فيمر الغربي على رشيد ويصب في البحر المالح * وأما الشرق فتفترق أيضا عند جوجر فرقتين تمر الغربية منهما على دمياط من غربيها ويصب في البحر والشرقية منهما تمر على أشمون طناح فيصب هناك في بحيرة شرقي دمياط.
يقال لها بحيرة تنيس وبحيرة دمياط * وهذا بعد عظيم فيما بين مبتداه إلى منتهاه.
ولهذا كان ألطف المياه * قال ابن سينا له خصوصيات دون مياه سائر الارض * فمنها انه أبعدها مسافة من مجراه إلى أقصاه.
ومنها أنه يجري على صخور ورمال (1) ليس فيه خز ولا طحلب ولا أوحال ومنها أنه لا يخضر فيه حجر ولا حصاة وما ذاك إلا لصحة مزاجه وحلاوته ولطافته.
ومنها إن زيادته في أيام نقصان سائر الانهار.
ونقصانه في أيام زيادتها وكثرتها وأما ما يذكره بعضهم من أن أصل منبع النيل من مكان مرتفع أطلع عليه بعض الناس فرأى هناك هولا عظيما وجواري حسانا وأشياء غريبة وأن الذي أطلع على ذلك لا يمكنه الكلام بعد هذا فهو من خرافات المؤرخين وهذيانات الافاكين * وقد قال عبد الله بن لهيعة عن قيس بن الحجاج عمن حدثه قال " لما فتح عمرو بن عاص مصر أتى أهلها إليه حين دخل شهر بؤنة من أشهر العجم (القبطية) فقالوا: (أيها الامير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها فقال لهم وما ذاك قالوا إذا كان لثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الجلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو إن هذا لا يكون في الاسلام وأن الاسلام يهدم ما قبله فأقاموا بؤنة والنيل لا يجرى لا قليلا ولا كثيرا * وفي رواية فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى وهو لا يجري حتى هموا بالجلاء.
فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك فكتب إليه عمر إنك قد أصبت بالذي
فعلت وإني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي هذا فألقها في النيل فلما قدم كتابه أخذ عمرو

(1/28)

البطاقة ففتحها فإذا فيها " من عند الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر (أما بعد) فان كنت تجري من قبلك فلا تجر وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله أن يجريك فألقى عمرو البطاقة في النيل فأصبح يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم * وأما الفرات فأصلها من شمالي أررن الروم فتمر إلى قرب ملطيه ثم تمر على شميشاط.
ثم على البيرة قبليها ثم تشرق إلى بالس وقلعة جعبر ثم الرقة ثم إلى الرحبة شماليها ثم إلى عانة، ثم إلى هيت ثم إلى الكوفة ثم تخرج إلى فضاء العراق ويصب في بطائح كبار أي بحيرات وترد إليها ويخرج منها أنهار كبار معروفة.
وأما سيحان ويقال له سيحون أيضا فأوله من بلاد الروم ويجري من الشمال والغرب إلى الجنوب والشرق وهو غربي مجرى جيحان ودونه في القدر وهو ببلاد الارض التي تعرف اليوم ببلاد سيس وقد كانت في أول الدولة الاسلامية في أيدي المسلمين * فلما تغلب الفاطميون على الديار المصرية وملكوا الشام وأعمالها عجزوا عن صونها عن الاعداء فتغلب تقفور الارمني على هذه البلاد أعني بلاد سيس في حدود الثلاثمائة وإلى يومنا هذا.
والله المسؤل عودها إلينا بحوله وقوته.
ثم يجتمع سيحان وجيحان عند اذنه فيصيران نهرا واحدا.
ثم يصبان في بحر الروم بين أياس وطرسوس * وأما جيحان ويقال له جيحون أيضا وتسميه العامة جاهان.
وأصله في بلاد الروم ويسير في بلاد سيس من الشمال إلى الجنوب وهو يقارب الفرات في القدر * ثم يجتمع هو وسيحان عند اذنة فيصيران نهرا واحدا.
ثم يصبان في البحر عن إياس وطرسوس والله أعلم * فصل قال الله تعالى (الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر
الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى يدبر الامر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون * وهو الذي مد الارض فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون * وفي الارض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل إن في ذلك لايات لقوم يعقلون) وقال تعالى (أمن خلق السموات والارض وأنزل لكم من السماء ماء فانبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن جعل الارض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون) وقال تعالى (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه

(1/29)

تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والاعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) [ النحل 10 ] فذكر تعالى ما خلق في الارض من الجبال والاشجار والثمار والسهول والاوعار وما خلق من صنوف المخلوقات من الجمادات والحيوانات في البراري والقفار والبر والبحار ما يدل على عظمته وقدرته وحكمته ورحمته بخلقه وما سهل لكل دابة من الرزق الذي هي محتاجة إليه في ليلها ونهارها وصيفها وشتائها وصباحها ومائلها كما قال تعالى (وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) [ هود: 6 ] وقد روى الحافظ أبو يعلى عن محمد بن المثنى عن عبيد بن واقد عن محمد بن عيسى بن كيسان عن محمد بن المنكدر عن جابر عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خلق الله ألف أمة منها ستمائة في البحر وأربعمائة في البر.
وأول شئ يهلك من هذه الامم الجراد فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه.
(عبيد بن واقد) أبو عباد البصري ضعفه أبو حاتم وقال بن عدي عامة ما يرويه لا يتابع
عليه وشيخه أضعف منه.
قال الفلاس والبخاري منكر الحديث، وقال أبو زرعة لا ينبغي أن يحدث عنه.
وضعفه ابن حبان والدارقطني وأنكر عليه ابن عدي هذا الحديث بعينه وغيره والله أعلم * وقال تعالى (وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شئ ثم إلى ربهم يحشرون) [ الانعام: 38 ].
ذكر ما يتعلق بخلق السموات وما فيهن من الآيات قد قدمنا أن خلق الارض قبل خلق السماء كما قال تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شئ عليم) [ البقرة: 29 ] وقال تعالى (قل ائنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم) [ فصلت: 9 ] وقال تعالى (أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والارض بعد ذلك دحاها) (1) فان الدحي غير الخلق، وهو بعد
__________
(1) سورة النازعات الآيات 27 - [ * ]

(1/30)

خلق السماء وقال تعالى (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور * الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور.
ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير * ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير) [ الملك: 5 ] وقال تعالى (وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا) [ النبأ: 12 ] وقال تعالى (ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا
وجعل الشمس سراجا) [ نوح: 15 ] وقال تعالى (الله الذي خلق سبع سموات والارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما) [ الطلاق: 12 ] وقال تعالى (تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا.
وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) [ الفرقان: 61 ] وقال تعالى (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملا الاعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب.
إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب) [ الصافات: 6 ] وقال تعالى (ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم.
إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين) [ الحجر: 16 ] وقال تعالى (والسماء بنيناها بايد وإنا لموسعون) [ الانبياء: 32 ] وقال تعالى (وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) [ يس: 37 ] وقال تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون.
والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم.
والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) [ الانعام: 96 ] وقال تعالى (فالق الاصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم.
وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون) [ الاعراف: 54 ] وقال تعالى (إن ربكم الله الذي خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين) [ الذاريات: 7 ] والآيات في هذا كثيرة جدا وقد تكلمنا على كل منها في التفسير * والمقصود أنه تعالى يخبر عن خلق السموات وعظمة إتساعها وإرتفاعها وأنها في غاية الحسن والبهاء والكمال والسناء كما قال تعالى (والسماء ذات الحبك) أي الخلق الحسن وقال تعالى
__________
= دحاها أي بسطها، وهذا يشير إلى كون الارض بعد السماء ; والعرب تقول: دحوت الشئ أدحوه دحوا:
بسطته.
وقيل: دحاها سواها وقيل دحاها: حرثها وشقها ومهدها الاقوات.
[ * ]

(1/31)

(فارجع البصر هلى ترى من فطور.
ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير) [ الملك: 3 ] (1) أي خاسئا عن أن يرى فيها نقصا أو خللا وهو حسير أي كليل ضعيف ولو نظر حتى يعى ويكل ويضعف لما اطلع على نقص فيها ولا عيب لانه تعالى قد أحكم خلقها وزين بالكواكب أفقها كما قال (والسماء ذات البروج) [ البروج: 1 ] (2) أي النجوم * وقيل محال الحرس التي يرمي منها بالشهب لمسترق السمع ولا منافاة بين القولين وقال تعالى (ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم) [ الحجر: 16 ] فذكر أنه زين منظرها بالكواكب الثوابت والسيارات (الشمس والقمر والنجوم الزاهرات) وأنه صان حوزتها عن حلول الشياطين بها وهذا زينة معنى * فقال وحفظناها من كل شيطان رجيم كما قال (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملا الاعلى) [ الصافات: 6 ].
قال البخاري في كتاب بدء الخلق وقال قتادة (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح) [ فصلت: 12 ] خلق هذه النجوم الثلاث جعلها زينة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها فمن تأول بغير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به.
وهذا الذي قاله قتادة مصرح به في قوله تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين) وقال تعالى (وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) [ الانعام: 97 ] فمن تكلف غير هذه الثلاث أي من علم أحكام ما تدل عليه حركاتها ومقارناتها في سيرها وأن ذلك يدل على حوادث أرضية فقد أخطأ.
وذلك أن أكثر كلامهم في هذا الباب ليس فيه إلا حدس وظنون كاذبة ودعاوى باطلة.
وذكر تعالى أنه خلق سبع سموات طباقا أي واحدة فوق واحدة * واختلف أصحاب الهيئة هل هن متراكمات أو متفاصلات بينهن خلاء على قولين.
والصحيح الثاني لما قدمنا من حديث عبد الله بن عميرة عن الاحنف عن العباس في حديث الاوعال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
أتدرون كم بين السماء والارض قلنا الله ورسوله أعلم، قال بينهما مسيرة خمسمائة عام.
ومن كل سماء إلى سماء خمسمائة سنة وكثف كل سماء خمسمائة سنة * الحديث بتمامه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وحسنه * وفي الصحيحين من حديث أنس في حديث الاسراء قال فيه (ووجد في السماء الدنيا آدم فقال له جبرئيل هذا أبوك آدم فسلم عليه فرد عليه السلام.
وقال
__________
(1) سورة الملك الآية 3.
قال القرطبي 17 / 31 في الحبك سبعة أقوال: الخلق الحسن المستوي - ذات الزينة - ذات النجوم - ذات الطرائق - ذات الشدة - ذات الصفافة - المجرة التي في السماء.
(2) سورة البروج الآية 1.
قال القرطبي: ج 19 / 283 قسم أقسم به الله وجل وعز وفي البروج أربعة أقوال: النجوم - القصور - البروج فيها الحرس - البروج هي ذات الخلق الحسن - المنازل.
[ * ]

(1/32)

مرحبا وأهلا بابني نعم الابن أنت - إلى أن قال - ثم عرج إلى السماء الثانية * وكذا ذكر في الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة) فدل على التفاصل بينها لقوله ثم عرج بنا حتى أتينا السماء الثانية فاستفتح فقيل من هذا (الحديث) * وهذا يدل على ما قلناه والله أعلم.
وقد حكى ابن حزم وابن المنير وأبو الفرج ابن الجوزى وغير واحد من العلماء الاجماع على أن السموات كرة مستديرة * واستدل على ذلك بقوله كل في فلك يسبحون.
قال الحسن يدورون، وقال ابن عباس في فلكة مثل فلكة المغزل.
قالوا ويدل على ذلك أن الشمس تغرب كل ليلة من المغرب ثم تطلع في آخرها من المشرق كما قال أمية ابن أبي الصلت.
والشمس تطلع كل آخر ليلة * حمراء مطلع لونها متورد * تأبى فلا تبدو لنا في رسلها * إلا معذبة وإلا تجلد فأما الحديث الذي رواه البخاري حيث قال حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن الاعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي ذر حين غربت الشمس تدرى أين تذهب قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها
تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها.
يقال لها إرجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم) [ يس: 38 ].
هذا لفظه في بدء الخلق ورواه في التفسير * وفي التوحيد من حديث الاعمش أيضا ورواه مسلم في الايمان من طريق الاعمش ومن طريق يونس بن عبيد وأبو داود من طريق الحكم بن عتبة كلهم عن إبراهيم بن يزيد بن شريك عن أبيه عن أبي ذر به نحوه.
وقال الترمذي حسن صحيح * إذا علم هذا فإنه حديث لا يعارض ما ذكرناه من إستدارة الافلاك التي هي السموات على أشهر القولين ولا يدل على كرية العرش كما زعمه زاعمون.
قد أبطلنا قولهم فيما سلف ولا يدل على أنها تصعد إلى فوق السموات من جهتنا حتى تسجد تحت العرش بل هي تغرب عن أعيننا وهي مستمرة في فلكها الذي هي فيه وهو الرابع فيما قاله غير واحد من علماء التفسير.
وليس في الشرع ما ينفيه بل في الحس وهو الكسوفات ما يدل عليه ويقتضيه فإذا ذهبت فيه حتى تتوسطه وهو وقت نصف الليل مثلا في إعتدال الزمان بحيث يكون بين القطبين الجنوبي والشمالي فإنها تكون أبعد ما يكون من العرش لانه مقبب من جهة وجه العالم وهذا محل سجودها كما يناسبها كما أنها أقرب ما تكون من العرش وقت الزوال من جهتنا فإذا كانت في محل سجودها استأذنت الرب جل جلاله في طلوعها من الشرق فيؤذن لها فتبدو من جهة الشرق وهي مع ذلك كارهة لعصاة بني آدم أن تطلع عليهم ولهذا قال أمية.
تأبى فلا تبدو لنا في رسلها * إلا معذبة وإلا تجلد فإذا كان الوقت الذي يريد الله طلوعها من جهة مغربها تسجد على عادتها وتستأذن في

(1/33)

الطلوع من عادتها فلا يؤذن لها فجاء أنها تسجد أيضا ثم تستأذن فلا يؤذن لها ثم يسجد فلا يؤذن لها وتطول تلك الليلة كما ذكرنا في التفسير، فتقول يا رب إن الفجر قد اقترب وأن المدى بعيد فيقال لها إرجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فإذا رآها الناس آمنوا جميعا.
وذلك حين لا ينفع نفسا
إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، وفسروا بذلك قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها) قيل لوقتها الذي تؤمر فيه تطلع من مغربها * وقيل مستقرها موضعها الذي تسجد فيه تحت العرش.
وقيل منتهى سيرها وهو آخر الدنيا.
وعن ابن عباس أنه قرأ والشمس تجري لا مستقر لها أي ليست تستقر فعلى هذا تسجد وهي سائرة.
ولهذا قال تعالى (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) أي لا تدرك الشمس القمر فتطلع في سلطانه ودولته ولا هو أيضا ولا الليل سابق النهار أي ليس سابقه بمسافة يتأخر ذاك عنه فيها بل إذا ذهب النهار جاء الليل في أثره متعقبا له كما قال في الآية الاخرى (يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين) وقال تعالى (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) [ الفرقان: 62 ] أي يخلف هذا لهذا وهذا لهذا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم " فالزمان المحقق ينقسم إلى ليل ونهار وليس بينهما غيرهما * ولهذا قال تعالى (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى) [ لقمان: 29 ] فيولج من هذا في هذا، أي يأخذ من طول هذا في قصر هذا فيعتدلان كما في أول فصل الربيع يكون الليل قبل ذلك طويلا والنهار قصيرا فلا يزال الليل ينقص والنهار يتزايد حتى يعتدلا وهو أول الربيع * ثم يشرع النهار يطول ويتزايد والليل يتناقص حتى يعتدلا أيضا في أول فصل الخريف * ثم يشرع الليل يطول ويقصر النهار إلى آخر فصل الخريف * ثم يترجح النهار قليلا قليلا ويتناقص الليل شيئا فشيئا حتى يعتدلا في أول فصل الربيع كما قدمنا، وهكذا في كل عام.
ولهذا قال تعالى (وله اختلاف الليل والنهار) [ المؤمنون: 80 ] أي هو المتصرف في ذلك كله الحاكم الذي لا يخالف ولا يمانع ولهذا يقول في ثلاث آيات (1) عند ذكر السموات والنجوم والليل والنهار (ذلك تقدير العزيز العليم) أي العزيز الذي قد قهر كل شئ ودان له كل شئ فلا يمانع ولا يغالب العليم بكل شئ فقدر كل شئ تقديرا
على نظام لا يختلف ولا يضطرب.
وقد ثبت في الصحيحين (2) من حديث سفيان بن عيينة عن
__________
(1) يقول تعالى: (والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم) الانعام 96.
(والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم) يس 38.
(وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم فصلت 12.
(2) رواه مسلم في 40 كتاب الالفاظ من الادب - 1 - باب النهي عن سب الدهر ح 2246 / ص 1762 والبخاري ح [ * ]

(1/34)

الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال الله يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الامر أقلب الليل والنهار " وفي رواية فأنا الدهر أقلب ليله ونهاره * قال العلماء كالشافعي وأبي عبيد القاسم بن سلام وغيرهما يسب الدهر أي يقول فعل بنا الدهر كذا يا خيبة الدهر، أيتم الاولاد، أرمل النساء.
قال الله تعالى (وأنا الدهر) أي أنا الدهر الذي يعنيه فإنه فاعل ذلك الذي أسنده إلى الدهر والدهر مخلوق، وإنما فعل هذا هو الله فهو يسب فاعل ذلك ويعتقده الدهر.
والله هو الفاعل لذلك الخالق لكل شئ المتصرف في كل شئ كما قال وأنا الدهر بيدي الامر أقلب ليله ونهاره وكما قال تعالى (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير * تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب) [ آل عمران: 27 ] وقال تعالى (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب.
ما خلق الله ذلك إلا بالحق.
يفصل الآيات لقوم يعلمون إن في إختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والارض لآيات لقوم يتقون) [ يونس: 5.
6 ] أي فاوت بين الشمس والقمر في نورهما وفي شكلهما وفي وقتهما وفي سيرهما فجعل هذا ضياء وهو شعاع الشمس برهان ساطع وضوء باهر والقمر نورا أي أضعف من برهان الشمس وجعله مستفادا من ضوئها وقدره منازل أي يطلع أول ليلة من الشهر صغيرا ضئيلا قليل النور لقربه من الشمس وقلة مقابلته لها فبقدر مقابلته لها يكون نوره ولهذا في الليلة الثانية يكون
أبعد منها بضعف ما كان في الليلة الاولى فيكون نوره بضعف النور أول ليلة * ثم كلما بعد إزداد نوره حتى يتكامل إبداره ليلة مقابلته إياها من المشرق وذلك ليلة أربع عشرة من الشهر * ثم يشرع في النقص لاقترابه إليها من الجهة الاخرى إلى آخر الشهر فيستتر حتى يعود كما بدأ في أول الشهر الثاني.
فبه تعرف الشهور وبالشمس تعرف الليالي والايام وبذلك تعرف السنين والاعوام ولهذا قال تعالى (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) وقال تعالى (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شئ فصلناه تفصيلا) [ الاسراء: 12 ] وقال تعالى (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) [ البقرة: 189 ].
وقد بسطنا القول على هذا كله في التفسير.
فالكواكب التي في السماء منها سيارات وهي المتخيرة في إصطلاح علماء التفسير وهو علم غالبه صحيح بخلاف علم الاحكام فإن غالبه باطل
__________
= رقم 2042.
وعند مسلم بيدي الليل والنهار بدل بيدي الامر.
أنا الدهر: قال العلماء هو مجاز وسببه أن العرب كان من شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها.
وأما الدهر بمعنى الزمان فلا فعل له بل مخلوق من جملة خلق الله.
[ * ]

(1/35)

ودعوى ما لا دليل عليه وهي سبعة.
القمر في سماء الدنيا وعطارد في الثانية والزهرة في الثالثة والشمس في الرابعة والمريخ في الخامسة والمشتري في السادسة وزحل في السابعة.
وبقية الكواكب يسمونها الثوابت وهي عندهم في الفلك الثامن وهو الكرسي في إصطلاح كثير من المتأخرين.
وقال آخرون بل الكواكب كلها في السماء الدنيا ولا مانع من كون بعضها فوق بعض * وقد يستدل على هذا بقوله تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين) (1) وبقوله [ تعالى ]: (فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم) [ فصلت: 12 ] فخص سماء الدنيا من بينهن بزينة الكواكب فإن دل هذا على كونها مرصعة فيها فذاك وإلا فلا مانع مما قاله الآخرون والله أعلم.
وعندهم أن الافلاك السبعة بل الثمانية تدور بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات تدور على خلاف فلكه من المغرب إلى المشرق.
فالقمر يقطع فلكه في شهر والشمس تقطع فلكها وهو الرابع في سنة.
فإذا كان السيران ليس بينهما تفاوت وحركاتهما متقاربة كان قدر السماء الرابعة بقدر السماء الدنيا ثنتي عشرة مرة وزحل يقطع فلكه وهو السابع في ثلاثين سنة فعلى هذا يكون بقدر السماء الدنيا ثلثمائة وستين مرة * وقد تكلموا على مقادير أجرام هذه الكواكب وسيرها وحركاتها وتوسعوا في هذه الاشياء حتى تعدوا إلى علم الاحكام وما يترتب على ذلك من الحوادث الارضية ومما لا علم لكثير منهم به.
وقد كان اليونانيون الذين كانوا يسكنون الشام قبل زمن المسيح عليه السلام بدهور لهم في هذا كلام كثير يطول بسطه، وهم الذين بنوا مدينة دمشق وجعلوا لها أبوابا سبعة وجعلوا على رأس كل باب هيكلا على صفة الكواكب السبعة، يعبدون كل واحد في هيكله، ويدعونه بدعاء يأثره عنهم غير واحد من أهل التواريخ وغيرهم.
وذكره صاحب السر المكتوم في مخاطبة الشمس والقمر والنجوم وغيره من علماء الحرنانيين (2) (فلاسفة حران في قديم الزمان).
وقد كانوا مشركين يعبدون الكواكب السبعة وهم طائفة من الصابئين * ولهذا قال الله تعالى (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) [ فصلت: 37 ] وقال تعالى إخبارا عن الهدهد أنه قال لسليمان عليه السلام مخبرا عن بلقيس وجنودها ملكة سبأ في اليمن وما والاها (إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون.
أن لا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والارض ويعلم ما يخفون وما يعلنون.
الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) [ النمل: 23 ] وقال تعالى
__________
(1) سورة الملك الآية 5.
(2) الحرنانيين: علماء حران، حران بتشديد الراء وآخره نون اسم بلد وهو فعال، ويجوز أن يكون فعلان والنسبة إليه حرناني، وحراني على ما عليه العامة وهو القياس (معجم البلدان - لسان العرب مادة حرن).
[ * ]

(1/36)

(ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء) [ الحج: 18 ] وقال تعالى (أو لم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون * ولله يسجد ما في السموات وما في الارض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) [ النحل: 48 ] وقال تعالى (والله يسجد من في السموات والارض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال) [ الرعد: 15 ] وقال تعالى (تسبح له السموات السبع والارض ومن فيهن وإن من شئ الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا) [ الاسراء: 44 ] والآيات في هذا كثيرة جدا.
ولما كان أشرف الاجرام المشاهدة في السموات والارض هي الكواكب وأشرفهن منظرا وأشرفهن معتبرا الشمس والقمر استدل الخليل على بطلان آلهية شئ منهن.
وذلك في قوله تعالى (فلما جن الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين) [ الانعام: 76 ] أي الغائببين (فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين.
فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون.
إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين) [ الانعام: 77 ] فبين بطريق البرهان القطعي أن هذه الاجرام المشاهدات من الكواكب والقمر والشمس لا يصلح شئ منها للالهية لانها كلها مخلوقة مربوبة مدبرة مسخرة في سيرها لا تحيد عما خلقت له ولا تزيغ عنه إلا بتقدير متقن محرر لا تضطرب ولا تختلف * وذلك دليل على كونها مربوبة مصنوعة مسخرة مقهورة ولهذا قال تعالى (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسحدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) (1) وثبت في الصحيحين في صلاة الكسوف من حديث ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال في خطبته يومئذ: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عزوجل وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته " (2).
وقال البخاري في بدء الخلق حدثنا مسدد حدثنا عبد العزيز بن المختار حدثنا عبد الله الداناج
__________
(1) سورة فصلت الآية 37.
(2) صحيح مسلم 10 كتاب الكسوف - 1 - باب صلاة الكسوف ح 901 ص 618 وما بعدها وصحيح البخاري ح رقم: 584.
يقال كسفت الشمس والقمر، وكسفا، وانكسفا وخسفا وخسفا وانخسفا بمعنى وجمهور أهل اللغة وغيرهم على أن الخسوف والكسوف يكون لذهاب ضوئهما كله أو بعضه.
[ * ]

(1/37)

حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الشمس والقمر مكوران يوم القيامة " انفرد به البخاري * وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار بأبسط من هذا السياق.
فقال: حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي حدثنا يونس بن محمد حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد الله الداناج سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن زمن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة وجاء الحسن فجلس إليه فحدث قال حدثنا أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة فقال الحسن وما دينهما فقال أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول وما دينهما ثم قال البزار لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه ولم يرو عبد الله الداناج عن أبي سلمة سوى هذا الحديث * وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي من طريق يزيد الرقاشي وهو ضعيف عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الشمس والقمر ثوران عقيران في النار ".
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الاشج وعمر بن عبد الله الازدي حدثنا أبو أسامة عن مجالد عن شيخ من بجيلة عن ابن عباس (إذا الشمس كورت).
قال يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث الله ريحا دبورا فتضرمها نارا.
فدلت هذه الآثار على أن الشمس والقمر من مخلوقات الله خلقها الله لما أراد * ثم يفعل فيها ما يشاء، وله الحجة الدافعة والحكمة البالغة فلا يسأل عما يفعل لعلمه
وحكمته وقدرته ومشيئته النافذة وحكمه الذي لا يرد ولا يمانع ولا يغالب * وما أحسن ما أورده الامام محمد بن إسحاق بن يسار في أول كتاب السيرة من الشعر لزيد بن عمرو بن نفيل في خلق السماء والارض والشمس والقمر وغير ذلك * قال ابن هشام هي لامية ابن أبي الصلت.
إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا * وقولا رضيا لا يني الدهر باقيا (1) إلى الملك الاعلى الذي ليس فوقه * إله ولا رب يكون مدانيا ألا أيها الانسان إياك والردى * فإنك لا تخفي من الله خافيا (2) وإياك لا تجعل مع الله غيره * فإن سبيل الرشد أصبح باديا حنانيك إن الجن كانت رجاءهم * وأنت إلهي ربنا ورجائيا (3) رضيت بك اللهم ربا فلن أرى * أدين إلها غيرك الله ثانيا (4) وأنت الذي من فضل من ورحمة * بعثت إلى موسى رسولا مناديا فقلت له إذهب وهرون فادعوا * إلى الله فرعون الذي كان طاغيا
__________
(1) في ابن هشام: رصينا بدل رضيا، والرصين: الثابت.
(2) الردى: الهلاك والموت، والمراد هنا تحذير الانسان مما يأتي به الموت وما يكشفه من جزاء الاعمال.
(3) حنانيك: أي حنانا بعد حنان، يريد التكرار وليس الاقتصار على اثنين فقط ; ويقال: حنانا في الدنيا وآخر في الآخرة.
(4) بعده في الاغاني: أدين لرب يستجاب ولا أرى * أدين لمن لم يسمع الدهر داعيا [ * ]

(1/38)

وقولا له آأنت سويت هذه * بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا (1) وقولا له آأنت رفعت هذه * بلا عمد ارفق إذا بك بانيا (2) وقولا له آأنت سويت وسطها * منيرا إذا ماجنه الليل هاديا وقولا له من يرسل الشمس غدوة * فيصبح ما مست من الارض ضاحيا
وقولا له من ينبت الحب في الثرى * فيصبح منه البقل يهتز رابيا ويخرج منه حبه في رؤسه * وفي ذاك آيات لمن كان واعيا وأنت بفضل منك نجيت يونسا * وقد بات في أضعاف حوت لياليا وإني [ و ] لو سبحت باسمك ربنا * لاكثر إلا ما غفرت خطائيا (3) فرب العباد ألق سيبا ورحمة * علي وبارك في بني وماليا فإذا علم هذا فالكواكب التي في السماء من الثوابت والسيارات الجميع مخلوقة خلقها الله تعالى كما قال [ تعالى ]: (وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم) (4) وأما ما يذكره كثير من المفسرين في قصة هاروت وماروت من أن الزهرة كانت امرأة فراوداها على نفسها فأبت إلا أن يعلماها الاسم الاعظم فعلماها فقالته فرفعت كوكبا إلى السماء فهذا أظنه من وضع الاسرائيليين وإن كان قد أخرجه كعب الاحبار وتلقاه عنه طائفة من السلف فذكروه على سبيل الحكاية والتحديث عن بني إسرائيل.
وقد روى الامام أحمد وابن حبان في صحيحه في ذلك حديثا رواه أحمد عن يحيى بن بكير عن زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر القصة بطولها * وفيه: " فمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر فجاءتهما فسألاها نفسها " وذكر القصة.
وقد رواه عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن كعب الاحبار به.
وهذا أصح وأثبت.
وقد روى الحاكم في مستدركه وابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس فذكره وقال فيه وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب وذكر تمامه * وهذا أحسن لفظ روي في هذه القصة والله أعلم.
وهكذا الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار حدثنا محمد بن عبد الملك الواسطي حدثنا يزيد بن هرون حدثنا مبشر بن عبيد عن يزيد بن أسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وحدثنا عمرو بن عيسى حدثنا عبد الاعلى حدثنا إبرهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر سهيلا فقال: " كان عشارا ظلوما فمسخه الله شهابا " ثم قال لم يروه عن
__________
(1) هذه: يريد الارض.
(2) هذه: المراد السماء.
(3) المراد: إني لاكثر من الدعاء: باسمك ربنا إلا ما غفرت..وما " زائدة.
والتسبيح هنا: الصلاة أي: أنا لا اعتمد في صلاتي إلا على دعائك واستغفارك.
(4) سورة فصلت الاية 12.
[ * ]

(1/39)

زيد بن أسلم إلا مبشر بن عبيد وهو ضعيف الحديث ولا عن عمرو بن دينار إلا إبراهيم بن يزيد وهو لين الحديث * وإنما ذكرناه على ما فيه من علة لانا لم نحفظه إلا من هذين الوجهين (قلت) أما مبشر بن عبيد القرشي فهو أبو حفص الحمصي وأصله من الكوفة.
فقد ضعفه الجميع وقال فيه الامام أحمد والدارقطني كان يضع الحديث ويكذب وأما إبراهيم بن يزيد فهو الخوزي (1) وهو ضعيف باتفاقهم * قال فيه أحمد والنسائي متروك.
وقال ابن معين ليس بثقة وليس بشئ * وقال البخاري سكتوا عنه.
وقال أبو حاتم وأبو زرعة منكر الحديث ضعيف الحديث.
ومثل هذا الاسناد لا يثبت به شئ بالكلية.
وإذا أحسنا الظن قلنا هذا من أخبار بني إسرائيل كما تقدم من رواية ابن عمر عن كعب الاحبار.
ويكون من خرافاتهم التي لا يعول عليها والله أعلم.
المجرة وقوس قزح قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا عارم أبو النعمان (2) حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن هرقل كتب إلى معاوية وقال إن كان بقي فيهم شئ من النبوة فسيخبرني عما أسألهم عنه.
قال فكتب إليه يسأله عن المجرة وعن القوس وعن بقعة لم تصبها الشمس إلا ساعة واحدة.
قال فلما أتى معاوية الكتاب والرسول قال إن هذا الشئ ما كنت آبه له أن أسأل عنه إلى يومي هذا من لهذا ؟ قيل: ابن عباس فطوى معاوية كتاب هرقل فبعث به إلى ابن عباس فكتب إليه " أن القوس أمان لاهل الارض من الغرق.
والمجرة باب السماء الذي تنشق منه الارض.
وأما البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة من النهار فالبحر الذي أفرج عن بني إسرائيل وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنه * فأما الحديث الذي رواه الطبراني
حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج حدثنا إبراهيم بن مخلد حدثنا الفضل بن المختار عن محمد بن مسلم الطائفي عن ابن أبي يحيى عن مجاهد عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا معاذ إني مرسلك إلى قوم أهل كتاب فإذا سئلت عن المجرة التي في السماء فقل هي لعاب حية تحت العرش " فإنه حديث منكر جدا بل الاشبه أنه موضوع وراويه الفضل بن المختار هذا أبو سهل البصري * ثم انتقل إلى مصر قال فيه أبو حاتم الرازي هو مجهول حدث بالاباطيل.
وقال الحافظ أبو الفتح الازدي منكر الحديث جدا.
وقال ابن عدي لا يتابع على أحاديثه لا متنا ولا إسنادا
__________
(1) الخوزي بضم الخاء، أبو اسماعيل المكي مولى بني أمية متروك الحديث مات سنة 151 ه.
والخوزي ينسب إلى الخوز: شعب بمكة يسمى شعب الخوز - وليس منسوبا إلى خوزستان قال البخاري: سكتوا عنه وقال أحمد: متروك، تقريب التهذيب ج 1 / 46.
وقال الذهبي: مكى واه الكاشف ج 1 / 51.
(2) هو محمد بن الفضل السدوسي لقبه عارم، أبو الفضل البصري ثقة ثبت تغير في آخر عمره (تقريب التهذيب 2 / 200) وفي الصحيحين: أبو النعمان.
(والعجلي) في ثقات العجلي: ليس يعرف إلا بعارم متفق على توثيقه (2 ص 411).
[ * ]

(1/40)

وقال الله تعالى (هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال) [ الرعد: 12 ] وقال تعالى (إن في خلق السموات والارض وإختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لآيات لقوم يعقلون) [ البقرة: 164 ] وروى الامام أحمد عن يزيد بن هرون عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن شيخ من بني غفار قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك " وروى موسى بن عبيدة بن سعد بن إبرهيم أنه قال إن نطقه الرعد وضحكه البرق.
قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام عن عبيدالله الرازي عن
محمد بن مسلم قال بلغنا أن البرق ملك له أربعة وجوه وجه إنسان ووجه ثور ووجه نسر ووجه أسد فإذا مصع بذنبه فذاك البرق * وقد روى الامام أحمد والترمذي والنسائي والبخاري في كتاب الادب والحاكم في مستدركه من حديث الحجاج بن أرطأة حدثني ابن مطر عن سالم عن أبيه قال كان رسول الله إذا سمع الرعد والصواعق قال (اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك * وروى ابن جرير من حديث ليث عن رجل عن أبي هريرة رفعه كان إذا سمع الرعد قال: " سبحان من يسبح الرعد بحمده " وعن علي أنه كان يقول (سبحان من سبحت له) وكذا عن ابن عباس والاسود بن يزيد وطاوس وغيرهم * وروى مالك عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال سبحان ممن يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويقول (إن هذا وعيد شديد لاهل الارض * وروى الامام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال ربكم لو أن عبيدي أطاعوني لاسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ولما أسمعتهم صوت الرعد فاذكروا الله فإنه لا يصيب ذاكرا " * وكل هذا مبسوط في التفسير ولله الحمد والمنة * باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم قال الله تعالى (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون * ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين) [ الانبياء: 26 ] وقال تعالى (تكاد السموات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الارض ألا إن الله هو الغفور الرحيم) [ الشورى: 5 ] وقال تعالى (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم * ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم) وقال تعالى (فان استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون)

(1/41)

[ غافر: 7 ] وقال (ومن عنده لا يستكبرون.
عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون) [ الانبياء: 19 ] وقال تعالى: (وما منا إلا له مقام معلوم.
وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون) [ الصافات: 165 ] وقال تعالى: (وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا) [ مريم: 64 ] وقال تعالى (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) [ الانفطار: 12 ] وقال تعالى (وما يعلم جنود ربك إلا هو) [ المدثر: 31 ] وقال تعالى (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) [ الرعد: 23 ] وقال تعالى (الحمد لله فاطر السموات والارض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شئ قدير) [ فاطر: 1 ] وقال تعالى (يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا * الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا) [ الفرقان: 25 ] وقال تعالى (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا) [ الفرقان: 21 ] وقال تعالى (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فان الله عدو للكافرين) [ البقرة: 98 ] وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) [ التحريم: 6 ] والآيات في ذكر الملائكة كثيرة جدا يصفهم تعالى بالقوة في العبادة وفي الخلق وحسن المنظر وعظمة الاشكال وقوة الشكل في الصور المتعددة كما قال تعالى: (ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب * وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات) [ هود: 76 ] الآيات فذكرنا في التفسير ما ذكره غير واحد من العلماء من أن الملائكة تبدوا لهم في صورة شباب حسان إمتحانا واختبارا حتى قامت على قوم لوط الحجة وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر * وكذلك كان جبريل يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صفات متعددة فتارة يأتي في صورة دحية بن خليفة الكلبي (1) وتارة في صورة أعرابي وتارة في صورته التي خلق عليها.
له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين
المشرق والمغرب كما رآه على هذه الصفة مرتين.
مرة منهبطا من السماء إلى الارض.
وتارة عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى.
وهو قوله تعالى (علمه شديد القوى.
ذو مرة فاستوى.
وهو بالافق الاعلى.
ثم دنا فتدلى) (2) أي جبريل (3) كما ذكرناه عن غير واحد من الصحابة * منهم ابن مسعود وأبو هريرة وأبو ذر وعائشة (فكان قاب قوسين أو أدنى.
فأوحى إلى عبده ما
__________
(1) دحية بن خليفة الكلبي: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد أحدا وما بعدها وكان جبريل يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته أحيانا وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر رسولا سنة ست في الهدنة.
(3) سورة النجم الآيات 5 - 8.
(3) أما الحسن فيقول هو الله عزوجل.
القرطبي 17 / 85 قال: هو جبريل في قول سائر المفسرين.
[ * ]

(1/42)

أوحى) (1) أي إلى عبد الله محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال [ تعالى ]: (ولقد رآه نزلة أخرى.
عند سدرة المنتهى.
عندها جنة المأوى.
إذ يغشى السدرة ما يغشى.
ما زاغ البصر وما طغى) (2) وقد ذكرنا في أحاديث الاسراء في سورة سبحان أن سدرة المنتهى في السماء السابعة * وفي رواية في السادسة أي أصلها وفروعها في السابعة فلما غشيها من أمر الله ما غشيها * قيل غشيها نور الرب جل جلاله * وقيل غشيها فراش (3) من ذهب * وقيل غشيها ألوان متعددة كثيرة غير منحصرة * وقيل غشيها الملائكة مثل الغربان * وقيل غشيها من نور الله تعالى فلا يستطيع أحد أن ينعتها * أي من حسنها وبهائها.
ولا منافاة بين هذه الاقوال إذ الجميع ممكن حصوله في حال واحدة * وذكرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كالقلال * " وفي رواية " كقلال هجر وإذا ورقها كآذان الفيلة " وإذا يخرج من أصلها نهران باطنان ونهران ظاهران.
فأما الباطنان ففي الجنة.
وأما الظاهران فالنيل والفرات * وتقدم الكلام على هذا في ذكر خلق الارض وما فيها من البحار والانهار * وفيه " ثم رفع لي البيت المعمور وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم " * وذكر أنه وجد إبراهيم الخليل عليه السلام مستندا ظهره إلى البيت المعمور.
وذكرنا وجه المناسبة في هذا أن البيت المعمور هو في السماء السابعة بمنزلة الكعبة في
الارض * وقد روى سفيان الثوري وشعبة وأبو الاحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة أن ابن الكوا سأل علي بن أبي طالب عن البيت المعمور فقال هو مسجد في السماء يقال له الضراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها.
حرمته في السماء كحرمة البيت في الارض يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون إليه أبدا * وهكذا روى علي بن ربيعة وأبو الطفيل عن علي مثله * وقال الطبراني أنبأنا الحسن بن علوية القطان حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار حدثنا إسحاق بن بشر أبو حذيفة حدثنا ابن جريج عن صفوان بن سليم عن كريب عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البيت المعمور في السماء يقال له الضراح وهو على مثل البيت الحرام بحياله لو سقط لسقط عليه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يرونه قط فإن له في السماء حرمة على قدر حرمة مكة ".
يعنى في الارض وهكذا قال العوفي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والربيع بن أنس والسدي وغير واحد * وقال قتادة ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لاصحابه: هل تدرون ما البيت المعمور قالوا الله ورسوله أعلم * قال قال مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خر لخر عليها يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم * وزعم الضحاك أنه تعمره طائفة من الملائكة يقال لهم الجن من قبيلة إبليس لعنه الله كان يقول سدنته وخدامه منهم والله أعلم * وقال آخرون: في كل سماء بيت يعمره ملائكته بالعبادة فيه ويفدون إليه بالنوبة والبدل كما
__________
(1) سورة النجم الايتان 9 - 10.
(2) سورة النجم الآيات 13 - 17.
(3) وقيل جراد عن أنس بن مالك، القرطبي / - الفخر الرازي.
[ * ]

(1/43)

يعمر أهل الارض البيت العتيق بالحج في كل عام والاعتمار في كل وقت والطواف والصلاة في كل آن * قال سعيد بن يحيى بن سعيد الاموي في أوائل كتابه المغازي * حدثنا أبو عبيد في حديث مجاهد " أن الحرم حرم مناه (يعني قدره) من السموات السبع والارضين السبع وأنه رابع أربعة عشر بيتا في كل سماء بيت وفي كل أرض بيت لو سقطت سقط بعضها على بعض " ثم روى مجاهد
قال مناه أي مقابله وهو حرف مقصور.
ثم قال حدثنا أبو معاوية حدثنا الاعمش عن أبي سليمان مؤذن الحجاج سمعت عبد الله بن عمرو يقول " إن الحرم محرم في السموات السبع مقداره من الارض - وإن بيت المقدس مقدس في السموات السبع مقداره من الارض كما قال بعض الشعراء.
إن الذي سمك السماء بنى لها * بيتا دعائمه أشد وأطول واسم البيت الذي في السماء بيت العزة * واسم الملك الذي هو مقدم الملائكة فيها إسماعيل * فعلى هذا يكون السبعون ألفا من الملائكة الذين يدخلون في كل يوم إلى البيت المعمور ثم لا يعودون إليه.
آخر ما عليهم (أي لا يحصل لهم نوبة فيه إلى آخر الدهر) يكونون من سكان السماء السابعة وحدها.
ولهذا قال تعالى (وما يعلم جنود ربك إلا هو) (1) وقال الامام أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورق (2) عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد لو علمتم ما اعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله عزوجل " (3) فقال أبو ذر (والله لوددت أني شجرة تعضد) ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث إسرائيل فقال الترمذي حسن غريب ويروى عن أبي ذر موقوفا * وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا حسين بن عرفة المصري حدثنا عروة بن عمران الرقي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم بن مالك عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعا ما عبدناك حق عبادتك إلا أنا لا نشرك بك شيئا ".
فدل هذان الحديثان على أنه ما من موضع في السموات السبع إلا وهو مشغول بالملائكة وهم في صنوف من العبادة.
منهم من هو قائم أبدا.
ومنهم من هو راكع أبدا ومنهم من هو ساجد أبدا ومنهم من هو في صنوف أخر والله أعلم بها.
وهم دائمون في عبادتهم وتسبيحهم وأذكارهم وأعمالهم التي أمرهم الله بها، ولهم منازل عند ربهم كما قال تعالى (وما منا إلا له مقام معلوم * وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن
__________
(1) سورة المدثر الآية 31.
(2) مورق بتشديد الراء، بن مشمدخ بن عبد الله العجلي، أبو المعتمر البصري ثقة عابد مات بعد المائة / تقريب التهذيب 2 / 280.
(3) مسند أحمد ج 5 / 173.
[ * ]

(1/44)

المسبحون) (1) وقال صلى الله عليه وسلم: " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها * قالوا وكيف يصفون عند ربهم قال يكملون الصف الاول ويتراصون في الصف " (2) * وقال صلى الله عليه وسلم: (فضلنا على الناس بثلاث * جعلت لنا الارض مسجدا وتربتها لنا طهورا وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة) (3).
وكذلك يأتون يوم القيامة بين يدي الرب جل جلاله صفوفا كما قال تعالى (وجاء ربك والملك صفا صفا) (4) ويقفون صفوفا بين يدي ربهم عز وجل يوم القيامة كما قال تعالى (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا) (5) * والمراد بالروح ههنا بنو آدم قاله ابن عباس والحسن وقتادة * وقيل ضرب من الملائكة يشبهون بني آدم في الشكل * قاله ابن عباس ومجاهد وأبو صالح والاعمش * وقيل جبرئيل * قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك * وقيل ملك يقال له الروح بقدر جميع المخلوقات * قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (يوم يقوم الروح) قال هو ملك من أعظم الملائكة خلقا (6) * وقال ابن جرير حدثني محمد بن خلف العسقلاني حدثنا داود ابن الجراح عن أبي حمزة عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود قال الروح في السماء الرابعة هو أعظم السموات والجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة يخلق الله من كل تسبيحة ملكا من الملائكة يحيي يوم القيامة صفا وحده * وهذا غريب جدا * وقال الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم المصري حدثنا ابن وهب بن رزق أبو هبيرة حدثنا بشر بن بكر حدثنا الاوزاعي حدثني عطاء عن عبد الله بن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن لله ملكا لو قيل له التقم السموات والارضين بلقمة واحدة لفعل.
تسبيحه سبحانك حيث كنت " وهذا أيضا حديث غريب جدا * وقد يكون موقوفا * وذكرنا في
صفة حملة العرش عن جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام " رواه أبو داود
__________
(1) سورة الصافات الآيات 165.
(2) أخرجه مسلم في الصلاة ح 119 - وأبو داود في الصلاة 93 - 96 - 65، والنسائي في الامامة 28 - وابن ماجة في الاقامة ح 50 والامام أحمد في مسنده 2 / 98 و 5 / 101.
(3) أخرجه مسلم عن حذيفة بن اليمان - 5 - كتاب المساجد ح 4 / ص (1 / 371) والبيهقي في الدلائل ج 5 / 475 عن حذيفة.
وفيه: فضلت على الناس.
(4) سورة الفجر الآية 22.
(5) سورة النبأ الآية 38.
(6) قال القرطبي ج 19 / 187: اختلف في الروح على أقوال ثمانية:..وذكر منها: عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الروح جند من جنود الله ليسوا بملائكة لهم رؤوس وأيد وأرجل ".
فهم خلق على صورة بني آدم كالناس وليسوا بناس.
وقيل الروح: أرواح بني آدم.
قاله عطبة.
وقيل القرآن عن زيد بن أسلم.
[ * ]

(1/45)

وابن أبي حاتم ولفظه مخفق الطير سبعمائة عام.
وقد ورد في صفة جبريل عليه السلام أمر عظيم قال الله تعالى (علمه شديد القوى) قالوا كان من شدة قوته أنه رفع مدائن قوم لوط وكن سبعا بمن فيها من الامم وكانوا قريبا من أربعمائة ألف وما معهم من الدواب والحيوانات وما لتلك المدن من الاراضي والمعتملات والعمارات وغير ذلك * رفع ذلك كله على طرف جناحه حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب وصياح ديكتهم ثم قلبها فجعل عاليها سافلها فهذا هو شديد القوى.
وقوله (ذو مرة) أي خلق حسن وبهاء وسناء كما قال في الآية الاخرى (إنه لقول رسول كريم) [ الحاقة: 40 ]
أي جبريل رسول من الله كريم أي حسن المنظر (ذي قوة) أي له قوة وبأس شديد (عند ذي العرش مكين) أي له مكانة ومنزلة عالية رفيعة عند الله (ذي العرش المجيد) مطاع ثم أي مطاع في الملا الاعلى أمين أي ذي أمانة عظيمة ولهذا كان هو السفير بين الله وبين أنبيائه عليهم السلام الذي ينزل عليهم بالوحي.
فيه الاخبار الصادقة والشرائع العادلة * وقد كان يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وينزل عليه في صفات متعددة كما قدمنا.
وقد رآه على صفته التي خلقه الله عليها مرتين * له ستمائة جناح كما روى البخاري عن طلق بن غنام عن زائدة الشيباني قال سألت زرا عن قوله (فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى) قال حدثنا عبد الله يعني ابن مسعود أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح.
وقال الامام أحمد (1) حدثنا يحيى بن آدم حدثنا شريك عن جامع بن راشد عن أبي وائل عن عبد الله قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرئيل في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الافق يسقط من جناحه التهاويل من الدر والياقوت ما الله به عليم.
وقال أحمد أيضا حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود في هذه الآية (ولقد راه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى) (2) قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت جبريل وله ستمائة جناح ينتشر من ريشه التهاويل الدر والياقوت ".
وقال أحمد (3) حدثنا زيد بن الحباب حدثنا الحسين حدثني عاصم بن بهدلة سمعت شقيق بن سلمة يقول سمعت ابن مسعود يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت جبريل على السدرة المنتهى وله ستمائة جناح فسألت عاصما عن الاجنحة فأبى أن يخبرني قال فأخبرني بعض أصحابه أن الجناح ما بين المشرق والمغرب * وهذه أسانيد جيدة قوية انفرد بها أحمد *
__________
(1) مسند أحمد ج 1 / 460.
(2) سورة النجم الآية 13.
(3) مسند أحمد ج 1 / 407، والحسين هو بن واقد المروزي أبو عبد الله القاضي ثقة له أوهام.
قاضى مرو، قال ابن المبارك من مثله ؟ وثقه ابن معين وغيره مات سنة 159 ه وقيل سنة سبع وخمسين / تقريب التهذيب 1 / 180
الكاشف 1 / 173.
[ * ]

(1/46)

وقال أحمد حدثنا زيد بن الحباب حدثني حسين حدثني حصين حدثني شقيق سمعت ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتاني جبريل في خضر (1) تعلق به الدر " * إسناده صحيح * وقال ابن جرير حدثنا ابن بزيغ البغدادي قال حدثنا اسحاق بن منصور قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله (ما كذب الفؤاد ما رأى) قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه حلتا رفرف قد ملا ما بين السماء والارض * إسناد جيد قوي * وفي الصحيحين من حديث عامر الشعبي عن مسروق قال كنت عند عائشة فقلت أليس الله يقول (ولقد رآه بالافق المبين ولقد رآه نزلة أخرى) فقالت: أنا أول هذه الامة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال: إنما ذاك جبريل لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين رآه منهبطا من السماء إلى الارض ساد أعظم خلقه ما بين السماء والارض.
وقال البخاري (2) حدثنا أبو نعيم حدثنا عمر بن ذر (ح) وحدثني يحيى بن جعفر حدثنا وكيع عن عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: " ألا تزورنا أكثر مما تزورنا قال فنزلت (وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا) (1) الآية * وروى البخاري (3) من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة * وقال البخاري (4) حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر شيئا فقال له عروة أما إن جبريل قد نزل فصلى أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر أعلم ما تقول يا عروة قال سمعت بشير بن أبي مسعود يقول سمعت أبا مسعود يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " نزل جبريل فأمني فصليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معهن ثم صليت معه " يحسب بأصابعه خمس صلوات.
ومن صفة إسرافيل عليه السلام وهو أحد حملة العرش وهو الذي ينفخ في الصور بأمر ربه نفخات ثلاثة * أولا هن نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة البعث كما سيأتي بيانه في موضعه من كتابنا هذا بحول الله وقوته وحسن توفيقه * والصور قرن ينفخ فيه.
كل دارة منه كما بين السماء والارض.
وفيه موضع أرواح العباد حين يأمره الله بالنفخ للبعث فإذا نفخ تخرج الارواح
__________
(1) مسند أحمد 1 / 407 وفيه: خضر حصين.
قال في التاج: الخصر اسم للرخص من الشجر إذا قطع وخضر.
(2) في كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة 4 / 80.
(3) نفس المصدر والباب ص 4 / 81.
(4) نفس المصدر والصفحة.
[ * ]

(1/47)

تتوهج فيقول الرب جل جلاله: " وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى البدن الذي كانت تعمره في الدنيا فتدخل على الاجساد في قبورها فتدب فيها كما يدب السم في اللديغ فتحيى الاجساد وتنشق عنهم الاجداث فيخرجون منها سراعا إلى مقام المحشر " كما سيأتي تفصيله في موضعه.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له " * قالوا كيف نقول يارسول الله قال: " قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل ".
على الله توكلنا " * رواه أحمد والترمذي من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري * وقال الامام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الاعمش عن سعد الطائي عن عطية العوفي عن أبي سعيد قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الصور فقال: " عن يمينه جبريل وعن يساره ميكائيل " عليهم السلام.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا محمد بن عمر أن ابن أبي ليلى (1) حدثني عن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس * قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل بناحية إذ انشق أفق السماء فأقبل إسرافيل يدنو من الارض ويتمايل فإذا ملك قد مثل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا محمد إن الله يأمرك أن تختار بين نبي عبد أو ملك نبي قال: " فأشار
جبريل إلي بيده (أن تواضع) فعرفت أنه لي ناصح فقلت: " عبد نبي " (2) فعرج ذلك الملك إلى السماء فقلت: يا جبريل قد كنت اردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل ؟ فقال هذا إسرافيل عليه السلام خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافا قدميه لا يرفع طرفه بينه وبين الرب سبعون نورا ما منها من نور يكاد يدنو منه إلا احترق بين يديه لوح فإذا أذن الله في شئ من السماء أو في الارض ارتفع ذلك اللوح فضرب جبهته فينظر فإن كان من عملي أمرني به وإن كان من عمل ميكائيل أمره به وإن كان من عمل ملك الموت أمره به * قلت " يا جبريل وعلى أي شئ أنت " قال: على الريح والجنود * قلت: " وعلى أي شئ ميكائيل " قال: على النبات والقطر قلت: " وعلى أي شي ملك الموت " قال: على قبض الانفس وما ظننت أنه نزل إلا لقيام الساعة وما الذي رأيت مني إلا خوفا من قيام الساعة * هذا حديث غريب من هذا الوجه * وفي صحيح مسلم (3) عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك (4) إنك تهدي من تشاء إلى صراط
__________
(1) في تقريب التهذيب: محمد بن عمران بن محمد بن أبي ليلى، أبو عبد الرحمن الكوفي صدوق.
قال أبو حاتم صدوق أملى علينا من كتاب الفرائض من حفظه عن أبيه عن جده - ج 2 / 196 والكاشف ج 3 / 76.
(2) أخرجه البيهقي بنحوه عن ابن عباس ولم يسم الملك.
دلائل ج 1 / 334، وأخرجه أيضا أحمد في مسنده 2 / 231 عن أبي هريرة.
ولم يسم الملك أيضا وآخره قال: بل عبدا رسولا.
(3) في 6 كتاب صلاة المسافرين وقصرها 26 باب الدعاء في صلاة الليل وقيامها ح 200 (770) ص 1 / 534.
(4) قوله: اهدني.
باذنك: معناه ثبتني عليه.
[ * ]

(1/48)

مستقيم * وفي حديث الصور أن إسرافيل أول من يبعثه الله بعد الصعق لينفخ في الصور * وذكر محمد بن الحسن النقاش أن إسرافيل أول من سجد من الملائكة فجوزي بولاية اللوح المحفوظ * حكاه أبو القاسم السهيلي في كتابه (التعريف والاعلام.
بما أبهم في القرآن من الاعلام) * وقال
تعالى * من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) (1) عطفهما على الملائكة لشرفهما فجبريل ملك عظيم قد تقدم ذكره * وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات وهو ذو مكانة من ربه عز وجل ومن أشراف الملائكة المقربين * وقد قال الامام أحمد حدثنا أبو اليمان حدثنا ابن عباس عن عمارة بن غزنة الانصاري أنه سمع حميد بن عبيد مولى بني المعلى يقول سمعت ثابتا البناني يحدث عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لجبريل: مالي لم أر ميكائيل ضاحكا قط (2) فقال: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار * فهؤلاء الملائكة المصرح بذكرهم في القرآن وفي الصحاح (3) هم المذكورون في الدعاء النبوي " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل * فجبريل ينزل بالهدى على الرسل لتبليغ الامم.
وميكائيل موكل بالقطر والنبات الذين يخلق منهما الارزاق في هذه الدار * وله أعوان يفعلون ما يأمرهم به بأمر ربه.
يصرفون الرياح والسحاب كما يشاء الرب جل جلاله.
وقد روينا أنه ما من قطرة تنزل من السماء إلا ومعها ملك يقررها في موضعها من الارض " وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور للقيام من القبور.
والحضور يوم البعث والنشور ليفوز الشكور.
ويجازي الكفور.
فذاك ذنبه مغفور.
وسعيه مشكور * وهذا قد صار عمله كالهباء المنثور.
وهو يدعو بالويل والثبور " فجبريل عليه السلام يحصل بما ينزل به الهدى * وميكائيل يحصل بما هو موكل به الرزق.
وإسرافيل يحصل بما هو موكل به النصر والجزاء * وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن ولا في الاحاديث الصحاح.
وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل والله أعلم.
وقد قال الله تعالى * قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون) [ السجدة: 11 ] وله أعوان يستخرجون روح العبد من جثته حتى تبلغ الحلقوم فيتناولها ملك الموت بيده فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها منه فيلقوها في أكفان تليق بها كما قد بسط عند قوله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) [ إبراهيم: 27 ].
ثم يصعدون بها فإن كانت صالحة فتحت لها أبواب السماء وإلا غلقت دونها وألقي بها إلى
الارض قال الله تعالى (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت
__________
(1) سورة البقرة الآية 98.
(2) مسند أحمد 3 / 224.
(3) أي الاحاديث الصحيحة.
[ * ]

(1/49)

وفته رسلنا وهم لا يفرطون * ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين * [ الانعام: 61 ].
وعن ابن عباس ومجاهد وغير واحد أنهم قالوا إن الارض بين يدي ملك الموت مثل الطست بتناول منها حيث يشاء وقد ذكرنا أن ملائكة الموت يأتون الانسان على حسب عمله إن كان مؤمنا اتاه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب طيبة الارواح.
وإن كان كافرا فبالضد من ذلك * عياذا بالله العظيم من ذلك * وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا يحيى بن أبي يحيى المقري حدثنا عمرو بن شمر قال سمعت جعفر بن محمد قال سمعت أبي يقول نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت عند رأس رجل من الانصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن " فقال ملك الموت: يا محمد طب نفسا وقر عينا فإني بكل مؤمن رفيق * واعلم أن ما في الارض بيت مدر ولا شعر في بر ولا بحر إلا وأنا أتفحصهم في كل يوم خمس مرات حتى إني أعرف بصغيرهم وكبيرهم بأنفسهم والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها.
قال جعفر بن محمد أبي هو الصادق بلغني بتفحصهم عند مواقيت الصلاة فإذا حضر عند الموت فإذا كان ممن يحافظ على الصلاة دنا منه الملك ودفع عنه الشيطان ولقنه الملك (لا إله إلا الله محمد رسول الله) في تلك الحال العظيمة.
هذا حديث مرسل وفيه نظر وذكرنا في حديث الصور من طريق إسمعيل بن رافع المدني القاص عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (الحديث) بطوله.
وفيه ويأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق فينفخ نفخة الصعق فيصعق أهل السموات وأهل الارض إلا من شاء الله فإذا هم قد خمدوا
جاء ملك الموت إلى الجبار عزوجل فيقول يا رب قد مات أهل السموات والارض إلا من شئت * فيقول الله وهو أعلم بمن بقي (فمن بقي) فيقول بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت حملة عرشك وبقي جبريل وميكائيل * فيقول ليمت جبريل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول يا رب يموت جبريل وميكائيل فيقول: اسكت فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرسي فيموتان " ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار عزوجل فيقول يا رب قد مات جبريل وميكائيل فيقول الله وهو أعلم بمن بقي فمن بقي ؟ فيقول بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت حملة عرشك وبقيت أنا فيقول الله لتمت حملة عرشي.
فتموت.
ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل ثم يأتي ملك الموت فيقول يا رب قد مات حملة عرشك فيقول الله وهو أعلم بمن بقي (فمن بقي) فيقول بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا فيقول الله أنت خلق من خلقي خلقتك لما أردت فمت فيموت فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد * كان آخرا كما كان أولا * وذكر تمام الحديث بطوله رواه الطبراني وابن جرير والبيهقي ورواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب (الطوالات) وعنده زيادة غريبة وهي قوله فيقول الله له أنت خلق من خلقي خلقتك لما أردت فمت موتا لا تحيى بعده أبدا.

(1/50)

ومن الملائكة المنصوص على أسمائهم في القرآن هاروت وماروت في قول جماعة كثيرة من السلف * وقد ورد في قصتهما وما كان من أمرهما آثار كثيرة غالبها إسرائيليات * وروى الامام أحمد حديثا مرفوعا عن ابن عمر وصححه ابن حبان في تقاسيمه.
وفي صحته عندي نظر والاشبه أنه موقوف على عبد الله بن عمر ويكون مما تلقاه عن كعب الاحبار كما سيأتي بيانه والله أعلم * وفيه أنه تمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر * وعن علي وابن عباس وابن عمر أيضا ان الزهرة كانت امرأة وأنهما لما طلبا منها ما ذكر أبت إلا أن يعلماها الاسم الاعظم فعلماها فقالته فارتفعت إلى السماء فصارت كوكبا * وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال وفي ذلك الزمان إمرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب.
وهذا اللفظ أحسن ما ورد في شأن الزهرة * ثم قيل
كان أمرهما وقصتهما في زمان إدريس * وقيل في زمان سليمان بن داود كما حررنا ذلك في التفسير.
وبالجملة فهو خبر إسرائيلي مرجعه إلى كعب الاحبار كما رواه عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب أحبار بالقصة * وهذا أصح إسنادا وأثبت رجالا والله أعلم.
ثم قد قيل إن المراد بقوله * وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت * (1) قبيلان من الجان قاله ابن حزم وهذا غريب وبعيد من اللفظ * ومن الناس من قرأ وما أنزل على الملكين بالكسر ويجعلهما علجين من أهل فارس.
قاله الضحاك.
ومن الناس من يقول هما ملكان من السماء ولكن سبق في قدر الله لهما ما ذكره من أمرهما إن صح به الخبر ويكون حكمهما كحكم إبليس إن قيل إنه من الملائكة لكن الصحيح أنه من الجن كما سيأتي تقريره.
ومن الملائكة المسمين في الحديث منكر ونكير عليهما السلام.
وقد استفاض في الاحاديث ذكرهما في سؤال القبر.
وقد أوردناها عند قوله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) (2) وهما فتانا القبر موكلان بسؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه ويمتحنان البر والفاجر وهما أزرقان أفرقان لهما أنياب وأشكال مزعجة وأصوات مفزعة أجارنا الله من عذاب القبر وثبتنا بالقول الثابت آمين * وقال البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا ابن وهب حدثني يونس عن ابن شهاب حدثني عروة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: " هل أتي عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟.
قال: " لقد لقيت من قومك (3) وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة (4) إذا عرضت نفسي على ابن عبد
__________
(1) سورة البقرة الآية 102.
(2) سورة إبراهيم الآية 27.
(3) قومك: أي قريش، وتقدير العبارة: لقد لقيت منهم ما لقيت.
(4) يوم العقبة: وهو اليوم الذي وقف به النبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة بمنى داعيا الناس إلى الاسلام والى الله رب العالمين [ * ]

(1/51)

ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب (1) فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا به عليك وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد فقال ذلك فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الاخشبين (2) فقال النبي صلى الله عليه وسلم " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا * ورواه مسلم من حديث ابن وهب به (3).
فصل ثم الملائكة عليهم السلام بالنسبة إلى ما هيأهم الله له أقسام * فمنهم حملة العرش كما تقدم ذكرهم ومنهم الكروبيون الذين هم حول العرش وهم أشرف الملائكة مع حملة العرش.
وهم الملائكة المقربون كما قال تعالى (لن يستنكف المسيح أن يكون عبد الله ولا الملائكة المقربون) (4) * ومنهم جبريل وميكائيل عليهما السلام.
وقد ذكر الله عنهم أنهم يستغفرون للمؤمنين بظهر الغيب كما قال تعالى: (ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم.
ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.
إنك أنت العزيز الحكيم.
وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته.
وذلك هو الفوز العظيم) (5).
ولما كانت سجاياهم هذه السجية الطاهرة كانوا يحبون من اتصف بهذه الصفة فثبت في الحديث عن الصادق المصدوق أنه قال " إذا دعا العبد لاخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك بمثل " (6).
__________
= موحدين له، فما أجيب إلا بالاذى وذلك اليوم أصبح معروفا.
(1) قرن الثعالب: هو قرن المنازل - وهو ميقات أهل نجد، وهو على مرحلتين من مكة، والقرن أصله كل جبل صغير ينقطع من جبل كبير.
(2) الاخشبان: جبلا مكة: أبو قبيس والجبل الذي يقابله.
(3) في (32) كتاب الجهاد والسير - 39 باب ما لقي النبي من أذى المشركين ح 111 - 1795 ص 3 / 420 والبخاري رقم / 1525 - (4) سورة النساء الآية 172.
(5) سورة غافر الآية 7.
(6) رواه الترمذي في صحيحه في بر / 50.
وأبو داود كتاب الصلاة - باب الدعاء بظهر الغيب ج 1534، ج 2 / 89.
وابن ماجة في المناسك (5).
[ * ]

(1/52)

ومنهم سكان السموات السبع يعمرونها عبادة دائبة ليلا ونهارا صباحا ومساء كما قال [ تعالى ]: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) [ الانبياء: 20 ] فمنهم الراكع دائما والقائم دائما والساجد دائما * ومنهم الذين يتعاقبون زمرة بعد زمرة إلى البيت المعمور كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم.
ومنهم الموكلون بالجنان وإعداد الكرامة لاهلها وتهيئة الضيافة لساكنيها من ملابس ومصاغ ومساكن ومآكل ومشارب وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وخازن الجنة ملك يقال له رضوان جاء مصرحا به في بعض الاحاديث.
ومنهم الموكلون بالنار وهم الزبانية * ومقدموهم تسعة عشر وخازنها مالك وهو مقدم على جميع الخزنة.
وهم المذكورون في قوله تعالى (وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب) [ غافر: 49 ] الآية.
وقال تعالى (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك.
قال انكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون) [ الزخرف: 77 ] وقال تعالى (عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) [ التحريم: 6 ] وقال تعالى (عليها تسعة عشر وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم الا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أتوا الكتاب ويزداد الدين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين اؤتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا *
كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء * وما يعلم جنود ربك إلا هو) [ المدثر: 31 ].
وهم الموكلون بحفظ بني آدم كما قال تعالى (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به.
ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار * له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظون من أمر الله ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال) [ الرعد: 10 ].
قال الوالبي عن ابن عباس (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) وهي الملائكة وقال عكرمة عن ابن عباس يحفظونه من أمر الله * قال ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه فإذا جاء قدر الله خلوا عنه وقال مجاهد ما من عبد إلا وملك موكل بحفظه في نومه.
ويقظته من الجن والانس والهوام.
وليس شئ يأتيه يريده إلا وقال وراءك إلا شئ يأذن الله فيه فيصيبه.
وقال أبو أسامة (1): ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود عنه حتى يسلمه للذي قدر له.
وقال أبو مجلز جاء رجل إلى علي فقال: إن نفرا من مراد يريدون قتلك فقال إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه وإن الاجل جنة (2) حصينة.
__________
(1) في القرطبي 9 / 293 أبو أمامة.
(2) في القرطبي: حصن.
[ * ]

(1/53)

ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد كما قال تعالى: (عن اليمين وعن الشمال قعيد.
ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) [ ق: 18 ] وقال تعالى: (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) [ الانفطار: 12 ] قال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في تفسيره حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا وكيع حدثنا سفيان ومسعر عن علقمة بن يزيد عن مجاهد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين الجنابة والغائط فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجذم حائط أو بعيره أو يستره أخوه " هذا مرسل من هذا الوجه وقد وصله البزار في مسنده من طريق جعفر بن
سليمان * وفيه كلام عن علقمة عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من الله والذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات الغائط والجنابة والغسل.
فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستر بثوبه أو بجذم حائط أو بعيره.
ومعنى اكرامهم أن يستحي منهم فلا يملي عليهم الاعمال القبيحة التي يكتبونها فان الله خلقهم كراما في خلقهم وأخلاقهم * ومن كرمهم أنه قد ثبت في الحديث المروي في الصحاح والسنن والمسانيد من حديث جماعة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب (1) وفي رواية عن عاصم بن ضمرة عن علي (ولا بول) وفي رواية رافع عن أبي سعيد مرفوعا لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا تمثال.
وفي رواية مجاهد عن أبي هريرة مرفوعا لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو تمثال.
وفي رواية ذكوان أبي صالح السماك عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تصحب الملائكة رفقة معهم كلب أو جرس.
ورواه زرارة بن أوفى عنه لا تصحب الملائكة رفقة معهم جرس.
وقال البزار حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقلوس.
حدثنا بيان بن حمران حدثنا سلام عن منصور بن زاذان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن ملائكة الله يعرفون بني آدم - وأحسبه.
قال - ويعرفون أعمالهم فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا أفلح الليلة فلان نجا الليلة فلان.
وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسموه.
وقالوا هلك فلان الليلة * ثم قال سلام أحسبه سلام المدائني (2) وهو لين الحديث.
وقد قال البخاري حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق وكتاب الانبياء والمغازي والنكاح.
وأبو داود في اللباس - والترمذي - والنسائي في الطهارة والصيد ومالك في الموطأ " الاستئذان " والدارمي في الاستئذان.
والامام أحمد في مسنده 1 / 80 - 82 - 107 - 129 - 150.
(2) سلام بتشديد اللام، ابن سليم أو سلم أبو سليمان التميمي ويقال الطويل، المدائني متروك تقريب 1 / 342 قال
البخاري: تركوه الكاشف 1 / 330.
[ * ]

(1/54)

الاعرح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الملائكة يتعاقبون ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر.
ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم فيقول كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون.
وأتيناهم وهم يصلون * هذا اللفظ في كتاب بدء الخلق بهذا السياق وهذا اللفظ تفرد به دون مسلم من هذا الوجه * وقد أخرجاه في الصحيحين في البدء من حديث مالك عن أبي الزناد به * وقال البزار حدثنا زياد بن أيوب حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي حدثنا تمام بن نجيح عن الحسن يعني البصري عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من حافظين يرفعان إلى الله عزوجل ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارا إلا قال الله غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة * ثم قال تفرد به تمام بن نجيح وهو صالح الحديث * قلت وقد وثقه ابن معين وضعفه البحاري وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي وابن عدي ورماه ابن حبان بالوضع وقال الامام أحمد لا أعرف حقيقة أمره والمقصود أن كل إنسان له حافظان ملكان اثنان واحد من بين يديه وآخر من خلفه يحفظانه من أمر الله بأمر الله عزوجل * وملكان كاتبان عن يمينه وعن شماله وكاتب اليمين أمير على كاتب الشمال.
كما ذكرنا ذلك عند قوله تعالى: (عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) [ ق: 18 ].
فأما الحديث الذي رواه الامام أحمد حدثنا أسود ابن عامر * حدثنا سفيان.
حدثنا منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن عبد الله هو ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا وإياك يارسول الله قال وإياي ولكن الله أعانني عليه فلا يأمرني إلا بخير.
انفرد بإخراجه مسلم من حديث منصور به فيحتمل أن هذا القرين من الملائكة غير القرين بحفظ الانسان وإنما هو موكل به ليهديه ويرشده بإذن ربه إلى سبيل الخير وطريق الرشاد كما أنه قد وكل به القرين من الشياطين لا يألوه جهدا في الخبال والاضلال.
والمعصوم من عصمه الله عزوجل وبالله المستعان (1) وقال البخاري حدثنا أحمد بن يونس حدثنا إبراهيم بن سعد حدثنا ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن والاغر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الاول فالاول فإذا جلس الامام طووا الصحف
__________
(1) مسند أحمد: ج 1 / 385 - 401 ومنصور: هو منصور بن زاذان.
وفيه بحق بدل بخير.
وأخرجه مسلم في 50 كتاب صفات المنافقين 16 باب ح 69 (2814) ص 4 / 2167 قال القاضي: وأعلم أن الامة مجتمعة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه.
وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه فأعلمنا أنه معنا، لنحترز منه بحسب الامكان.
[ * ]

(1/55)

وجاؤوا يسمعون الذكر وهكذا رواه منفردا به من هذا الوجه وهو في الصحيحين ومن وجه آخر * وقد قال الله تعالى (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) * وقال الامام أحمد حدثنا أسباط حدثنا الاعمش عن إبراهيم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم * وحدثنا الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) قال تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار * ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث أسباط * وقال الترمذي حسن صحيح * قلت وهو منقطع.
وقال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم * قال: " فضل صلاة الجمع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة.
ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر " يقول أبو هريرة إقرؤا إن شئتم (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) وقال البخاري حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن الاعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان لعنتها
الملائكة حتى تصبح " * تابعه شعبة وأبو حمزة وأبو داود وأبو معاوية عن الاعمش.
وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أمن الامام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " * وفي صحيح البخاري حدثنا إسماعيل بلفظ: " إذا قال الامام آمين فإن الملائكة تقول في السماء آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " * وفي صحيح البخاري حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن سمي (1) عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قال الامام سمع الله لمن حمده فقولوا (اللهم ربنا ولك الحمد) فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ".
ورواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من حديث مالك * وقال الامام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد هو شك (يعني الاعمش) قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ملائكة سياحين في الارض فضلا عن كتاب الناس فإذا وجدوا أقواما يذكرون الله فنادوا هلموا إلى بغيتكم فيجيئون بهم إلى السماء الدنيا فيقول الله أي شئ تركتم عبادي يصنعون فيقولون تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويذكرونك فيقول وهل رأوني فيقولون لا فيقول كيف لو رأوني فيقولون لو رأوك لكانوا أشد تحميدا وتمجيدا وذكرا * قال فيقول فأي شئ يطلبون فيقولون يطلبون الجنة فيقول وهل رأوها فيقولون لا فيقول وكيف لو رأوها فيقولون لو رأوها لكانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا قال فيقول من أي يتعوذون، فيقولون من النار فيقول وهل رأوها فيقولون لا فيقول فكيف لو رأوها فيقولون لو رأوها كانوا أشد منها هربا وأشد منها خوفا.
قال فيقول أشهدكم أني قد غفرت لهم.
قال فيقول إن فيهم فلانا
__________
(1) سمي: مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ثقة قتل يوم قديد سنة 13 وفي التقريب سنة 30 وهو الصواب قتلته الحرورية: (1 / 333) (الكاشف 1 / 223).
[ * ]

(1/56)

الخطاء لم يردهم إنما جاء لحاجة فيقول هم القوم لا يشقي بهم جليسهم (1).
وهكذا رواه البخاري عن قتيبة عن جرير بن عبد الحميد عن الاعمش به.
وقال رواه شعبة عن الاعمش ولم يرفعه.
ورفعه سهيل عن أبيه.
وقد رواه أحمد عن عفان عن وهيب عن سهيل
عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه كما ذكره البخاري معلقا عن سهيل.
ورواه مسلم عن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد عن وهب به.
وقد رواه الامام أحمد أيضا عن غندر عن شعبة عن سليمان (هو الاعمش) عن أبي صالح عن أبي هريرة كما أشار إليه البخاري رحمه الله * وقال الامام أحمد حدثنا أبو معاوية.
حدثنا الاعمش وابن نمير * وأخبرنا الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من نفس عن مؤمن كربة عن كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة * ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة.
والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
ومن سلك طريقا يلتمس به علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدا رسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده * ومن بطأ (2) به عمله لم يسرع به نسبه " * وكذا رواه مسلم من حديث أبي معاوية * (3) وقال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن أبي إسحاق عن الاغر (أبي مسلم) عن أبي هريرة وأبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: " ما اجتمع قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده * وكذا رواه أيضا من حديث إسرائيل وسفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق به نحوه * ورواه مسلم من حديث شعبة والترمذي من حديث الثوري وقال حسن صحيح * ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن آدم عن عمار بن زريق عن أبي إسحاق بإسناد نحوه * وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة * وفي مسند الامام أحمد والسنن عن أبي الدرداء مرفوعا (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع) أي تتواضع له كما قال تعالى (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) [ الاسراء: 24 ] وقال تعالى (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) [ الشعراء: 215 ] وقال الامام أحمد حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن لله ملائكة سياحين في الارض ليبلغوني عن أمتي لسلام * وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري وسليمان الاعمش كلاهما عن عبد الله بن لسائب به * وقال الامام أحمد.
حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة
__________
(1) مسند أحمد: ج 1 / 452 و 2 / 251.
(2) قوله ومن بطأ به عمله: معناه من كان عمله ناقصا لم يلحقه بمرتبة أصحاب الاعمال، فينبغي أن لا يتكل على شرف النسب وفضيلة الآباء، ويقصر في العمل.
(3) مسند أحمد: ج 2 / 252.
ومسلم في 48 كتاب الذكر والدعاء - 11 باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن 38 (2699) ص 4 / 2074.
[ * ]

(1/57)

قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم " وهكذا رواه مسلم عن محمد بن رافع وعبدة بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق به.
والاحاديث في ذكر الملائكة كثيرة جدا * وقد ذكرنا ما يسره الله تعالى وله الحمد.
فصل وقد اختلف الناس في تفضيل الملائكة على البشر على أقوال: فأكثر ما توجد هذه المسألة في كتب المتكلمين والخلاف فيها مع المعتزلة ومن وافقهم وأقدم كلام رأيته في هذه المسألة ما ذكره الحافظ بن عساكر في تاريخه في ترجمة أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص أنه حضر مجلسا لعمر بن عبد العزيز وعنده جماعة فقال عمر ما أحد أكرم على الله من كريم بني آدم.
واستدل بقوله تعالى (إن الذين آمنوا وعلموا الصالحات أولئك هم خير البرية) [ البينة: 7 ] ووافقه على ذلك أمية بن عمرو بن سعيد فقال عراك بن مالك ما أحد أكرم على الله من ملائكته هم خدمة داريه ورسله إلى أنبيائه.
واستدل بقوله تعالى (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) [ الاعراف: 20 ] فقال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القرظي ما تقول أنت يا أبا حمزة * فقال قد أكرم الله آدم فخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة وجعل من ذريته الانبياء والرسل ومن يزوره الملائكة * فوافق عمر بن عبد العزيز في الحكم واستدل بغير دليله * وأضعف دلالة ما صرح به من الآية وهو قوله (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) مضمونه أنها ليست بخاصة بالبشر * فإن الله قد وصف الملائكة بالايمان في قوله
(ويؤمنون به) وكذلك الجان (وإنا لما سمعنا الهدى آمنا به) [ الجن: 13 ] (وإنا منا المسلمون) قلت وأحسن ما يستدل به في هذه المسألة ما رواه عثمان بن سعيد الدارمي عن عبد الله بن عمرو مرفوعا وهو أصح، قال: لما خلق الله الجنة قالت الملائكة يا ربنا اجعل لنا هذه نأكل منها ونشرب فإنك خلقت الدنيا لبني آدم فقال الله، لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان.
باب خلق الجان وقصة الشيطان قال الله تعالى (خلق الانسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار فبأي آلاء ربكما تكذبان) [ الرحمن: 14 ] وقال تعالى (ولقد خلقنا الانسان من صلصال من حمأ مسنون.
والجان خلقناه من قبل من نار السموم) [ الحجر: 26 - 27 ] وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وغير واحد (من مارج من نار) قالوا من طرف اللهب وفي رواية من خالصه وأحسنه * وقد ذكرنا آنفا من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من نار وخلق آدم مما وصف لكم رواه

(1/58)

مسلم * قال كثير من علماء التفسير خلقت الجن قبل آدم عليه السلام وكان قبلهم في الارض الحن والبن فسلط الله الجن عليهم فقتلوهم وأجلوهم عنها وأبادوهم منها وسكنوها بعدهم.
وذكر السدي في تفسيره عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش فجعل إبليس على ملك الدنيا وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن وإنما سموا الجن لانهم خزان الجنة.
وكان إبليس مع ملكه خازنا فوقع في صدره إنما أعطاني الله هذا لمزية لي على الملائكة.
وذكر الضحاك عن ابن عباس أن الجن لما أفسدوا في الارض وسفكوا الدماء بعث الله إليهم إبليس ومعه جند من الملائكة فقتلوهم وأجلوهم عن الارض إلى جزائر البحور.
وقال محمد بن إسحاق عن خلاد عن عطاء عن طاوس عن ابن عباس كان اسم إبليس قبل
أن يرتكب المعصية عزازيل.
وكان من سكان الارض ومن أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما وكان من حي يقال لهم الجن * وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عنه كان اسمه عزازيل وكان من أشرف الملائكة من أولي الاجنحة الاربعة * وقد أسند عن حجاج عن ابن جريج قال ابن عباس كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة * وكان خازنا على الجنان وكان له سلطان سماء الدنيا.
وكان له سلطان الارض * وقال صالح مولى التوأمة عن ابن عباس كان يسوس ما بين السماء والارض رواه ابن جرير وقال قتادة عن سعيد بن المسيب كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا * وقال الحسن البصري لم يكن من الملائكة طرفة عين وأنه لاصل الجن كما أن آدم أصل البشر * وقال شهر ابن حوشب وغيره كان إبليس من الجن الذين طردوهم الملائكة فأسره بعضهم وذهب به إلى السماء.
رواه ابن جرير * قالوا فلما أراد الله خلق آدم ليكون في الارض هو وذريته من بعده وصور جثته منها جعل إبليس وهو رئيس الجان وأكثرهم عبادة إذ ذاك وكان اسمه عزازيل يطيف به فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك * وقال أما لئن سلطت عليك لاهلكنك ولئن سلطت علي لاعصينك فلما أن نفخ الله في آدم من روحه كما سيأتي وأمر الملائكة بالسجود له دخل إبليس منه حسد عظيم وامتنع من السجود له وقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، فخالف الامر واعترض على الرب عزوجل وأخطأ في قوله وابتعد من رحمة ربه وأنزل من مرتبته التي كان قد نالها بعبادته وكان قد تشبه بالملائكة ولم يكن من جنسهم لانه مخلوق من نار وهم من نور فخانه طبعه في أحوج ما كان إليه ورجع إلى أصله الناري (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين) [ الحجر: 30 ] وقال تعالى (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا) [ الكهف: 50 ].
فأهبط إبليس من الملا الاعلى وحرم عليه قدر أن يسكنه فنزل إلى الارض حقيرا ذليلا مذؤما مدحورا متوعدا بالنار هو ومن اتبعه من الجن والانس إلا أنه مع ذلك جاهد كل الجهد على إضلال

(1/59)

بني آدم بكل طريق وبكل مرصد كما قال (أرأيتك هذا الذي كرمت على لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا.
قال إذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الاموال والاولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا.
إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا) [ الاسراء: 62 ].
وسنذكر القصة مستفاضة عند ذكر خلق آدم عليه السلام * والمقصود أن الجان خلقوا من النار وهم كبني آدم يأكلون ويشربون ويتناسلون * ومنهم المؤمنون ومنهم الكافرون كما أخبر تعالى عنهم في صورة الجن في قوله تعالى (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين * قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم * يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم * ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الارض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين) [ الاحقاف: 29 ] وقال تعالى (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا.
وانه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا.
وانه كان يقول سفيهنا على الله شططا.
وأن ظننا أن لن تقول الانس والجن على الله كذبا.
وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا.
وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا * وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملائت حرسا شديدا وشهبا.
وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا.
وانا لا ندري أشر أريد بمن في الارض أم أراد بهم ربهم رشدا * وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا * وأنا ظننا ان لن نعجز الله في الارض ولن نعجزه هربا.
وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا.
وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون.
فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا * وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا.
وأن لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه.
ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا) [ الجن: 1 ]
وقد ذكرنا تفسير هذه السورة وتمام القصة في آخر سورة الاحقاف * وذكرنا الاحاديث المتعلقة بذلك هنالك * وأن هؤلاء النفر كانوا من جن (نصيبين) وفي بعض الآثار من جن (بصرى) وأنهم مروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي بأصحابه ببطن نخلة من أرض مكة فوقفوا فاستمعوا لقراءته.
ثم اجتمع بهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة كاملة فسألوه عن أشياء أمرهم بها ونهاهم عنها وسألوه الزاد فقال لهم (كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما يكون لحما وكل روثة علف لدوابكم) ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجي بهما وقال: (إنهما زاد إخوانكم) [ أي ]: الجن.
ونهى عن البول في السرب لانها مساكن الجن.
وقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن فما جعل يمر فيها بآية (فبأي آلاء ربكما تكذبان) إلا قالوا ولا بشئ من الآئك ربنا نكذب فلك الحمد.
وقد أثنى عليهم

(1/60)

النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لما قرأ هذه السورة على الناس فسكتوا.
فقال (الجن كانو أحسن منكم ردا ما قرأت عليهم فبأي آلاء ربكما تكذبان إلا قالوا ولا بشئ من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد) رواه الترمذي عن جبير وابن جرير والبزار عن ابن عمر.
وقد اختلف في مؤمني الجن هل يدخلون الجنة أو يكون جزاء طائعهم أن لا يعذب بالنار فقط.
على قولين الصحيح أنهم يدخلون الجنة لعموم القرآن * ولعموم قوله تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان.
فبأي آلاء ربكما تكذبان) [ الرحمن: 64 ] فامتن تعالى عليهم بذلك فلولا أنهم ينالونه لما ذكره وعده عليهم من النعم * وهذا وحده دليل مستقل كافي في المسألة وحده والله أعلم.
وقال البخاري حدثنا قتيبة عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه أن أبا سعيد الخدري قال له: (إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فانه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة) * قال أبو سعيد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم * انفرد به البخاري دون مسلم.
وأما كافرو الجن فمنهم الشياطين ومقدمهم الاكبر إبليس عدو آدم أبي البشر وقد سلطه هو وذريته على آدم وذريته.
وتكفل الله عزوجل بعصمة من آمن به وصدق رسله واتبع شرعه منهم.
كما قال (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا) [ الاسراء: 65 ] وقال تعالى (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين.
وما كان عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شئ حفيظ) [ سبأ: 20 ] وقال تعالى (يا بنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون) [ الاعراف: 27 ] وقال: (وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون.
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.
فسجد الملائكة كلهم أجمعون.
إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين قال يا إبليس مالك أن لا تكون من الساجدين قال لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حماء مسنون قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين.
قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون.
قال فانك من المنظرين.
إلى يوم الوقت المعلوم.
قال رب بما أغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم أجمعين.
إلا عبادك المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم.
ان عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين.
وإن جهنم لموعدهم أجمعين.
لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) [ الحجر: 21 ].
[ * ]

(1/61)

وقد ذكر تعالى هذه القصة في سورة البقرة وفي الاعراف وههنا وفي سورة سبحان وفي سورة طه وفي سورة ص * وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه في كتابنا التفسير ولله الحمد * وسنوردها في قصة آدم إن شاء الله * والمقصود أن إبليس أنظره الله إلى يوم القيامة محنة لعباده وإختبارا منه لهم كما قال تعالى (وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك.
وربك على كل شئ حفيظ) * وقال تعالى (وقال الشيطان لما قضي الامر إن الله وعدكم وعد
الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم * وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها باذن ربهم تحيتهم فيها سلام) [ إبراهيم: 28 ].
فإبليس لعنه الله حي الآن منظر إلى يوم القيامة بنص القرآن * وله عرش على وجه البحر وهو جالس عليه ويبعث سراياه يلقون بين الناس الشر والفتن * وقد قال الله تعالى (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) [ النساء: 76 ] وكان اسمه قبل معصيته العظيمة عزازيل * قال النقاش وكنيته (أبو كردوس) ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد ما ترى قال أرى عرشا على الماء.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أخسأ فلن تعدو قدرك " فعرف أن مادة مكاشفته التي كاشفه بها شيطانية مستمدة من إبليس الذي هو يشاهد عرشه على البحر * ولهذا قال له أخسأ فلن تعدو قدرك أي لن تجاوز قيمتك الدنية الخسيسة الحقيرة.
والدليل على أن عرش إبليس على البحر الذي رواه الامام أحمد حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان حدثني معاذ التميمي (1) عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عرش إبليس في البحر يبعث سراياه في كل يوم يفتنون الناس فأعظمهم عنده منزلة أعظمهم فتنة للناس " ورواه (2).
وقال أحمد حدثنا روح حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (عرش إبليس على البحر يبعث سراياه فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة) تفرد به من هذا الوجه.
وقال أحمد حدثنا مؤمل حدثنا حماد حدثنا علي بن زيد عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن صائد: " ما ترى " قال أرى عرشا على الماء أو قال على البحر حوله
__________
(1) مسند أحمد: ج 1 / 332 ماعز التميمي بدل معاذ.
(2) ورواه بياض بالاصل.
والتقدير أن أحمد رواه بروايتين اخريين عن جابر من طريق أبي الزبير 3 / 384 ومن طريق
سفيان عن أبي الزبير عن جابر 3 / 332 وفيها: عرش إبليس على البحر.
[ * ]

(1/62)

حيات "، قال صلى الله عليه وسلم: " ذاك عرش إبليس " * هكذا رواه في مسند جابر.
وقال في مسند أبي سعيد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن صائد: " ما ترى قال: أرى عرشا على البحر حوله الحيات "، فقال.
رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدق ; ذاك عرش إبليس ".
وروى الامام أحمد من طريق معاذ التميمي وأبي الزبير (1) عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكن في التحريش (2) بينهم " * وروى الامام مسلم من حديث الاعمش عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن الشيطان يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة.
يجئ أحدهم فيقول ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا.
فيقول إبليس لا والله ما صنعت شيئا.
ويجئ أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله.
قال فيقربه ويدنيه ويقول نعم أنت " يروى بفتح النون بمعنى نعم أنت ذاك الذي تستحق الاكرام.
وبكسرها أي نعم منك * وقد استدل به بعض النحاة على جواز كون فاعل نعم مضمرا وهو قليل * واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج الاول ورجحه ووجهه بما ذكرناه والله أعلم.
وقد أوردنا هذا الحديث عند قوله تعالى (ما يفرقون به بين المرء وزوجه) (3) يعني أن السحر المتلقي عن الشياطين من الانس والجن يتوصل به إلى التفرقة بين المتآلفين غاية التآلف المتوادين المتحابين ولهذا يشكر إبليس سعى من كان السبب في ذلك.
فالذي ذمه الله يمدحه والذي يغضب الله يرضيه عليه لعنة الله * وقد أنزل الله عزوجل سورتي المعوذتين مطردة لانواع الشر وأسبابه وغاياته.
ولا سيما سورة (قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس) (4).
وثبت في الصحيحين عن أنس.
وفي صحيح البخاري عن صفية بنت حسين (5) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الشيطان يجري من
ابن آدم مجرى الدم " (6).
__________
(1) في المسند ماعز التميمي وسقط اسم أبي الزبير.
(2) قوله في التحريش: متعلق بمقدر محذوف أي أن الشيطان سعى في التحريش بين المصلين عن طريق بث الخصومات والبغضاء والحروب والفتن وغيرها.
(3) سورة البقرة الآية 102.
(4) سورة الناس الآية 4.
(5) عند مسلم صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب.
(6) قال القاضي عياض وغيره: قيل هو على ظاهره وأن الله تعالى جعل له قوة وقدرة على الجري في باطن الانسان في مجاري دمه، وقيل هو على الاستعارة لكثرة إغوائه ووسوسته فكأنه لا يفارق الانسان كما لا يفارقه دمه.
[ * ]

(1/63)

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا محمد بن جبير حدثنا عدي بن أبي عمارة حدثنا زياد النميري عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإن ذكر الله خنس وإن نسي التقم قلبه فذلك الوسواس الخناس " * ولما كان ذكر الله مطردة للشيطان عن القلب كان فيه تذكار للناس كما قال تعالى (واذكر ربك إذا نسيت) (1) " وقال صاحب موسى (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) (2) وقال تعالى (فأنساه الشيطان ذكر ربه) (3) يعني الساقي لما قال له يوسف اذكرني عند ربك نسي الساقي أن يذكره لربه يعني مولاه الملك.
وكان هذا النسيان من الشيطان (فلبث يوسف في السجن بضع سنين) (4) ولهذا قال بعده (وقال الذي نجا منهما وادكر بعد امة) (5) أي مدة * وقرئ بعد أمة أي نسيان.
وهذا الذي قلنا من أن الناسي هو الساقي هو الصواب من القولين كما قررناه في التفسير والله أعلم.
وقال الامام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عاصم سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عثر بالنبي صلى الله عليه وسلم حماره فقلت نفس الشيطان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تقل نفس الشيطان فإنك إذا قلت نفس الشيطان تعاظم وقال بقوتي صرعته وإذا قلت بسم الله تصاغر حتى
يصير مثل الذباب " * تفرد به أحمد وهو إسناد جيد * وقال أحمد حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا الضحاك ابن عثمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أحدكم إذا كان في المسجد جاء الشيطان فأيس به كما يئس الرجل بدابته فإذا سكن له زنقه أو ألجمه (6) * قال أبو هريرة وأنتم ترون ذلك.
أما المزنوق فتراه مائلا كذا لا يذكر إلا الله * وأما الملجم ففاتح فاه لا يذكر الله عزوجل تفرد به أحمد * وقال الامام أحمد حدثنا ابن نمير حدثنا ثور يعني ابن يزيد عن مكحول عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " العين حق ويحضرها الشيطان وحسد ابن آدم " * وقال الامام أحمد حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن ذر بن عبد الله الهمداني عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أحدث نفسي بالشئ - لان أخر من
__________
(1) سورة الكهف الآية 24.
(2) سورة الكهف الآية 63.
(3) سورة يوسف جزء من الآية 42.
(4) سورة يوسف جزء من الآية 42.
(5) سورة يوسف الآية 45.
أمة بالتشديد: الحين ولا تكون الحين إلا على حذف مضاف والامة الجماعة من الناس.
وقرأ ابن عباس أمة بفتح الهمزة وتخفيف الميم أي بعد نسيان وقيل أمه النسيان ذكره النحاس ورجل أمه ذاهب العقل.
قال صاحب اللسان أمه الرجل فهو مأموه وهو الذي ليس عقله معه.
وقرأ العقيلي بعد إمة أي بعد نعمة، أي بعد أن أنعم الله عليه بالنجاة.
(6) أيس بالشئ: استقل به، وزنقه: ضيق عليه.
[ * ]

(1/64)

السماء أحب إلي من أن أتكلم به.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الله أكبر الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة " * ورواه أبو داود والنسائي من حديث منصور زاد النسائي والاعمش كلاهما عن أبي ذر به.
وقال البخاري حدثنا يحي بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني عروة قال قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق ربك فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته " (1) * وهكذا رواه مسلم من حديث الليث ومن حديث الزهري وهشام بن عروة كلاهما عن عروة به * وقد قال الله تعالى (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) (2) وقال تعالى (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون) (3) وقال تعالى (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله انه سميع عليم) (4) وقال تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.
إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) (5).
وروى الامام أحمد وأهل السنن من حديث أبي المتوكل عن أبي سعيد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه.
وجاء مثله من رواية جبير بن مطعم وعبد الله بن مسعود وأبي أسامة الباهلي (6).
وتفسيره في الحديث (فهمزه الموتة وهو الخنق الذي هو الصرع.
ونفخه الكبر.
ونفثه الشعر) وثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال " أعوذ بالله من الخبت والخبائث " قال كثير من العلماء استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم (7) * وروى الامام أحمد عن شريح عن عيسى بن يونس عن ثور عن الحسين عن ابن سعد الخير وكان من أصحاب عمر عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم: " ومن أتى الغائط فليستتر فان لم يجد إلا أن يجمع كثيبا فليستدبره فان الشيطان
__________
(1) عقيل هو عقيل بن خالد.
قوله فليستعذ بالله ولينته: معناه إذا عرض له الوسواس فليلجأ إلى الله في دفع شروره وليعرض عن التفكير بذلك.
وليعلم أن هذا كله من وسوسة الشيطان الذي يسعى إلى إغرائه وإفساده وليشغل نفسه بالتفكير بأمور أخرى بعيدا عن الاصغاء لوسوسة الشيطان.
(2) سورة الاعراف الآية 201.
(3) سورة المؤمنون الآيه 97.
(4) سورة الاعراف الآية 200.
(5) سورة النحل الآية 98.
(6) كذا أبو أسامة والصواب أبو أمامة الباهلي، وهو صدي بن عجلان صحابي مشهور سكن الشهابي ومات بها سنة 86 / التقريب ج 1 / 366 - كاشف 2 / 26.
(7) وقال ابن الاثير في النهاية: وقيل الخبث بسكون الباء، وهو خلاف طيب الفعل من فجور وغيره.
والخبائث يريد بها الافعال المذمومة والخصال الرديئة.
[ * ]

(1/65)

يلعب بمقاعد بني آدم من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " * ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث ثور بن يزيد به.
وقال البخاري حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الاعمش عن عدي بن ثابت قال قال سليمان بن صرد استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس فأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إني لاعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد.
لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ".
فقالوا للرجل ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني لست بمجنون.
ورواه أيضا مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن الاعمش.
وقال الامام أحمد حدثنا محمد بن عبيد حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع.
عن ابن عمر أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: " لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشمال فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله " * وهذا على شرط الصحيحين بهذا الاسناد وهو في الصحيح من غير هذا الوجه.
وروى الامام أحمد من حديث إسماعيل بن أبي حكيم عن عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أكل بشماله أكل معه الشيطان ومن شرب بشماله شرب معه الشيطان " * وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر أنبأنا شعبة عن أبي زياد الطحان سمعت أبا هريرة يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا يشرب قائما فقال له: " قه " قال: لم.
قال: " أيسرك أن يشرب معك الهر ".
قال: لا.
قال: " فإنه قد شرب معك من هو شر منه الشيطان " تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال أيضا: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن رجل عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو يعلم الذي يشرب وهو قائم ما في بطنه لاستقاء " قال: وحدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث الزهري * وقال الامام حدثنا موسى حدثنا ابن لهيعة عن ابن الزبير أنه سأل جابرا سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا دخل الرجل بيته فذكر اسم الله حين يدخل وحين يطعم قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء ههنا.
وان دخل ولم يذكر اسم الله عند دخوله قال أدركتم المبيت.
وان لم يذكر اسم الله عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء " ؟ قال نعم * وقال البخاري حدثنا محمد حدثنا عبدة حدثنا محمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى يبرز وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى يغيب ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فانها تطلع بين قرني الشيطان " (1) أو (الشياطين) لا أدري أي ذلك قال هشام * ورواه مسلم والنسائي من حديث هشام به * وقال البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى
__________
(1) بين قرني الشيطان: قيل المراد بقرنه أمته وشيعته وقيل: قرنه جانب رأسه.
هذا ظاهر الحديث.
ومعناه أن يدنو برأسه إلى الشمس في هذا الوقت ليكون الساجدون للشمس من الكفار كالساجدين له.
حينئذ يمكن أن يلبس على المصلي صلاته.
فكرهت الصلاة في هذا الوقت لسياق المعنى كما كرهت في مأوى الشيطان.
[ * ]

(1/66)

المشرق فقال " ها إن الفتنة ههنا إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان " * هكذا رواه البخاري منفردا به من هذا الوجه * وفي السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نهى أن يجلس بين الشمس والظل.
وقال إنه مجلس الشيطان ".
وقد ذكروا في هذا معاني.
من أحسنها أنه لما كان الجلوس في مثل هذا الموضع فيه تشويه بالخلقة فيما يرى كان يحبه الشيطان لان خلقته في نفسه مشوه وهذا مستقر في الاذهان.
ولهذا قال تعالى: (طلعها كأنه رؤس الشياطين) (1) الصحيح أنهم الشياطين لا ضرب من الحيات كما زعمه من زعمه من المفسرين والله أعلم * فان النفوس مغروز فيها قبح الشياطين وحسن خلق الملائكة وإن لم يشاؤا.
ولهذا قال تعالى (طلعها كأنه رؤس الشياطين)
وقال النسوة لما شاهدن جمال يوسف (حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم) (2).
وقال البخاري حدثنا يحيى بن جعفر حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري حدثنا ابن جريج أخبرني عطاء عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استجنح) أو (كان جنح الليل) فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ فإذا ذهب ساعة من العشاء فحلوهم وأغلق بابك واذكر اسم الله وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله وأوك (3) سقاءك واذكر اسم الله وخمر إناءك واذكر اسم الله ولو تعرض عليه شيئا ".
ورواه أحمد عن يحيى عن ابن جريج وعنده فإن الشيطان لا يفتح مغلقا.
وقال الامام أحمد حدثنا وكيع عن قط (4) عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أغلقوا أبوابكم وخمروا آنيتكم وأوكوا أسقيتكم وأطفؤا سرجكم فان الشيطان لا يفتح بابا مغلقا ولا يكشف غطاء ولا يحل وكاء وإن الفويسقة تضرم البيت على أهله يعني الفأرة.
وقال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني فإن كان بينهما ولد لم يضره الشيطان ولم يسلط عليه ".
وحدثنا الاعمش عن سالم عن كريب عن ابن عباس مثله.
ورواه أيضا عن موسى بن إسماعيل عن همام عن منصور عن سالم عن كريب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أما لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فرزقا ولدا لم يضره الشيطان " * وقال البخاري حدثنا إسماعيل حدثنا أخي عن سليمان عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد.
يضرب على كل عقدة مكانها " عليك ليل طويل فارقد " فان استيقظ فذكر الله انحلت عقدة.
فإن توضأ إنحلت عقدة.
فإن صلى إنحلت عقده كلها فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان " هكذا رواه منفردا به من
__________
(1) سورة الصافات الآية 65.
(2) سورة يوسف الآية 31.
(3) أوك من الوكاء وهو كل ما شد رأسه من وعاء وغيرها.
(4) كذا في الاصول قط وليس الرواة من تسمى بهذا الاسم وفي المسند ج 3 / 301 ورد قطر.
[ * ]

(1/67)

هذا الوجه.
وقال البخاري حدثنا إبراهيم عن حمزة حدثني ابن أبي حازم عن يزيد يعني ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فاستنثر ثلاثا فإن الشيطان يبيت على خيشومه) ورواه مسلم عن بشر بن الحكم عن الدراوردي.
والنسائي عن محمد بن زنبور عن عبد العزيز بن أبي حازم كلاهما عن يزيد بن الهادي به.
وقال البخاري حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال " ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل نام ليله ثم أصبح قال ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه " أو قال (في أذنه).
ورواه مسلم عن عثمان واسحاق كلاهما عن جرير به.
وأخرجه البخاري أيضا والنسائي وابن ماجة من حديث منصور بن المعتمر به.
وقال البخاري حدثنا محمد بن يوسف أنبأنا الاوزاعي عن يحى ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط فإذا قضى أقبل فإذا ثوب بها أدبر فإذا قضى أقبل حتى يخطر بين الانسان وقلبه.
فيقول اذكر كذا وكذا حتى لا يدري أثلاثا صلى أم أربعا فإذا لم يدر أثلاثا صلى أم أربعا سجد سجدتي السهو " هكذا رواه منفردا به من هذا الوجه.
وقال أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا جعفر يعني الاحمر عن عطاء بن السائب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " راصوا الصفوف فإن الشيطان يقوم في الخلل " (1) وقال أحمد حدثنا أبان حدثنا قتادة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " راصوا الصفوف وقاربوا بينها وحاذوا بين الاعناق فوالذي نفس محمد بيده إني لارى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنه الحذف " (2) * وقال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا يونس عن حميد بن هلال عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا مر بين يدي أحدكم شئ فليمنعه فإن أبى فليمنعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان " ورواه أيضا مسلم وأبو داود من حديث سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال به * وقال الامام أحمد حدثنا
أبو أحمد حدثنا بشير بن معبد حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائما يصلي فذهبت أمر بين يديه فردني * ثم قال حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يصلي صلاة الصبح وهو خلفه يقرأ فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال " لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين الابهام والتي تليها ولولا دعوة أخي سليمان لاصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد بتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل * وروى أبو داود منه فمن استطاع إلى آخره عن أحمد بن أبي سريج عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن محمد بن الزبير به.
وقال البخاري حدثنا محمود حدثنا شبابة حدثنا شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه صلى صلاة فقال إن الشيطان عرض لي فسد علي لقطع الصلاة علي فأمكنني الله منه " فذكر الحديث * وقد رواه
__________
(1) مسند أحمد 3 / 154.
(2) مسند أحمد 3 / 260.
[ * ]

(1/68)

مسلم والنسائي من حديث شعبة به مطولا.
ولفظ البخاري عند تفسير قوله تعالى أخبارا عن سليمان عليه السلام أنه قال (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب) (1) من حديث روح وغندر عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن عفريتا (2) من الجن تفلت علي البارحة " أو كلمة نحوها (3) ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب) قال روح فرده خاسئا * وروى مسلم من حديث أبي إدريس عن أبي الدرداء قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فسمعناه يقول: " اعوذ بالله منك " ثم قال: " ألعنك بلعنة الله ثلاثا " وبسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا يارسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك فقال: " إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجمله (4) في وجهي فقلت: " أعوذ بالله منك ".
ثلاث مرات.
ثم
قلت: ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لاصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة ".
وقال تعالى (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) (5) يعني الشيطان وقال تعالى (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) فالشيطان لا يألو الانسان خبالا جهده وطاقته في جميع أحواله وحركاته وسكناته كما صنف الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا كتابا في ذلك سماه (مصائد الشيطان).
وفيه فوائد جمة.
وفي سنن أبي داود إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يقول في دعائه.
وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت.
وروينا في بعض الاخبار أنه قال (يا رب وعزك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني) وقال الله تعالى (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم) (6) فوعد الله هو الحق المصدق ووعد الشيطان هو الباطل.
وقد روى الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه وابن أبي حاتم في تفسيره من حديث عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن للشيطان للمة بابن آدم وللملك لمة.
فأما لمة الشيطان
__________
(1) سورة ص الآية 35.
(2) العفريت: العاتي المارد من الجن.
(3) عند مسلم.
يفتك علي: والفتك الاخذ في غفلة وخديعة.
(4) عند مسلم: ليجعله.
(5) سورة لقمان الآية 33.
(6) سورة البقرة الآية 268.
[ * ]

(1/69)

فأيعاد بالشر وتكذيب بالحق.
وأما لمة الملك فايعاد بالخير وتصديق بالحق.
فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله.
ومن وجد الاخرى فليتعوذ من الشيطان " (1) ثم قرأ (والشيطان يعدكم
الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم).
وقد ذكرنا في فضل سورة البقرة أن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه.
وذكرنا في فضل آية الكرسي أن من قرأها في ليلة لا يقربه الشيطان حتى يصبح.
وقال البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف أنبأنا ملك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك " (2).
وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة من حديث ملك.
وقال الترمذي حسن صحيح.
وقال البخاري أنبأنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: " كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب ".
تفرد به من هذا الوجه.
وقال البخاري حدثنا عاصم بن علي حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا قال (ها) ضحك الشيطان ".
ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه النسائي من حديث ابن أبي ذئب به * وفي لفظ " إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع فان الشيطان يدخل ".
وقال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا سفيان عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يحب العطاس ويبغض أو يكره التثاؤب فإذا قال أحدكم هاها فإنما ذلك الشيطان يضحك من جوفه.
ورواه الترمذي والنسائي من حديث محمد بن عجلان به.
وقال البخاري حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا أبو الأحوص عن أشعث عن أبيه عن مسروق قال: قالت عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم: عن التفات الرجل في الصلاة فقال: " هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة أحدكم ".
وكذا رواه أبو داود والنسائي من رواية أشعث بن أبي الشعثاء
سليم بن أسود المحاربي عن أبيه عن مسروق به.
وروى البخاري من حديث الاوزاعي عن يحيى بن أبي كثير حدثني عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا حلم أحدكم حلما يخافه فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره ".
وقال الامام أحمد حدثنا
__________
(1) أخرجه الترمذي في تفسير سورة (2 ; 25).
(2) أخرجه البخاري في أكثر من موضع (إيمان: 42) ومسلم في الايمان (46) والترمذي في الطهارة (41) وابن ماجة في المقدمة (9).
[ * ]

(1/70)

عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح فانه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ينزع في يده فيقع في حفرة من النار ".
أخرجاه من حديث عبد الرزاق.
وقال الله تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين واعتدنا لهم عذاب السعير) (1) وقال (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد.
لا يسمعون إلى الملا الاعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب.
إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب) (2) وقال تعالى (ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين.
وحفظناها من كل شيطان رجيم.
إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين) (3) وقال تعالى (وما تنزلت به الشياطين.
وما ينبغي لهم وما يستطيعون انهم عن السمع لمعزولون) (4) وقال تعالى إخبارا عن الجان (وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا.
وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا) (5).
وقال البخاري: وقال الليث: حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أن أبا الاسود أخبره عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الملائكة تحدث في العنان (والعنان الغمام) بالامر يكون في الارض فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة فيزيدون معها مائة كلمة.
هكذا رواه في صفة إبليس معلقا عن الليث به.
ورواه في صفة الملائكة عن
سعيد بن أبي مريم عن الليث عن عبيد الله بن أبي جعفر عن محمد بن عبد الرحمن أبي الاسود عن عروة عن عائشة بنحوه * تفرد بهذين الطريقين دون مسلم * وروى البخاري في موضع آخر ومسلم من حديث الزهري عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه قال: " قالت عائشة سأل ناس النبي صلى الله عليه وسلم: عن الكهان فقال " انهم ليسوا بشئ " * فقالوا يا رسول الله إنهم يحدثوننا أحيانا بشئ فيكون حقا فقال صلى الله عليه وسلم: " تلك الكلمة من الحق (6) يخطفها (7) من الجني فيقرقرها (8) في أذن وليه كقرقرة الدجاجة فيخلطون معها مائة كذبة * هذا لفظ البخاري.
__________
(1) سورة الملك الآية 5.
(2) سورة الصافات الآية 6.
(3) سورة الحجر الآية 16.
(4) سورة الشعراء الآية 210.
(5) سورة الجن الآية 8.
(6) عند مسلم من الجن، يعني الكلمة المسموعة من الجن أو التي تصح مما نقتله الجن.
(7) يخطفها: الخطف الاستراق والاخذ بسرعة.
(8) قرقرها: وعند مسلم " قرها ": قال أهل اللغة القر ترديد الكلام في إذن المخاطب حتى يفهمه، وقر الدجاجة صوتها إذا قطعته.
يقال: قرت تقرقرا وقريرا وتقول إذا رددته: قرقرت قرقرة.
قال الخطابي وغيره: معناه أن الجني يقذف الكلمة إلى وليه الكاهن فتسمعها الشياطين، كما تؤذن الدجاجة بصوتها رفيقاتها.
[ * ]

(1/71)

وقال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال سمعت عكرمة يقول سمعت أبا هريرة يقول إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قضى الله الامر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان.
فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير.
فيسمعها مسترق السمع.
ومسترق السمع هكذا بعضه فوق
بعض.
ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه.
فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن.
فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا.
فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء انفرد به البخاري * وروى مسلم من حديث الزهري عن علي بن الحسين زين العابدين عن ابن عباس عن رجال من الانصار عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا.
وقال تعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين.
وانهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون.
حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين) (1) وقال تعالى (وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم) (2) الآية وقال تعالى (وقال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد.
قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد.
ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) (3) وقال تعالى (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.
ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون.
ولتصغي إليه افئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) (4).
وقد قدمنا في صفة الملائكة ما رواه أحمد ومسلم من طريق منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه واسمه رافع عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا وإياك يا رسول الله قال وإياي ولكن الله أعانني عليه فلا يأمرني إلا بخير.
وقال الامام أحمد حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن قابوس عن أبيه واسمه حصين بن جندب وهو أبو ظبيان الجنبي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الشياطين قالوا وأنت يارسول الله قال نعم ولكن الله أعانني عليه
__________
(1) سورة الزخرف الآية 36.
(2) سورة فصلت الآية 25.
(3) سورة ق الآية 27.
(4) سورة الانعام الآية 111.
[ * ]

(1/72)

فأسلم (1) * تفرد به أحمد وهو على شرط الصحيح.
وقال الامام أحمد حدثنا هارون حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني أبو صخر عن يزيد بن قسيط حدثه أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خرج من عندها ليلا قالت فغرت عليه قالت فجاء فرأى ما أصنع فقال: " مالك يا عائشة أغرت " قالت: فقلت ومالي أن لا يغار مثلي على مثلك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفأخذك شيطانك " قالت: يا رسول الله أو معي شيطان.
قال: " نعم ".
قلت ومع كل إنسان.
قال: " نعم " قلت ومعك يا رسول الله ؟ قال: " نعم ولكن ربي أعانني عليه حتى اسلم " * وهكذا رواه مسلم عن هارون وهو ابن سعيد الايلي بإسناده نحوه.
وقال الامام أحمد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن المؤمن لينصى شيطانه كما ينصى أحدكم بعيره في السفر " تفرد به أحمد من هذا الوجه ومعنى لينصى شيطانه ليأخذ بناصيته فيغلبه ويقهره كما يفعل بالبعير إذا شرد ثم غلبه ".
وقوله تعالى إخبارا عن إبليس (قال فبما أغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم.
ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) (2).
قال الامام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو عقيل هو عبد الله بن عقيل الثقفي حدثنا موسى بن المسيب عن سالم بن أبي الجعد عن سبرة بن أبي فاكه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقة فقعد له بطريق الاسلام فقال أتسلم وتذر دينك ودين آبائك.
قال فعصاه وأسلم قال وقعد له بطريق الهجرة فقال أتهاجر وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول فعصاه وهاجر.
ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهد النفس والمال فقال أتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال قال فعصاه وجاهد " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فمن فعل ذلك منهم كان حقا على الله أن يدخله الجنة.
وان قتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة وان كان غرق كان
حقا على الله أن يدخله الجنة وان وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة.
وقال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا عبادة بن مسلم الفزاري حدثني جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم سمعت عبد الله بن عمر يقول لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هذه الدعوات حين يصبح وحين يمسي " اللهم اني أسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي
__________
(1) فأسلم فيها روايتان برفع الميم وفتحها.
فمن رفع قال: معناه أسلم أنا من شره وفتنته، ومن فتح الميم اعتبر أن القرين أسلم وصار مؤمنا.
قال الخطابي الصحيح الرفع ; ورجح القاضي عياض الفتح: على معنيين: بمعنى انقاد واستسلم وقيل، وهو الظاهر، صار مسلما مؤمنا.
والله أعلم.
(2) سورة الاعراف الآية 16.
[ * ]

(1/73)

وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي " قال وكيع يعني الخسف ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث عبادة بن مسلم به (1).
وقال الحاكم صحيح الاسناد.
باب خلق آدم عليه السلام (2) قال الله تعالى (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة.
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.
قال إني أعلم ما لا تعلمون.
وعلم آدم الاسماء كلها.
ثم عرضهم على الملائكة.
فقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
قال يا آدم أنبئهم باسمائهم فلما أنبأهم باسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والارض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون.
وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس.
أبى واستكبر وكان من الكافرين.
وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة.
وكلا منها رغدا حيث شئتما.
ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين.
فأزلهما الشيطان عنها فاخرجهما مما كانا فيه.
وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو.
ولكم
في الارض مستقر ومتاع إلى حين.
فتلقى آدم من ربه كلمات.
فتاب عليه انه هو التواب الرحيم.
قلنا اهبطوا منها جميعا فاما يأتينكم مني هدى.
فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (3) وقال تعالى (ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) (4) وقال تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء
__________
(1) في المسند: ج 2 / 25 عمارة بن مسلم وهو تحريف.
وعبادة أبويحيى البصري ثقة اضطرب فيه قول ابن حبان / الكاشف ج 2 / 57 تقريب التهذيب 1 / 395.
(2) ذكر اسم آدم في القرآن الكريم خمسا وعشرين مرة في خمس وعشرين آية في تسع سور: في: البقرة 31، 33، 34، 35، 36.
آل عمران 33، 59.
المائدة 27.
الاعراف 11، 19، 26، 27، 31، 35، 172.
الاسراء 61، 70.
الكهف 50.
مريم 58.
طه 115، 116، 117، 120، 121.
يس 60.
(3) سورة البقرة الآية 30.
(4) سورة آل عمران الآية 59.
[ * ]

(1/74)

واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام.
إن الله كان عليكم رقيبا) [ النساء: 1 ] كما قال (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا.
أن أكرمكم عند الله أتقاكم
ان الله عليم خبير) [ الحجرات: 13 ].
وقال تعالى (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها) [ الاعراف: 189 ] الآية وقال تعالى (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين.
قال ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين.
قال فاهبط منها.
فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج انك من الصاغرين.
قال انظرني إلى يوم يبعثون.
قال انك من المنظرين.
قال فبما أغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم.
ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين.
قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لاملان جهنم منكم أجمعين.
ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين.
فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين.
وقاسمهما أني لكما لمن الناصحين.
فدلاهما بغرور.
فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخسفان عليهما من ورق الجنة.
وناداهما ربهما ألم انهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين.
قالا ربنا ظلمنا أنفسنا.
وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين.
قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون) [ الاعراف: 11 ].
كما قال في الآية الاخرى (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) [ طه: 55 ].
وقال تعالى (ولقد خلقنا الانسان من صلصال من حمأ مسنون.
والجان خلقناه من قبل من نار السموم.
واذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون.
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.
فسجد الملائكة كلهم أجمعون.
الا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين.
قال يا إبليس مالك أن لا تكون مع الساجدين.
قال لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون.
قال فاخرج منها فانك رجيم.
وان عليك اللعنة إلى يوم الدين.
قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون.
قال فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم.
قال رب بما أغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم أجمعين.
الا عبادك منهم
المخلصين * قال هذا صراط علي مستقيم.
ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين.
وان جهنم لموعدهم أجمعين.
لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) [ الحجر: 26 ] وقال تعالى (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس.
قال أأسجد لمن خلقت طينا.
قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا.
قال اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفورا.
واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الاموال والاولاد وعدهم وما يعدهم

(1/75)

الشيطان الا غرورا.
ان عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا) [ الكهف: 50 ] وقال تعالى (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم.
فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه.
أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا) [ الاسراء: 61 ].
وقال تعالى (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما.
واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى.
فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى.
ان لك ان لا تجوع فيها ولا تعرى.
وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى.
فوسوس إليه الشيطان.
قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى.
فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة.
وعصى آدم ربه فغوى.
ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى.
قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو.
فأما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى.
ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى.
قال رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا.
قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) [ طه: 115 ].
وقال تعالى (قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون.
ما كان لي من علم بالملا الاعلى إذ يختصمون إن يوحى إلي الا أنما أنا نذير مبين.
إذ قال ربك للملائكة اني خالق بشرا من طين.
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون.
إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين.
قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين.
قال
أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين.
قال فاخرج منها فانك رجيم.
وان عليك لعنتي إلى يوم الدين.
قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون.
قال فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم.
قال فبعزتك لاغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين.
قال فالحق والحق أقول لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين.
قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين.
ان هو الا ذكر للعالمين.
ولتعلمن نبأه بعد حين) [ ص: 68 ].
فهذا ذكر هذه القصة من مواضع متفرقة من القرآن * وقد تكلمنا على ذلك كله في التفسير * ولنذكر ههنا مضمون ما دلت عليه هذه الآيات الكريمات وما يتعلق بها من الاحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * والله المستعان.
فأخبر تعالى أنه خاطب الملائكة قائلا لهم (اني جاعل في الارض خليفة) (1) أعلم بما يريد أن يخلق من آدم وذريته الذين يخلف بعضهم بعضا كما قال (وهو الذي جعلكم خلائف الارض) [ الانعام: 165 ] فأخبرهم بذلك على سبيل التنويه بخلق آدم وذريته كما يخبر بالامر العظيم قبل كونه فقالت الملائكة سائلين على وجه الاستكشاف والاستعلام عن وجه الحكمة لا على
__________
(1) سورة البقرة الآية 30 ومعنى الخلافة: انه أي آدم سيكون له سلطان عليها متصرفا في موادها ليجعلها ملائمة لحاجاته.
[ * ]

(1/76)

وجه الاعتراض والتنقص لبني آدم والحسد لهم كما قد يتوهمه بعض جهلة المفسرين (1) * قالوا (اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) (2) قيل علموا ان ذلك كائن بما رأوا ممن كان قبل آدم من الجن والبن قاله قتادة.
وقال عبد الله بن عمر كانت الجن قبل آدم بألفي عام فسفكوا الدماء فبعث الله إليهم جندا من الملائكة فطردوهم إلى جزائر البحور * وعن ابن عباس نحوه.
وعن الحسن ألهموا ذلك * وقيل لما اطلعوا عليه من اللوح المحفوظ فقيل أطلعهم عليه هاروت وماروت عن ملك فوقهما يقال له الشجل.
رواه بن أبي حاتم عن ابي جعفر الباقر * وقيل لانهم علموا أن الارض لا يخلق منها إلا
من يكون بهذه المثابة غالبا (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) (3) أي نعبدك دائما لا يعصيك منا أحد * فان كان المراد بخلق هؤلاء أن يعبدوك فها نحن لا نفتر ليلا ولا نهارا (قال إني اعلم ما لا تعلمون) (4) أي أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هؤلاء ما لا تعلمون أي سيوجد منهم الانبياء والمرسلون والصديقون والشهداء ثم بين لهم شرف آدم عليهم في العلم فقال (وعلم آدم الاسماء كلها) (5) * قال ابن عباس هي هذه الاسماء التي يتعارف بها الناس إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وجمل وحمار وأشباه ذلك من الامم وغيرها * وفي رواية علمه اسم الصحفة والقدر حتى الفسوة والفسية * وقال مجاهد علمه اسم كل دابة وكل طير وكل شئ.
__________
(1) إن تساؤل الملائكة بعد أن آدهم أن يخلق الله خلقا غيرهم، مرده إلى خوفهم من أن يكون ذلك لتقصير وقع منهم، أو لمخالفة كانت من أحدهم، فأسرعوا بتساؤلهم لتبرئة أنفسهم وقالوا كيف تخلق غيرنا ؟ ونحن دائبون على التسبيح بحمدك وتقديس اسمك ؟ (2) سورة البقرة الآية 30 قالوا ذلك رغبة منهم فيما يزيل شبهتهم وينزع الوساوس من صدورهم، وامتد رجاؤهم إلى الله أن يستخلفهم في الارض يقول صاحب الظلال: ويوحي قول الملائكة هذا بأنه كان لديهم من شواهد الحال، أو من تجارب سابقة في الارض، أو من إلهام البصيرة، ما يكشف لهم عن شئ من فطرة هذا المخلوق، أو من مقتضيات حياته على الارض، وما يجعلهم يعرفون أو يتوقعون أنه سيفسد في الارض، وانه سيسفك الدماء، ثم هم - بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق - يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له..وهو متحقق بوجودهم هم.
(3) سورة البقرة جزء من الآية 30.
(4) سورة البقرة جزء من الآية 30 وفيه جواب على تساؤلهم ورجائهم، وجواب اطمأنت به قلوبهم وثلجت به صدورهم.
(5) سورة البقرة الآية 31 قال النجار في قصص الانبياء ص 6: "..وأن آدم سمى كل شئ باسمه، وهذه مبالغة غير مقبولة لا أميل إليها، بل أميل إلى أنه سمى الاشياء التي وقع عليها حسه ومنها الطيور والبهائم والطيور وكل أنواع الحيوان الموجودة هناك ".
وقال صاحب الظلال: أعطاه سر القدرة على الرمز بالاسماء للمسميات وهي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الانسان على الارض ص 1 / 57.
[ * ]

(1/77)

وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة وغير واحد * وقال الربيع علمه أسماء الملائكة، وقال عبد الرحمن بن زيد علمه أسماء ذريته والصحيح أنه علمه أسماء الذوات وأفعالها مكبرها ومصعرها كما أشار إليه ابن عباس رضي الله عنهما * وذكر البخاري هنا ما رواه هو ومسلم من طريق سعيد وهشام عن قتادة عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو البشر خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك اسماء كل شئ " وذكر تمام الحديث * (ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني باسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) قال الحسن البصري: " لما أراد الله خلق آدم قالت الملائكة لا يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه فابتلوا بهذا " وذلك قوله (ان كنتم صادقين) وقيل غير ذلك كما بسطناه في التفسير قالوا (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم) أي سبحانك أن يحيط أحد بشئ من علمك من غير تعليمك كما قال (ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء) (قال يا آدم أنبئهم باسمائهم فلما أنبأهم باسمائهم قال ألم أقل لكم اني أعلم غيب السموات والارض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) أي أعلم السر كما أعلم العلانية * وقيل إن المراد بقوله واعلم ما تبدون ما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها وبقوله وما كنتم تكتمون المراد بهذا الكلام ابليس حين أسر الكبر والتخيرة على آدم عليه السلام قاله سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري واختاره ابن جرير * وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة (وما كنتم تكتمون) قولهم لن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه * قوله (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس أبى واستكبر) (1) هذا إكرام عظيم من الله تعالى لآدم حين خلقه بيده ونفخ فيه من روحه كما قال (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) (2) فهذه أربع تشريفات: خلقه له بيده الكريمة، ونفخه فيه من روحه، وأمره الملائكة بالسجود له، وتعليمه أسماء الاشياء ولهذا قال
له موسى الكليم حين اجتمع هو وإياه في الملا الاعلى وتناظرا كما سيأتي (أنت آدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شئ.
وهكذا يقول أهل المحشر يوم القيامة كما تقدم وكما سيأتي إن شاء الله تعالى وقال في الآية الاخرى (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس لم يكن من الساجدين * قال ما منعك ان لا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) (3) قال
__________
(1) سورة البقرة الآية 34.
(2) سورة الحجر الآية 29.
قال صاحب الظلال: إنه التكريم في أعلى صوره، لهذا المخلوق الذي يفسد في الارض ويسفك الدماء، ولكنه وهب من الاسرار ما يرفعه على الملائكة.
لقد وهب سر المعرفة، كما وهب سر الارادة المستقلة التي تختار الطريق..إن ازدواج طبيعته، وقدرته على تحكيم ارادته، واضطلاعه بأمانة الهداية إلى الله.
إن هذا كله بعض أسرار تكريمه.
(3) سورة الاعراف الآية 11.
[ * ]

(1/78)

الحسن البصري قاس إبليس وهو أول من قاس * وقال محمد بن سيرين أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس ولا القمر إلا بالمقاييس * رواهما ابن جرير ومعنى هذا أنه نظر نفسه بطريق المقايسة بينه وبين آدم فرأى نفسه أشرف من آدم فامتنع من السجود له مع وجود الامر له ولسائر الملائكة بالسجود.
والقياس إذا كان مقابلا بالنص كان فاسد الاعتبار * ثم هو فاسد في نفسه فإن الطين أنفع وخير من النار فإن الطين فيه الرزانة والحلم والاناة والنمو، والنار فيها الطيش والخفة والسرعة والاحراق (1) * ثم آدم شرفه الله بخلقه له بيده ونفخه فيه من روحه * ولهذا أمر الملائكة بالسجود له * كما قال (إذ قال ربك للملائكة أني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون.
إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين * قال يا إبليس مالك أن لا تكون مع الساجدين * قال لم أكن لاسجد لبشر
خلقته من صلصال من حمأ مسنون * قال فاخرج منها فإنك رجيم * وان عليك اللعنة إلى يوم الدين) (2) استحق هذا من الله تعالى لانه استلزم تنقصه لآدم وازدراؤه به وترفعه عليه مخالفة الامر الآلهي، ومعاندة الحق في النص على آدم على التعيين وشرع في الاعتذار بما لا يجدي عنه شيئا - وكان اعتذاره أشد من ذنبه كما قال تعالى في سورة سبحان (واذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا * قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن اخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته الا قليلا * قال اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفورا * واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الاموال والاولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا) (3) وقال في سورة الكهف (واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) (4) أي خرج عن طاعة الله عمدا وعنادا واستكبارا عن امتثال أمره وما ذاك إلا لانه خانه طبعه ومادته الخبيثة أحوج ما كان إليها فانه مخلوق من نار كما قال وكما قدرنا في صحيح مسلم عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خلق الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم.
__________
(1) قال القرطبي في أحكامه 7 / 171: فإن الطين أفضل من النار من وجوه أربعة: - إن من جوهر الطين الرزانة والسكون والوقار والاناه والحلم والحياء والصبر ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع والاضطراب.
- إن الخبر ناطق بأن تراب الجنة مسك أذفر ولم ينطق الخبر بأن في الجنة نارا.
- إن النار سبب العذاب.
- إن الطين مستغن عن النار، والنار محتاجة إلى المكان ومكانها التراب.
(2) سورة الحجر الآيات 28 - 35.
(3) سورة الاسراء الآيات 61 - 65.
(4) سورة الكهف الآية 50.
[ * ]

(1/79)

قال الحسن البصري.
لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين قط.
وقال شهر بن حوشب.
كان من الجن فلما أفسدوا في الارض بعث الله إليهم جندا من الملائكة فقتلوهم وأجلوهم إلى جزائر البحار وكان إبليس ممن أسر فأخذوه معهم إلى السماء فكان هناك (1).
فلما أمرت اللملائكة بالسجود امتنع إبليس منه.
وقال ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة وسعيد بن المسيب وآخرون: كان إبليس رئيس الملائكة بالسماء الدنيا.
قال ابن عباس وكان اسمه عزازيل (2).
وفي رواية عن الحارث قال النقاش وكنيته (أبو كردوس) قال ابن عباس: وكان من حي من الملائكة يقال لهم الجن وكانوا خزان الجنان وكان من أشرفهم وأكثرهم علما وعبادة وكان من أولي الاجنحة الاربعة فمسخه الله شيطانا رجيما.
وقال في سورة ص - (إذ قال ربك للملائكة اني خالق بشرا من طين.
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.
فسجد الملائكة كلهم أجمعون.
إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين.
قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين.
قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاخرج منها فانك رجيم.
وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون.
قال فانك من المنظرين.
إلى يوم الوقت المعلوم.
قال فبعزتك لاغوينهم أجمعين.
إلا عبادك منهم المخلصين قال فالحق والحق أقول لاملئن جهنم منك وممن تبعك منهم أجعين) (3) وقال في سورة الاعراف (قال فبما أغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم.
ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) (4) أي بسبب اغوائك إياي لاقعدن لهم كل مرصد ولآتينهم من كل جهة منهم فالسعيد من خالفه والشقي من اتبعه.
وقال الامام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو عقيل (هو عبد الله بن عقيل الثقفي) حدثنا موسى بن المسيب عن سالم بن أبي الجعد عن سبرة بن أبي الفاكه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: " ان الشيطان يقعد لابن آدم بأطراقه " وذكر الحديث كما قدمناه في صفة إبليس.
وقد اختلف المفسرون في الملائكة المأمورين بالسجود لآدم.
أهم جميع الملائكة كما دل عليه عموم الآيات وهو قول الجمهور.
أو المراد بهم ملائكة الارض.
كما رواه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس.
وفيه انقطاع.
وفي السياق نكارة وان كان بعض المتأخرين قد رجحه
__________
(1) جاء في القرطبي 1 / 295: قال المهدوي: إن إبليس هو الذي قاتل الجن في الارض مع جند من الملائكة.
وعن ابن عباس: انه كان رئيس ملائكة السماء الدنيا وكان له سلطانها وسلطان الارض، وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما وكان يسوس ما بين السماء والارض فرأى لنفسه بذلك شرفا وعظمة.
(2) كان اسمه بالسريانية عزازيل وبالعربية الحارث.
(3) سورة ص الآيات 71 - 85.
(4) سورة الاعراف الآية 16.
[ * ]

(1/80)

ولكن الاظهر من السياقات الاول ويدل عليه الحديث وأسجد له ملائكته وهذا عموم أيضا والله أعلم (1).
وقوله تعالى لابليس (اهبط منها) و (اخرج منها) دليل على أنه كان في السماء فأمر بالهبوط منها والخروج من المنزلة والمكانة التي كان قد نالها بعبادته وتشبهه بالملائكة في الطاعة والعبادة ثم سلب ذلك بكبره وحسده ومخالفته لربه فأهبط إلى الارض مذؤما مدحورا.
وأمر الله آدم عليه السلام أن يسكن هو وزوجته الجنة فقال (وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) (2).
وقال في الاعراف (قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لاملئن جهنم منكم أجمعين.
ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) (3) وقال تعالى (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يا آدم ان هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى.
ان لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) (4) وسياق هذه الآيات يقتضي أن خلق حواء كان قبل دخول آدم الجنة لقوله (ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) وهذا قد صرح به اسحاق ابن بشار وهو ظاهر هذه الآيات.
ولكن حكى السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة أنهم قالوا اخرج ابليس من الجنة واسكن آدم الجنة فكان يمشي فيها وحشى ليس له فيها زوج يسكن إليها فنام نومة فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة.
خلقها الله من ضلعه.
فسألها من أنت قالت: امرأة.
قال: ولما خلقت ؟ قالت: لتسكن إلي ققالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه (ما اسمها يا آدم) قال: حواء قالوا: ولم كانت حواء ؟ قال لانها خلقت من شئ حي.
وذكر محمد بن إسحاق عن ابن عباس أنها خلقت من ضلعه الاقصر الايسر وهو نائم ولام مكانه لحما ومصداق هذا في قوله تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) (5) الآية وفي قوله تعالى (هو الذي خلقكم من
__________
(1) قال الفخر الرازي في تفسيره ج 1 / 238: قال الاكثرون ان جميع الملائكة مأمورون بالسجود لآدم واحتجوا عليه بوجهين: إن لفظ الملائكة صيغة الجمع وهي تفيد العموم.
الوجه الثاني: هو انه تعالى استثنى إبليس منهم.
ومنهم من قال أن ملائكة الارض.
أما الحكماء فإنهم يحملون الملائكة على الجواهر الروحانية وقالوا يستحيل أن تكون الارواح السماوية منقادة للنفوس الناطقة إنما المراد من الملائكة المأمورين بالسجود القوى الجسمانية البشرية المطيعة للنفس الناطقة.
(2) سورة البقرة الآية 35.
(3) سورة الاعراف الآية 118.
(4) سورة طه الآيات 117 - 119.
(5) سورة النساء الآية 1.
[ * ]

(1/81)

نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به) (1) الآية وسنتكلم عليها فيما بعد ان شاء الله تعالى.
وفي الصحيحين من حديث زائدة عن ميسرة الاشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " استوصوا بالنساء خيرا - فان المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شئ في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا " لفظ البخاري.
وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى (ولا تقربا هذه الشجرة) فقيل هي الكرم وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي وجعدة بن هبيرة ومحمد بن قيس والسدي في رواية عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة قال وتزعم يهود أنها الحنطة.
وهذا مروي عن ابن عباس والحسن البصري ووهب بن منبه وعطية العوفي وأبي مالك ومحارب بن دثار و عبد الرحمن بن أبي ليلى * قال وهب والحبة منه ألين من الزبد وأحلى من العسل * وقال الثوري عن أبي حصين عن أبي مالك ولا تقربا هذه الشجرة هي النخلة * وقال ابن جريج عن مجاهد هي التينة وبه قال قتادة وابن حريج وقال أبو العالية (2) كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي في الجنة حدث.
وهذا الخلاف قريب * وقد أبهم الله ذكرها وتعيينها * ولو كان في ذكرها مصلحة تعود إلينا لعينها لنا كما في غيرها من المحال التي تبهم في القرآن.
وإنما الخلاف الذي ذكروه في أن هذه الجنة التي دخلها آدم هل هي في السماء أو في الارض هو الخلاف الذي ينبغي فصله والخروج منه والجمهور على أنها هي التي في السماء وهي جنة المأوى لظاهر الآيات والاحاديث كقوله تعالى (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) والالف واللام ليست للعموم ولا لمعهود لفظي وإنما تعود على معهود ذهني وهو المستقر شرعا من جنة المأوى وكقول موسى عليه السلام لآدم عليه السلام (علام أخرجتنا ونفسك من الجنة) الحديث كما سيأتي الكلام عليه * وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الاشجعي واسمه سعد بن طارق عن أبي حازم سلمة بن دينار عن أبي هريرة * وأبو مالك عن ربعي عن حذيفة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يجمع الله الناس فيقوم المؤمن حين تزلف (3) لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم " وذكر الحديث بطوله * وهذا فيه قوة جيدة ظاهرة
__________
(1) سورة الاعراف الآية 189.
(2) في تفسير الرازي: قاله الربيع بن أنس.
قال صاحب الظلال: لقد أبيحت لهما كل ثمار الجنة..إلا شجرة..شجرة واحدة، ربما كانت ترمز للمحظور الذي لابد منه في حياة الارض.
فبغير محظور لا تنبت الارادة.
1 / 58.
(3) عند مسلم (1) كتاب الايمان 329 (195) ص 1 / 187: حتى تزلف: أي تقرب كما قال تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين: أي قربت.
[ * ]

(1/82)

في الدلالة على أنها جنة المأوى وليست تخلو عن نظر.
وقال آخرون بل الجنة التي أسكنها آدم لم تكن جنة الخلد لانه كلف فيها أن لا يأكل من تلك الشجرة ولانه نام فيها وأخرج منها ودخل عليه إبليس فيها وهذا مما ينافي أن تكون جنة المأوى.
وهذا القول محكي عن أبي بن كعب و عبد الله بن عباس ووهب بن منبه وسفيان بن عيينة واختاره ابن قتيبة في " المعارف " والقاضي منذر بن سعيد البلوطي في تفسيره وأفرد له مصنفا على حدة.
وحكاه عن أبي حنيفة الامام وأصحابه رحمهم الله.
ونقله أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي بن خطيب الري في تفسيره عن أبي القاسم البلخي وأبي مسلم الاصبهاني (1).
ونقله القرطبي في تفسيره عن المعتزلة والقدرية * وهذا القول هو نص التوراة التي بأيدي أهل الكتاب * وممن حكى الخلاف في هذه المسألة أبو محمد بن حزم في الملل والنحل وأبو محمد بن عطية في تفسيره وأبو عيسى الرماني في تفسيره.
وحكى عن الجمهور الاول.
وأبو القاسم الراغب والقاضي الماوردي في تفسيره فقال واختلف في الجنة التي أسكناها يعني آدم وحواء على قولين * أحدهما أنها جنة الخلد * الثاني جنة أعدها الله لهما وجعلها دار ابتلاء وليست جنة الخلد التي جعلها دار جزاء.
ومن قال بهذا اختلفوا على قولين * أحدهما انها في السماء لانه أهبطهما منها وهذا قول الحسن * والثاني أنها في الارض لانه متحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار.
وهكذا قول ابن يحيى وكان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم والله أعلم بالصواب من ذلك.
هذا كلامه.
فقد تضمن كلامه حكاية أقوال ثلاثة واشعر كلامه أنه متوقف في المسألة.
ولقد
حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره في هذه المسألة أربعة أقوال هذه الثلاثة التي أوردها الماوردي.
ورابعها الوقف * وحكى القول بأنها في السماء وليست جنة المأوى عن أبي علي الجبائي (2).
وقد أورد أصحاب القول الثاني سؤالا يحتاج مثله إلى جواب فقالوا لا شك أن الله سبحانه وتعالى طرد
__________
(1) في تفسير الفخر الرازي: قال أبو مسلم الاصفهاني وأبو القاسم البلخي: هذه الجنة كانت في الارض.
وحملا الاهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة.
واحتجا عليه بوجوه..- لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد.
- من دخل هذه الجنة لا يخرج منها.
- إن إبليس لما امتنع عن السجود لآدم لعن فما كان يقدر على أن يصل إلى جنة الخلد.
- إن الجنة التي هي دار الثواب لا يفنى نعيمها.
انه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدئ الخلق في جنة يخلدهم فيها.
- لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم في الارض ولم يذكر..انه نقله إلى السماء.
ج 3 / 3.
(2) قال الجبائي: ان تلك الجنة كانت في السماء السابعة وأن الاهباط الاول كان منها إلى السماء الاولى والثاني من السماء إلى الارض.
تفسير الفخر الرازي ج 3 / 3.
[ * ]

(1/83)

إبليس حين امتنع من السجود عن الحضرة الالهية وأمره بالخروج عنها والهبوط منها وهذا الامر ليس من الاوامر الشرعية بحيث يمكن مخالفته وإنما هو أمر قدري لا يخالف ولا يمانع ولهذا قال (اخرج منها مذءوما مدحورا) (1) وقال (اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها) (2) وقال (اخرج منها فانك رجيم) (3) والضمير عائد إلى الجنة أو السماء أو المنزلة وأياما كان فمعلوم أنه ليس له الكون قدرا في المكان الذي طرد عنه وأبعد منه لا على سبيل الاستقرار ولا على سبيل المرور والاجتياز * قالوا ومعلوم من ظاهر سياقات القرآن أنه وسوس لآدم وخاطبه بقوله له (هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) (4) وبقوله (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين.
أو تكونا من الخالدين.
وقاسمهما اني لكما لمن الناصحين.
فدلاهما بغرور) (5) الآية وهذا ظاهر في
اجتماعه معهما في جنتهما.
وقد اجيبوا عن هذا بأنه لا يمتنع أن يجتمع بهما في الجنة على سبيل المرور فيها لا على سبيل الاستقرار بها أو أنه وسوس لهما وهو على باب الجنة أو من تحت السماء.
وفي الثلاثة نظر.
والله أعلم.
ومما احتج به أصحاب هذه المقالة ما رواه عبد الله بن الامام أحمد في الزيادات عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن البصري عن يحيى بن ضمرة السعدي عن أبي بن كعب قال: أن آدم لما احتضر اشتهى قطفا من عنب الجنة.
فانطلق بنوه ليطلبوه له.
فلقيتهم الملائكة فقالوا أين تريدون يا بني آدم فقالوا إن أبانا اشتهى قطفا من عنب الجنة.
فقالوا لهم (ارجعوا فقد كفيتموه) فانتهوا إليه فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلى عليه جبريل ومن خلفه من الملائكة ودفنوه.
وقالوا.
(هذه سنتكم في موتاكم) وسيأتي الحديث بسنده.
وتمام لفظه عند ذكر وفاة آدم عليه السلام.
قالوا فلولا انه كان الوصول إلى الجنة التي كان فيها آدم التي اشتهى منها القطف ممكنا لما ذهبوا يطلبون ذلك فدل على أنها في الارض لا في السماء والله تعالى أعلم.
قالوا: والاحتجاج بأن الالف واللام في قوله ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة لم يتقدم عهد يعود عليه فهو المعهود الذهني مسلم ولكن هو ما دل عليه سياق الكلام فإن آدم خلق من الارض ولم ينقل أنه رفع إلى السماء وخلق ليكون في الارض وبهذا أعلم الرب الملائكة حيث قال (اني جاعل في الارض خليفة).
__________
(1) سورة الاعراف الآية 18.
(2) سورة الاعراف الآية 13.
(3) سورة الحجر الآية 34.
(4) سورة طه الآية 120.
(5) سورة الاعراف الآية 20.
[ * ]

(1/84)

قالوا: وهذا كقوله تعالى (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة) (1) فالالف واللام ليس للعموم ولم يتقدم معهود لفظي وإنما هي للمعهود الذهني الذي دل عليه السياق وهو البستان.
قالوا: وذكر الهبوط لا يدل على النزول من السماء قال الله تعالى: (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك) (2) الآية وإنما كان في السفينة حين استقر على الجودي ونضب الماء عن وجه الارض أمر أن يهبط إليها هو ومن معه مباركا عليه وعليهم.
وقال الله تعالى (اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم) (3) الآية وقال تعالى (وإن منها لما يهبط من خشية الله) (4) الآية.
وفي الاحاديث واللغة من هذا كثير.
قالوا: ولا مانع بل هو الواقع أن الجنة التي أسكنها آدم كانت مرتفعة عن سائر بقاع الارض ذات أشجار وثمار وظلال ونعيم ونضرة وسرور كما قال تعالى (إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى) (5) أي لا يذل باطنك بالجوع ولا ظاهرك بالعرى.
(وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) (6) أي لا يمس باطنك حر الظمأ ولا ظاهرك حر الشمس.
ولهذا قرن بين هذا وهذا وبين هذا وهذا لما بينهما من الملايمة.
فلما كان منه ما كان من أكله من الشجرة التي نهي عنها اهبط إلى أرض الشقاء والتعب والنصب والكدر والسعي والنكد والابتلاء والاختبار والامتحان واختلاف السكان دينا واخلاقا واعمالا وقصودا وإرادات وأقوالا وأفعالا كما قال تعالى (ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين) (7) ولا يلزم من هذا أنهم كانوا في السماء كما قال تعالى (وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الارض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا) (6) ومعلوم انه كانوا فيها لم يكونوا في السماء.
قالوا: وليس هذا القول مفرعا على قول من ينكر وجود الجنة والنار اليوم ولا تلازم بينهما فكل من حكي عنه هذا القول من السلف واكثر الخلف ممن يثبت وجود الجنة والنار اليوم كما دلت عليه الآيات والاحاديث الصحاح كما سيأتي إيرادها في موضعها والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
__________
(1) سورة القلم الآية 17.
(2) سورة هود الآية 48.
(3) سورة البقرة الآية 61.
(4) سورة البقرة الآية 74.
(5) سورة طه الآية 118.
(6) سورة طه الآية 119.
(7) سورة البقرة الآية 36.
(8) سوره الاسراء الآية 104.
[ * ]

(1/85)

وقوله تعالى (فأزلهما الشيطان عنها) أي عن (1) الجنة (فأخرجهما مما كانا فيه) أي من النعيم والنضرة والسرور إلى دار التعب والكد والنكد وذلك بما وسوس لهما وزينه في صدورهما كما قال تعالى (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما.
وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) (2) يقول ما نهاكما عن أكل هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين أي ولو أكلتما منها لصرتما كذلك (وقاسمهما) أي حلف لهما على ذلك (إني لكما لمن الناصحين) كما قال في الآية الاخرى (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) أي هل أدلك على الشجرة التي إذا أكلت منها حصل لك الخلد فيما أنت فيه من النعيم واستمررت في ملك لا يبيد ولا ينقضي وهذا من التغرير والتزوير والاخبار بخلاف الواقع.
والمقصود أن قوله شجرة الخلد التي إذا أكلت منها خلدت وقد تكون هي الشجرة التي قال الامام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا شعبة عن أبي الضحاك سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها شجرة الخلد " * وكذا رواه أيضا عن غندر وحجاج عن شعبة، ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة أيضا به وقال غندر قلت لشعبة هي شجرة الخلد قال ليس فيها هي.
تفرد به الامام أحمد * وقوله (فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا
يخصفان عليهما من ورقة الجنة) (3) كما قال في " طه " (أكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) (4) وكانت حواء أكلت من الشجرة قبل آدم وهي التي حدته على أكلها والله أعلم.
وعليه يحمل الحديث الذي رواه البخاري حدثنا بشر بن محمد حدثنا عبد الله أنبأنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه لولا بنو اسرائيل لم يخنز (5) اللحم ولولا حواء لم تخن
__________
(1) قال القرطبي: أزلهما من الزلة وهي الخطيئة، أي استزلهما واوقعهما فيها.
(على اعتبار لفظة عن في هذه الآية بمعنى في قال صاحب الكشاف).
قال ابن كيسان: فازالهما من الزوال: أي صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية.
ج 1 / 311 وقال القفال: هو من الزلل يكون الانسان ثابت القدم على الشئ فينزل عنه ويصير متحولا عن ذلك الموضع.
التفسير الكبير 3 / 6.
(2) سورة الاعراف الآية 20.
(3) سورة الاعراف الآية 22.
(4) سورة طه الآية 121 جاء في تفسير القرطبي ج 7 / 180: أكلت حواء أولا فلم يصبها شئ، فلما أكل آدم حلت العقوبة.
(5) يخنز: ينتن.
[ * ]

(1/86)

أنثى زوجها.
تفرد به من هذا الوجه وأخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة به ورواه أحمد ومسلم عن هارون بن معروف عن أبي وهب عن عمرو بن حارث عن أبي يونس عن أبي هريرة به * وفي كتاب التوارة التي بين أيدي أهل الكتاب أن الذي دل حواء على الاكل من الشجرة هي الحية وكانت من أحسن الاشكال وأعظمها فأكلت حواء عن قولها وأطعمت آدم عليه السلام وليس فيها ذكر لابليس فعند ذلك انفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان فوصلا من ورق التين وعملا ميازر وفيها أنهما كان عريانين * وكذا قال وهب بن منبه كان لباسهما
نورا على فرجه وفرجها.
وهذا الذي في هذه التوراة التي بأيديهم غلط منهم وتحريف وخطأ في التعريب فإن نقل الكلام من لغة إلى لغة لا يكاد يتيسر لكل أحد ولا سيما ممن لا يعرف كلام العرب جيدا ولا يحيط علما بفهم كتابه أيضا فلهذا وقع في تعريبهم لها خطأ كثير لفظا ومعنى * وقد دل القرآن العظيم على أنه كان عليهما لباس في قوله (ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما) فهذا لا يرد لغيره من الكلام والله تعالى أعلم.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسن بن اسكاب حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه فأول ما بدا منه عورته فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة فأخذت شعره شجرة فنازعها فناداه الرحمن عزوجل يا آدم مني تفر فلما سمع كلام الرحمن قال يا رب لا ولكن استحياء * وقال الثوري عن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) وورق التين (1) * وهذا إسناد صحيح إليه وكأنه مأخوذ من أهل الكتاب وظاهر الآية يقتضي أعم من ذلك وبتقدير تسليمه فلا يضر والله تعالى أعلم.
وروى الحافظ بن عساكر من طريق محمد بن اسحاق عن الحسن بن ذكوان عن الحسن البصري عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ان أباكم آدم كان كالنخلة السحوق ستين ذراعا كثيرا لشعر مواري العورة فلما أصاب الخطيئة في الجنة بدت له سوأته فخرج من الجنة فلقيته شجرة فأخذت بناصيته فناداه ربه أفرارا مني يا آدم قال: بل حياء منك والله يا رب مما جئت به " * ثم رواه من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن يحيى بن ضمرة عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وهذا أصح فان الحسن لم يدرك أبيا * ثم أورده أيضا من طريق خيثمة بن سليمان الاطرابلسى عن محمد بن عبد الوهاب أبي قرصافة العسقلاني عن آدم بن أبي
__________
(1) جاء في تفسير القرطبي ج 7 / 181 قال: ويروى أن آدم عليه السلام لما بدت سوأته وظهرت عورته طاف على
أشجار الجنة يسل منها ورقة يغطي بها عورته فزجرته أشجار الجنة حتى رحمته شجرة التين فأعطته ورقة.
[ * ]

(1/87)

أياس عن شيبان عن قتادة عن أنس مرفوعا بنحوه * (وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين * قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) (1) وهذا اعتراف ورجوع إلى الانابة وتذلل وخضوع واستكانة وافتقار إليه تعالى في الساعة الراهنة وهذا السر ما سرى في أحد من ذريته إلا كانت عاقبته إلى خير في دنياه وأخراه (قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين) (2) وهذا خطاب لآدم وحواء وإبليس قيل والحية معهم أمروا أن يهبطوا من الجنة في حال كونهم متعادين متحاربين * وقد يستشهد لذكر الحية معهما بما ثبت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر يقتل الحيات وقال ما سالمناهن منذ حاربناهن وقوله في سورة طة (قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو) (3) هو أمر لآدم وإبليس واستتبع آدم حواء وإبليس الحية * وقيل هو أمر لهم بصيغة التثنية كما في قوله تعالى (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين) (4) والصحيح ان هذا لما كان الحاكم لا يحكم إلا بين أثنين مدع ومدعى عليه قال وكنا لحكمهم شاهدين وأما تكريره الاهباط في سورة البقرة في قوله (وقلنا اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم.
قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (5) فقال بعض المفسرين (6) المراد بالاهباط الاول الهبوط من الجنة إلى السماء الدنيا وبالثاني من السماء الدنيا إلى الارض.
وهذا ضعيف لقوله في الاول (قلنا اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين) فدل على أنهم أهبطوا إلى الارض بالاهباط الاول والله أعلم.
والصحيح أنه كرره لفظا وإن كان واحدا وناط مع كل مرة حكما فناط بالاول عداوتهم فيما بينهم وبالثاني الاشتراط عليهم أن من تبع هداه الذي ينزله عليهم بعد ذلك فهو السعيد ومن خالفه
__________
(1) سورة الاعراف الآيات 22 - 23.
(2) سورة الاعراف الآية 24.
(3) سورة طه الآية 123.
قال الرازي في اهبطا وجوه: - قال أبو مسلم الخطاب: لآدم ومعه ذريته ولابليس ومعه ذريته فلكونهما جنسين صح قوله اهبطا.
ولاجل اشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة صح قوله (فإما يأتينكم).
- قال صاحب الكشاف: لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصلا للبشر جعلا كأنهما البشر أنفسهم فخوطبا مخاطبتهم (اهبطا).
ج 22 / 129.
(4) سورة الانبياء الآية 78.
(5) سورة البقرة الآيات 36 - 39.
(6) أبو علي الجبائي، كما تقدم عند الرازي.
[ * ]

(1/88)

فهو الشقي وهذا الاسلوب في الكلام له نظائر في القرآن الحكيم.
وروى الحافظ بن عساكر عن مجاهد قال: أمر الله ملكين أن يخرجا آدم وحواء من جواره فنزع جبريل الناج عن رأسه وحل ميكائيل الاكليل عن جبينه وتعلق به غصن فظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة فنكس رأسه يقول العفو العفو فقال الله فرارا مني قال بل حياء منك يا سيدي وقال الاوزاعي عن حسان هو بن عطية مكث آدم في الجنة مائة عام وفي رواية ستين عاما وبكى على الجنة سبعين عاما وعلى خطيئته سبعين عاما وعلى ولده حين قتل أربعين عاما * رواه بن عساكر.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن سعيد عن ابن عباس قال أهبط آدم عليه السلام إلى أرض يقال له دحنا بين مكة والطائف * وعن الحسن قال اهبط آدم بالهند وحواء بجدة وإبليس بدستميسان من البصرة على أميال واهبطت الحية بأصبهان رواه ابن أبي حاتم أيضا * وقال السدي نزل آدم بالهند ونزل معه بالحجر الاسود وبقبضة من ورق الجنة فبثه في الهند فنبتت شجرة الطيب هناك (1) * وعن ابن عمر قال اهبط آدم بالصفا وحواء
بالمروة.
رواه ابن أبي حاتم أيضا وقال عبد الرزاق قال معمر أخبرني عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى الاشعري قال: إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الارض علمه صنعة كل شئ وزوده من ثمار الجنة فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير * وقال الحاكم في مستدركه أنبأنا أبو بكر بن بالوية عن محمد بن أحمد بن النضر عن معاوية بن عمر عن زائدة عن عمار بن أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ما اسكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس.
ثم قال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وفي صحيح مسلم من حديث الزهري عن الاعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها " وفي الصحيح من وجه آخر " وفيه تقوم الساعة " وقال أحمد حدثنا محمد بن مصعب حدثنا الاوزاعي عن أبي عمار عن عبد الله بن فروخ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خير يوم طلعت فيه الشمس
__________
(1) قال القرطبي ج 1 / 319: اهبط آدم بسرنديب في الهند بجنبل يقال له بوذ / وفي المسعودي ومعجم البلدان: الراهون / ومعه الورق الذي خصفه من ورق الجنة فيبس فذرته الرياح فانتثر في بلاد الهند.
واهبط إبليس ببيسان / بلدة بمرو وبالشام وموضع باليمامة.
وفي المسعودي بالابلة (قرب البصرة من جانبها البحري) والحية وببيسان وقيل بسجستان (إحدى مدن خراسان) وفي المسعودي: بأصبهان راجع مروج الذهب ج 1 / 29.
[ * ]

(1/89)

يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة " على شرط مسلم (1).
فأما الحديث الذي رواه ابن عساكر من طريق أبي القاسم البغوي حدثنا محمد بن جعفر الوركاني حدثنا سعيد بن ميسرة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هبط آدم وحواء عريانين جميعا عليهما ورق الجنة فأصابه الحر حتى قعد يبكي يقول لها يا حواء قد أذاني الحر قال فجاءه جبريل
بقطن وأمرها أن تغزل وعلمها وأمر آدم بالحياكة وعلمه أن ينسج وقال كان آدم لم يجامع امرأته في الجنة حتى هبط منها للخطيئة التي أصابتهما بأكلهما من الشجرة قال وكان كل واحد منهما ينام على حدة ينام أحدهما في البطحاء والآخر من ناحية أخرى حتى أتاه جبريل فأمره أن يأتي أهله قال وعلمه كيف يأتيها فلما أتاها جاءه جبريل فقال كيف وجدت امرأتك قال صالحة " فإنه حديث غريب ورفعه منكر جدا * وقد يكون من كلام بعض السلف وسعيد بن ميسرة هذا هو أبوعمران البكري البصري.
قال فيه البخاري منكر الحديث.
وقال بن حبان يروي الموضوعات وقال بن عدي مظلم الامر وقوله (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) (2) قيل هي قوله (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) (3) * روي هذا عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب وخالد بن معدان وعطاء الخراساني و عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال آدم عليه السلام أرأيت يا رب إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة، قال: نعم " فذلك قوله.
(فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) وهذا غريب من هذا الوجه وفيه انقطاع.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قال الكلمات (اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين.
اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الراحمين اللهم لا إله إلا أنت سبحانك بحمدك رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم) * وروى الحاكم في مستدركه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه * قال قال آدم يا رب ألم تخلقني بيدك.
قيل له بلى.
ونفخت في من روحك قيل له بلى وعطست فقلت يرحمك الله وسبقت رحتمك غضبك قيل له بلى وكتبت علي أن أعمل هذا - قيل له بلى.
قال أفرأيت إن تبت هل أنت
__________
(1) في مروج الذهب 1 / 29: اسكنا الجنة لثلاث ساعات مضت منه (أي يوم خلقت حواء من آدم) فمكثا ثلاث
ساعات وهو ربع يوم بمائتي سنة وخمسين سنة من أعوام الدنيا.
(2) سورة البقرة الآية 37.
(3) سورة الاعراف الآية 23.
[ * ]

(1/90)

راجعي إلى الجنة.
قال نعم * ثم قال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه * وروى الحاكم أيضا والبيهقي وابن عساكر من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد أن غفرت لي فقال الله فكيف عرفت محمدا ولم أخلقه بعد ؟ فقال: يا رب لانك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم إنه لاحب الخلق إلي وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك * قال البيهقي تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه وهو ضعيف (1) والله أعلم وهذه الآية كقوله تعالى (وعصى آدم ربه فغوى.
ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) (2).
احتجاج آدم وموسى عليهما السلام قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا أيوب بن النجار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حاج موسى آدم (3) عليهما السلام فقال له: أنت الذي أخرجت الناس بذنبك من الجنة وأشقيتهم.
قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني أو قدره علي قبل أن يخلقني.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى " * وقد رواه مسلم عن عمرو الناقد والنسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد عن أيوب بن النجار به * قال أبو مسعود الدمشقي ولم يخرجاه عنه في الصحيحين سواه * وقد رواه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة * ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به.
وقال الامام أحمد حدثنا أبو كامل حدثنا إبراهيم حدثنا أبو شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " احتج آدم موسى فقال له موسى أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة فقال له آدم وأنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق * قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فحج آدم موسى فحج آدم موسى " مرتين * قلت وقد روى هذا الحديث البخاري ومسلم من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
__________
(1) ضعفه ابن معين والامام أحمد والنسائي: الميزان (2 / 564) وذكره العقيلي في الضعفاء الكبير (2 / 331).
(2) سورة طه الآية 122.
(3) قال أبو الحسن القابسي: معناه التقت أرواحهما في السماء فوقع الحجاج بينهما.
قال القاضي عياض: يحتمل انه على ظاهره وانهما اجتمعا بشخصيهما.
[ * ]

(1/91)

وقال الامام أحمد حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة عن الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه أغويت الناس واخرجتهم من الجنة قال فقال آدم وأنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه تلومني على عمل أعمله كتبه الله علي قبل أن يخلق السموات والارض قال: فحج آدم موسى " * وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن يحيى بن حبيب بن عدي عن معمر بن سليمان عن أبيه عن الاعمش به * قال الترمذي وهو غريب من حديث سليمان التيمي عن الاعمش قال وقد رواه بعضهم عن الاعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قلت هكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده عن محمد بن مثنى عن معاذ بن أسد عن الفضل بن موسى عن الاعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد.
ورواه البزار أيضا حدثنا عمرو بن علي الفلاس حدثنا أبو معاوية حدثنا الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه، وقال أحمد حدثنا سفيان عن عمرو سمع طاووسا سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " احتج آدم وموسى فقال موسى
يا آدم أنت أبونا خيبتنا (1) وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم يا موسى أنت الذي اصطفاك الله بكلامه وقال مرة برسالته وخط لك بيده (2) أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال: حج آدم موسى حج آدم موسى حج آدم موسى " وهكذا رواه البخاري عن علي بن المديني حدثنا عن سفيان قال حفظناه من عمرو عن طاووس قال سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خببتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحج آدم موسى فحج آدم (3) موسى " هكذا ثلاثا.
قال سفيان حدثنا ابو الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله * وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجة من عشر طرق عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه * وقال أحمد حدثنا عبد الرحمن حدثنا حماد عن عمار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقى آدم موسى فقال أنت آدم الذي خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته واسكنك الجنة ثم فعلت.
فقال أنت موسى الذي كلمك الله واصطفاك برسالته وأنزل عليك التوراة أنا أقدم أم الذكر قال لا بل الذكر فحج آدم موسى.
قال أحمد وحدثنا عفان حدثنا حماد عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وحميد
__________
(1) خيبتنا: أوقعتنا في الخيبة ; الحرمان والخسران، ومعناه كن سبب خيبتنا وإغوائنا بالخطيئة التي ترتب عليها إخراجك من الجنة.
(2) بيده: المراد وجهان: الايمان بها ولا يتعرض لتأويلها.
والثاني تأويلها بالقدرة.
(3) حج آدم: برفع آدم، وهو فاعل، باتفاق الجميع، أي غلبه بالحجة وظهر على موسى بها.
[ * ]

(1/92)

عن الحسن عن رجل قال حماد أظنه جندب بن عبد الله البجلي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لقى آدم موسى فذكر معناه.
تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال أحمد حدثنا الحسن حدثنا جرير هو ابن حازم عن محمد هو ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقى آدم موسى فقال أنت
آدم الذي خلقك الله بيده واسكنك جنته وأسجد لك ملائكته ثم صنعت ما صنعت * قال آدم يا موسى أنت الذي كلمه الله وأنزل عليه التوراة * قال: نعم * قال فهل تجده مكتوبا علي قبل أن أخلق * قال نعم * قال: (فحج آدم موسى فحج آدم موسى، وكذا رواه حماد بن زيد عن أيوب وهشام (1) عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رفعه.
وكذا رواه علي بن عاصم عن خالد وهشام عن محمد بن سيرين * وهذا على شرطهما من هذه الوجوه * وقال ابن أبي حاتم حدثنا يونس بن عبد الاعلى أنبأنا ابن وهب أخبرني أنس بن عياض عن الحارث بن أبي ذباب عن يزيد بن هرمز سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى.
قال موسى: أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته ثم أهبطت الناس إلى الارض بخطيئتك * قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه وأعطاك الالواح فيها تبيان كل شئ وقربك نجيا فبكم وجدت الله كتب التوراة * قال موسى بأربعين عاما * قال آدم فهل وجدت فيها (وعصى آدم ربه فغوى) (2) قال: نعم * قال أفتلومني على أن عملت عملا كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فحج آدم موسى ".
قال الحارث وحدثني عبد الرحمن بن هرمز بذلك عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رواه مسلم عن اسحق بن موسى الانصاري عن أنس بن عياض عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن يزيد بن هرمز والاعرج كلاهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وقال أحمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " احتج آدم وموسى فقال موسى لآدم يا آدم أنت الذي أدخلت ذريتك النار.
فقال آدم يا موسى اصطفاك الله برسالاته وبكلامه وأنزل عليك التوراة فهل وجدت أن أهبط.
قال نعم.
قال فحجه آدم " وهذا على شرطهما ولم يخرجاه من هذا الوجه * وفي قوله أدخلت ذريتك النار نكارة.
فهذه طرق هذا الحديث عن أبي هريرة رواه عنه حميد بن عبد الرحمن وذكوان أبو صالح السمان وطاووس ابن كيسان وعبد الرحمن بن هرمز الاعرج وعمار بن أبي عمار ومحمد بن سيرين
وهمام بن منبه ويزيد بن هرمز وأبو سلمة بن عبد الرحمن.
وقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي
__________
(1) هو هشام بن حسان.
(2) سورة طه الآية 121.
[ * ]

(1/93)

الله عنه فقال: حدثنا الحارث بن مسكين المصري حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قال موسى عليه السلام يا رب أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة فأراه آدم عليه السلام * فقال أنت آدم * فقال له آدم نعم قال أنت الذي نفخ الله فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك الاسماء كلها * قال: نعم * قال: فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة فقال له آدم: من أنت قال: أنا موسى * قال: أنت موسى نبي بني إسرائيل أنت الذي كلمك الله من وراء الحجاب فلم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه * قال: نعم * قال تلومني على أمر قد سبق من الله عزوجل القضاء به قبل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فحج آدم موسى فحج آدم موسى " ورواه أبو داود عن أحمد بن صالح المصري عن ابن وهب به.
قال أبو يعلى، وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي حدثنا عمران عن الرديني عن أبي مجلز عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر قال أبو محمد أكبر ظني أنه رفعه * قال: " التقى آدم وموسى فقال موسى لآدم: أنت أبو البشر أسكنك الله جنته وأسجد لك ملائكته.
قال آدم: يا موسى أما تجده علي مكتوبا * قال فحج آدم موسى فحج آدم موسى " وهذا الاسناد أيضا لا بأس به والله أعلم.
وقد تقدم رواية الفضل بن موسى لهذا الحديث عن الاعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد * ورواية الامام أحمد له عن عفان عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن رجل * قال حماد أظنه جندب بن عبد الله البجلي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لقى آدم موسى " فذكر معناه.
وقد اختلف مسالك الناس في هذا الحديث فرده قوم من القدرية لما تضمن من إثبات القدر
السابق * واحتج به قوم من الجبرية وهو ظاهر لهم بادئ الرأي حيث قال " فحج آدم موسى " لما احتج عليه بتقديم كتابه وسيأتي الجواب عن هذا، وقال آخرون إنما حجه لانه لامه على ذنب قد تاب منه والتائب من الذنب كمن لا ذنب له * وقيل إنما حجه لانه أكبر منه وأقدم * وقيل لانه أبوه * وقيل لانهما في شريعتين متغايرتين * وقيل لانهما في دار البرزخ وقد انقطع التكليف فيما يزعمونه.
والتحقيق أن هذا الحديث روي بألفاظ كثيرة بعضها مروي بالمعنى.
وفيه نظر.
ومدار معظمها في الصحيحين وغيرهما على أنه لامه على إخراجه نفسه وذريته من الجنة فقال له آدم أنا لم أخرجكم وإنما أخرجكم الذي رتب الاخراج على أكلي من الشجرة والذي رتب ذلك وقدره وكتبه قبل أن أخلق هو الله عزوجل فأنت تلومني على أمر ليس له نسبة إلى أكثر ما أني نهيت عن الاكل من الشجرة فأكلت منها وكون الاخراج مترتبا على ذلك ليس من فعلي فأنا لم أخرجكم ولا نفسي من الجنة وإنما كان هذا من قدرة الله وصنعه وله الحكمة في ذلك فلهذا حج آدم موسى.
ومن كذب بهذا الحديث فمعاند لانه متواتر عن أبي هريرة رضي الله عنه وناهيك به عدالة

(1/94)

وحفظا وإتقانا * ثم هو مروي عن غيره من الصحابة كما ذكرنا.
ومن تأوله بتلك التأويلات المذكورة آنفا فهو بعيد من اللفظ والمعنى.
وما فيهم من هو أقوى مسلكا من الجبرية.
وفيما قالوه نظر من وجوه * (أحدها) أن موسى عليه السلام لا يلوم على أمر قد تاب منه فاعله (الثاني) أنه قد قتل نفسا لم يؤمر بقتلها وقد سأل الله في ذلك بقوله: (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له) (1) الآية (الثالث) أنه لو كان الجواب عن اللوم على الذنب بالقدر المتقدم كتابته على العبد لا نفتح هذا لكل من ليم على أمر قد فعله فيحتج بالقدر السابق فينسد باب القصاص والحدود ولو كان القدر حجة لاحتج به كل أحد على الامر الذي ارتكبه في الامور الكبار والصغار وهذا يفضي إلى لوازم فظيعة.
فلهذا قال من قال من العلماء بأن جواب آدم إنما كان احتجاجا بالقدر على المصيبة لا المعصية والله تعالى أعلم.
الاحاديث الواردة في خلق آدم قال الامام أحمد (2) حدثنا يحيى [ بن سعيد ] ومحمد بن جعفر حدثنا عوف حدثني قسامة بن زهير عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الارض فجاء بنو آدم على قدر الارض فجاء منهم الابيض والاحمر والاسود وبين ذلك.
والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك ".
ورواه أيضا عن هوذة عن عوف عن قسامة بن زهير سمعت الاشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الارض فجاء بنو آدم على قدر الارض فجاء (3) منهم الابيض والاحمر والاسود وبين ذلك.
والسهل والحزن وبين ذلك.
والخبيث والطيب وبين ذلك ".
وكذا رواه أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عوف بن أبي جميلة الاعرابي عن قسامة بن زهير المازني البصري عن أبي موسى عبد الله بن قيس الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وقال الترمذي حسن صحيح.
وقد ذكر السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: (فبعث الله عزوجل جبريل في الارض ليأتيه بطين منها فقالت الارض أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تشينني فرجع ولم يأخذ وقال رب: إنها عاذت بك فأعذتها فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها فرجع فقال كما قال جبريل فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره فأخذ من وجه الارض وخلطه ولم يأخذ من مكان واحد
__________
(1) سورة القصص الآية 16.
(2) مسند أحمد ج 4 / 400، 406.
(3) في المسند ج 4 / 406: جعل منهم.
الحزن: ما غلظ من الارض.
[ * ]

(1/95)

وأخذ من تربة بيضاء وحمراء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين فصعد به فبل التراب حتى عاد طينا لازبا) واللازب هو الذي يلزق بعضه ببعض * ثم قال للملائكة (إني خالق بشرا من طين.
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) [ الحجر: 28 ] فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه وكان أشدهم منه فزعا إبليس فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار يكون له صلصلة فذلك حين يقول (من صلصال كالفخار) ويقول لامر ما خلقت ودخل من فيه وخرج من دبره وقال للملائكة لا ترهبوا من هذا فإن ربكم صمد وهذا أجوف لئن سلطت عليه لاهلكنه فلما بلغ الحين الذي يريد الله عزوجل أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس فقالت الملائكة قل الحمد لله فقال الحمد لله فقال له الله رحمك ربك فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخلت الروح في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه عجلان إلى ثمار الجنة وذلك حين يقول الله تعالى (خلق الانسان من عجل) [ الانبياء: 37 ] (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين) [ الحجر: 30 ] وذكر تمام القصة.
ولبعض هذا السياق شاهد من الاحاديث وإن كان كثير منه متلقى من الاسرائيليات فقال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا حماد عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما خلق الله آدم تركه ما شاء أن يدعه فجعل إبليس يطيف به فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك " وقال ابن حبان في صحيحه حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لما نفخ في آدم فبلغ الروح رأسه عطس فقال الحمد لله رب العالمين فقال له تبارك وتعالى يرحمك الله ".
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا يحيى بن محمد بن السكن حدثنا حبان بن هلال حدثنا مبارك بن فضالة عن عبيد الله عن حبيب عن حفص هو ابن عاصم بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب عن أبي هريرة رفعه قال: " لما خلق الله آدم عطس فقال الحمد لله فقال ربه رحمك ربك يا آدم " وهذا الاسناد لا بأس به ولم يخرجوه.
وقال عمر بن عبد العزيز " لما أمرت الملائكة بالسجود كان أول من سجد منهم اسرافيل فآتاه الله أن كتب القرآن في جبهته " رواه ابن عساكر وقال الحافظ
أبو يعلى حدثنا عقبة بن مكرم حدثنا عمرو بن محمد عن اسمعيل بن رافع عن المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق آدم من تراب ثم جعله طينا ثم تركه حتى إذا كان حمأ مسنونا خلقه وصوره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار قال فكان إبليس يمر به فيقول لقد خلقت لامر عظيم.
ثم نفخ الله فيه من روحه فكان أول ما جرى فيه الروح بصره وخياشيمه فعطس فلقاه الله رحمة ربه فقال الله: يرحمك ربك.
ثم قال الله يا آدم اذهب إلى هؤلاء النفر فقل

(1/96)

لهم (1) فانظر ماذا يقولون ؟ فجاء فسلم عليهم فقالوا وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
فقال يا آدم هذا تحيتك وتحية ذريتك.
قال يا رب وما ذريتي قال اختر يدي يا آدم قال اختار يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين وبسط كفه فإذا من هو كائن من ذريته في كف الرحمن فإذا رجال منهم أفواههم النور فإذا رجل يعجب آدم نوره قال يا رب من هذا قال ابنك داود قال يا رب فكم جعلت له من العمر قال جعلت له ستين قال يا رب فأتم له من عمري حتى يكون له من العمر مائة سنة ففعل الله ذلك وأشهد على ذلك فلما نفذ عمر آدم بعث الله ملك الموت فقال آدم أو لم يبق من عمري أربعون سنة قال له الملك: أو لم تعطها ابنك داود فجحد ذلك فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته * وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار والترمذي والنسائي في اليوم والليلة من حديث صفوان بن عيسى عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الترمذي حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وقال النسائي هذا حديث منكر وقد رواه محمد بن عجلان (2) عن سعيد المقبري عن أبيه عن عبد الله بن سلام * وقال الترمذي حدثنا عبد بن حميد حدثنا أبو نعيم حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما خلق آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال أي رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال أي رب من هذا قال: هذا رجل من آخر الامم من ذريتك يقال له داود: قال رب وكم جعلت عمره
قال ستين سنة، قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة فلما انقضى عمر آدم، جاءه ملك الموت، قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة، قال: أو لم تعطها ابنك داود.
قال فجحد فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته " ثم قال الترمذي حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وروى ابن أبي حاتم من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة مرفوعا " فذكره وفيه: " ثم عرضهم على آدم فقال يا آدم هؤلاء ذريتك وإذا فيهم الاجذم والابرص والاعمى وأنواع الاسقام فقال آدم: يا رب لم فعلت هذا بذريتي قال: كي تشكر نعمتي ".
ثم ذكر قصة داود.
وستأتي من رواية ابن عباس أيضا * وقال الامام أحمد في مسنده حدثنا الهيثم ابن خارجة حدثنا أبو الربيع عن يونس بن ميسرة عن أبي إدريس عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الدر وضرب كتفه اليسرى فأخرج
__________
(1) بياض بالاصل.
(2) في هامش المطبوعة: قوله عن سعيد المقبري.
صوابه عن أبيه عن أبي سعيد المقبري عن عبد الله بن سلام...[ * ]

(1/97)

ذرية سوداء كأنهم الحمم.
فقال للذي في يمينه.
إلى الجنة ولا أبالي.
وقال للذي في كتفه اليسرى إلى النار ولا أبالي.
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا خلف بن هشام حدثنا الحكم بن سنان عن حوشب عن الحسن قال: " خلق الله آدم حين خلقه فأخرج أهل الجنة من صفحته اليمنى وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى فألقوا على وجه الارض منهم الاعمى والاصم والمبتلى * فقال آدم يا رب ألا سويت بين ولدي * قال يا آدم أني أردت أن أشكر " وهكذا روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن بنحوه * وقد رواه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه فقال حدثنا محمد بن اسحاق بن خزيمة حدثنا محمد بن بشار حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن سعيد
المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله باذن الله فقال له ربه يرحمك ربك يا آدم اذهب إلى اولئك الملائكة إلى ملا منهم جلوس فسلم عليهم فقال السلام عليكم فقالوا وعليكم السلام ورحمة الله.
ثم رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم وقال الله ويداه مقبوضتان أختر أيهما شئت فقال اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطهما فإذا فيهما آدم وذريته فقال أي رب ما هؤلاء قال هؤلاء ذريتك وإذا كل إنسان منهم مكتوب عمره بين عينيه وإذا فيهم رجل أضوؤهم " أو " من أضوئهم لم يكتب له إلا أربعون سنة قال يا رب ما هذا ؟ قال: هذا ابنك داود وقد كتب الله عمره أربعين سنة * قال: أي رب زد في عمره فقال ذاك الذي كتب له قال: فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة قال أنت وذاك * أسكن الجنة.
فسكن الجنة ما شاء الله ثم هبط منها وكان آدم يعد لنفسه فأتاه ملك الموت فقال له آدم قد عجلت قد كتب لي ألف سنة قال بلى ولكنك جعلت لابنك داود منها ستين سنة فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته فيومئذ أمر بالكتاب والشهود " هذا لفظه.
وقد قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا.
ثم قال اذهب فسلم على أولئك من الملائكة واستمع ما يجيبونك فانها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن ".
وهكذا رواه البخاري في كتاب الاستئذان عن يحيى بن جعفر ومسلم عن محمد بن رافع كلاهما عن عبد الرزاق به، وقال الامام أحمد حدثنا روح حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان طول آدم ستين ذراعا في سبع أذرع عرضا.
انفرد به أحمد.
وقال الامام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أول من جحد آدم إن أول من

(1/98)

جحد آدم إن أول من جحد آدم ان الله لما خلق آدم ومسح ظهره فأخرج منه ما هو ذاري إلى يوم القيامة فجعل يعرض ذريته عليه فرأى فيهم رجلا يزهر قال أي رب من هذا قال هذا ابنك داود قال أي رب كم عمره قال ستون عاما قال أي رب زد في عمره قال لا إلا أن أزيده من عمرك وكان عمر آدم ألف عام فزاده أربعين عاما.
فكتب الله عليه بذلك كتابا وأشهد عليه الملائكة فلما احتضر آدم اتته الملائكة لقبضه قال إنه قد بقي من عمري أربعون عاما.
فقيل له إنك قد وهبتها لابنك داود.
قال ما فعلت وأبرز الله عليه الكتاب وشهدت عليه الملائكة " وقال أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أول من جحد آدم قالها ثلاث مرات إن الله عزوجل لما خلقه مسح ظهره فأخرج ذريته فعرضهم عليه فرأى فيهم رجلا يزهر فقال أي رب زد في عمره قال لا إلا أن تزيده أنت من عمرك فزاده أربعين سنة من عمره.
فكتب الله تعالى عليه كتابا وأشهد عليه الملائكة فلما أراد أن يقبض روحه قال إنه بقي من أجلي أربعون سنة فقيل له: إنك قد جعلتها لابنك داود قال فجحد، قال: فأخرج الله الكتاب وأقام عليه البينة فأتمها لداود مائة سنة وأتم لآدم عمره ألف سنة * تفرد به أحمد وعلي بن زيد في حديثه نكارة * ورواه الطبراني عن علي بن عبد العزيز عن حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس وغير واحد عن الحسن قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أول من جحد آدم " ثلاثا ; وذكره * وقال الامام مالك بن أنس في موطئه عن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) (1) الآية فقال عمر بن الخطاب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها فقال: " ان الله خلق آدم عليه السلام ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا خلق الله العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من
أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنة وإذا خلق الله العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار ".
وهكذا رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو حاتم بن حبان في صحيحه من طرق عن الامام مالك به * وقال الترمذي هذا حديث حسن * ومسلم بن يسار لم يسمع عمر * وكذا قال أبو حاتم وأبو زرعة زاد أبو حاتم وبينهما نعيم بن ربيعة * وقد رواه أبو داود عن محمد بن مصفى عن بقية عن عمر بن جثعم عن زيد بن أبي أنيسة عن
__________
(1) سورة الاعراف الآية 172.
[ * ]

(1/99)

عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة قال كنت عند عمر بن الخطاب وقد سئل عن هذه الآية فذكر الحديث * قال الحافظ الدارقطني وقد تابع عمر بن جثعم أبو فروة بن يزيد بن سنان الرهاوي عن زيد بن أبي أنيسة قال وقولهما أولى بالصواب من قول مالك رحمه الله.
وهذه الاحاديث كلها دالة على استخراجه تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر وقسمتهم قسمين أهل اليمين وأهل الشمال وقال هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي.
فأما الاشهاد عليهم واستنطاقهم بالاقرار بالوحدانية فلم يجئ في الاحاديث الثابتة.
وتفسير الآية التي في سورة الاعراف وحملها على هذا فيه نظر كما بيناه هناك.
وذكرنا الاحاديث والآثار مستقصاة بأسانيدها وألفاظ متونها.
فمن أراد تحريره فليراجعه ثم والله أعلم.
فأما الحديث الذي رواه أحمد حدثنا حسين بن محمد حدثنا جرير يعني ابن حازم عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان (1) يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذراها فنثرها بين يديه.
ثم كلمهم قبلا قال: (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا) إلى قوله (المبطلون) (2) فهو بإسناد جيد قوي على شرط مسلم * رواه النسائي وابن جرير
والحاكم في مستدركه من حديث حسين بن محمد المروزي به.
وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه إلا أنه اختلف فيه على كلثوم بن جبر فروي عنه مرفوعا وموقوفا.
وكذا روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا.
وهكذا رواه العوفي والوالبي والضحاك وأبو جمرة عن ابن عباس قوله * وهذا أكثر وأثبت والله أعلم.
وهكذا روي عن عبد الله بن عمر موقوفا ومرفوعا والموقوف أصح * واستأنس القائلون بهذا القول وهو أخذ الميثاق على الذرية وهم الجمهور بما قال الامام أحمد حدثنا حجاج حدثني شعبة عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة لو كان لك ما على الارض من شئ أكنت مفتديا به قال فيقول نعم.
فيقول قد أردت منك ما هو
__________
(1) نعمان: واد إلى جنب عرفة.
وقال القرطبي في أحكامه 7 / 316: واختلف في الموضع الذي أخذ فيه الميثاق حين أخرجوا على أربعة أقوال: - ببطن نعمان قاله ابن عباس.
- برهبا - أرض بالهند الذي هبط فيه آدم عليه السلام (قاله ابن عباس).
بين مكة والطائف قاله الكلبي.
- في السماء الدنيا قاله السدي.
(2) سورة الاعراف الآية 172 - 173.
[ * ]

(1/100)

أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي " أخرجاه من حديث شعبة به.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) (1) الآية والتي بعدها قال فجمعهم له يومئذ جميعا ما هو كائن منه إلى يوم القيامة فخلقهم ثم صورهم ثم استنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق وأشهد عليهم أنفسهم.
(ألست بربكم قالوا بلى) الآية قال فإني أشهد عليكم
السموات السبع والارضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم ان لا تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا.
اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئا وإني سأرسل اليكم رسلا ينذرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتابي - قالوا نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك فأقروا له يومئذ بالطاعة ورفع أباهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك * فقال يا رب لو سويت بين عبادك فقال: إني أحببت أن أشكر.
ورأى فيهم الانبياء مثل السرج عليهم النور وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الذي يقول الله تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) [ الاحزاب: 7 ] وهو الذي يقول (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) [ الروم: 30 ] وفي ذلك قال (هذا نذير من النذر الاولى) [ النجم: 56 ] وفي ذلك قال (وما وجدنا لاكثرهم من عهد وان وجدنا أكثرهم لفاسقين) [ الاعراف: 102 ].
رواه الائمة عبد الله بن أحمد وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردوية في تفاسيرهم من طريق أبي جعفر * وروي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والسدي وغير واحد من علماء السلف بسياقات توافق هذه الاحاديث وتقدم أنه تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم امتثلوا كلهم الامر الالهي وامتنع إبليس من السجود له حسدا وعداوة له فطرده الله وأبعده وأخرجه من الحضرة الالهية ونفاه عنها وأهبطه إلى الارض طريدا ملعونا شيطانا رجيما.
وقد قال الامام أحمد حدثنا وكيع.
ويعلى ومحمد ابنا عبيد قالوا حدثنا الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " (إذا) قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسحود فعصيت فلي النار.
ورواه مسلم من حديث وكيع وأبي معاوية عن الاعمش به.
ثم لما أسكن آدم الجنة التي أسكنها سواء كانت في السماء أو في الارض على ما تقدم من الخلاف فيه أقام بها هو وزوجته حواء عليهما السلام يأكلان منها رغدا حيث شاآ فلما أكلا من الشجرة التي نهيا عنها سلبا ما كانا فيه من
__________
(1) سورة الاعراف الآية 172.
[ * ]

(1/101)

اللباس وأهبطا إلى الارض * وقد ذكرنا الاختلاف في مواضع هبوطه منها * واختلفوا في مقدار مقامه في الجنة فقيل بعض يوم من أيام الدنيا وقد قدمنا ما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا وخلق آدم في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة وتقدم أيضا حديثه عنه وفيه (يعني) يوم الجمعة خلق آدم وفيه أخرج منها فإن كان اليوم الذي خلق فيه فيه أخرج وقلنا إن الايام الستة كهذه الايام فقد لبث بعض يوم من هذه.
وفي هذا نظر وإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خلق فيه أو قلنا بأن تلك الايام مقدارها ستة آلاف سنة كما تقدم عن ابن عباس ومجاهد والضحاك واختاره ابن جرير فقد لبث هناك مدة طويلة.
قال ابن جرير ومعلوم أنه خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة والساعة منه ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر فمكث مصورا طينا قبل أن ينفخ فيه الروح أربعين سنة وأقام في الجنة فبل أن يهبط ثلاثا وأربعين سنة وأربعة أشهر والله تعالى أعلم * وقد روى عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن سوار خبر عطاء بن أبي رباح أنه كان لما أهبط رجلاه في الارض ورأسه في السماء فحطه الله إلى ستين ذراعا * وقد روى عن ابن عباس نحوه.
وفي هذا نظر لما تقدم من الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن " * وهذا يقتضي أنه خلق كذلك لا أطول من ستين ذراعا وأن ذريته لم يزالوا يتناقص خلقهم حتى الآن.
وذكر ابن جرير عن ابن عباس إن الله قال يا آدم إن لي حرما بحيال عرشي فانطلق فابن لي فيه بيتا فطف به كما تطوف ملائكتي بعرشي وأرسل الله له ملكا فعرفه مكانه وعلمه المناسك.
وذكر أن موضع كل خطوة خطاها آدم صارت قرية بعد ذلك.
وعنه أن أول طعام أكله آدم في الارض أن جاءه جبريل بسبع حبات من حنطة فقال ما هذا قال هذا من الشجرة التي نهيت عنها فأكلت منها فقال وما أصنع بهذا قال ابذره في الارض فبذره وكان كل حبة منها زنتها أزيد من مائة ألف فنبتت فحصده ثم درسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم
خبزه فأكله بعد جهد عظيم وتعب ونكد وذلك قوله تعالى (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) (1).
وكان أول كسوتهما من شعر الضأن جزاه ثم غزلاه فنسج آدم له جبة ولحواء درعا وخمارا.
واختلفوا هل ولد لهما بالجنة شئ من الاولاد فقيل لم يولد لهما إلا في الارض * وقيل بل ولد لهما فيها فكان قابيل وأخته ممن ولد بها والله أعلم (2).
وذكروا أنه كان يولد في كل بطن ذكر وأنثى وأمر أن يزوج كل ابن أخت أخيه التي ولدت
__________
(1) سورة طه الاية 117.
(2) في الطبري: ان آدم كان يغشى حواء في الجنة فحملت له بقين بن آدم وتوأمته.
وفي رواية أخرى عنده: ان آدم غشى حواء بعد مهبطهما إلى الارض بمائة فولدت له قابيل وتوأمته.
1 / 71.
[ * ]

(1/102)

معه والآخر بالاخرى وهلم جرا ولم يكن تحل أخت لاخيها الذي ولدت معه.
قصة قابيل وهابيل (1) قال الله تعالى (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لاقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لاقتلك إني أخاف الله رب العالمين * إني أريد أن تبوء باثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين * فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين * فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه يواري سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوأة أخي فأصبح من النادمين) (2) * قد تكلمنا على هذه القصة في سورة المائدة في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد.
ولنذكر هنا ملخص ما ذكره أئمة السلف في ذلك * فذكر السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الاخرى وأن هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل وكان أكبر من هابيل وأخت هابيل أحسن (3) فأراد هابيل أن يستأثر بها على أخيه وأمره آدم عليه السلام أن يزوجه إياها فأبى فأمرهما أن
يقربا قربانا وذهب آدم ليحج إلى مكة واستحفظ السموات على بنيه فأبين والارضين والجبال فأبين فتقبل قابيل بحفظ ذلك.
فلما ذهب قربا قربانهما فقرب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب غنم وقرب قابيل حزمة من زرع من ردى زرعه فنزلت نار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب وقال (لاقتلنك) حتى لا تنكح أختي فقال (إنما يتقبل الله من المتقين) * وروي عن ابن عباس من وجوه أخر وعن عبد الله بن عمرو وقال عبد الله بن عمرو وأيم الله إن كان المقتول لاشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط إليه يده.
وذكر أبو جعفر الباقر أن آدم كان مباشرا لتقربهما القربان والتقبل من هابيل دون قابيل فقال قابيل لآدم إنما تقبل منه لانك دعوت له ولم تدع لي وتوعد أخاه فيما بينه وبينه.
فلما كان ذات ليلة أبطأ هابيل في الرعي فبعث آدم أخاه قابيل لينظر ما أبطأ به فلما ذهب إذا هو به فقال له تقبل منك
__________
(1) اختلف في ابني آدم: قال الحسن البصري ليسا لصلبه ; كانا رجلين من بني إسرائيل ; ورد عليه ابن عطية قال: هذا وهم.
التفسير الكبير للفخر الرازي 11 / 204.
قال القرطبي: والصحيح انهما ابناه لصلبه، هذا قول الجمهور من المفسرين وقاله ابن عباس وابن عمر 6 / 132.
لان القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب، ولو كان من بني إسرائيل لما خفي عليه هذا الامر.
(2) سورة المائدة الآيات 27 - 31.
(3) ذكر القرطبي: اسم أخت قابيل اقليمياء وأخت هابيل اسمها ليوذا.
[ * ]

(1/103)

ولم يتقبل مني فقال (إنما يتقبل الله من المتقين).
فغضب قابيل عندها وضربه بحديدة كانت معه فقتله (1) * وقيل إنه إنما قتله بصخرة رماها على رأسه وهو نائم فشدخته * وقيل بل خنقه خنقا شديدا وعضا كما تفعل السباع فمات والله أعلم.
وقوله له لما توعده بالقتل (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لاقتلك إني أخاف الله رب العالمين) (2) دل على خلق حسن وخوف من الله تعالى وخشية منه وتورع أن يقابل
أخاه بالسوء الذي أراد منه أخوه مثله ولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار.
قالوا يارسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه " وقوله (إني أريد أن تبوء بإثمي وأثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين) (3) أي أني أريد ترك مقاتلتك وإن كنت أشد منك وأقوى إذ قد عزمت على ما عزمت عليه أن تبوء بإثمي وإثمك أي تتحمل إثم قتلي مع مالك من الآثام المتقدمة قبل ذلك قاله مجاهد والسدي وابن جرير وغير واحد وليس المراد أن آثام المقتول تتحول بمجرد قتله إلى القاتل كما قد توهمه بعض قال فان ابن جرير حكى الاجماع على خلاف ذلك.
وأما الحديث الذي يورده بعض من لا يعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما ترك القاتل على المقتول من ذنب " فلا أصل له ولا يعرف في شئ من كتب الحديث بسند صحيح ولا حسن ولا ضعيف أيضا ولكن قد يتفق في بعض الاشخاص يوم القيامة يطالب المقتول القاتل فتكون حسنات القاتل لا تفي بهذه المظلمة فتحول من سيئات المقتول إلى القاتل كما ثبت به الحديث الصحيح (4) في سائر المظالم والقتل من أعظمها والله أعلم.
وقد حررنا هذا كله في التفسير ولله الحمد.
وقد روى الامام أحمد وأبو داود والترمذي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال عند فتنة عثمان ابن عفان أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي " قال أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني قال: " كن كابن آدم ".
ورواه بن مردوية عن حذيفة بن اليمان مرفوعا وقال كن كخير ابني آدم.
وروى مسلم وأهل السنن إلا النسائي عن أبي ذر نحو هذا.
وأما الآخر فقد قال الامام أحمد حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الاعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن
__________
(1) هذا بعيد، لان الحديد لم يكن معروفا في تلك الازمان البعيدة في القدم.
(2) سورة المائدة الآية 28.
(3) سورة المائدة الآية 29.
(4) ذكره الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة ص 364 وقال تعقيبا على كلام ابن كثير " ومعناه صحيح ": يعني كما أخرجه ابن حبان عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: " إن السيف محاء للخطايا ".
[ * ]

(1/104)

آدم الاول كفل من دمها لانه كان أول من سن القتل * ورواه الجماعة سوى أبي داود من حديث الاعمش به وهكذا روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وإبراهيم النخعي أنهما قالا مثل هذا سواء * وبجبل قاسيون شمالي دمشق مغارة يقال لها مغارة الدم مشهورة بأنها المكان الذي قتل قابيل أخاه هابيل عندها وذلك مما تلقوه عن أهل الكتاب فالله أعلم بصحة ذلك (1) * وقد ذكر الحافظ بن عساكر في ترجمة أحمد بن كثير وقال إنه كان من الصالحين أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وهابيل، أنه استحلف هابيل ان هذا دمه فحلف له وذكر أنه سأل الله تعالى أن يجعل هذا المكان يستجاب عنده الدعاء فأجابه إلى ذلك وصدقه في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إنه وأبا بكر وعمر يزورون هذا المكان في كل يوم خميس * وهذا منام لو صح عن أحمد بن كثير هذا لم يترتب عليه حكم شرعي والله أعلم.
وقوله تعالى (فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوأة أخي فأصبح من النادمين) (2) ذكر بعضهم أنه لما قتله حمله على ظهره سنة وقال آخرون حمله مائة (3) سنة ولم يزل كذلك حتى بعث الله غرابين * قال السدي باسناده عن الصحابة أخوين فتقاتلا فقتل أحدهما الاخر فلما قتله عمد إلى الارض يحفر له فيها ثم ألقاه ودفنه وواراه فلما رآه يصنع ذلك قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ففعل مثل ما فعل الغراب فواراه ودفنه.
وذكر أهل التواريخ والسير أن آدم حزن على ابنه هابيل حزنا شديدا (4) وأنه قال في ذلك شعرا وهو قوله فيما ذكره ابن جرير عن ابن حميد: تغيرت البلاد ومن عليها * فوجه الارض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم * وقل بشاشة الوجه المليح
(فأجيب آدم)
__________
(1) في القرطبي 6 / 139: قال ابن مسعود وابن عباس في ثور - جبل مكة - وقيل عند عقبة حراء - حكاه محمد بن جرير الطبري - وقال جعفر الصادق - رضي الله عنه - بالبصرة في موضع المسجد الاعظم.
ويقال قتله بأرض الهند.
ثم هرب إلى أرض عدن من اليمن وكان لهابيل يوم قتله قابيل عشرون سنة.
انظر تفسير الرازي 11 / 208.
(2) سورة المائدة الآية 31.
(3) في تفسير الكبير للرازي 11 / 209: حمله في جراب حتى تغير فبعث الله غرابا.
وفي القرطبي عن مجاهد: مائة سنة.
وقيل حتى أروح (أنتن).
(4) ومكث بعده مائة سنة لم يضحك قط.
وحزنه على ابنه فأمر طبيعي أما قوله الشعر فكلام غير مسلم به.
ويقال أن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياما عليه.

(1/105)

أبا هابيل قد قتلا جميعا * وصار الحي كالميت الذبيح وجاء بشرة قد كان منها * على خوف فجابها يصيح وهذا الشعر فيه نظر وقد يكون آدم عليه السلام قال كلاما يتحزن به بلغته فألفه بعضهم إلى هذا وفيه أقوال والله أعلم (1) * وقد ذكر مجاهد أن قابيل عوجل بالعقوبة يوم قتل أخاه فعلقت ساقه إلى فخذه وجعل وجهه إلى الشمس كيفما دارت تنكيلا به وتعجيلا لذنبه وبغيه وحسده لاخيه لابويه (2) * وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ".
والذي رأيته في الكتاب الذي بأيدي أهل الكتاب الذين يزعمون أنه التوراة أن الله عزوجل أجله وأنظره وأنه سكن في أرض نود في شرقي عدن وهم يسمونه قنين وأنه ولد له خنوخ ولخنوخ عند ر ولعندر محوايل ولمحوايل متوشيل ولمواشيل لامك وتزوج هذا امرأتين عدا وصلا فولدت عدا ولدا اسمه إبل وهو أول من سكن القباب واقتنى المال وولدت أيضا نوبل وهو أول من أخذ في
ضرب الونج والصنج وولدت صلا ولدا اسمه توبلقين وهو أول من صنع النحاس والحديد وبنتا اسمها نعمى وفيها أيضا أن آدم طاف على امرأته فولدت غلاما ودعت اسمه شيث (3) وقالت من أجل انه قد وهب لي خلفا من هابيل الذي قتله قابيل وولد لشيث أنوش قالوا وكان عمر أدم يوم ولد له شيث مائة وثلاثين سنة وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وكان عمر شيث يوم ولد له أنوش مائة وخمسا وستين وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وسبع سنين.
وولد له بنون وبنات غير أنوش فولد
__________
(1) في قول آدم شعرا أكثر من قول: قال القشيري وغيره: قال ابن عباس: ما قال آدم الشعر، وإن محمدا والانبياء كلهم في النهي عن الشعراء سواء.
لكن لما قتل هابيل رثاه آدم وهو سرياني، فهي مرثية بلسان السريانية أوصى بها إلى ابنه شيث.
فحفظت منه إلى زمن يعرب فترجمه وجهله شعرا يعرب بن قحطان.
وقال الالوسي: ذكر بعض علماء العربية أن في ذلك الشعر لحنا أو أقواء أو ارتكاب ضرورة والاولى عدم نسبته إلى يعرب أيضا لما فيه من الركاكة الظاهرة.
وقال صاحب الكشاف: ويروى أنه (آدم) رثاه بشعر.
قال وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، والانبياء معصومون عن الشعر ; فإن ذلك الشعر في غاية الركاكة لا يليق بالحمقى من المعلمين فكيف ينسب إلى من جعل الله علمه حجة على الملائكة.
(2) جاء في القرطبي 6 / 142: إن قابيل كان على ذروة جبل فنطحه ثور فوقع إلى السفح وقد تفرقت عروقه.
وقيل دعا عليه آدم فانخسفت به الارض.
وقيل: أنه هرب إلى عدن من أرض اليمن ; واستوحش ولزم البرية وذكر المسعودي في المروج 1 / 34: وفي زمن انوش قتل قاين (قابيل) قاتل أخيه هابيل.
(انظر تفسير الفخر الرازي ج 11 / 208 - وانظر قصة هابيل وقابيل في التوراة وهي لا تخالف ما جاء في القرآن تقريبا).
(3) في القرطبي 6 / 139 بعد قتل هابيل بخمس سنين.
وتفسيره هبة الله.
[ * ]

(1/106)

لانوش قينان وله من العمر تسعون سنة وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وخمس عشرة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان عمر قينان سبعين سنة ولد له مهلاييل وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وأربعين
سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لمهلاييل من العمر خمس وستون سنة ولد له يرد وعاش بعد ذلك ثمانمائة وثلاثين سنة وولد له بنون وبنات فلما كان ليرد مائة سنة واثنتان وستون سنة ولد له خنوخ وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لخنوخ خمس وستون سنة ولد له متوشلح وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لمتوشلح مائة وسبع وثمانون سنة ولد له لامك وعاش بعد ذلك سبعمائة واثنين وثمانين سنة وولد له بنون وبنات فلما كان للامك من العمر مائة واثنتان وثمانون سنة ولد له نوح وعاش بعد ذلك خمسمائة وخمسا وتسعين سنة.
وولد له بنون وبنات فلما كان لنوح خمسمائة سنة ولد له بنون سام وحام ويافث هذا مضمون ما في كتابهم صريحا.
وفي كون هذه التواريخ محفوظة فيما نزل من السماء نظر كما ذكره غير واحد من العلماء طاعنين عليهم في ذلك والظاهر أنها مقحمة فيها.
ذكرها بعضهم على سبيل الزيادة والتفسير.
وفيها غلط كثير كما سنذكره في مواضعه ان شاء الله تعالى * وقد ذكر الامام أبو جعفر بن جرير في تاريخه عن بعضهم أن حواء ولدت لآدم أربعين ولدا في عشرين بطنا قاله ابن إسحاق وسماهم والله تعالى أعلم.
وقيل مائة وعشرين بطنا في كل واحد ذكر وأنثى.
أولهم قابيل وأخته قليما.
واخرهم عبد المغيث وأخته أم المغيث * ثم انتشر الناس بعد ذلك وكثروا وامتدوا في الارض ونموا كما قال الله تعالى (يا أيها الناس اتقو ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) [ النساء: 1 ] الآية.
وقد ذكر أهل التاريخ أن آدم عليه السلام لم يمت حتى رأى من ذريته من أولاده وأولاد أولاده أربعمائة ألف (1) نسمة والله أعلم * وقال تعالى (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين إليها فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون) [ الاعراف: 189 ] الآيات فهذا تنبيه أولا بذكر آدم ثم استطرد إلى الجنس وليس المراد بهذا ذكر آدم وحواء بل لما جرى ذكر الشخص استطرد إلى الجنس كما في قوله تعالى (ولقد خلقنا الانسان
من سلالة من طين.
ثم جعلناه نطفة في قرار مكين) [ المؤمنون: 12 ] وقال تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين) [ الملك: 5 ] ومعلوم أن رجوم الشياطين ليست هي أعيان مصابيح السماء وإنما استطرد من شخصها إلى جنسها * فأما الحديث الذي رواه
__________
(1) في القرطبي عن ابن عباس: أربعين ألفا 6 / 135.
وفي المسعودي 1 / 33 أربعين ألفا.
[ * ]

(1/107)

الامام أحمد حدثنا عبد الصمد (1) حدثنا عمر بن إبراهيم حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة [ بن جندب ] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فانه يعيش فسمته عبد الحارث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره ".
وهكذا رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردوية في تفاسيرهم عند هذه الآية وأخرجه الحاكم في مستدركه كلهم من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث به * وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه * وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه فهذه علة قادحة في الحديث أنه روي موقوفا على الصحابي وهذا أشبه والظاهر أنه تلقاه من الاسرائيليات * وهكذا روي موقوفا على ابن عباس.
والظاهر أن هذا متلقى عن كعب الاخبار ودونه والله أعلم * وقد فسر الحسن البصري هذه الآيات بخلاف هذا.
فلو كان عنده عن سمرة مرفوعا لما عدل عنه إلى غيره والله أعلم.
وأيضا فالله تعالى إنما خلق آدم وحواء ليكونا أصل البشر وليبث منهما رجالا كثيرا ونساء فكيف كانت حواء لا يعيش لها ولد كما ذكر في هذا الحديث إن كان محفوظا.
والمظنون بل المقطوع به ان رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم خطأ والصواب وقفه والله أعلم * وقد حررنا هذا في كتابنا التفسير ولله الحمد.
نعم قد كان آدم وحواء أتقى لله مما ذكر عنهما في هذا.
فان آدم أبو البشر الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شئ وأسكنه جنته * وقد روى ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر قال قالت يارسول الله كم الانبياء قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا.
قلت يا رسول الله كم الرسل منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير (2).
قلت يارسول الله من
كان أولهم.
قال آدم.
قلت يارسول الله نبي مرسل قال: نعم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه من روحه ثم سواه قيلا ".
وقال الطبراني حدثنا إبراهيم بن نائلة الاصبهاني حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا نافع بن هرمز عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل وأفضل النبيين آدم وأفضل الايام يوم الجمعة وأفضل الشهور شهر رمضان وأفضل الليالي ليلة القدر وأفضل النساء مريم بنت عمران * وهذا إسناد ضعيف فإن نافعا أبا هرمز كذبه ابن معين وضعفه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم وابن حبان وغيرهم والله أعلم.
وقال كعب الاحبار ليس أحد في الجنة له لحية إلا آدم.
لحيته سوداء إلى سرته.
وليس أحد يكنى في الجنة إلا آدم كنيته في الدنيا أبو البشر وفي الجنة أبو محمد * وقد روى ابن عدي من طريق
__________
(1) وهو عبد الصمد بن عبد الوارث.
(2) في الطبري: جما غفيرا.
ورواه عن عبد الرحمن بن وهب عن عمه عن الماضي بن محمد عن أبي سليمان عن القاسم بن محمد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
[ * ]

(1/108)

سبح (2) ابن أبي خالد عن حماد بن سلمة بن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله مرفوعا أهل الجنة يدعون بأسمائهم إلا آدم فإنه يكنى أبا محمد * ورواه ابن عدي أيضا من حديث علي بن أبي طالب وهو ضعيف من كل وجه والله أعلم.
وفي حديث الاسراء الذي في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بآدم وهو في السماء الدنيا قال له مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح قال: وإذا عن يمينه أسودة (2) وعن يساره اسودة.
فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر عن شماله بكى.
فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا آدم وهؤلاء نسم بنيه * فإذا نظر قبل أهل اليمين وهم أهل الجنة ضحك وإذا نظر قبل أهل الشمال وهم أهل النار بكى هذا معنى الحديث * وقال أبو بكر البزار حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا هشام بن حسان عن الحسن قال كان عقل أدم مثل عقل جميع ولده.
وقال بعض العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم: " فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطى شطر الحسن " * قالوا
معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام * وهذا مناسب.
فإن الله خلق آدم وصوره بيده الكريمة ونفخ فيه من روحه فما كان ليخلق إلا أحسن الاشباه * وقد روينا عن عبد الله بن عمر وابن عمرو أيضا موقوفا ومرفوعا إن الله تعالى لما خلق الجنة قالت الملائكة يا ربنا اجعل لنا هذه فانك خلقت لبني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون.
فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان.
وقد ورد الحديث المروي في الصحيحين وغيرهما من طرق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق آدم على صورته " وقد تكلم العلماء على هذا الحديث فذكروا فيه مسالك كثيرة ليس هذا موضع بسطها والله أعلم.
وفاة آدم ووصيته إلى ابنه شيث ومعنى شيث هبة الله وسمياه بذلك لانهما رزقاه بعد أن قتل هابيل (3) * قال أبو ذر في حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله أنزل مائة صحيفة وأربع صحف ".
على شيث خمسين صحيفة * قال محمد بن اسحاق ولما حضرت آدم الوفاة عهد إلى ابنه شيث وعلمه ساعات الليل والنهار وعلمه عبادات تلك الساعات وأعلمه بوقوع الطوفان بعد ذلك.
قال ويقال إن انتساب بني آدم اليوم كلها تنتهي إلى شيث.
وسائر أولاد آدم غيره انقرضوا وبادوا والله أعلم.
__________
(1) قوله سبح بن أبي خالد كذا بالاصل، ولم نجد فيما لدينا هذا الاسم.
وتحت يدنا: إسماعيل بن أبي خالد الكوفي الاحمسي الحافظ توفي عام 146 ه.
وإسماعيل بن أبي خالد الفدكي.
والاثنان لم يرويا عن حماد.
(2) أسودة: جمع من الناس.
(3) قال الطبري في تاريخه 1 / 76: بعد قتل هابيل قابيل بخمس سنين، وكان آدم عمره مائة وثلاثون سنة، وولده شيث ولدا فردا بغير توأم، هبة الله، خلف من هابيل.
واسمه بالعربية شث وبالسريانية شاث وبالعبرانية شيث.
[ * ]

(1/109)

ولما توفي آدم عليه السلام وكان ذلك يوم الجمعة جاءته الملائكة بحنوط وكفن من عند الله عز وجل من الجنة.
وعزوا فيه ابنه ووصيه شيثا عليه السلام * قال ابن اسحاق وكسفت الشمس
والقمر سبعة أيام بلياليهن * وقد قال عبد الله بن الامام أحمد حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن يحيى هو ابن ضمرة السعدي قال رأيت شيخا بالمدينة تكلم فسألت عنه فقالوا هذا أبي بن كعب.
فقال إن آدم لما حضره الموت قال لبنيه أي بني إني أشتهي من ثمار الجنة قال فذهبوا يطلبون له فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه ومعهم الفوس (1) والمساحي (2) والمكاتل (3) فقالوا لهم يا بني آدم ما تريدون وما تطلبون أو ما تريدون وأين تطلبون قالوا أبونا مريض واشتهى من ثمار الجنة فقالوا لهم ارجعوا فقد قضى أبوكم فجاءوا فلما رأتهم حواء عرفتهم فلاذت بآدم فقال إليك عني فإني إنما أتيت من قبلك فخلي بيني وبين ملائكة ربي عزوجل فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنطوه وحفروا له ولحدوه * وصلوا عليه.
ثم ادخلوه قبره فوضعوه في قبره.
ثم حثوا عليه.
ثم قالوا يا بني آدم هذه سنتكم * إسناد صحيح إليه * وروى ابن عساكر من طريق شيبان بن فروخ عن محمد بن زياد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كبرت الملائكة على آدم أربعا وكبر أبو بكر على فاطمة أربعا وكبر عمر على أبي بكر أربعا وكبر صهيب على عمر أربعا " * قال ابن عساكر ورواه غيره عن ميمون فقال عن ابن عمر.
واختلفوا في موضع دفنه فالمشهور أنه دفن عند الجبل الذي أهبط منه في الهند (4) وقيل بجيل أبي قبيس بمكة * ويقال إن نوحا عليه السلام لما كان زمن الطوفان حمله هو وحواء في تابوت فدفنهما ببيت المقدس * حكى ذلك ابن جرير * وروى ابن عساكر عن بعضهم أنه قال رأسه عند مسجد إبراهيم ورجلاه عند صخرة بيت المقدس * وقد ماتت بعده حواء بسنة واحدة * واختلف في مقدار عمره عليه السلام.
فقدمنا في الحديث عن ابن عباس وأبي هريرة مرفوعا أن عمره اكتتب في اللوح المحفوظ ألف سنة.
وهذا لا يعارضه ما في التوراة من أنه عاش تسعمائة وثلاثين سنة لان قولهم هذا مطعون فيه مردود إذا خالف الحق الذي بأيدينا مما هو المحفوظ عن المعصوم * وأيضا فإن قولهم هذا يمكن الجمع بينه وبين ما في الحديث فإن ما في التوراة إن كان محفوظا محمول على مدة مقامه في الارض بعد الاهباط وذلك تسعمائة وثلاثون سنة شمسية وهي بالقمرية تسعمائة وسبع وخمسون
*
__________
(1) الفوس: جمع فأس.
(2) المساحي: آلة كالمجرفة يجرف بها الطين وغيره.
(3) المكاتل: جمع مكتل: وهو الزنبيل الذي يحمل فيه التمر.
(4) عن ابن عباس: جبل بوذ.
طبري 1 / 82.
وعن ابن إسحاق: في مشارف الفردوس عند قرية هي أول قرية كانت في الارض طبري 1 / 80 وفي المسعودي ج 1 / 33: قبره بمنى في مسجد الخيف، ومنهم من قال في كهف في جبل أبي قبيس.
[ * ]

(1/110)

سنة ويضاف إلى ذلك ثلاث وأربعون سنة مدة مقامه في الجنة قبل الاهباط على ما ذكره ابن جرير وغيره فيكون الجميع ألف سنة (1).
وقال عطاء الخراساني لما مات آدم بكت الخلائق عليه سبعة أيام * رواه ابن عساكر فلما مات آدم عليه السلام قام بأعباء الامر بعده ولده شيث عليه السلام.
وكان نبيا بنص الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر مرفوعا أنه أنزل عليه خمسون صحيفة.
فلما حانت وفاته أوصى إلى ابنه أنوش فقام بالامر بعده ثم بعده ولده قينن.
ثم من بعده ابنه مهلاييل (2) وهو الذي يزعم الاعاجم من الفرس أنه ملك الاقاليم السبعة وأنه أول من قطع الاشجار وبنى المدائن والحصون الكبار.
وأنه هو الذي بنى مدينة بابل ومدينة السوس الاقصى.
وأنه قهر إبليس وجنوده وشردهم عن الارض إلى أطرافها وشعاب جبالها وأنه قتل خلقا من مردة الجن والغيلان وكان له تاج عظيم وكان يخطب الناس ودامت دولته أربعين سنة.
فلما مات قام بالامر بعده ولده يرد فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ولده خنوخ (3) وهو إدريس عليه السلام على المشهور.
ادريس عليه السلام قال الله تعالى (واذكر في الكتاب ادريس انه كان صديقا نبيا * ورفعناه مكانا عليا) (4) فادريس عليه السلام قد أثنى الله عليه ووصفه بالنبوة والصديقية وهو خنوخ هذا وهو في عمود نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكره غير واحد من علماء النسب.
وكان أول بني آدم أعطى
النبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام * وذكر ابن اسحاق أنه أول من خط بالقلم وقد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثماني سنين (5).
وقد قال طائفة من الناس إنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخط بالرمل فقال: " إنه كان نبي يخط به فمن وافق خطه فذاك " * ويزعم كثير من علماء التفسير والاحكام أنه أول من تكلم في ذلك ويسمونه هرمس الهرامسة (6) ويكذبون عليه أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الانبياء والعلماء
__________
(1) قال المسعودي في مروجه 1 / 33: توفي يوم الجمعة لست خلون من نيسان في الساعة التي كان فيها خلقه، وكان عمره عليه السلام تسعماية سنة وثلاثون سنة.
(2) في الطبري: نسابو الفرس يسمونه أو شهنج وهو أول من استنبط الحديد 1 / 84.
(3) في الطبري والمسعودي أخنوخ ; الترجمة العربية لخنوخ اسمه في التوراة بالعبرية.
(4) سورة مريم الآية 56.
(5) جاء في الطبري: رواية أهل التوراة وكان عمره إلى أن رفع ثلاثمائة سنة وخمس وستين سنة.
وعند المسعودي ثلاث مائة سنة.
(6) قال القفطي في تاريخ الحكماء: اختلف الحكماء في مولده ومنشئه وعمن أخذ العلم قبل النبوة.
فقالت فرقة: ولد بمصر وسموه هرمس الهرامسة، = [ * ]

(1/111)

والحكماء والاولياء * وقوله تعالى (ورفعناه مكانا عليا) هو كما ثبت في الصحيحين في حديث الاسراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو في السماء الرابعة * وقد روى ابن جرير عن يونس عن عبد الاعلى عن ابن وهب عن جرير بن حازم عن الاعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر فقال له: ما قول الله تعالى لادريس (ورفعناه مكانا عليا) فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه اني أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بني آدم (لعله من أهل زمانه) فأحب أن يزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة فقال [ له ]: ان الله أوحى إلي وكذا فكلم ملك الموت حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء فلما كان في السماء
الرابعة تلقاه ملك الموت منحدرا فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس ؟ قال هو ذا على ظهري فقال ملك الموت فالعجب (1) بعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الارض فقبض روحه هناك فذلك قول الله عزوجل (ورفعناه مكانا عليا).
ورواه ابن أبي حاتم عند تفسيرها * وعنده فقال لذلك الملك: سل لي ملك الموت كم بقي من عمري ؟ فسأله وهو معه كم بقي من عمره ؟ فقال: لا أدري حتى أنظر، فنظر فقال: إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك إلى تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قبض وهو لا يشعر * وهذا من الاسرائيليات وفي بعضه نكارة.
وقول ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله (ورفعناه مكانا عليا) قال إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى إن أراد أنه لم يمت إلى الآن ففي هذا نظر وإن أراد أنه رفع حيا إلى السماء ثم قبض هناك فلا ينافي ما تقدم عن كعب الاحبار والله أعلم * وقال العوفي عن ابن عباس في قوله (ورفعناه مكانا عليا) رفع إلى السماء السادسة فمات بها.
وهكذا قال الضحاك.
والحديث المتفق عليه من أنه في السماء الرابعة أصح وهو قول مجاهد وغير واحد * وقال الحسن البصري (ورفعناه مكانا عليا) قال إلى الجنة * وقال قائلون رفع في حياة أبيه يرد بن مهلاييل والله أعلم * وقد زعم بعضهم أن إدريس لم يكن قبل نوح بل في زمان بني إسرائيل.
قال البخاري ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس، واستأنسوا في ذلك *
__________
= ومولده بمنف ; وباليونانية أرميس وعرب بهرمس ومعنى أرميس عطارد.
وقال أخرون اسمه باليونانية طرميس..وسماه الله في كتابه المبين " إدريس " وقال هؤلاء أن معلمه اسمه الغوثا ذيمون، المصري، وسموه أيضا اورين الثاني وإدريس عندهم أورين الثالث.
وقالوا: وخرج هرمس من مصر وجاب الارض كلها ثم عاد إليها ورفعه الله إليه بها، بعد 82 سنة من عمره.
وقالت فرقة إن إدريس ولد ببال ولها نشأ وأخذ بعلم شيث بن آدم وقال الشهرستاني: ان اغثاذيمون هو شيث.
مراجعة النجار: قصص الانبياء ص 25.
(1) في قصص الانبياء لابن كثير: يا للعجب ! [ * ]

(1/112)

بما جاء في حديث الزهري عن أنس في الاسراء: أنه لما مر به عليه السلام قال له: مرحبا بالاخ الصالح والنبي الصالح ولم يقل كما قال آدم وإبراهيم: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قالوا فلو كان في عمود نسبه لقال له كما قال (1) له * وهذا لا يدل ولابد لانه قد لا يكون الراوي حفظه جيدا.
أو لعله قاله له على سبيل الهضم والتواضع، ولم ينتصب له في مقام الابوة كما انتصب لآدم أبي البشر، وإبراهيم الذي هو خليل الرحمن وأكبر أولي العزم بعد محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
قصة نوح عليه السلام (2) هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ - وهو إدريس - بن يرد بن مهلاييل بن قينن بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر عليه السلام (3).
كان مولده بعد وفاة آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة فيما ذكره ابن جرير وغيره.
وعلى تاريخ أهل الكتاب المتقدم يكون بين مولد نوح وموت آدم مائة وست وأربعون سنة وكان بينهما عشرة قرون كما قال الحافظ أبو حاتم بن حبان في صحيحه: حدثنا محمد بن عمر بن يوسف حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه حدثنا أبو توبة حدثنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام سمعت أبا سلام سمعت أبا أمامة أن رجلا قال: يارسول الله أنبي كان آدم ؟ قال: نعم مكلم.
قال: فكم كان بينه وبين نوح ؟ قال: عشرة قرون.
قلت وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الاسلام * فان كان المراد بالقرن مائة سنة - كما هو المتبادر عند كثير من الناس - فبينهما ألف سنة لا محالة لكن لا ينفي أن يكون أكثر باعتبار ما قيد به ابن عباس بالاسلام إذ قد يكون بينهما قرون أخر متأخرة لم يكونوا على الاسلام لكن حديث أبي أمامة يدل على الحصر في عشرة قرون وزادنا ابن عباس أنهم كلهم كانوا على الاسلام * وهذا يرد قول من زعم من أهل التواريخ وغيرهم من أهل الكتاب أن قابيل وبنيه عبدوا النار والله أعلم.
وان كان المراد بالقرن الجيل من الناس كما في قوله تعالى (وكم أهلكنا من القرون من بعد
__________
(1) في قصص ابن كثير: قالا ; والخبر رواه ابن عساكر في تاريخه (1 / 382 تهذيب).
(2) ورد ذكر نوح في ثلاثة وأربعين موضعا من القرآن الكريم في: آل عمران 23، النساء 163، الانعام 84، الاعراف 59 - 69، التوبة 70، يونس 71، هود 25 - 32 - 36 - 42 - 45 - 46 - 48 - 89، إبراهيم 9، الاسراء 3 - 17، مريم 58، الانبياء 76، الحج 42،، المؤمنون 23، الفرقان 37، الشعراء 105 - 106 - 116، العنكبوت 14، الاحزاب 7، الصافات 75 - 79 ص 12، غافر 5 - 31، الشورى 13، ق 12، الذاريات 46، النجم 52، القمر 9، الحديد 26، التحريم 10، نوح 1 - 21 - 26.
(3) قال في قصص الانبياء: أشك كثيرا في نسق هذا النسب لاني آعتقد أن بين نوح وآدم أكثر من ذلك.
[ * ]

(1/113)

نوح) [ الاسراء: 37 ] وقوله (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) وقال تعالى (وقرونا بين ذلك كثيرا) (1) وقال (وكم أهلكنا قبلهم من قرن) [ مريم: 74 ] وكقوله عليه السلام (خير القرون قرني) الحديث.
فقد كانا الجيل قبل نوح يعمرون الدهر الطويلة * فعلى هذا يكون بين آدم ونوح ألوف من السنين والله أعلم.
وبالجملة فنوح عليه السلام إنما بعثه الله تعالى لما عبدت الاصنام والطواغيت وشرع الناس في الضلالة والكفر فبعثه الله رحمة للعباد فكان أول رسول بعث إلى أهل الارض كما يقول له أهل الموقف يوم القيامة * وكان قومه يقال لهم بنو راسب فيما ذكره ابن جبير وغيره.
واختلفوا في مقدار سنه يوم بعث، فقيل كان ابن خمسين سنة.
وقيل ابن ثلاثمائة وخمسين سنة وقيل ابن اربعمائة وثمانين سنة.
حكاها ابن جرير، وعزا الثالثة منها إلى ابن عباس.
وقد ذكر الله قصته وما كان من قومه، وما أنزل بمن كفر به من العذاب بالطوفان، وكيف أنجاه وأصحاب السفينة، في غير ما موضع من كتابه العزيز * ففي الاعراف ويونس وهود والانبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصفات واقتربت وأنزل فيه سورة كاملة * فقال في سورة
الاعراف (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم.
قال الملا من قومه انا لنراك في ضلال مبين.
قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين.
أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون.
أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون.
فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين) [ الاعراف: 59 - 64 ] وقال في سورة يونس (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم ان كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا الي ولا تنظرون.
فان توليتم فما سألتكم من أجر ان أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين.
فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) (1) وقال تعالى في سورة هود (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه أني لكم نذير مبين * أن لا تعبدوا الا الله أني أخاف عليكم عذاب يوم أليم * فقال الملا الذين كفروا من قومه ما نراك الا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم اراذلنا بادئ الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين * قال يا قوم أرأيتم ان كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون.
ويا قوم لا أسألكم عليه مالا ان أجري الا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا انهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون * ويا قوم من ينصرني من الله أن طردتهم أفلا تذكرون * ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم
__________
(1) سورة يونس الآيات 71 - 73.
[ * ]

(1/114)

الغيب ولا أقول اني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين * قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين * قال إنما يأتيكم به الله ان شاء وما أنتم بمعجزين * ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ان كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون * أم يقولون افتراه قل ان افتريته
فعلي إجرامي وأنا برئ مما تجرمون * وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون * واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون * ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملا من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون * من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم * حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك الا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل * وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم * وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكانا من المغرقين * وقيل يا أرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي وغيض الماء وقضى الامر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين * ونادى نوح ربه فقال رب ان ابني من أهلي وان وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين * قال يا نوح انه ليس من أهلك انه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم اني أعظك أن تكون من الجاهلين * قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين * قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم * تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر ان العاقبة للمتقين) [ هود: 25 - 49 ] وقال تعالى في سورة الانبياء (ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم * ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا انهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين) [ الانبياء: 76 - 77 ].
وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون.
فقال الملا الذين كفروا من قومه ما هذا الا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لانزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين * ان هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين * قال رب انصرني بما كذبون * فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيينا ووحينا
فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون * فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين * وقل رب انزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين * ان في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين) [ المؤمنون: 23 - 30 ].

(1/115)

وقال تعالى في سورة الشعراء (كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون.
أني لكم رسول أمين.
فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر ان أجري إلا على رب العالمين.
فاتقوا الله وأطيعون.
قالوا أنؤمن لك واتبعك الارذلون.
قال وما علمي بما كانوا يعملون * ان حسابهم إلا على ربي لو تشعرون وما أنا بطارد المؤمنين.
إن أنا إلا نذير مبين.
قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين.
قال رب إن قومي كذبون.
فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين.
فانجيناه ومن معه في الفلك المشحون.
ثم أغرقنا بعد الباقين.
إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 105 - 122 ].
وقال تعالى في سورة العنكبوت (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون.
فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين) [ العنكبوت: 14 - 15 ] وقال تعالى في سورة الصافات (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون.
ونجيناه وأهله من الكرب العظيم.
وجعلنا ذريته هم الباقين.
وتركنا عليه في الآخرين.
سلام على نوح في العالمين.
إنا كذلك نجزي المحسنين.
إنه من عبادنا المؤمنين ثم اغرقنا الآخرين) [ الصافات: 75 - 82 ] وقال تعالى في سورة اقتربت (كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر.
فدعا ربه اني مغلوب فانتصر.
ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر.
وفجرنا الارض عيونا
فالتقى الماء على أمر قد قدر.
وحملناه على ذات ألواح ودسر.
تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر.
ولقد تركناها آية فهل من مدكر.
فكيف كان عذابي ونذر.
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [ القمر: 9 - 17 ] وقال تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم انا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم.
قال يا قوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون * قال رب اني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا.
وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا * ثم إني دعوتهم جهارا.
ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا * فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم انهارا * ما لكم لا ترجون لله وقارا * وقد خلقكم أطوارا * ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا * والله انبتكم من الارض نباتا * ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا * والله جعل لكم الارض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا * قال نوح رب

(1/116)

انهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ومكروا مكرا كبارا * وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا * مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا * وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا * رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا) [ نوح السورة بتمامها ].
وقد تكلمنا على كل موضع من هذه [ السورة ] في التفسير وسنذكر مضمون القصة مجموعا من هذه الاماكن المتفرقة ومما دلت عليه الاحاديث والآثار وقد جرى ذكره أيضا في مواضع متفرقة من القرآن فيها مدحه وذم من خالفه فقال تعالى في سورة النساء: " (إنا أوحينا اليك كما أوحينا إلى
نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا * ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما * رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما) [ النساء: 163 - 165 ] وقال في سورة الانعام (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم * ووهبنا له اسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين * واسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم واخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم) [ الانعام: 83 - 87 ] الآيات.
وتقدمت قصته في الاعراف.
وقال في سورة براءة (ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [ التوبة: 70 ] وتقدمت قصته في يونس وهود.
وقال في سورة ابراهيم (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب) [ ابراهيم: 9 ].
وقال في سورة سبحان (ذرية من حملنا مع نوح انه كان عبدا شكورا) [ الاسراء: 3 ] وقال فيها أيضا (وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا) [ الاسراء: 17 ] وتقدمت فصته في الانبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت.

(1/117)

وقال في سورة الاحزاب (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) [ الاحزاب: 7 ] وقال في سورة صلى الله عليه وآله (كذبت
قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الاوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الايكة أولئك الاحزاب.
ان كل الا كذب الرسل فحق عقاب) [ ص: 11 - 13 ] وقال في سورة غافر (كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب.
وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار) [ غافر: 5 - 6 ] وقال في سورة الشورى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه * الله يجتبى إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) [ الشورى: 13 ] وقال تعالى في سورة (ق) (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الايكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد) [ ق: 13 - 14 ] وقال في الذاريات (وقوم نوح من قبل انهم كانوا قوما فاسقين) [ الذاريات: 46 ] وقال في النجم (وقوم نوح من قبل انهم كانوا هم أظلم وأطغى) [ النجم: 52 ] وتقدمت قصته في سورة اقتربت الساعة.
وقال تعالى في سورة الحديد (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون) [ الحديد: 26 ] وقال تعالى في سورة التحريم (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) [ التحريم: 10 ].
وأما مضمون ما جرى له مع قومه مأخوذا من الكتاب والسنة والآثار فقد قدمنا عن ابن عباس أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الاسلام رواه البخاري * وذكرنا أن المراد بالقرن الجيل أو المدة على ما سلف * ثم بعد تلك القرون الصالحة حدثت أمور اقتضت أن آل الحال بأهل ذلك الزمان إلى عبادة الاصنام وكان سبب ذلك ما رواه البخاري من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عند تفسير قوله تعالى (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا.
ولا يغوث ويعوق نسرا) [ نوح: 23 ] قال: (هذه) أسماء رجال صالحين من قوم نوح.
فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون (فيها)
أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت.
قال ابن عباس وصارت هذه الاوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد * وهكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة ومحمد بن اسحاق.
وقال ابن جرير في تفسيره حدثنا ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس قال كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم

(1/118)

الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم * وروى ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير أنه قال ود ويغوث ويعوق وسواع ونسر أولاد آدم وكان ود أكبرهم وأبرهم به.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن منصور حدثنا الحسن بن موسى حدثنا يعقوب عن أبي المطهر قال ذكروا عند أبي جعفر هو الباقر وهو قائم يصلي بزيد بن المهلب قال: فلما انفتل من صلاته قال: ذكرتم يزيد بن المهلب أما أنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله.
قال ذكر ودا رجلا صالحا وكان محببا في قومه فلما مات عكفوا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان ثم قال إني أرى جزعكم على هذا الرجل فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه قالوا: نعم.
فصور لهم مثله.
قال ووضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه.
فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل في منزل كل واحد منكم تمثالا مثله ليكون له في بيته فتذكرونه.
قالوا: نعم، قال: فمثل لكل أهل بيت تمثالا مثله فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به.
قال وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به قال وتناسلوا ودرس أثر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم، فكان أول ما عبد غير الله " ود " الصنم الذي سموه ودا.
ومقتضى هذا السياق أن كل صنم من هذه عبده طائفة من الناس * وقد ذكر أنه لما تطاولت
العهود والازمان جعلوا تلك الصور تماثيل مجسدة ليكون أثبت لهم ثم عبدت بعد ذلك من دون الله عزوجل * ولهم في عبادتها مسالك كثيرة جدا قد ذكرناها في مواضعها من كتابنا التفسير.
ولله الحمد والمنة.
وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما ذكرت عنده أم سلمة وأم حبيبة تلك الكنيسة التي رأينها (1) بأرض الحبشة، يقال لها مارية فذكرنا من حسنها وتصاوير فيها قال: " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، ثم صوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله عزوجل " (2).
والمقصود أن الفساد لما انتشر في الارض وعن البلاء بعبادة الاصنام فيها بعث الله عبده ورسوله نوحا عليه السلام يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهى عن عبادة ما سواه فكان
__________
(1) قوله رأينها بنون الجمع على أن أقل الجمع اثنان، أو على أنه كان معهما غيرهما من النسوة.
(القسطلاني).
(2) فتح الباري 8 / 48 / 427، 434.
ومسلم في صحيحه.
وأخرجه النسائي في سننه وأحمد في مسنده (6 / 51 حلبي).
[ * ]

(1/119)

أول رسول بعثه الله إلى أهل الارض كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي حيان عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة قال: " فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك ؟ ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا ؟ فيقول ربي قد غضب غضبا شديدا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله.
ونهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الارض وسماك الله عبدا شكورا ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ ألا ترى إلى ما بلغنا ؟ ألا تشفع لنا إلى ربك عزوجل ؟ فيقول ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله نفسي نفسي " (1).
وذكر تمام الحديث بطوله كما أورده البخاري في قصة نوح.
فلما بعث الله نوحا عليه السلام دعاهم إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له وأن لا يعبدوا معه صنما ولا تمثالا ولا طاغوتا وأن يعترفوا بوحدانيته وأنه لا إله غيره ولا رب سواه كما أمر الله تعالى من بعده من الرسل الذين هم كلهم من ذريته كما قال تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين) [ الصافات: 77 ] وقال فيه وفي إبراهيم (وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب) [ الحديد: 26 ] أي كل نبي من بعد نوح فمن ذريته.
وكذلك إبراهيم قال الله تعالى (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) [ النحل: 36 ] وقال تعالى (واسئل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) [ الزخرف: 45 ] وقال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول الا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) [ الانبياء: 25 ] ولهذا قال نوح لقومه (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) وقال (ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم) وقال (يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون) وقال (يا قوم اني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون.
يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون * قال رب اني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا واني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ثم اني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا.
فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا * ما لكم لا ترجون لله وقارا.
وقد خلقكم أطوارا) الآيات الكريمات.
فذكر أنه دعاهم إلى الله بأنواع الدعوة في الليل والنهار والسر والاجهار بالترغيب تارة والترهيب أخرى وكل هذا فلم ينجح فيهم بل استمر أكثرهم على الضلالة والطغيان وعبادة
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه، والبخاري.
وأبو داود والترمذي وأحمد في مسنده 2 / 398.
[ * ]

(1/120)

الاصنام والاوثان ونصبوا له العداوة في كل وقت وأوان وتنقصوه وتنقصوا من آمن به وتوعدوهم بالرجم والاخراج ونالوا منهم وبالغوا في أمرهم (قال الملا من قومه) أي السادة الكبراء منهم (انا لنراك في ضلال مبين.
قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين) أي لست كما تزعمون من أني ضال بل على الهدى المستقيم رسول من رب العالمين أي الذي يقول للشئ كن فيكون (أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون) [ الاعراف: 60 - 62 ] وهذا شأن الرسول أن يكون بليغا أي فصيحا ناصحا أعلم الناس بالله عز وجل.
وقالوا له فيما قالوا: (ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادئ الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين) [ هود: 27 ] تعجبوا أن يكون بشرا رسولا وتنقصوا بمن اتبعه ورأوهم أراذلهم (1) * وقد قيل: إنهم كانوا من أقياد الناس وهم ضعفاؤهم كما قال هرقل وهم أتباع الرسل (2) وما ذاك إلا لانه لا مانع لهم من اتباع الحق وقولهم: (بادئ الرأي) (3) أي بمجرد ما دعوتهم استجابوا لك من غير نظر ولا روية وهذا الذي رموهم به هو عين ما يمدحون بسببه رضي الله عنهم فإن الحق الظاهر لا يحتاج إلى روية ولا فكر ولا نظر بل يجب اتباعه والانقياد له متى ظهر.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دحا للصديق: " ما دعوت أحدا إلى الاسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم " ولهذا كانت بيعته يوم السقيفة أيضا سريعة من غير نظر ولا روية، لان أفضليته على من عداه ظاهرة جلية عند الصحابة رضي الله عنهم.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يكتب الكتاب الذي أراد أن ينص فيه على خلافته فتركه.
وقال: " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " رضي الله عنه.
وقول كفرة قوم نوح له ولمن آمن به.
(وما نرى لكم علينا من فضل) [ هود: 27 ] أي لم يظهر لكم أمر بعد اتصافكم بالايمان ولا مزية علينا (بل نظنكم كاذبين.
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) [ هود: 28 ].
وهذا تلطف في الخطاب معهم وترفق بهم في الدعوة إلى الحق كما قال تعالى: (فقولا له قولا
__________
(1) أرادوا: اخساؤهم وسقطهم وسفلتهم.
قال النحاس: الاراذل هم الفقراء، والذين لا حسب لهم والخسيسو
الصناعات.
قال القرطبي: الاراذل هنا: الفقراء والضعفاء.
(2) قال العلماء: إنما كان ذلك لاستيلاء الرياسة عن الاشراف.
وصعوبة الانفكاك عنها، والانفة من الانقياد للغير، والفقير خلي عن تلك الموانع.
فهو سريع إلى الاجابة والانقياد.
وهذا غالب أحوال أهل الدنيا.
(انظر أحكام القرطبي ج 9 / 23).
(3) بادي الرأي أي ظاهر الرأي، وباطنهم على خلاف ذلك وقال أبو عمرو بادئ الرأي بالهمز: أي أول الرأي: أي اتبعوك حين ابتدأوا ينظرون، ولو امعنوا النظر والفكر لم يتبعوك.
[ * ]

(1/121)

لينا لعله يتذكر أو يخشى) [ طه: 44 ] وقال تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) [ النحل: 125 ] وهذا منه يقول لهم (أرأيتم ان كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده) أي النبوة والرسالة (1) (فعميت عليكم) أي فلم تفهموها ولم تهتدوا إليها (أنلزمكموها) أي انغضبكم بها ونجبركم عليها (2) (وأنتم لها كارهون) أي ليس لي فيكم حيلة والحالة هذه (ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله) أي لست أريد منكم أجرة على إبلاغي إياكم ما ينفعكم في دنياكم وأخراكم إن أطلب ذلك إلا من الله الذي ثوابه خير لي وأبقى مما تعطونني أنتم.
وقوله (وما أنا بطارد الذين آمنوا انهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون) كأنهم طلبوا منه أن يبعد هؤلاء عنه ووعدوه أن يجتمعوا به إذا هو فعل ذلك فأبى عليهم ذلك وقال (انهم ملاقوا ربهم) أي فأخاف إن طردتهم أن يشكوني إلى الله عزوجل ولهذا قال (ويا قوم من ينصرني من الله ان طردتهم أفلا تذكرون) ولهذا لما سأل كفار قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد عنه ضعغاء المؤمنين كعمار وصهيب وبلال وخباب وأشباههم نهاه الله عن ذلك كما بيناه في سورتي الانعام والكهف (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك) أي بل أنا عبد رسول لا أعلم من علم الله إلا ما أعلمني به ولا أقدر إلا على ما
أقدرني عليه ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله (ولا أقول للذين تزدري أعينكم) يعني من أتباعه (لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم اني إذا لمن الظالمين) [ هود: 31 ] أي لا أشهد عليهم بأنهم لا خير لهم عند الله يوم القيامة الله أعلم بهم وسيجازيهم على ما في نفوسهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر كما قالوا في المواضع الاخر (أنؤمن لك واتبعك الارذلون.
قال وما علمي بما كانوا يعملون.
ان حسابهم إلا على ربي لو تشعرون.
وما أنا بطارد المؤمنين ان أنا إلا نذير مبين) [ الشعراء: 111 ].
وقد تطاول الزمان والمجادلة (3) بينه وبينهم كما قال تعالى (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون) [ العنكبوت: 14 ] أي ومع هذه المدة الطويلة فما آمن به إلا القليل منهم وكان كل ما انقرض جبل وصوا من بعدهم بعدم الايمان به ومحاربته ومخالفته * وكان
__________
(1) وقيل الهداية إلى الله بالبراهين، وقيل بالايمان والاسلام.
وقال الرازي في تفسيره الكبير: المراد بتلك الرحمة: إما النبوة، وإما المعجزة الدالة على النبوة.
ج 17 / 213.
(2) جاء في أحكام القرطبي: قيل شهادة أن لا إله إلا الله وقيل الهاء ترجع إلى الرحمة، وقيل إلى البينة، أي انلزمكم قبولها ؟ وهو استفهام بمعنى الانكار، أي لا يمكنني أن اضطركم إلى المعرفة بها ; وقصد نوح بهذا القول أن يرد عليهم.
ج 9 / 25 - 26.
(3) الجدل في كلام العرب المبالغة في الخصومة.
قال في أحكام القرآن: والجدل في الدين محمود، ولهذا جادل نوح والانبياء قومهم حتى يظهر الحق ; فمن قبله الحج وأفلح، ومن رده خاب.
وأما الجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم.
9 / 28.

(1/122)

الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه وصاه فيما بينه وبينه أن لا يؤمن بنوح أبدا ما عاش ودائما ما بقي وكانت سجاياهم تأبى الايمان واتباع الحق ولهذا قال (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) ولهذا قالوا (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين * قال إنما يأتيكم به الله ان شاء وما أنتم بمعجزين) [ هود: 32: 33 ] أي إنما يقدر على ذلك الله عزوجل فإنه
الذي لا يعجزه شئ ولا يكترثه أمر بل هو الذي يقول للشئ كن فيكون (ولا ينفعكم نصحي ان أردت أن أنصح لكم ان كان الله يريد ان يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون) [ هود: 34 ] أي من يزد الله فتنته فلن يملك أحد هدايته هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الفعال لما يريد وهو العزيز الحكيم العليم بمن يستحق الهداية ومن يستحق الغواية.
وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة (وأوحى إلى نوح انه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن) [ هود: 36 ] تسلية له عما كان منهم إليه (فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) وهذه تعزية لنوح عليه السلام في قومه أنه لن يؤمن منهم الا من قد آمن أي لا يسوأنك ما جرى فان النصر قريب والنبأ عجيب (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون) [ هود: 37 ] وذلك أن نوحا عليه السلام لما يئس من صلاحهم وفلاحهم ورأى أنهم لا خير فيهم وتوصلوا إلى أذيته ومخالفته وتكذيبه بكل طريق من فعال ومقال دعا عليهم دعوة غضب فلبى الله دعوته وأجاب طلبته قال الله تعالى (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون.
ونجيناه وقومه من الكرب العظيم) [ الصافات: 75 ].
وقال تعالى (ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم) [ الانبياء: 76 ].
وقال تعالى (قال رب ان قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين) [ الشعراء: 117 ] وقال تعالى (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر) [ القمر: 10 ] وقال تعالى (قال رب انصرني بما كذبون) [ المؤمنون: 39 ] وقال تعالى (مما خطيأتهم أغرفوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا.
وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا.
انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفار) [ نوح: 25 - 27 ] فاجتمع عليهم خطاياهم من كفرهم وفجورهم ودعوة نبيهم عليهم فعند ذلك امره الله تعالى أن يصنع الفلك وهي السفينة العظيمة التي لم يكن لها نظير قبلها ولا يكون بعدها مثلها.
وقدم الله تعالى إليه أنه إذا جاء أمره وحل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين أنه لا يعاوده فيهم ولا يراجعه فإنه لعله قد تدركه رقة على قومه عند معاينة العذاب النازل بهم فإنه ليس الخبر كالمعاينة ولهذا قال (ولا تخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون ويصنع الفلك وكلما مر عليه
ملا من قومه سخروا منه) [ هود: 38 ] أي يستهزئون به استبعادا لوقوع ما توعدهم به (قال ان تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون) [ هود: 38 ] أي نحن الذين نسخر منكم ونتعجب منكم في استمراركم على كفركم وعنادكم الذي يقتضي وقوع العذاب بكم وحلوله عليكم (فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) [ هود: 39 ] وقد

(1/123)

كانت سجاياهم الكفر الغليظ والعناد البالغ في الدنيا وهكذا في الآخرة فإنهم يجحدون أيضا أن يكون جاءهم رسول.
كما قال البخاري حدثنا موسى بن اسمعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الاعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يجئ نوح عليه السلام وأمته فيقول الله عزوجل هل بلغت فيقول: نعم أي رب.
فيقول لامته: هل بلغكم فيقولون لا ما جاءنا من نبي فيقول لنوح من يشهد لك فيقول محمد وأمته فتشهد أنه قد بلغ " (1) وهو قوله (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [ البقرة: 143 ] والوسط العدل.
فهذه الامة تشهد على شهادة نبيها الصادق المصدوق بأن الله قد بعث نوحا بالحق وأنزل عليه الحق وأمره به وأنه بلغه إلى أمته على أكمل الوجوه وأتمها ولم يدع شيئا مما ينفعهم في دينهم إلا وقد أمرهم به ولا شيئا مما قد يضرهم إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه * وهكذا شأن جميع الرسل حتى أنه حذر قومه المسيح الدجال وان كان لا يتوقع خروجه في زمانهم حذرا عليهم وشفقة ورحمة بهم.
كما قال البخاري حدثنا عبدان حدثنا عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال سالم: قال ابن عمر: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله.
ثم ذكر الدجال فقال: " إني لانذركموه وما من نبي إلا وقد أنذره قومه.
لقد أنذره نوح قومه ولكني أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور " وهذا الحديث في الصحيحين أيضا من حديث شيبان بن عبد الرحمن عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أحدثكم عن الدجال حديثا ما حدث به نبي قومه إنه أعور وانه يجئ معه بمثال الجنة والنار والتي يقول عليها الجنة هي النار وإني أنذركم كما أنذر
به نوح قومه " (2) لفظ البخاري.
وقد قال بعض علماء السلف لما استجاب الله له أمره أن يغرس شجرا ليعمل منه السفينة فغرسه وانتظره مائة سنة ثم نجره في مائة أخرى وقيل في أربعين (3) سنة فالله أعلم * قال محمد بن اسحق عن الثوري وكانت من خشب الساج * وقيل من الصنوبر.
وهو نص التوراة.
قال الثوري وأمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعا وعرضها خمسين ذراعا وأن يطلي ظاهرها وباطنها بالقار وان يجعل لها جؤجؤا أزور يشق الماء * وقال قتادة كان طولها ثلثمائة ذراع في عرض خمسين ذراعا وهذا الذي في التوراة على ما رأيته.
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه 60 / 3 / 3339 فتح الباري.
ورواه أحمد في مسنده 3 / 32 ورواه السيوطي في الفتح الكبير وقال: رواه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي.
(2) الحديث رواه مسلم في كتاب الفتن 52 / ح 109 / 2936 والبخاري ح رقم 1577 عن أبي هريرة واللفظ لمسلم.
(3) قال الرازي في تفسيره: قيل اتخذها في سنتين (عن ابن عباس كما عند القرطبي) وقيل في أربع سنين.
وقال كعب، كما عند القرطبي، بناها في ثلاثين سنة، وقال ابن العربي: عملها في أربعين سنة.
التفسير الكبير - أحكام القرآن 9 / 31.
[ * ]

(1/124)

وقال الحسن البصري ستمائة في عرض ثلثمائة وعن ابن عباس ألف ومائتا ذراع في عرض ستمائة ذراع.
وقيل كان طولها ألفي ذراع وعرضها مائة ذراع.
قالوا كلهم وكان ارتفاعها ثلاثين ذراعا وكانت ثلاث طبقات.
كل واحدة عشرة أذرع.
فالسفلى للدواب والوحوش والوسطى للناس والعليا للطيور وكان بابها في عرضها ولها غطاء من فوقها مطبق عليها.
قال الله تعالى (قال رب انصرني بما كذبون فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا) [ المؤمنون: 26 - 27 ] أي بأمرنا لك وبمرأى منا لصنعتك لها ومشاهدتنا لذلك لنرشدك إلى الصواب في صنعتها (فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين واهلك الا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) [ المؤمنون 27 ] فتقدم إليه
بأمره العظيم العالي أنه إذا جاء أمره وحل بأسه أن يحمل في هذه السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات وسائر ما فيه روح من المأكولات وغيره لبقاء نسلها وأن يحمل معه أهله أي أهل بيته إلا من سبق عليه القول منهم أي إلا من كان كافرا فانه قد نفذت فيه الدعوة التي لا ترد ووجب عليه حلول البأس الذي لا يرد وأمر أنه لا يراجعه فيهم إذا حل بهم ما يعاينه من العذاب العظيم الذي قد حتمه عليهم الفعال لما يريد كما قدمنا بيانه قبل.
والمراد بالتنور (1) عند الجمهور وجه الارض أي نبعت الارض من سائر أرجائها حتى نبعت التنانير التي هي محال النار.
وعن ابن عباس التنور عين في الهند وعن الشعبي بالكوفة وعن قتادة بالجزيرة * وقال علي بن أبي طالب المراد بالتنور فلق الصبح وتنوير الفجر أي إشراقه وضياؤه أي عند ذلك فاحمل فيها من كل زوجين اثنين وهذا قول غريب * وقوله تعالى (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل) [ هود: 40 ] هذا أمر بأن عند حلول النقمة بهم أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين وفي كتاب أهل الكتاب أنه أمر أن يحمل من كل ما يؤكل سبعة أزواج ومما لا يؤكل زوجين ذكرا وأنثى وهذا مغاير لمفهوم قوله تعالى في كتابنا الحق (إثنين) إن جعلنا ذلك مفعولا به.
وأما إن جعلناه توكيدا لزوجين والمفعول به محذوف فلا ينافي والله أعلم.
وذكر بعضهم ويروى عن ابن عباس أن أول ما دخل من الطيور الدرة (2) وآخر ما دخل من
__________
(1) قال الليث: التنور: لفظة عمت بكل لسان وصاحبه تنار.
وقال الازهري: هذا يدل على أن الاسم قد يكون أعجميا فتعربه العرب فيصير عربيا.
وتنور على بناء فعل لان أصل بنائه تنر وليس في كلام العرب نون قبل راء.
قاله صاحب أحكام القرآن وفي هامشه ورد: زنره: ملاه، وتزنر: دق والسنر: شراسة الخلق، وشنر عليه: عابه.
(2) قال ابن عباس: أول ما حمل: الاوزة.
والدرة: قال الدميري في كتاب حياة الحيوان الكبرى هي: الببغاء لمتقدمة وهو طائر لونه أخضر وهو في قدر الحمام يتخدها الناس للانتفاع بصوتها.
1 / 190 - 592.
[ * ]

(1/125)

الحيوانات الحمار * ودخل إبليس متعلقا بذنب الحمار.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني هشام بن سعد بن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال أصحابه وكيف نطمئن أو كيف تطمئن المواشي ومعنا الاسد فسلط الله عليه الحمى فكانت أول حمى نزلت في الارض * ثم شكوا الفارة فقالوا الفويسقة (1) تفسد علينا طعامنا ومتاعنا فأوحى الله إلى الاسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها " هذا مرسل * وقوله (وأهلك إلا من سبق عليه القول) أي من استجيبت فيهم الدعوة النافذة ممن كفر فكان منهم ابنه يام (2) الذي غرق كما سيأتي بيانه (ومن آمن) أي واحمل فيها من آمن بك من أمتك قال الله تعالى (وما آمن معه إلا قليل) هذا مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ودعوتهم الاكيدة ليلا ونهارا بضروب المقال وفنون التلطفات والتهديد والوعيد تارة والترغيب والوعد أخرى.
وقد اختلف العلماء في عدة من كان معه في السفينة فعن ابن عباس كانوا ثمانين نفسا معهم نساؤهم.
وعن كعب الاحبار كانوا اثنين وسبعين نفسا.
وقيل كانوا عشرة وقيل إنما كانوا نوحا وبنيه الثلاثة وكنائنته الاربع بامرأة يام الذي انخزل وانعزل وسلل عن طريق النجاة فما عدل إذ عدل.
وهذا القول فيه مخالفة لظاهر الآية بل هي نص في أنه قد ركب معه غير أهله طائفة ممن آمن به كما قال (ونجني ومن معي من المؤمنين) وقيل كانوا سبعة وأما امرأة نوح وهي أم أولاده كلهم وهم حام وسام ويافث ويام وتسميه أهل الكتاب كعنان وهو الذي قد غرق وعابر وقد ماتت قبل الطوفان.
قيل إنها غرقت مع من غرق وكانت ممن سبق عليه القول لكفرها وعند أهل الكتاب أنها كانت في السفينة فيحتمل أنها كفرت بعد ذلك أو أنها أنظرت ليوم القيامة والظاهر الاول قوله (لا تذر على الارض من الكافرين ديارا) قال الله تعالى (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين.
وقل رب انزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين) [ المؤمنون: 28 - 29 ] أمره أن يحمد ربه على ما سخر له من هذه السفينة فنجاه بها وفتح بينه وبين
قومه وأقر عينه ممن خالفه وكذبه كما قال تعالى (الذي خلق الازواج كلها وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون.
لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون) [ الزخرف: 12 - 14 ].
وهكذا يؤمر بالدعاء في ابتداء الامور أن يكون على الخبر والبركة وأن تكون عاقبتها محمودة كما قال تعالى
__________
(1) الفويسقة: الفأرة وقيل سميت فويسقة لخروجها على الناس وإغتيالها إياهم في أموالهم بالفساد.
(الدميري 2 / 399).
(2) في أحكام القرطبي: كنعان وامرأته واعلة.
وفي الطبري: كنعان وهو الذي تسميه العرب يام وهو الذي غرق في الطوفان.
[ * ]

(1/126)

لرسوله صلى الله عليه وسلم حين هاجر (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) [ الاسراء: 80 ] وقد امتثل نوح عليه السلام هذه الوصية (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها ان ربي لغفور رحيم) [ هود 41 ] أي على اسم الله ابتداء سيرها وانتهاؤه (إن ربي لغفور رحيم) أي وذو عقاب أليم مع كونه غفورا رحيما لا يرد بأسه عن القوم المجرمين كما أحل بأهل الارض الذين كفروا به وعبدوا غيره.
قال الله تعالى (وهي تجري بهم في موج كالجبال).
وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء مطرا لم تعهده الارض قبله ولا تمطره بعده كان كأفواه القرب وأمر الارض فنبعت من جميع فجاجها وسائر أرجائها كما قال تعالى (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر.
ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر.
وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر.
وحملناه على ذات ألواح ودسر) [ القمر: 10 - 13 ].
والدسر السائر (1) (تجري بأعيننا) أي بحفظنا وكلا أتنا وحراستنا ومشاهدتنا لها جزاء لمن كان كفر.
وقد ذكر ابن جرير وغيره أن الطوفان كان في ثالث عشر شهر آب (2) في حساب القبط.
وقال تعالى (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية) أي السفينة (لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية) [ الحاقة: 11 ] قال جماعة من المفسرين ارتفع الماء على أعلى جبل بالارض خمسة عشر
ذراعا وهو الذي عند أهل الكتاب وقيل ثمانين ذراعا وعم جميع الارض طولها والعرض سهلها وحزنها وجبالها وقفارها ورمالها.
ولم يبق على وجه الارض ممن كان بها من الاحياء عين تطرف.
ولا صغير ولا كبير.
قال الامام مالك عن زيد بن أسلم: كان أهل ذلك الزمان قد ملاوا السهل والجبل * وقال عبد الرحمن (3) بن زيد بن أسلم (لم تكن بقعة في الارض إلا ولها مالك وحائز) رواهما ابن أبي حاتم (ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين) [ هود: 42 - 43 ] وهذا الابن هو يام أخو سام وحام ويافث * وقيل اسمه كنعان.
__________
(1) في قصص الانبياء لابن كثير: المسامير.
وهو قول قتادة والقرظي وابن زيد وابن جبير.
وقال الحسن وعكرمة: هي صدر السفينة التي تضرب بها الموج لانها تدسر الماء أي تدفعه.
وقال ابن عباس: الدسر كلكل (صدر السفينة).
وقال الليث: خيط من ليف تشد به ألواح السفينة واحده الدسار.
وفي الصحاح: خيوط.
وفي الطبري: مسامير الحديد.
(2) تاريخ الطبري ج 1 / 96 دار القاموس ; لعشر ليال مضين من رجب كما في الطبري والكامل.
وعند المسعودي لتسع عشرة ليلة خلت من آذار.
(3) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المدني، العدوي مولاهم، ضعيف من الثامنة مات سنة 182 له تفسير (تقريب التهذيب 1 / 480.
الكاشف 2 / 146).
[ * ]

(1/127)

وكان كافرا عمل عملا غير صالح فخالف أباه في دينه ومذهبه فهلك مع من هلك هذا، وقد نجا مع أبيه الاجانب في النسب لما كانوا موافقين في الدين والمذهب (وقيل يا أرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي وغيض الماء وقضى الامر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين) [ هود: 44 ] أي لما فرغ من أهل الارض ولم يبق منها أحد ممن عبد غير الله عزوجل أمر الله
الارض أن تبلع ماءها وأمر السماء أن تقلع أي تمسك عن المطر (وغيض الماء) أي نقص (1) عما كان (وقضى الامر) أي وقع بهم الذي كان قد سبق في علمه وقدره من إحلاله بهم ما حل بهم.
(وقيل بعدا للقوم الظالمين) أي نودي عليهم بلسان القدرة بعدا لهم من الرحمة والمغفرة كما قال تعالى (فكذبوه فانجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا انهم كانوا قوما عمين) [ الاعراف: 64 ] وقال تعالى (فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) [ يونس: 73 ] وقال تعالى (ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا انهم كانوا قوم سوء فاغرقناهم أجمعين) [ الانبياء: 77 ] وقال تعالى (فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون.
ثم أغرقنا بعد الباقين.
ان في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وان ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 119 - 122 ] وقال تعالى (فانجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين) وقال تعالى (ثم أغرقنا الآخرين) وقال (ولقد تركناها آية فهل من مدكر.
فكيف كان عذابي ونذر.
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [ القمر: 15 - 17 ] وقال تعالى (مما خطيئاتهم أغرقوا فادخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله انصارا.
وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا.
انك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) [ نوح: 25 - 27 ] وقد استجاب الله تعالى - وله الحمد والمنة - دعوته فلم يبق منهم عين تطرف.
وقد روى الامامان أبو جعفر بن جرير وأبو محمد بن أبي حاتم في تفسيريهما من طريق يعقوب ابن محمد الزهري عن قائد مولى عبد الله بن أبي رافع أن ابراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة اخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " فلو رحم الله من قوم نوح أحدا لرحم ام الصبي " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مكث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة - يعني إلا خمسين عاما - وغرس مائة سنة الشجر فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها ثم جعلها سفينة ويمرون عليه ويسخرون منه ويقولون تعمل سفينة في البر كيف تجري قال سوف تعلمون * فلما فرغ ونبع الماء وصار في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حبا شديدا خرجت به إلى الجبل حتى بلغت
ثلثه فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل.
فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها فغرقا فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي " * وهذا حديث غريب * وقد روي عن كعب الاحبار
__________
(1) وغيض الماء: يقال غاض الشئ وغضته أنا، في المصباح المنير: غاض: نضب أي ذهب في الارض.
[ * ]

(1/128)

ومجاهد وغير واحد شبيه لهذه القصة (1) * وأحرى بهذا الحديث أن يكون موقوفا متلقى عن مثل كعب الاحبار والله أعلم.
والمقصود أن الله لم يبق من الكافرين ديارا فكيف يزعم بعض المفسرين أن عوج بن عنق ويقال بن عناق كان موجودا من قبل نوح إلى زمان موسى ويقولون كان كافرا متمردا جبارا عنيدا ويقولون كان لغير رشده بل ولدته أمه عنق بنت آدم من زنا وإنه كان يأخذ من طوله السمك من قرار البحار ويشويه في عين الشمس وإنه كان يقول لنوح وهو في السفينة ما هذه القصيعة التي لك ويستهزئ به * ويذكرون أنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاث مائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلثا إلى غير ذلك من الهذيانات التي لولا انها مسطرة في كثير من كتب التفاسير وغيرها من التواريخ وأيام الناس لما تعرضنا لحكايتها لسقاطتها وركاكتها * ثم إنها مخالفة للمعقول والمنقول.
اما المعقول فكيف يسوغ فيه أن يهلك الله ولد نوح لكفره وأبوه نبي الامة وزعيم أهل الايمان ولا يهلك عوج بن عنق ويقال عناق وهو أظلم وأطغى على ما ذكروا.
وكيف لا يرحم الله منهم أحدا ولا أم الصبي ولا الصبي ويترك هذا الدعي الجبار العنيد الفاجر الشديد الكافر الشيطان المريد على ما ذكروا.
وأما المنقول فقد قال الله تعالى (ثم أغرقنا الآخرين وقال رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا) [ نوح: 26 ].
ثم هذا الطول الذي ذكروه مخالف لما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن ".
فهذا نص الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى (إن هو إلا وحي يوحى) [ النجم: 4 ] أنه لم يزل الخلق ينقص حتى الآن أي لم يزل الناس في نقصان في طولهم من آدم إلى
يوم اخباره بذلك وهلم جرا إلى يوم القيامة.
وهذا يقتضي أنه لم يوجد من ذرية آدم من كان أطول منه فكيف يترك هذا ويذهل عنه ويصار إلى أقوال الكذبة الكفرة من أهل الكتاب الذين بدلوا كتب الله المنزلة وحرفوها وأولوها ووضعوها على غير مواضعها فما ظنك بما هم يستقلون بنقله أو يؤتمنون عليه وما أظن أن هذا الخبر عن عوج بن عناق إلا اختلافا من بعض زنادقتهم وفجارهم الذين كانوا أعداء الانبياء والله أعلم.
ثم ذكر الله تعالى مناشدة نوح ربه في ولده (2) وسؤاله له عن غرقه على وجه الاستعلام
__________
(1) رواه الطبري في تاريخه 1 / 90، ونقله القرطبي في أحكام القرآن قال: وحكي انه لما كثر الماء...وذكر القصة 9 / 41.
(2) قال تعالى: (ونادى نوح ربه، فقال رب أن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين) [ هود: 45 ] وكان نوح يعتقد في ظنه انه مؤمن، وكان ابنه يسر الكفر ويظهر الايمان، فأوحى الله إليه: يا نوح انه ليس من [ * ]

(1/129)

والاستكشاف ووجه السؤال أنك وعدتني بنجاة أهلي معي وهو منهم وقد غرق فأجيب بأنه ليس من أهلك أي الذين وعدت بنجاتهم أي أما قلنا لك (وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم) فكان هذا ممن سبق عليه القول منهم بأن سيغرق بكفره ولهذا ساقته الاقدار إلى أن انحاز عن حوزة أهل الايمان فغرق مع حزبه أهل الكفر والطغيان * ثم قال تعالى (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) [ هود: 48 ] هذا أمر لنوح عليه السلام لما نضب الماء عن وجه الارض وأمكن السعي فيها والاستقرار عليها أن يهبط من السفينة التي كانت قد استقرت بعد سيرها العظيم على ظهر جبل الجودي * وهو جبل بأرض الجزيرة مشهور وقد قدمنا ذكره عند خلق الجبال (بسلام منا وبركات) أي أهبط سالما مباركا عليك وعلى أمم من سيولد بعد أي من أولادك فان الله لم يجعل لاحد ممن كان معه من المؤمنين نسلا ولا عقبا سوى نوح عليه السلام قال تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين) فكل من على وجه الارض اليوم من سائر أجناس بني آدم ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة وهم " سام وحام ويافث.
قال الامام أحمد: حدثنا عبد الوهاب (1)، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم " ورواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدي عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعا نحوه.
وقال الشيخ أبو عمرو بن عبد البر وقد روي عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
قال والمراد بالروم هنا الروم الاول وهم اليونان المنتسبون إلى رومي بن لبطى بن يونان بن يافث بن نوح عليه السلام * ثم روى من حديث اسمعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: " ولد نوح ثلاثة سام ويافث وحام وولد كل واحد من هذه الثلاثة ثلاثة فولد سام العرب وفارس والروم.
وولد يافث الترك والسقالبة ويأجوج ومأجوج وولد حام القبط والسودان والبربر " قلت وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا ابراهيم بن هانئ وأحمد بن حسين بن عباد أبو العباس قالا: حدثنا محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي حدثني أبي، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولد لنوح سام وحام ويافث فولد لسام العرب وفارس والروم والخير فيهم.
وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والسقالبة ولا
__________
= أهلك ولا من خاصة عشيرتك فقد سبقت له الشقاوة وحقت عليه كلمة الكفر.
فإياك بعدها أن تسألني عن شئ لا تعلمه أو تجادلني في أمر لا تدركه: (إني أعظك أن تكون من الجاهلية) [ سورة هود 46 ] (1) الخبر رواه ابن سعد في 1 / 42 وفيه عبد الوهاب بن عطاء العجلي، وأحمد في مسنده 5 / 8 وقال السيوطي في الفتح: رواه الحاكم في المستدرك وأحمد في المسند والترمذي عن سمرة.
والطبري 1 / 106 من طريق عثمان بن سعيد عن عباد بن العوام عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة.
[ * ]

(1/130)

خير فيهم * وولد لحام القبط والبربر والسودان " (1) ثم قال لا نعلم يروى مرفوعا إلا من هذا الوجه.
تفرد به محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه وقد حدث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه.
ورواه غيره عن يحيى بن سعيد مرسلا ولم يسنده وإنما جعله من قول سعيد.
قلت وهذا
الذي ذكره أبو عمرو وهو المحفوظ عن سعيد قوله * وهكذا روى عن وهب بن منبه مثله والله أعلم * ويزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي ضعيف بمرة لا يعتمد عليه * وقد قيل إن نوحا عليه السلام لم يولد له هؤلاء الثلاثة الاولاد إلا بعد الطوفان وإنما ولد له قبل السفينة كنعان الذي غرق وعابر مات قبل الطوفان * والصحيح ان الاولاد الثلاثة كانوا معه في السفينة هم ونساؤهم وأمهم وهو نص التوراة * وقد ذكر أن حاما واقع امرأته في السفينة فدعا عليه نوح أن تشوه خلقة نطفته فولد له ولد أسود وهو كنعان بن حام جد السودان * وقيل بل رأى أباه نائما وقد بدت عورته فلم يسترها وسترها أخواه فلهذا دعا عليه أن تغير نطفته وان يكون أولاده عبيدا لاخوته.
وذكر الامام أبو جعفر بن جرير (2) من طريق علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه قال (قال الحواريون لعيسى بن مريم لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها.
قال فانطلق بهم حتى أتى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه قال أتدرون ما هذا.
قالوا الله ورسوله أعلم.
قال هذا كعب (3) حام بن نوح.
وقال وضرب الكثيب بعصاه وقال قم باذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه [ و ] قد شاب * فقال له عيسى عليه السلام هكذا هلكت قال لا ولكني مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت.
قال حدثنا عن سفينة نوح.
قال كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات فطبقة فيها الدواب والوحش وطبقة فيها الانس وطبقة فيها الطير.
فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله عزوجل إلى نوح عليه السلام أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فاقبلا على الروث ولما وقع الفار يخرز السفينة بقرضه أوحى الله عزوجل إلى نوح عليه السلام أن اضرب بين عيني الاسد فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفأر.
فقال له عيسى كيف علم نوح عليه السلام أن البلاد قد غرقت قال بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت.
قال ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجلها (4) فعلم أن البلاد قد غرقت فطوقها الخضرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان فمن ثم تألف البيوت.
قال فقالوا: (5) يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا
__________
(1) رواه الطبري 1 / 106 وابن سعد في الطبقات 1 / 42 - 43.
(2) تاريخ الطبري 1 / 91.
(3) في الطبري: قبر.
(4) في الطبري: برجليها.
(5) في الطبري: فقال الحواريون.
[ * ]

(1/131)

قال كيف يتبعكم من لا رزق له.
قال فقال له عد بإذن الله فعاد ترابا) وهذا أثر غريب جدا.
وروى غلباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم وإنهم كانوا في السفينة مائة وخمسين يوما (1) وإن الله وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين (2) يوما ثم وجهها إلى الجودي فاستقرت عليه فبعث نوح عليه السلام الغراب ليأتيه بخبر الارض فذهب فوقع على الجيف فابطأ عليه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت رجليها بالطين فعرف نوح أن الماء قد نضب فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية وسماها ثمانين فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها العربي وكان بعضهم لا يفقه كلام بعض فكان نوح عليه السلام يعبر عنهم.
وقال قتادة وغيره ركبوا في السفينة في اليوم العاشر من شهر رجب (3) فساروا مائة وخمسين يوما واستقرت بهم على الجودي شهرا.
وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم * وقد روى ابن جرير خبرا مرفوعا يوافق هذا وأنهم صاموا يومهم ذلك.
وقال الامام أحمد حدثا أبو جعفر حدثنا عبد الصمد بن حبيب الازدي عن أبيه حبيب بن عبد الله عن شبل عن أبي هريرة قال (مر النبي صلى الله عليه وسلم باناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال: " ما هذا الصوم ؟ فقالوا هذا اليوم الذي نجا الله موسى وبني اسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي فصام نوح وموسى عليهما السلام شكرا لله عزوجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " انا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم، [ فأمن أصحابه بالصوم ]
وقال لاصحابه: " من كان منكم أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان منكم قد أصاب من غد أهله فليتم بقية يومه " (4).
وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من وجه آخر والمستغرب ذكر نوح أيضا والله أعلم.
وأما ما يذكره كثير من الجهلة أنهم أكلوا من فضول أزوادهم ومن حبوب كانت معهم قد استصحبوها واطحنوا الحبوب يومئذ واكتحلوا بالاثمد لتقوية أبصارهم لما انهارت من الضياء بعد ما كانوا في ظلمة السفينة فكل هذا لا يصح فيه شئ وإنما يذكر فيه آثار منقطعة عن بني اسرائيل لا يعتمد عليها ولا يقتدى بها والله أعلم.
وقال محمد بن اسحاق لما أراد الله أن يكف ذلك الطوفان - أرسل ريحا على وجه الارض، فسكن الماء وانسدت ينابيع الارض، فجعل الماء ينقص ويغيض ويدبر، وكان استواء الفلك [ على الجودي ] فيما يزعم أهل التوراة - في الشهر السبع لسبع عشر ليلة مضت منه وفي أول يوم من الشهر العاشر رئيت رؤس الجبال * فلما مضى بعد ذلك أربعون يوما فتح نوح كوة الفلك التي
__________
(1) عند الطبري ستة أشهر ; وفي الكامل: كان بين إرسال الماء وبين أن غاض ستة أشهر وعشر ليال.
(2) عند الطبري والكامل: أسبوعا.
(3) في المسعودي: يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من آذار ; وفي الطبري والكامل فكالاصل.
(4) مسند أحمد ج 2 / 359 - 360 وما بين معكوفين من المسند ج 5 / 359 عن أبي هريرة.
[ * ]

(1/132)

صنع فيها ثم أرسل الغراب لينظر له ما فعل الماء فلم يرجع إليه فأرسل الحمامة فرجعت إليه لم يجد لرجلها موضعا فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها ثم مضت سبعة أيام ثم أرسلها لتنظر له ما فعل الماء فلم ترجع فرجعت حين أمست وفي فيها ورق زيتونة فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الارض * ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع إليه فعلم نوح أن الارض قد برزت فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن ارسل نوح الحمامة ودخل يوم واحد من الشهر الاول من سنة اثنين، برر وجه الارض وظهر البر وكشف نوح غطاء الفلك * وهذا الذي ذكره ابن اسحاق هو بعينه مضمون سياق التوراة التي بأيدي أهل الكتاب * قال ابن اسحق وفي الشهر الثاني
من سنة اثنين في ست وعشرين ليلة منه (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى امم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) [ هود: 48 ] وفيما ذكر أهل الكتاب أن الله كلم نوحا قائلا له: اخرج من الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك وجميع الدواب التي معك ولينموا وليكبروا (1) في الارض.
فخرجوا وابتنى نوح مذبحا لله عزوجل وأخذ من جميع الدواب الحلال والطير الحلال فذبحها قربانا إلى الله عزوجل وعهد الله إليه أن لا يعيد الطوفان على أهل الارض.
وجعل تذكارا لميثاقه إليه القوس الذي في الغمام وهو قوس وقزح الذي قدمنا عن إبن عباس أنه أمان من الغرق * قال بعضهم فيه إشارة إلى أنه قوس بلا وتر أي أن هذا الغمام لا يوجد منه طوفان كأول مرة.
وقد أنكرت طائفة من جهلة الفرس وأهل الهند وقوع الطوفان واعترف به آخرون منهم وقالوا إنما كان بأرض بابل ولم يصل الينا.
قالوا ولم نزل نتوارث الملك كابرا عن كابر من لدن كيومرث يعنون آدم إلى زماننا هذا.
وهذا قاله من قاله من زنادقة المجوس عباد النيران وأتباع الشيطان.
وهذه سفسطة منهم وكفر فظيع وجهل بليغ ومكابرة للمحسوسات وتكذيب لرب الارض والسموات وقد أجمع أهل الاديان الناقلون عن رسل الرحمن مع ما تواتر عند الناس في سائر الازمان على وقوع الطوفان وأنه عم جميع البلاد (2) ولم يبق الله أحدا من كفرة العباد استجابة لدعوة نبيه المؤيد المعصوم وتنفيذا لما سبق في القدر المحتوم.
ذكر شئ من اخبار نوح عليه السلام قال الله تعالى (إنه كان عبدا شكورا) [ الاسراء: 3 ].
قيل إنه كان يحمد الله على طعامه
__________
(1) وفي نسخة: وليكثروا.
(2) في الطوفان مسائل عديدة أجاب عنها الدكتور النجار في قصص الانبياء ص 36 - 37: الاولى: هل عم طوفان نوح الكرة الارضية.
والجواب: أن بعض العلماء يميل إلى عمومه.
ويقول بعض علماء الجيولوجيا: إننا كلما بحثنا في أعالي الجبال وجدنا بقايا حيوانية من الاحياء التي لا تعيش إلا في الماء: وهذا يستدعي وجود طوفان على هذه الجبال بل عدد
من الطوفانات لوجود الاختلاف في عمر هذه البقايا، فلا مانع من أن يكون طوفان نوح أحدها ويكون قد =

(1/133)

__________
= عم.
ويستأنس لذلك بقوله تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين).
ويميل فريق إلى أن الطوفان لم يكن عاما بل طغيان الماء كان على الجهة التي كان يسكنها نوح وقومه.
وأما بقية بقاع الارض فلم يعمها هذا الطوفان، ويستأنس لذلك بأن الهند كانوا يزعمون أن عمران بلادهم يمتد في الماضي إلى تاريخ أبعد من الذي قدرته التوراة لنوح وطوفانه.
وأن عمرانهم متصل من أعمق أجبال التاريخ إلى اليوم.
وأنتم تعلمون أني غير واثق من التاريخ الذي تقدره التوراة ; فربما كان نوح أبعد من ذلك بعدا يشمل ما يدعيه أهل الهند.
وعلى كل حالة فالمسألة ليس فيها نص من القرآن، بل كل ما فيه من هذه الناحية أن قوم نوح كفروا وعصوا الرسول فاغرقهم الله بالطوفان ونجى نوحا ومن معه في الفلك وجعل ذريته الباقين ; فالعموم يحتمل والخصوص محتمل.
والذي أميل إليه أن يكون خاصا وأن النوع الانساني لم يكن منتشرا في جميع الكرة بل كانوا منحصرين في الناحية التي عمها الطوفان، وأنهم قد هلكوا وبقي نوح وذريته.
الثانية: ما ذنب الاطفال من قوم نوح حتى هلكوا مع الآثمين من آبائهم وأمهاتهم ؟ والجواب: أن الله سبحانه وتعالى جرت عادته بأن النقمة لا تصيب الذين ظلموا خاصة وفي علم الظالمين بهلاك أولادهم معهم زيادة تعذيب ونكال لهم ; على أننا في كل يوم نرى الاطفال يهلكون بمختلف الامراض وليس ذلك عقابا للاطفال على ذنوب ارتكبوها أو آثام اقترفوها.
ولكن ذلك من باب وجود المسبب عند وجود سببه.
وتلك الاسباب هي الامراض والعلل التي هي جند الله (وما يعلم جنود ربك إلا هو) وبهذا لا نحتاج إلى ما تكلفه بعض العلماء والمفسرين: من أن الله تعالى أعقم أرحام نساء قوم نوح قبل الطوفان بأربعين سنة فلم يولد لهم في تلك المدة مولود، وبذلك اشترك جميع قومه في الاثم وهم مكلفون فحق عليهم العذاب وحاق بهم الهلاك.
على أننا نرى الزلازل تعمل عملها في الناس بلا تمييز بين البار والفاجر وتخسف الارض بسكانها كما حصل في سان فرنسيسكو بأمريكا في زلزالها المشهور وقد وقع في زماننا، وكما حصل في زلزال اليابان سنة 1923 وهو
قريب العهد منا جدا وكما يحصل في إيطاليا بسبب بركان " فيزوف " فقد تطغى حممه فتغطي البلاد القريبة منه فلا يشعر أهل القرية إلا بالحمم البركانية يسيل سيلها في طرق بلدهم فتهلكهم وتغطيها.
وهذا حاصل كثيرا.
وهذه الطيارات التي تسقط من الجو بأسباب مختلفة لا يهلك من هلك فيها بآثامهم ولا ينجو فيها الناجون ببرهم.
ولكن أحاظ قسمت وجدود.
وما حادثة المنطاد الانجليزي (ر 101) سنة 1930 منا ببعيدة، وكذلك البواخر الجبارة العظيمة الحجم والقوة " كتايتانك " التي غرقت منذ عشرين عاما والباخرة الانجليزية " لويزيتانيا " التي غرقت في أيام الحرب العظمى وكان في كلتيهما من العلماء والكتاب والاغنياء والمهندسين والمخترعين عدد عظيم، فقد هلكوا بآجالهم (إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون).
الثالثة: أين جبل الجودي الذي استوت عليه سفينه نوح ؟ والجواب: جبل الجودي في نواحي ديار بكر من بلاد الجزيرة، وهو يتصل بجبال أرمينية.
قال في القاموس المحيط: والجودي جبل بالجزيرة استوت عليه سفينة نوح عليه السلام، ويسمى في التوراة " أراراط ".
الرابعة: ما حجم سفينة نوح ؟ [ * ]

(1/134)

وشرابه ولباسه وشأنه كله وقال الامام أحمد: حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن سعيد بن أبي بردة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الاكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها " وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث أبي أسامة.
والظاهر أن الشكور هو الذي يعمل بجميع الطاعات القلبية والقولية والعملية فإن الشكر (1) يكون بهذا وبهذا كما قال الشاعر.
أفادتكم النعماء مني ثلاثة * يدي ولساني والضمير المحجبا صومه عليه السلام وقال ابن ماجة باب صيام نوح عليه السلام حدثنا سهل بن أبي سهل حدثنا سعيد بن أبي مريم، عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة عن أبي فراس، أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " صام نوح الدهر إلى يوم عيد الفطر ويوم الاضحى " هكذا رواه
ابن ماجه من طريق عبد الله بن لهيعة باسناده ولفظه (2) * وقد قال الطبراني: حدثنا أبو الزنباع روح بن فرج، حدثنا عمرو بن خالد الحراني، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي قتادة عن يزيد بن رباح أبي فراس أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " صام نوح الدهر الا يوم الفطر والاضحى وصام داود نصف الدهر وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر، صام الدهر وأفطر الدهر ".
حجه عليه السلام وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا أبي عن زمعة هو ابن أبي صالح، عن سلمة بن وهرام (3)، عن عكرمة، عن ابن عباس قال حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتى وادي عسفان قال: " يا أبا بكر أي واد هذا ؟ " قال: هذا وادي عسفان قال: " لقد مر بهذا الوادي نوح وهود وإبراهيم على بكرات لهم حمر خطمهم الليف أزرهم العباء وأرديتهم النمار يحجون البيت العتيق " فيه غرابة.
__________
(1) قال الفخر الرازي في تفسيره ج 20 / 154: الشكور الموحد الذي لا يرى حصول شئ من النعم إلا من فضل الله.
(2) قال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة..وذكره الالباني 4 / 459 في سلسلة الاحاديث الضعيفة.
وقال في أحكام القرآن ج 60 / 213: كان يشكر الله على نعمه ولا يرى الخير إلا من عنده.
(3) وفي نسخة دهران.
وهو سلمة بن وهرام اليماني وثقه ابن معين وغيره.
وضعفه أبو داود الكاشف ج 1 / 309.
[ * ]

(1/135)

وصيته لولده قال الامام أحمد حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن الصقعب (1) بن زهير عن زيد بن أسلم قال حماد أظنه عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من أهل البادية عليه جبة سيحان (2) مزرورة بالديباج فقال: " ألا إن صاحبكم هذا قد
وضع كل فارس بن فارس أو قال يريد أن يضع كل فارس بن فارس ورفع كل راع بن راع " قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجامع جبته وقال: لا أرى عليك لباس من لا يعقل ! ؟ * ثم قال: " إن نبي الله نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه إني قاص عليك الوصية آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين آمرك بلا إله إلا الله فان السموات السبع والارضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله.
ولو أن السموات السبع والارضين السبع كن حلقة مبهمة فضمتهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده.
فإن بها صلات كل شئ وبها يرزق الخلق وأنهاك عن الشرك والكبر " قال: قلت - أو قيل - يارسول الله، هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر أن يكون لاحدنا نعلان حسنان لهما شرا كان حسنان قال: " لا ".
قال: هو أن يكون لاحدنا حلة يلبسها ؟ قال: " لا ".
قال: هو أن يكون لاحدنا دابة يركبها ؟ قال: " لا ".
قال: هو أن يكون لاحدنا أصحاب يجلسون إليه ؟ قال: " لا " * قلت - أو قيل يا رسول الله فما الكبر ؟ قال: " سفه الحق وغمض (3) الناس ".
وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه * ورواه أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن اسحق عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: " كان في وصية نوح لابنه أوصيك بخصلتين وأنهاك عن خصلتين " فذكر نحوه * وقد رواه أبو بكر البزار عن إبراهيم بن سعيد عن أبي معاوية الضرير عن محمد بن اسحق عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه * والظاهر أنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص كما رواه أحمد والطبراني والله أعلم.
ويزعم أهل الكتاب أن نوحا عليه السلام لما ركب السفينة كان عمره ستمائة سنة * وقدمنا عن ابن عباس مثله وزاد وعاش بعد ذلك ثلثمائة وخمسين سنة.
وفي هذا القول نظر * ثم إن لم
__________
(1) كذا في الاصل والمسند، وفي الاسماء للبيهقي: المصعب.
(2) في الهيثمي: سنجاب.
وفي المسند سيجان: جمع اساج الطيلسان الاخضر: قيل هو الطيلسان المقور ينسخ كذلك.
(3) في المسند والهيثمي وغمص، غمط الناس وعمص الغمط والغمص الاستهانة والاحتقار.
أخرج الحديث في
المسند ج 2 / 169، 170 والاسماء والصفات للبيهقي 128 عن ابن عمر ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 2 / 219.
وقال: رواه كله أحمد ورواه الطبراني بنحوه وزاد في رواية: وأوصيك بالتسبيح فإنها عبادة الخلق وبالتكبير.
ورواه البزار من حديث ابن عمر.
ورجال أحد ثقات.
ص 220.
[ * ]

(1/136)

يمكن الجمع بينه وبين دلالة القرآن فهو خطأ محض فإن القرآن يقتضي أن نوحا مكث في قومه بعد البعثة وقبل الطوفان ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون.
ثم الله أعلم كم عاش بعد ذلك فإن كان ما ذكر محفوظا عن ابن عباس من أنه بعث وله أربع مائة وثمانون سنة وأنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة فيكون قد عاش على هذا ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة.
وأما قبره عليه السلام فروى ابن جرير والازرقي عن عبد الرحمن بن سابط أو غيره من التابعين مرسلا أن قبر نوح عليه السلام بالمسجد الحرام.
وهذا أقوى وأثبت من الذي يذكره كثير من المتأخرين من أنه ببلدة بالبقاع تعرف اليوم بكرك نوح وهناك جامع قد بني بسبب ذلك فيما ذكر والله أعلم.
قصة هود عليه السلام (1) وهو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام * ويقال إن هودا هو عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح.
ويقال هود بن عبد الله بن رباح بن الجارود (2) بن عاد بن عوص بن ارم ابن سام بن نوح عليه السلام * ذكره ابن جرير وكان من قبيلة يقال لهم عاد بن عوص بن سام بن نوح كانوا عربا يسكنون الاحقاف وهي جبال الرمل وكانت باليمن من عمان وحضرموت بأرض مطلة على البحر يقال لها الشحر (3) واسم واديهم مغيث * وكانوا كثيرا ما يسكنون الخيام ذوات الاعمدة الضخام كما قال تعالى (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد) [ الفجر: 6 ] أي عاد إرم وهم عاد الاولى * وأما عاد الثانية فمتأخرة كما سيأتي بيان ذلك في موضعه * وأما عاد الاولى فهم عاد (إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد)
[ الفجر: 8 ] أي مثل القبيلة * وقيل مثل العمد.
والصحيح الاول كما بيناه في التفسير.
ومن زعم أن ارم مدينة تدور في الارض فتارة في الشام وتارة في اليمن وتارة في الحجاز وتارة في غيرها فقد أبعد النجعة وقال ما لا دليل عليه ولا برهان يعول عليه ولا مستند يركن إليه * وفي
__________
(1) ذكر هود في القرآن الكريم سبع مرات.
فذكر في سورة الاعراف 65 وفي سورة هود: 50 - 53 - 58 - 60 - 89 وفي سورة الشعراء: 124.
(2) في الطبري الخلود وفي الكامل: الجلود.
(3) وهو قول القسطلاني ج 5 / 333.
وأرض الاحقاف تقع شمال حضرموت، وفي شمالها الربع الخالي وفي شرقها عمان.
فما في الاصل وما عند القسطلاني يخالف ما هو معروف ; لان الاحقاف في موقعها يجعل جنوبها مطل على المحيط الهندي.
[ * ]

(1/137)

صحيح بن حبان عن أبي ذر في حديثه الطويل في ذكر الانبياء والمرسلين قال فيه منهم أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر * ويقال إن هودا عليه السلام أول من تكلم بالعربية * وزعم وهب بن منبه أن أباه أول من تكلم بها * وقال غيره أول من تكلم بها نوح * وقيل آدم وهو الاشبه.
قبل غير ذلك والله أعلم.
ويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل عليه السلام العرب العاربة وهم قبائل كثيرة منهم عاد * وثمود * وجرهم * وطسم * وجديس * وأميم * ومدين * وعملاق * وعبيل * وجاسم * وقحطان * وبنو يقطن * وغيرهم.
وأما العرب المستعربة فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل * وكان اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة * وكان قد أخذ كلام العرب من جرهم الذين نزلوا عند أمه هاجر بالحرم كما سيأتي بيانه في موضعه (1) إن شاء الله تعالى ولكن أنطقه الله بها في غاية الفصاحة والبيان.
وكذلك كان يتلفظ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمقصود أن عادا وهم عاد الاولى كانوا اول من عبد الاصنام بعد الطوفان.
وكان أصنامهم ثلاثة صدا وصمودا وهرا (2).
فبعث الله فيهم أخاهم هودا عليه السلام فدعاهم إلى الله كما قال تعالى بعد ذكر قوم نوح وما كان من أمرهم في سورة الاعراف.
(والى عاد أخاهم هودا.
قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون.
قال الملا الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين.
قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين.
أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين.
أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة.
فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون.
قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.
قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب اتجاد لونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان.
فانتظروا إني معكم من المنتظرين.
فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين) [ الاعراف: 65 - 72 ] وقال تعالى بعد ذكر قصة نوح في سورة هود (والى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدو الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون.
يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون.
ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين.
قالوا ياهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك، وما نحن لك بمؤمنين.
إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء.
قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما
__________
(1) الجزء الثاني من البداية والنهاية - في أخبار العرب.
(2) في الطبري: هباء بدل هرا وفي الكامل: ضرا وضمور والهبا.

(1/138)

تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون.
إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم.
فان تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شئ حفيظ.
ولما جاء أمرنا نجينا
هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ.
وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد.
وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود) [ هود: 50 - 60 ] وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون بعد قصة قوم نوح (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون.
وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون.
هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين.
إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين.
قال رب انصرني بما كذبون.
قال عما قليل ليصبحن نادمين.
فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين) [ المؤمنون: 31 - 41 ].
وقال تعالى في سورة الشعراء بعد قصة قوم نوح أيضا (كذبت عاد المرسلين.
إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون.
إني لكم رسول أمين.
فاتقو الله وأطيعون.
وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين.
أتبنون بكل ريع آية تعبثون.
وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون.
وإذا بطشتم بطشتم جبارين.
فاتقوا الله وأطيعون.
واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون.
أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون.
إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم.
قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين.
إن هذا إلا خلق الاولين.
وما نحن بمعذبين فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 123 - 140 ].
وقال تعالى في سورة حم السجدة (وأما عاد فاستكبروا في الارض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة.
أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون.
فارسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون) [ فصلت: 15 - 16 ]
وقال تعالى في سورة الاحقاف (واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالاحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم.
قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.
قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به إليكم ولكني أراكم قوما تجهلون.
فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل

(1/139)

هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شئ بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين) [ الاحقاف: 21 - 25 ].
وقال تعالى في الذاريات (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شئ أنت عليه إلا جعلته كالرميم) [ الذاريات 41 - 42 ].
وقال تعالى في النجم (وأنه أهلك عادا الاولى وثمود فما أبقى.
وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى.
والمؤتفكة أهوى.
فغشاها ما غشى فبأي آلاء ربك تتمارى) [ النجم 50 - 55 ].
وقال تعالى في سورة اقتربت (كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر.
تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر.
فكيف كان عذابي ونذر.
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [ القمر 18 - 22 ].
وقال في الحاقة (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية.
سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية.
فهل يرى لهم من باقية) [ الحاقة: 6 - 8 ].
وقال في سورة الفجر (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد.
التي لم يخلق مثلها في البلاد.
وثمود الذين جابو الصخر بالواد.
وفرعون ذي الاوتاد.
الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد.
فنصب عليهم ربك سوط عذاب.
إن ربك لبالمرصاد) [ الفجر: 6 - 14 ].
وقد تكلمنا على كل من هذه القصص في أماكنها من كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة.
وقد جرى ذكر عاد في سورة براءة وإبراهيم والفرقان والعنكبوت وفي سورة صلى الله عليه وآله وفي سورة (ق) ولنذكر مضمون القصة مجموعا من هذه السياقات مع ما يضاف إلى ذلك من الاخبار * وقد قدمنا أنهم أول الامم (1) عبدوا الاصنام بعد الطوفان.
وذلك بين في قوله لهم (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة) [ الاعراف: 69 ] أي جعلهم أشد أهل زمانهم في الخلقة والشدة والبطش.
وقال في المؤمنون (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) [ المؤمنون: 31 ] وهم قوم هود (2) على الصحيح * وزعم آخرون أنهم ثمود لقوله (فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء) قالوا وقوم صالح هم الذين أهلكوا بالصيحة (وأما عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتية) وهذا الذي قالوه لا يمنع من اجتماع الصيحة والريح العاتية
__________
(1) في الطبري والكامل: كانوا أهل أوثان.
(2) في أحكام القرآن: هم قوم عاد، لانه ما كانت أمة أنشئت في أثر قوم نوح إلا عاد.
[ * ]

(1/140)

عليهم كما سيأتي في قصة أهل مدين أصحاب الايكة فإنه اجتمع عليهم أنواع من العقوبات * ثم لا خلاف أن عادا قبل ثمود.
والمقصود أن عادا كانوا عربا جفاة كافرين عتاة متمردين في عبادة الاصنام فأرسل الله فيهم رجلا منهم يدعوهم إلى الله وإلى إفراده بالعبادة والاخلاص له فكذبوه وخالفوه وتنقصوه فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر فلما أمرهم بعبادة الله ورغبهم في طاعته واستغفاره ووعدهم على ذلك خير الدنيا والآخرة وتوعدهم على مخالفة ذلك عقوبة الدنيا والآخرة (قال الملا الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة) أي هذا الامر الذي تدعونا إليه سفه بالنسبة إلى ما نحن عليه من عبادة هذه الاصنام التى يرتجى منها النصر والرزق ومع هذا نظن أنك تكذب في دعواك أن الله أرسلك (قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين) أي ليس الامر كما تظنون ولا ما تعتقدون (أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين) والبلاغ يستلزم عدم الكذب في أصل المبلغ وعدم الزيادة فيه والنقص منه ويستلزم إبلاغه بعبارة فصيحة وجيزة جامعة مانعة لا لبس فيها ولا اختلاف
ولا اضطراب وهو مع هذا البلاغ على هذه الصفة في غاية النصح لقومه والشفقة عليهم والحرص على هدايتهم لا يبتغي منهم أجرا ولا يطلب منهم جعلا بل هو مخلص لله عزوجل في الدعوة إليه والنصح لخلقه لا يطلب أجره إلا من الذي أرسله فإن خير الدنيا والآخرة كله في يديه وأمره إليه ولهذا (قال يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون) [ هود: 51 ] أي مالكم عقل تميزون به وتفهمون أني أدعوكم إلى الحق المبين الذي تشهد به فطركم التي خلقتم عليها وهو دين الحق الذي بعث الله به نوحا وأهلك من خالفه من الخلق وها أنا أدعوكم إليه ولا أسألكم أجرا عليه بل أبتغي ذلك عند الله مالك الضر والنفع ولهذا قال مؤمن يس (اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون.
ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) وقال قوم هود له فيما قالوا (يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين.
إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء) [ هود: 53 ] يقولون ما جئتنا بخارق يشهد لك بصدق ما جئت به وما نحن بالذين نترك عبادة أصنامنا عن مجرد قولك بلا دليل أقمته ولا برهان نصبته وما نظن إلا أنك مجنون فيما تزعمه وعندنا إنما أصابك هذا أن بعض آلهتنا غضب عليك فأصابك في عقلك فاعتراك جنون بسبب ذلك وهو قولهم (إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون) [ هود: 54 ] وهذا تحد منه لهم وتبر من آلهتم وتنقص منه لها وبيان أنها لا تنفع شيئا ولا تضر وأنها جماد حكمها حكمه وفعلها فعله.
فان كانت كما تزعمون من أنها تنصر وتنفع وتضر فها أنا برئ منها لاعن لها (فكيدوني ثم لا تنظرون) أنتم جميعا بجميع ما يمكنكم أن تصلوا إليه وتقدروا عليه (1) ولا تؤخروني ساعة واحدة ولا طرفة عين فإني لا أبالي بكم ولا أفكر فيكم ولا أنظر إليكم
__________
(1) (قوله فكيدوني لا تنظرون، من أعلام النبوة، وهو أن يكون الرسول وحده، مع كثرة أعدائه يدل على الثقة بنصر [ * ]

(1/141)

(إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم) [ هود: 56 ] أي أنا متوكل على الله ومتأيد به وواثق بجنابه الذي لا يضيع من لاذ به واستند إليه
فلست أبالي مخلوقا سواه ولست أتوكل إلا عليه ولا أعبد إلا إياه * وهذا وحده برهان قاطع على أن هودا عبد الله ورسوله وأنهم على جهل وضلال في عبادتهم غير الله لانهم لم يصلوا إليه بسوء ولا نالوا منه مكروها فدل على صدقه فيما جاءهم به وبطلان ما هم عليه وفساد ما ذهبوا إليه.
وهذا الدليل بعينه قد استدل به نوح عليه السلام قبله في قوله (يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون) [ يونس: 71 ].
وهكذا قال الخليل عليه السلام (ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شئ علما أفلا تتذكرون.
وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون.
الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون.
وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم) [ الانعام: 80 - 83 ] * (وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون * أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون) [ المؤمنون: 33 - 35 ] استبعدوا أن يبعث الله رسولا بشريا وهذه الشبهة أدلى بها كثير من جهلة الكفرة قديما وحديثا كما قال تعالى (أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس) [ يونس: 2 ] وقال تعالى (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا.
قل لو كان في الارض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا) [ الاسراء: 94 - 95 ] ولهذا قال لهم هود عليه السلام (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم) [ الاعراف: 63 ] أي ليس هذا بعجيب فإن الله أعلم حيث يجعل رسالته وقوله (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون.
هيهات هيهات لما
__________
= الله، وكذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم لقريش ; وقال نوح ص (فأجمعوا أمركم وشركاءكم).
وكان هود في علاقته بقومه الناصح الامين لهم ; ومرت هذه العلاقة ; بصبر هود واتزانه ورزانته ووقاره واخلاصه
والبعد عن الشوائب واسداء النصيحة الخالصة وتلطفه معهم وترغيبهم في الايمان.
أما قومه فقد ترقوا في عداوتهم لهود ; من رفضهم لنصائحه ودعواته ثم اتهامهم له في عقله إلى تحديه (فأتنا بما تعدنا - من العذاب).
وانذرهم هود بالهلاك ; واستحلال قوم غيرهم.
ولما لم تبق فائدة في النصيحة والدعوة والانذار..أحل الله تعالى بهم نقمته في الدنيا...[ * ]

(1/142)

توعدون.
إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحي وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين * قال ربي انصرني ] [ المؤمنون: 35 - 39 ] * استبعدوا المعاد وأنكروا قيام الاجساد بعد صيرورتها ترابا وعظاما وقالوا هيهات هيهات أي بعيد بعيد هذا الوعد إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحي وما نحن بمبعوثين أي يموت قوم ويحيى آخرون * وهذا هو اعتقاد الدهرية كما يقول بعض الجهلة من الزنادقة أرحام تدفع وأرض تبلع.
وأما الدورية فهم الذين يعتقدون أنهم يعودون إلى هذه الدار بعد كل سنة وثلاثين ألف سنة وهذا كله كذب وكفر وجهل وضلال وأقوال باطلة وخيال فاسد بلا برهان ولا دليل يستميل عقل الفجرة الكفرة من بني آدم الذين لا يعقلون ولا يهتدون كما قال تعالى (ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ماهم مقترفون) [ الانعام: 113 ] وقال لهم فيما وعظهم به (أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون) [ الشعراء: 128 ] يقول لهم أتبنون بكل مكان مرتفع بناء عظيما هائلا كالقصور ونحوها تعبثون ببنائها لانه لا حاجة لكم فيه وما ذاك إلا لانهم كانوا يسكنون الخيام كما قال تعالى (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد.
التي لم يخلق مثلها في البلاد) [ الفجر: 6 - 7 ] فعاد إرم هم عاد الاولى الذين كانوا يسكنون الاعمدة التي تحمل الخيام.
ومن زعم أن إرم مدينة من ذهب وفضة وهي تتنقل في البلاد فقد غلط وأخطأ وقال ما لا دليل عليه * وقوله (وتتخذون مصانع) قيل هي القصور * وقيل بروج الحمام * وقيل مآخذ
الماء (1) (لعلكم تخلدون) [ الشعراء: 129 ] أي رجاء منكم أن تعمروا في هذه الدار أعمارا طويلة (وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون.
واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون.
أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) [ الشعراء: 130 - 135 ] وقالوا له مما قالوا (أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين) [ الاعراف: 70 ] أي أجئتنا لنعبد الله وحده ونخالف أباءنا وأسلافنا وما كانوا عليه * فإن كنت صادقا فيما جئت به فأتنا بما تعدنا من العذاب والنكال فإنا لا نؤمن بك ولا نتبعك ولا نصدقك (2) كما قالوا (سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين.
إن هذا الا خلق الاولين.
وما نحن بمعذبين) [ الشعراء: 136 - 138 ] أما على قراءة فتح الخاء فالمراد به اختلاق الاولين أي أن هذا الذي جئت به إلا إختلاق منك وأخذته من كتب الاولين * هكذا فسره غير واحد من الصحابة والتابعين * وأما على قراءة ضم الخاء واللام فالمراد به الدين أي أن هذا الدين الذي نحن عليه إلا دين الآباء والاجداد من أسلافنا ولن نتحول عنه ولا نتغير ولا
__________
(1) في أحكام القرآن: قال الكلبي منازل.
وقال ابن عباس ومجاهد: حصون مشيدة.
(2) طلبوا منه بتحد العذاب الذي خوفهم به وحذرهم منه.
[ * ]

(1/143)

نزال متمسكين به.
ويناسب كلا القراءتين الاولى والثانية قولهم (وما نحن بمعذبين) قال (قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجاد لونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين) [ الاعراف: 71 ] أي قد استحقيتم بهذه المقالة الرجس والغضب من الله أتعارضون عبادة الله وحده لا شريك له بعبادة أصنام أنتم نحتموها وسميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم اصطلحتم عليها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان أي لم ينزل على ما ذهبتم إليه دليلا ولا برهانا وإذا أبيتم قبول الحق وتماديتم في الباطل وسواء عليكم أنهيتكم عما أنتم فيه أم لا فانتظروا الآن عذاب الله الواقع بكم وبأسه الذي لا يرد ونكاله الذي لا يصد وقال تعالى (قال رب انصرني بما كذبون قال عما قليل ليصبحن نادمين فاخذتهم الصيحة
بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين) [ المؤمنون: 26 ] وقال تعالى (قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.
قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون.
فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم.
تدمر كل شئ بامر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين) [ الاحقاف: 22 ] وقد ذكر الله تعالى خبر إهلاكهم في غير ما أية كما تقدم مجملا ومفصلا كقوله (فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين) [ الاعراف: 72 ] وكقوله (ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ.
وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا أن عادا كفروا ربهم الا بعدا لعاد قوم هود) [ هود: 58 - 60 ] وكقوله (فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين) [ المؤمنون: 41 ] وقال تعالى (فكذبوه فأهلكناهم ان في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء 139 - 140 ].
وأما تفصيل إهلاكهم فلما قال تعالى (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما أستعجلتم به ريح فيها عذاب أليم) [ الاحقاف: 24 ] كان هذا أول ما ابتدأهم العذاب أنهم كانوا ممحلين مسنتين فطلبوا السقيا فرأوا عارضا في السماء وظنوه سقيا رحمة فإذا هو سقيا عذاب.
ولهذا قال تعالى (بل هو ما استعجلتم به) أي من وقوع العذاب وهو قولهم (فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) ومثلها في الاعراف.
وقد ذكر المفسرون وغيرهم ههنا الخبر الذي ذكره الامام محمد بن اسحق بن بشار (1) وقال فلما أبوا إلا الكفر بالله عزوجل أمسك عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك قال وكان الناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان فطلبوا من الله الفرج منه إنما يطلبونه بحرمه ومكان بيته وكان معروفا عند أهل ذلك الزمان وبه
__________
(1) كذا في الاصول بشار وهو تحريف والصواب يسار.
[ * ]

(1/144)

العماليق مقيمون وهم من سلالة عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وكان سيدهم إذ ذاك رجلا يقال له معاوية بن بكر (1) وكانت أمه من قوم عاد واسمها جلهدة ابنة الخيبري.
قال فبعث عاد وفدا (2) قريبا من سبعين رجلا ليستقوا لهم عند الحرم فمروا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة فنزلوا عليه فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر يغنيهم الجرادتان قينتان لمعاوية وكانوا قد وصلوا إليه في شهر.
فلما طال مقامهم عنده وأخذته شفقة على قومه واستحيى منهم أن يأمرهم بالانصراف عمل شعرا فيعرض لهم بالانصراف وأمر القينتين أن تغنيهم به فقال: ألا ياقيل ويحك قم فهينم * لعل الله يمنحنا (3) غماما فيسقي أرض عاد إن عادا * قد أمسوا لا يبينون الكلاما من العطش الشديد فليس نرجو * به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهم بخير * فقد أمست نساؤهم أياما (4) وإن الوحش يأتيهم جهارا * ولا يخشى لعادي سهاما وأنتم ههنا فيما اشتهيتم * نهاركم وليلكم تماما فقبح وفدكم من وفد قوم * ولا لقوا التحية والسلاما قال فعند ذلك تنبه القوم لما جاءوا له فنهضوا إلى الحرم ودعوا لقومهم فدعا داعيهم وهو قيل ابن عنز فأنشأ الله سحابات ثلاثا: بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء [ ياقيل ] اختر لنفسك ولقومك من هذا السحاب فقال: اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء فناداه اخترت رمادا رمددا لا تبقي من عاد أحدا.
لا والدا يترك ولا ولدا.
إلا جعلته همدا إبلا بني اللودية الهمد (5) - قال وهو بطن من عاد كانوا مقيمين بمكة فلم يصبهم ما أصاب قومهم قال ومن بقي من أنسابهم وأعقابهم هم عاد الآخرة - قال: وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل ابن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد حتى تخرج عليهم من واد يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا وقالوا هذا عارض ممطرنا فيقول تعالى (بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شئ بأمر ربها) أي كل شئ أمرت به فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح فيما يذكرون
__________
(1) في الطبري: بكر بن معاوية.
وفي رواية ابن إسحاق عنده معاوية بن بكر.
(2) في الطبري: بعثوا قيل بن عثر ولقيم بن هزال بن هزيل بن عتيك ومرثد بن سعد بن عفير وكان مسلما يكتم إسلامه وجلهمة بن الخيبري ثم بعثوا لقمان بن عاد بن.
بن.
بن عاد الاكبر مع رهط كل منهم حتى بلغوا سبعين رجلا.
(3) في الطبري يسقينا.
(4) في الطبري: عياما.
والايم: المرأة التي فارقت زوجها.
(5) في الطبري: اللوذية الهمداني وهم بنو لقيم بن هزال بن هزيل بن هزيلة ابنة بكر.
[ * ]

(1/145)

امرأة من عاد يقال لها فهد (1) فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت.
فلما أفاقت قالوا ما رأيت يا فهد (2) قالت رأيت ريحا فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها فسخر ها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما والحسوم الدائمة فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك قال واعتزل هود عليه السلام فيما ذكر لي في حظيرة هو ومن معه من المؤمنين ما يصيبهم إلا ما يلين عليهم الجلود ويلتذ الانفس وإنها لتمر على عاد بالطعن فيما بين السماء والارض وتدمغهم بالحجارة * وذكر تمام القصة (3).
وقد روي الامام أحمد حديثا في مسنده (4) يشبه هذه القصة فقال حدثنا زيد بن الحباب حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي حدثنا عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن الحارث - وهو ابن حسان - ويقال ابن يزيد البكري قال: خرجت أشكو العلا بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها فقالت لي يا عبد الله إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة فهل أنت مبلغي إليه قال فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله وإذا راية سوداء تخفق وإذا بلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت ما شأن الناس قالوا يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها قال: فجلست قال: فدخل منزله - أو قال رحله - فأستأذنت عليه فأذن لي فدخلت فسلمت.
فقال: " هل كان بينكم وبين بني تميم شئ ؟ " فقلت: نعم.
وكانت لنا الدبرة عليهم ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب.
فأذن
لها فدخلت فقلت يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميم حاجزا فاجعل الدهناء فإنها كانت لنا قال ; فحميت العجوز واستوفزت وقالت يا رسول الله فإلى أين تضطر مضرك قال: فقلت: إن مثلي ما قال الاول (معزى حملت حتفها) (5) حملت هذه الامة ولا أشعر أنها كانت لي خصما أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد قال هيه وما وافد عاد وهو أعلم بالحديث منه (1) ولكن يستطعمه، قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وفدا لهم يقال له قيل، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر ويغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامة (6) فقال اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه ولا إلى أسير فأفاديه.
اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر فأمي إلى سحابة منها سوداء فنودي منها خذها رمادا رمددا لا تبقي من عاد أحدا قال فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا كقدر ما يجري في
__________
(1) في الطبري: مهدد.
(2) روى الطبري الخبر في تاريخه 1 / 113 بتغيير طفيف في التعابير والالفاظ.
(3) مسند أحمد ج 3 / 482 وتاريخ الطبري ج 1 / 111، وروى الترمذي نحوه وقال: وقد روى غير واحد هذا الحديث عن سلام بن أبي المنذر عن عاصم، وعن أبي وائل عن الحارث بن حسان ويقال له: ابن يزيد.
(4) في الطبري: حيفا.
(5) في الطبري: قلت: على الخبير سقطت قال: وهو يستطعمني الحديث.
(6) في الطبري: مهرة.
[ * ]

(1/146)

خاتمي هذا من الريح حتى هلكوا.
قال أبو وائل وصدق وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وفدا لهم قالوا لا تكن كوافد عاد وهكذا رواه الترمذي عن عبد ين حميد بن زيد بن الحباب به ورواه النسائي من حديث سلام أبي المنذر عن عاصم بن بهدلة، ومن طريقه رواه ابن ماجة.
وهكذا أورد هذا الحديث وهذه القصة عند تفسير هذه القصة غير واحد من المفسرين كابن جرير وغيره * وقد يكون هذا السياق لاهلاك عاد الآخرة، فإن فيما ذكره ابن اسحاق وغيره ذكر لمكة، ولمن تبن
إلا بعد إبراهيم الخليل حين أسكن فيها هاجر وابنه إسماعيل فنزلت جرهم عندهم كما سيأتي وعاد الاولى قبل الخليل وفيه ذكر معاوية بن بكر وشعره، وهو من الشعر المتأخر عن زمان عاد الاولى، لا يشبه كلام المتقدمين.
وفيه أن في تلك السحابة شرر نار، وعاد الاولى إنما أهلكوا بريح صرصر.
وقد قال ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من أئمة التابعين هي الباردة والعاتية الشديدة الهبوب (سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما) [ الحاقة: 7 ] أي كوامل متتابعات * قيل كان أولها الجمعة وقيل الاربعاء (فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية) شبههم بأعجاز النخل التي لا رؤس لها وذلك لان الريح كانت تجئ إلى أحدهم فتحمله فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه فيبقى جثة بلا رأس كما قال (إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر) [ القمر: 19 ] أي في يوم نحس عليهم مستمر عذابه عليهم (تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر) [ القمر: 20 ] ومن قال إن اليوم النحس المستمر هو يوم الاربعاء وتشاءم به لهذا الفهم فقد أخطأ وخالف القرآن فإنه قال في الآية الاخرى (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات) [ فصلت: 16 ] ومعلوم أنها ثمانية أيام متتابعات فلو كانت نحسات في أنفسها لكانت جميع الايام السبعة المندرجة فيها مشؤمة وهذا لا يقوله أحد وإنما المراد في أيام نحسات أي عليهم وقال تعالى (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) [ الذاريات: 41 ] أي التي لا تنتج خيرا فإن الريح المفردة لا تنثر سحابا ولا تلقح شجرا بل هي عقيم لا نتيجة خير لها ولهذا قال (ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) [ الذاريات: 42 ] أي كالشئ البالي الفاني الذي لا ينتفع به بالكلية * وقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " (1) * وأما قوله تعالى (واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالاحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) [ الاحقاف: 21 ] فالظاهر أن عادا هذه هي عاد الاولى فإن سياقها شبيه بسياق قوم هود وهم الاولى.
ويحتمل أن يكون المذكورون في هذه القصة هم عاد الثانية.
ويدل عليه ما ذكرنا وما سيأتي
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه 15 / 26 / 1035 الفتح ; وفي أكثر من رواية وراوه مسلم في صحيحه 9 / 4 / 17 وأحمد في منسده 1 / 23 - 324 - 341 - 355 - 373.
قال ابن حجر: الصبا يقال لها القبول لانها تقابل الكعبة لان مهبها من مشرق الشمس، والدبور ضد الصبا.
[ * ]

(1/147)

من الحديث عن عائشة رضي الله عنها * وأما قوله (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا) فإن عادا لما رأو هذا العارض وهو الناشئ في الجو كالسحاب ظنوه سحاب مطر فإذا هو سحاب عذاب اعتقدوه رحمة فإذا هو نقمة رجوا فيه الخير فنالوا منه غاية الشر قال الله تعالى (بل هو ما استجعلتم به) أي من العذاب ثم فسره بقوله (ريح فيها عذاب أليم) يحتمل أن ذلك العذاب هو ما أصابهم من الريح الصرصر العاتية الباردة الشديدة الهبوب التي استمرت عليهم سبع ليال بأيامها الثمانية فلم تبق منهم أحدا بل تتبعتهم حتى كانت تدخل عليهم كهوف الجبال والغيران فتلفهم وتخرجهم وتهلكهم وتدمر عليهم البيوت المحكمة والقصور المشيدة فكما منوا بقوتهم وشدتهم وقالوا من أشد منا قوة سلط الله عليهم ما هو أشد منهم قوة وأقدر عليهم وهو الريح العقيم * ويحتمل أن هذه الريح أثارت في آخر الامر سحابة ظن من بقي منهم أنها سحابة فيها رحمة بهم وغياث لمن بقي منهم فأرسلها الله عليهم شررا ونارا كما ذكره غير واحد ويكون هذا كما أصاب أصحاب الظلة من أهل مدين وجمع لهم بين الريح الباردة وعذاب النار وهو أشد ما يكون من العذاب بالاشياء المختلفة المتضادة مع الصيحة التي ذكرها في سورة قد أفلح المؤمنون والله أعلم.
وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي: حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس، حدثنا ابن فضل (1) عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما فتح الله على عاد من الريح التي أهلكوا بها إلا مثل موضع الخاتم فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم بين السماء والارض فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد الريح وما فيها (قالوا هذا عارض ممطرنا) فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة ".
وقد رواه الطبراني عن عبدان بن أحمد، عن اسماعيل بن زكريا الكوفي، عن أبي مالك، عن مسلم الملائي، عن مجاهد وسعيد بن جبير عن
ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما فتح الله على عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم.
ثم أرسلت عليهم البدو إلى الحضر فلما رآها أهل الحضر قالوا هذا عارض ممطرنا مستقبل أو ديتنا وكان أهل البوادي فيها فألقى أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا ".
قال: عتت على خزائنها (2) حتى خرجت من خلال الابواب.
قلت: وقال غيره: خرجت بغير حساب.
والمقصود أن هذا الحديث في رفعه نظر.
ثم اختلف فيه على مسلم الملائي، وفيه نوع اضطراب والله أعلم * وظاهر الآية أنهم رأوا عارضا والمفهوم منه (3) لمعة السحاب كما دل عليه حديث الحارث بن حسان البكري ان جعلناه مفسرا لهذه القصة.
وأصرح منه في ذلك ما رواه
__________
(1) كذا بالاصل والصواب ابن فضيل وهو محمد بن فضيل بن غزوان، ثقة مشهور، قال ابن سعد: بعضهم لا يحتج به، المغني في الضعفاء (2 / 624 / 5907) تقريب التهذيب (2 / 200 / 628).
(2) في قصص الانبياء لابن كثير: خزانها وهو الصواب.
(3) لمعة تحريف، وما في قصص الانبياء لابن كثير: لغة.
هو الصواب.
[ * ]

(1/148)

مسلم في صحيحه حيث قال: حدثنا أبو الطاهر، حدثنا ابن وهب [ قال ] سمعت بن جريح يحدثنا عن عطاء بن أبي رياح، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: " اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به " قالت: وإذا عببت (1) السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا أمطرت سري عنه (2) فعرفت ذلك عائشة فسألته فقال لعله يا عائشة كما قال قوم عاد (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا) [ الاحقاف: 24 ] (3) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث ابن جريج.
طريق أخرى * قال الامام أحمد (4) حدثنا هرون بن معروف أنبأنا عبد الله بن وهب، أنبأنا عمرو وهو ابن الحارث، أن أبا النضر، حدثه عن سليمان بن يسار، عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا قط حتى أرى منه لهواته إنما كان يبتسم.
وقالت كان إذا
رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه قالت يا رسول الله الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية فقال: " يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب.
قد عذب قوم نوح بالريح.
وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا " * فهذا الحديث كالصريح في تغاير القصتين كما أشرنا إليه أولا.
فعلى هذا تكون القصة المذكورة في سورة الاحقاف خبرا عن قوم عاد الثانية.
وتكون بقية السياقات في القرآن خبرا عن عاد الاولى والله أعلم بالصواب * وهكذا رواه مسلم عن هارون بن معروف وأخرجه البخاري وأبو داود من حديث ابن وهب * وقدمنا حج هود عليه السلام عند ذكر حج نوح عليه السلام.
وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه ذكر صفة قبر هود عليه السلام في بلاد اليمن.
وذكر آخرون أنه بدمشق وبجامعها مكان في حائطة القبلي يزعم بعض الناس أنه قبر هود عليه السلام والله أعلم.
__________
(1) كذا في الاصول.
وعند مسلم تخيلت.
قال أبو عبيدة وغيره: تخيلت من المخيلة بفتح الميم: وهي سحابة فيها رعد وبرق يخيل إليه انها ماطرة.
(2) سري عنه: انكشف عنه الهم.
قال صاحب النهاية: وقد تكرر ذكر هذه اللفظة في الحديث، وخاصة في ذكر نزول الوحي عليه.
وكلها بمعنى الكشف والازالة.
يقال: سروت الثوب، وسريته إذا خلعته.
والتشديد فيه للمبالغة.
(3) أخرجه مسلم في 9 كتاب صلاة الاستسقاء (3 باب) ح 15 ص 2 / 616.
(4) مسند أحمد ج 6 / 66 وصحيح مسلم 9 كتاب صلاة الاستسقاء (3 باب) 16 ح ص 2 / 616.
ولهواته: جمع لهاة.
وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أعلى الحنك.
قاله الاصمعي.
[ * ]

(1/149)

قصة صالح نبي ثمود عليه السلام (1) وهم قبيلة مشهورة يقال ثمود باسم جدهم ثمود أخي جديس وهما ابنا عابر بن ارم بن سام بن نوح وكانوا عربا من العاربة يسكنون الحجر الذي بين الحجاز وتبوك.
وقد مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك بمن معه من المسلمين كما سيأتي بيانه وكانوا بعد قوم عاد وكانوا
يعبدون الاصنام كأولئك فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو عبد الله ورسوله صالح بن عبد بن ماسح (2) بن عبيد بن حاجر ابن ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأن يخلعوا الاصنام والانداد ولا يشركوا به شيئا فآمنت به طائفة منهم وكفر جمهورهم ونالوا منه بالمقال والفعال وهموا بقتله وقتلوا الناقة التي جعلها الله حجة عليهم فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر كما قال تعالى في سورة الاعراف (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم.
هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم.
واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الارض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون من الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الارض مفسدين قال الملا الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون.
قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون.
فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين) [ الاعراف: 73 - 79 ] وقال تعالى في سورة هود (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب.
قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نترك ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب.
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله ان عصيته فما تزيدونني غير تحسير.
ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب.
فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب.
فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ.
إن ربك هو القوي العزيز.
وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين.
كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود)
__________
(1) ذكر اسم صالح في القرآن تسع مرات، في سورة الاعراف: 73 - 75 - 77 وفي سورة هود في الآيات: 61 -
62 - 66 - 89، وفي سورة الشعراء: 142.
(2) في الطبري: صالح بن عبيد بن آسف بن ماسخ بن عبيد بن خادر بن ثمود بن جاثر بن ارم بن سام بن نوح.
[ * ]

(1/150)

[ هود: 61 - 67 ] وقال تعالى في سورة الحجر (ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين.
وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين.
وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين.
فأخذتهم الصيحة مصبحين.
فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) [ الحجر: 70 - 84 ] وقال سبحانه وتعالى في سورة سبحان (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الاولون.
وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا) [ الاسراء: 59 ] وقال تعالى في سورة الشعراء (كذبت ثمود المرسلين.
إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون.
إني لكم رسول أمين.
فاتقوا الله وأطيعون.
وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين.
أتتركون فيما هاهنا آمنين في جنات وعيون.
وزروع ونخل طلعها هضيم.
وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين.
فاتقوا الله وأطيعون.
ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون.
قالوا إنما أنت من المسحرين.
ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين.
قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم.
ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب عظيم.
فعقروها فأصبحوا نادمين.
فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وان ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 141 - 159 ] وقال تعالى في سورة النمل (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون.
قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون.
قالوا اطيرنا بك وبمن معك.
قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون.
وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون.
قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون.
ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون.
فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين.
فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون.
وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) [ النمل: 45 - 53 ]
وقال تعالى في سورة حم السجدة (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون.
ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) [ فصلت: 17 - 18 ] وقال تعالى في سورة اقتربت (كذبت ثمود بالنذر.
فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه انا إذا لفي ضلال وسعر.
أألقى الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر.
سيعلمون غدا من الكذاب الاشر.
انا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر.
ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر.
فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر.
انا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [ القمر: 23 - 32 ] وقال تعالى (كذبت ثمود بطغواها إذا انبعث أشقاها فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها.
فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها) [ الشمس: 11 - 15 ] وكثيرا ما يقرن الله في كتابه بين ذكر عاد وثمود كما في سورة براءة وابراهيم والفرقان وسورة صلى الله عليه وآله وسورة (ق) والنجم والفجر * ويقال إن هاتين الامتين لا يعرف خبرهما

(1/151)

أهل الكتاب وليس لهما ذكر في كتابهم التوراة ولكن في القرآن ما يدل على أن موسى أخبر عنهما كما قال تعالى في سورة ابراهيم (وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعا فان الله لغني حميد.
ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات ] [ ابراهيم: 8 - 9 ] الآية.
الظاهر أن هذا من تمام كلام موسى مع قومه ولكن لما كان هاتان الامتان من العرب لم يضبطوا خبرهما جيدا ولا اعتنوا بحفظه وإن كان خبرهما كان مشهورا في زمان موسى عليه السلام * وقد تكلمنا على هذا كله في التفسير متقصيا ولله الحمد والمنة.
والمقصود الآن ذكر قصتهم وما كان من أمرهم وكيف نجى الله نبيه صالحا عليه السلام ومن آمن به وكيف قطع دابر القوم الذين ظلموا بكفرهم وعتوهم ومخالفتهم رسولهم عليه السلام * قد قدمنا أنهم كانوا عربا وكانوا بعد عاد ولم يعتبروا بما كان من أمرهم * ولهذا قال لهم نبيهم
عليه السلام (أعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم.
واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الارض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الارض مفسدين) [ الاعراف: 73 - 74 ] أي إنما جعلكم خلفاء من بعدهم لتعتبروا بما كان أمرهم وتعملوا بخلاف عملهم وأباح لكم هذه الارض تبنون في سهولها القصور وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين أي حاذقين في صنعتها وإتقانها وإحكامها فقابلوا نعمة الله بالشكر والعمل الصالح والعبادة له وحده لا شريك له وإياكم ومخالفته والعدول عن طاعته فإن عاقبة ذلك وخيمة ولهذا وعظهم بقوله (اتتركون فيما ههنا آمنين.
في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم) [ الشعراء: 146 - 148 ] أي متراكم كثير حسن بهي ناضج (وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين.
الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون) [ الشعراء 149 - 152 ] وقال لهم أيضا (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها) [ هود: 61 ] أي هو الذي خلقكم فأنشأكم من الارض وجعلكم عمارها أي أعطاكموها بما فيها من الزروع والثمار فهو الخالق الرزاق فهو الذي يستحق العبادة وحده لا سواه (فاستغفروه ثم توبوا إليه) أي أقلعوا عما أنتم فيه (1) وأقبلوا على عبادته فإنه يقبل منكم ويتجاوز عنكم (إن ربي قريب مجيب قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا) [ هود: 62 ] أي قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملا قبل هذه المقالة (2) وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد
__________
(1) أي سلوه المغفرة من عبادة الاصنام.
(2) في أحكام القرآن: كنا نرجو أن تكون فينا سيدا قبل هذا، أي قبل دعوتك النبوة، وكانوا يرجون رجوع دينهم..وانقطع رجاؤهم لما دعاهم إلى الله.
[ * ]

(1/152)

العبادة وترك ما كنا نعبده من الانداد والعدول عن دين الآباء والاجداد ولهذا قالوا (اتنهانا أن نترك ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب - قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي
وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير) [ هود: 63 ] وهذا تلطف منه لهم في العبارة ولين الجانب وحسن تأت في الدعوة لهم إلى الخير أي فما ظنكم إن كان الامر كما أقول لكم وأدعوكم إليه ماذا عذركم عند الله وماذا يخلصكم بين يديه وأنتم تطلبون مني أن أترك دعاءكم إلى طاعته وأنا لا يمكنني هذا لانه واجب علي ولو تركته لما قدر أحد منكم ولا من غيركم أن يجيرني منه ولا ينصرني فأنا لا أزال أدعوكم إلى الله وحده لا شريك له حتى يحكم الله بيني وبينكم وقالوا له أيضا (إنما أنت من المسحرين) [ الشعراء: 153 ] أي من المسحورين يعنون مسحورا لا تدري ما تقول في دعائك إيانا إلى إفراد العبادة لله وحده وخلع ما سواه من الانداد وهذا القول عليه الجمهور إن المراد بالمسحرين المسحورين * وقيل من المسحرين أي ممن له سحر وهي الرئة كأنهم يقولون إنما أنت بشر له سحر والاول أظهر لقولهم بعد هذا ما أنت إلا بشر مثلنا * وقولهم (فأت بآية إن كنت من الصادقين) [ هود: 154 ] سألوا منه أن يأتيهم بخارق يدل على صدق ما جاءهم (قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب عظيم) [ هود: 156 ] وقال (قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم) [ الاعراف: 73 ] وقال تعالى: (وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها) [ الاسراء: 59 ].
وقد ذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا يوما في ناديهم فجاءهم رسول الله صالح فدعاهم إلى الله وذكرهم وحذرهم ووعظهم وأمرهم فقالوا له إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة وأشاروا إلى صخرة هناك ناقة من صفتها كيت وكيت وذكروا أوصافا سموها ونعتوها وتعنتوا (1) فيها وأن تكون عشراء (2) طويلة من صفتها كذا وكذا فقال لهم النبي صالح عليه السلام أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به.
قالوا نعم فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك ثم قام إلى مصلاه فصلى لله عزوجل ما قدر له ثم دعا ربه عزوجل أن يجيبهم إلى ما طلبوا فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفظر عن ناقة عظيمة عشراء، على الوجه المطلوب الذي طلبوا أو على الصفة التي نعتوا فلما عاينوها كذلك رأوا أمرا عظيما ومنظرا هائلا وقدرة
باهرة ودليلا قاطعا وبرهانا ساطعا (3) فآمن كثير منهم واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم
__________
(1) تعنتوا: تشددوا.
(2) عشراء: التي مضى لحملها عشرة أشهر أو هي كالنفساء من النساء.
(3) قال الرازي في تفسيره ج 18 / 19: وأعلم أن تلك الناقة كانت معجزة من وجوه: الاول: انه تعالى خلقها من الصخرة.
الثاني: انه تعالى خلقها في جوف الجبل ثم شق عنها الجبل.
[ * ]

(1/153)

ولهذا قال (فظلموا بها) أي جحدوا بها ولم يتبعوا الحق بسببها أي أكثرهم.
وكان رئيس الذين آمنوا جندع بن عمرو بن محلاه بن لبيد بن جواس.
وكان من رؤسائهم وهم بقية الاشراف بالاسلام قصدهم ذؤاب بن عمر بن لبيد والخباب صاحبا أوثانهم ورباب بن صمعر بن جمس ودعا جندع بن عمه شهاب بن خليفة وكان من اشرافهم فهم بالاسلام فنهاه أولئك فمال إليهم فقال في ذلك رجل من المسلمين يقال له مهرش بن غنمة بن الذميل رحمه الله: وكانت عصبة من آل عمرو * إلى دين النبي دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعا * فهم بأن يجيب ولو أجابا لاصبح صالح فينا عزيزا * وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا ولكن الغواة من آل حجر * تولوا بعد رشدهم ذابا (1) ولهذا قال لهم صالح عليه السلام (هذه ناقة الله لكم آية) [ هود: 64 ] أضافها الله سبحانه وتعالى إضافة تشريف وتعظيم كقوله بيت الله وعبد الله لكم آية أي دليلا على صدق ما جئتكم به (فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب) [ هود: 64 ] فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم ترعى حيث شاءت من أرضهم وترد الماء يوما بعد يوم وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم ويقال إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم ولهذا (قال لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) ولهذا
قال تعالى (أنا مرسلوا الناقة فتنة لهم) [ القمر: 27 ] أي اختبارا لهم أيؤمنون بها أم يكفرون والله أعلم بما يفعلون (فارتقبهم) أي انتظر ما يكون من امرهم (واصطبر) على أذاهم فسيأتيك الخبر على جلية (ونبئهم ان الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر) [ القمر: 28 ] فلما طال عليهم الحال هذا اجتمع ملؤهم واتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم وزين لهم الشيطان أعمالهم قال الله تعالى (فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين) [ الاعراف - 77 ] وكان الذي تولى قتلها منهم رئيسهم قدار بن سالف بن جندع وكان أحمر أزرق أصهب وكان يقال أنه ولد زانية ولد على فراش سالف وهو ابن رجل يقال له صيبان.
وكان فعله ذلك باتفاق جميعهم فلهذا نسب الفعل إلى جميعهم كلهم (2) *
__________
الثالث: انه تعالى خلقها حاملا من غير ذكر.
الرابع: خلقها دفعة واحدة من غير ولادة الخامس: ما روي انه كان لها شرب يوم ولكل القوم شرب يوم آخر.
السادس: كان يحصل منها لبن كثير يكفي لخلق عظيم.
(1) في قصص الانبياء لابن كثير: ذبابا.
(2) وفي نسخة قصص الانبياء لابن كثير: إليهم كلهم.
وهو مناسب.
[ * ]

(1/154)

وذكر ابن جرير وغيره من علماء المفسرين (1) أن امرأتين من ثمود اسم احداهما صدوق ابنة المحيا ابن زهير بن المختار وكانت ذات حسب ومال وكانت تحت رجل من أسلم ففارقته فدعت ابن عم لها يقال له مصرع بن مهرج بن المحيا وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة واسم الاخرى عنيزة بنت غنيم بن مجلز وتكنى أم عثمان وكانت عجوزا كافرة لها بنات من زوجها ذؤاب بن عمرو احد الرؤساء فعرضت بناتها الاربع على قدار بن سالف إن هو عقر الناقة فله أي بناتها شاء فانتدب هذان الشابان لعقرها وسعوا في قومهم بذلك فاستجاب لهم سبعة آخرون فصاروا تسعة وهم
المذكورون في قوله تعالى (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون) [ النمل: 48 ] وسعوا في بقية القبيلة وحسنوا لهم عقرها فأجابوهم إلى ذلك وطاوعوهم في ذلك فانطلقوا يرصدون الناقة فلما صدرت من وردها كمن لها مصرع فرماها بسهم فانتظم عظم ساقها وجاء النساء يزمرن القبيلة في قتلها وحسرن عن وجوههن ترغيبا لهم فابتدرهم قدار بن سالف فشد عليها بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ساقطة إلى الارض ورغت رغاة واحدة عظيمة تحذر ولدها ثم طعن في لبتها فنحرها وانطلق سقيها وهو فصيلها فصعد جبلا منيعا ودعا (2) ثلاثا.
وروى عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن أنه قال يا رب أين أمي ثم دخل في صخرة فغاب فيها ويقال بل اتبعوه فعقروه أيضا قال الله تعالى (فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر) [ القمر: 29 - 30 ] وقال تعالى (إذ انبعث أشقاها فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها) [ الشمس: 12 - 13 ] أي احذروها (فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها) [ الشمس: 14 - 15 ].
قال الامام أحمد حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هاشم - هو أبو عزرة - عن أبيه عبد الله بن زمعة (3) قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال (إذ انبعثت أشقاها) انبعث لها رجل من عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة (4).
أخرجاه من حديث هشام بن (5) عارم أي شهم عزيز أي رئيس منيع أي مطاع في قومه * وقال محمد بن اسحاق حدثني
__________
(1) تاريخ الطبري، وروح المعاني للالوسي.
(2) كذا في الاصل، وفي قصص الانبياء لابن كثير: ورغا.
وهو المناسب.
(3) في المسند 4 / 17: عن ابن نمير عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن زمعة.
وهشام بن عروة ; وأبو عزرة تحريف / عن مسلم.
(4) رواه مسلم في 51 كتاب / 13 باب / ح 49 بزيادة: ذكر النساء فوعظ فيهم ثم قال: إلام يجلد أحدكم امرأته.
ورواه البخاري في الفتح: 65 / 91 / 4942 بزيادة " ذكر النساء..وعارم: قال أهل اللغة: هو الشرير المفسد الخبيث، وقيل: القوي الشرس.
(5) كذا بالاصول والنسخ المطبوعة: وفي قصص الانبياء لابن كثير: من حديث هشام به.
[ * ]

(1/155)

يزيد بن محمد بن خيثم عن محمد بن كعب عن محمد بن خيثم عن يزيد عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: " ألا أحدثك بأشقى الناس " قال: بلى.
قال: " رجلان أحدهما أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي بضربك يا علي على هذا - يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه - يعني لحيته ".
رواه ابن أبي حاتم.
وقال تعالى (فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا ان كنت من المرسلين) [ الاعراف: 77 ] فجمعوا في كلامهم هذا بين كفر بليغ من وجوه: منها انهم خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهي الاكيد في عقر الناقة التي جعلها الله لهم آية.
ومنها أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم فاستحقوه من وجهين * أحدهما الشرط عليهم في قوله (ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب) وفي آية " عظيم " وفي الاخرى " أليم " والكل حق * والثاني استعجالهم على ذلك.
ومنها أنهم كذبوا الرسول الذي قد قام الدليل القاطع على نبوته وصدقه وهم يعلمون ذلك علما جازما ولكن حملهم الكفر والضلال والعناد على استبعاد الحق ووقوع العذاب بهم * قال الله تعالى (فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام (1) ذلك وعد غير مكذوب) [ هود: 65 ] وذكروا نهم لما عقروا الناقة كان أول من سطا عليها قدار بن سالف لعنه الله فعرقبها فسقطت إلى الارض ثم ابتدروها بأسيافهم يقطعونها فلما عاين ذلك سقيها وهو ولدها شرد عنهم فعلا أعلى الجبل هناك ورغا ثلاث مرات فلهذا قال لهم صالح (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) أي غير يومهم ذلك فلم يصدقوه أيضا في هذا الوعد الاكيد بل لما أمسوا هموا بقتله وأرادوا فيما يزعمون أن يلحقوه بالناقة (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله) [ النمل: 48 ] أي لنكسنه في داره مع أهله فلنقتلنه ثم نجحدن قتله وننكرن ذلك أن طالبنا أولياؤه بدمه.
ولهذا قالوا: (ثم لنقولن لوليه ما شهدنا
مهلك أهله وإنا لصادقون) [ النمل: 48 ] قال الله تعالى (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون.
فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين.
فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) [ النمل: 50 - 53 ] وذلك أن الله تعالى أرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتل صالح حجارة رضختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم وأصبحت ثمود يوم الخميس وهو اليوم الاول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة كما أنذرهم صالح عليه السلام فلما أمسوا نادوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الاجل.
ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل.
وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى يومان من الاجل.
ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة فلما
__________
(1) قال الرازي في تفسيره: قال ابن عباس: انه تعالى لما امهلهم تلك الايام الثلاثة فقد رغبهم في الايمان، وذلك لانهم لما عقروا الناقة انذرهم صالح عليه السلام بنزول العذاب..[ * ]

(1/156)

أمسوا نادوا ألا قد مضى الاجل فلما كان صبيحة يوم الاحد تحنطوا وتأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا يحل بهم من العذاب والنكال والنقمة لا يدرون كيف يفعل بهم ولا من أي جهة يأتيهم العذاب فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم ورجفة شديدة من أسفل منهم ففاضت الارواح وزهقت النفوس وسكنت الحركات وخشعت الاصوات وحقت الحقائق فأصبحوا في دارهم جاثمين جثثا لا أرواح فيها ولا حراك بها.
قالوا ولم يبق منهم أحد إلا جارية كانت مقعدة واسمها كلبة - ابنت السلق - ويقال لها الذريعة وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح عليه السلام فلما رأت العذاب أطلقت رجلاها فقامت تسعى كأسرع شئ فأتت حيا من العرب فأخبرتهم بما رأت وما حل بقومها واستسقتهم ماء فلما شربت ماتت.
قال الله تعالى (كأن لم يغنوا فيها) أي لم يقيموا فيها في سعة ورزق وغناء (ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود) [ هود: 60 ] أي نادى عليهم لسان القدر بهذا.
قال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم،
عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: " لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج (فعتوا عن أمر ربهم فعقروها).
وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله.
فقالوا من هو يا رسول الله قال: " هو أبو رغال.
فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه " (1).
وهذا الحديث على شرط مسلم وليس هو في شئ من الكتب الستة والله أعلم.
وقد قال عبد الرزاق أيضا: قال معمر، أخبرني إسماعيل بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أبي رغال فقال: " أتدرون من هذا " قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: " هذا قبر أبي رغال، رجل من ثمود، كان في حرم الله فمنعه حرم الله [ من ] عذاب الله.
فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن ههنا، ودفن معه غصن من ذهب.
فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم فبحثوا عنه فاستخرجوا الغصن " * قال عبد الرزاق قال معمر قال الزهري: أبو رغال أبو ثقيف * هذا مرسل من هذا الوجه * وقد جاء من وجه آخر متصلا كما ذكره محمد بن اسحق في السيرة عن إسماعيل بن أمية عن بجير بن أبي بجير، [ قال ] سمعت عبد الله بن عمرو، [ يقول ] سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر، فقال: " إن هذا قبر أبي رغال.
وهو أبو ثقيف ; وكان من ثمود ; وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان
__________
(1) مسند أحمد ج 3 / 396 وتفرد به.
وأبو الزبير هو محمد بن مسلم، صدوق مشهور، اعتمده مسلم وروى له البخاري متابعة.
قال ابن حجر: صدوق إلا انه يدلس.
تقريب التقريب (2 / 207 / 697) المغني في الضعفاء للذهبي / 2 - 632).
[ * ]

(1/157)

فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه.
فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن " وهكذا رواه أبو داود من طريق محمد بن اسحق به * قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله هذا حديث حسن عزيز.
قلت تفرد به بجير بن أبي بجير هذا
ولا يعرف إلا بهذا الحديث ولم يرو عنه سوى اسماعيل بن أمية * قال شيخنا فيحتمل أنه وهم في رفعه وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه والله أعلم.
قلت لكن في المرسل الذي قبله وفي حديث جابر أيضا شاهد له * والله أعلم.
وقوله تعالى (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين) [ الاعراف: 79 ] إخبار عن صالح عليه السلام أنه خاطب قومه بعد هلاكهم وقد أخذ في الذهاب عن محلتهم إلى غيرها قائلا لهم (يا قوم لقد ابلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم) أي جهدت في هدايتكم بكل ما أمكنني وحرصت على ذلك بقولي وفعلي ونيتي (ولكن لا تحبون الناصحين) أي لم تكن سجاياكم تقبل الحق ولا تريده فلهذا صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب الاليم المستمر بكم المتصل إلى الابد وليس لي فيكم حيلة ولا لي بالدفع عنكم يدان والذي وجب علي من أداء الرسالة والنصح لكم قد فعلته وبذلته لكم ولكن الله يفعل ما يريد.
وهكذا خاطب النبي صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر بعد ثلاث ليال: وقف عليهم وقد ركب راحلته وأمر بالرحيل من أخر الليل فقال: " يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا، وقال لهم فيما قال: " بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقتني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم " فقال له عمر: يا رسول الله تخاطب أقواما قد جيفوا فقال: (والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يجيبون).
وسيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله * ويقال إن صالحا عليه السلام إنتقل إلى حرم الله فأقام به حتى مات.
قال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بوادي عسفان حين حج قال: " يا أبا بكر أي واد هذا ".
قال وادي عسفان قال: " لقد مر به هود وصالح عليهما السلام على بكرات خطمها الليف أزرهم العباء وأرديتهم النمار يلبون يحجون البيت العتيق " (1) * إسناد حسن * وقد تقدم في قصة نوح
عليه السلام من رواية الطبراني وفيه نوح وهود وإبراهيم.
__________
(1) مسند أحمد ج 1 / 232 وفيه زمعة بن صالح الجندي، اليماني، نزيل مكة، أبو وهب ضعيف / تقريب التهذيب / 1 - 293 - 65.
[ * ]

(1/158)

مرور النبي بوادي الحجر من أرض ثمود عام تبوك قال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا القدور فأمرهم رسول الله فاهراقوا القدور وعلفوا العجين الابل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا [ فقال ] إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم (1) * وقال أحمد أيضا حدثنا عفان حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهو بالحجر لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم (2) * أخرجاه في الصحيحين من غير وجه * وفي بعض الروايات أنه عليه السلام لما مر بمنازلهم قنع رأسه وأسرع راحلته ونهى عن دخول منازلهم إلا أن تكونوا باكين وفي رواية فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم مثل ما أصابهم * صلوات الله وسلامه عليه.
وقال الامام أحمد حدثنا يزيد بن هرون، حدثنا المسعودي، عن اسمعيل بن أوسط عن محمد بن أبي كبشة الانباري عن أبيه واسمه عمرو بن سعد ويقال عامر بن سعد رضي الله عنه قال لما كان في غزوة تبوك فسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس الصلاة جامعة قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره وهو يقول: " ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم " فناداه رجل تعجب منهم يا رسول الله قال أفلا أرئكم بأعجب من ذلك رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم
شيئا وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا * إسناد حسن ولم يخرجوه.
وقد ذكر أن قوم صالح كانت أعمارهم طويلة فكانوا يبنون البيوت من المدر فتخرب قبل موت الواحد منهم فنحتوا لهم بيوتا في الجبال.
وذكروا أن صالحا عليه السلام لما سألوه آية فأخرج الله لهم الناقة من الصخرة أمرهم بها وبالولد الذي كان في جوفها وحذرهم بأس الله إن هم نالوها بسوء وأخبرهم أنهم سيعقرونها ويكون سبب هلاكهم ذلك وذكر لهم صفة عاقرها وأنه أحمر أزرق أصهب فبعثوا القوابل في البلد متى وجدوا مولودا بهذه الصفة يقتلنه فكانوا على ذلك دهرا طويلا وانقرض جيل وأتى جيل آخر.
فلما كان في بعض الاعصار خطب رئيس من رؤسائهم على ابنه بنت
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه 53 / 1 / 2981 وأحمد في مسنده.
(2 / 72 - 91) والبخاري في الفتح 65 / 15 - 2 / 4702 والحميدي في مسنده وابن هشام في السيرة والواقدي في المغازي 1 / 397.
(2) مسند أحمد ج 2 / 66.
[ * ]

(1/159)

آخر مثله في الرياسة فزوجه فولد بينهما عاقر الناقة وهو قدار بن سالف فلم تتمكن القوابل من قتله لشرف أبويه وجديه فيهم فنشأ تشأة سريعة فكان يشب في الجمعة كما يشب غيره في شهر حتى كان من أمره أن خرج مطاعا فيهم رئيسا بينهم فسولت له نفسه عقر الناقة واتبعه على ذلك ثمانية من اشرافهم وهم التسعة الذين أرادوا قتل صالح عليه السلام.
فلما وقع من أمرهم ما وقع من عقر الناقة وبلغ ذلك صالحا عليه السلام جاءهم باكيا عليها فتلقوه يعتذرون إليه ويقولون إن هذا لم يقع عن ملا منا وإنما فعل هذا هؤلاء الاحداث فينا.
فيقال إنه أمرهم باستدراك سقبها حتى يحسنوا إليه عوضا عنها فذهبوا وراءه فصعد جبلا هناك فلما تصاعدوا فيه وراءه تعالى الجبل حتى ارتفع فلا يناله الطير وبكى الفصيل حتى سالت دموعه.
ثم استقبل صالحا عليه السلام ودعا (1) ثلاثا فعندها قال صالح تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وذلك وعد غير مكذوب وأخبرهم أنهم يصبحون من غدهم صفرا ثم تحمر وجوههم في الثاني وفي اليوم الثالث تسود وجوههم * فلما كان في اليوم الرابع أتتهم صيحة فيها صوت كل صاعقة فأخذتهم فأصبحوا في دارهم (2) جاثمين * وفي بعض هذا السياق نظر
ومخالفة لظاهر ما يفهم من القرآن في شأنهم وقصتهم كما قدمنا والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب (3) قصة إبراهيم خليل الرحمن هو إبراهيم بن تسارخ " 250 " بن ناحور " 148 " بن ساروغ " 230 " بن راعو " 239 " ابن فالغ " 439 " بن عابر " 464 " بن شالح " 433 " بن أرفخشذ " 438 " بن سام " 600 " ابن نوح عليه السلام (4) * هذا نص أهل الكتاب في كتابهم، وقد اعلمت على أعمارهم تحت أسمائهم بالهندي كما ذكروه من المدد وقدمنا الكلام على عمر نوح عليه السلام فأغنى عن إعادته * وحكى الحافظ ابن عساكر في ترجمة ابراهيم الخليل من تاريخه عن اسحق بن بشر الكاهلي صاحب كتاب " المبتدأ " ان اسم أم ابراهيم " أميلة " * ثم أورد عنه في خبر ولادتها له حكاية طويلة وقال
__________
(1) في الطبري والكامل: ورغا ثلاثا.
فقال صالح: لكل رغوة أجل يوم.
(2) في الطبري: ديارهم.
(3) نقل الخبر الطبري في تاريخه 1 / 117 - 118 دار القاموس.
والفصيل: ولد الناقة.
(4) نسبه الموجود في التوراة والتواريخ هو: إبراهيم بن تارح بن ناحور بن سروج بن رعو بن فالج بن عابر بن شالح بن ارفكشاذ بن سام بن نوح عليه السلام وفي تهذيب ابن عساكر (2 / 136 - 137): إبراهيم بن ازار وهو تارخ بن ناحور بن شاروع بن أرغو بن فالغ بن شالح بن أرفشخد بن سام بن نوح ويكنى بأبي الضيفان.
وكما هو ملاحظ فأكثر الاسماء مخالفة لما في الاصل الذي نعتمده.
[ * ]

(1/160)

الكلبي اسمها " بونا " بنت كربنا بن كرثى من بني أرفخشذ بن سام بن نوح (1) وروى ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة أنه قال كان إبراهيم عليه السلام يكنى أبا الضيفان (2).
قالوا ولما كان عمر تارخ خمسا وسبعين سنة ولد له إبراهيم عليه السلام وناحور وهاران
وولد لهاران لوط * وعندهم أن إبراهيم عليه السلام هو الاوسط وأن هاران مات في حياة أبيه في أرضه التي ولد فيها وهي أرض الكلدانيين يعنون أرض بابل * وهذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير والتواريخ (3) والاخبار وصحح ذلك الحافظ ابن عساكر بعد ما روى من طريق هشام بن عمار عن الوليد عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول عن ابن عباس قال ولد ابراهيم بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة في جبل يقال له قاسيون * ثم قال والصحيح أنه ولد ببابل.
وإنما نسب إليه هذا المقام لانه صلى فيه إذ جاء معينا للوط عليه السلام.
قالوا فتزوج ابراهيم سارة (4) وناحور ملكا ابنة هاران يعنون بابنة اخيه.
قالوا وكانت سارة عاقرا لا تلد قالوا وانطلق تارخ بابنة إبراهيم وامرأته سارة وابن أخيه لوط بن هاران فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين فنزلوا حران فمات فيها تارخ وله مائتان وخمسون سنة (5) وهذا يدل على أنه لم يولد بحران وإنما مولده بأرض الكلدانيين وهي أرض بابل وما والاها * ثم ارتحلوا قاصدين أرض الكنعانيين * وهي بلاد بيت المقدس فأقاموا بحران وهي أرض الكشدانيين في ذلك الزمان وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضا وكانوا يعبدون الكواكب السبعة.
والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدين يستقبلون القطب الشمالي ويعبدون الكواكب السبعة بأنواع من الفعال والمقال * ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشق السبعة القديمة هيكل لكوكب منها ويعملون لها أعيادا وقرابين * وهكذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والاصنام وكل من كان على وجه الارض كانوا كفارا سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط عليهم السلام وكان الخليل عليه السلام هو الذي أزال الله به تلك الشرور وأبطل به ذاك الضلال فان الله سبحانه وتعالى أتاه رشده في صغره وابتعثه رسولا واتخذه خليلا في كبره قال تعالى) (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين) [ الانبياء: 51 ] أي كان أهلا لذلك.
__________
(1) في الطبري: عن غير واحد من أهل العلم: اسمها أنموتا من ولد افراهم بن أرغو بن فالغ..من ولد سام.
وقيل اسمها: انمتلى بنت يكفور.
(2) تاريخ ابن عساكر 12 / 141 التهذيب.
(3) قال الطبري: اختلف في الموضع الذي كان منه والموضع الذي ولد فيه ; قالوا بالسوس من أرض الاهواز - بابل - بناحية كوثى من السواد - بالوركاء بناحية الزوابى - حران ونقله منها أبوه إلى بابل (1 / 119 والكامل لابن الاثير 1 / 94) (4) في سارة أقوال: في رواية للطبري ولابن الاثير: انها ابنة عمه هاران وفي رواية أخرى عنده عن السدي: انها ابنة ملك حران وقد طعنت في دين قومها وآمنت بالله تعالى مع إبراهيم.
(5) وفي المسعودي: مائتان وستين سنة 1 / 40.
[ * ]

(1/161)

وقال تعالى (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون.
وان تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ان ذلك على الله يسير.
قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة.
ان الله على كل شئ قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون.
وما أنتم بمعجزين في الارض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير.
والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم.
فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فانجاه الله من النار.
إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين.
فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي انه هو العزيز الحكيم.
ووهبنا له اسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب.
وآتيناه أجره في الدنيا وانه في الآخرة لمن الصالحين) [ العنكبوت: 16 - 27 ] ثم ذكر تعالى مناظرته لابيه وقومه كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وكان أول دعوته لابيه، وكان أبوه ممن يعبد الاصنام لانه أحق الناس بإخلاص النصيحة له كما قال تعالى (واذكر في الكتاب ابراهيم انه كان صديقا نبيا.
إذ قال لابيه.
يا أبت لم تعبد ما لا
يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا.
يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا.
يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا.
يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا.
قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا.
قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا) [ مريم: 41 - 48 ].
فذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة وكيف دعا أباه إلى الحق بألطف عبارة.
وأحسن إشارة بين له بطلان ما هو عليه من عبادة الاوثان التى لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه فكيف تغني عنه شيئا أو تفعل به خيرا من رزق أو نصر ؟ * ثم قال منبها على ما أعطاه الله من الهدى والعلم النافع وإن كان أصغر سنا من أبيه (يا أبت إنه قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا) أي مستقيما واضحا سهلا حنيفا يفضي بك إلى الخير في دنياك وأخراك (1) فلما عرض هذا الرشد عليه وأهدى هذه النصيحة إليه لم يقبلها منه ولا أخذها عنه بل تهدده وتوعده قال (أراغب أنت عن آلهتي يا ابراهيم لئن لم تنته لارجمنك) قيل بالمقال وقيل
__________
(1) قال في أحكام القرآن: أي أرشدك إلى دين مستقيم فيه النجاة.
11 / 111 وقوله: يا أبت دليل على شدة الحب والرغبة في صونه عن العقاب وإرشاده إلى الصواب../ الرازي 21 / 226 /.
[ * ]

(1/162)

بالفعال (1) (واهجرني مليا) أي واقطعني وأطل هجراني.
فعندها قال له ابراهيم (سلام عليك) أي لا يصلك مني مكروه ولا ينالك مني أذى بل أنت سالم من ناحيتي وزاده خيرا فقال (سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا) * قال ابن عباس وغيره أي لطيفا يعني في أن هداني لعبادته والاخلاص له ولهذا قال (واعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا) (2).
وقد استغفر له ابراهيم عليه السلام كما وعده في أدعيته.
فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه كما قال تعالى (وما كان استغفار ابراهيم لابيه الا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن ابراهيم لاواه حليم) (3)
وقال البخاري: حدثنا اسمعيل بن عبد الله، حدثني أخي عبد الحميد، عن أبن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يلقي إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني فيقول له أبوه فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون وأي خزي أخزى من أبي الابعد فيقول الله إني حرمت الجنة على الكافرين.
ثم يقال يا إبراهيم ما تحت رجليك فينظر فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقي في النار " (4) هكذا رواه في قصة إبراهيم منفردا.
وقال في التفسير وقال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي ذؤيب (5) عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبى هريرة * وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن حفص بن عبد الله عن أبيه عن ابراهيم بن طهمان به.
وقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وفي سياقه غرابة.
ورواه أيضا من حديث قتادة عن عقبة بن عبد الغافر عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وقال تعالى (وإذ قال إبراهيم لابيه آزر أتتخذ أصناما آلهة اني أراك وقومك في ضلال مبين) [ الانعام: 74 ] هذا يدل على أن اسم أبى إبراهيم آزر وجمهور أهل النسب منهم ابن عباس على أن اسم أبيه تارح وأهل الكتاب يقولون تارخ بالخاء المعجمة فقيل إنه لقب بصنم كان يعبده إسمه آزر * وقال ابن جرير والصواب أن اسمه آزر ولعل له اسمان علمان أو أحدهما لقب والآخر
__________
(1) قال الحسن: يعنى بالحجارة وقال الضحاك: بالقول أي لاشتمنك ; وقال ابن عباس: لاضربنك ; وقيل لاظهرن أمرك / القرطبي 11 / 111 ; وقال الرازي في الرجم قولان: الرجم باللسان - والرجم باليد.
(2) في القرطبي: أراد بهذا الدعاء أن يهب الله تعالى له أهلا وولدا يتقوى بهم حتى لا يستوحش بالاعتزال عن قومه ; (ومفارقته إياهم).
وقال في تفسير الرازي: في الرجم.
(3) سورة التوبة الآية 114.
(4) فتح الباري 60 / 8 / 3350 ورواه ابن عساكر في 2 / 137 التهذيب.
(5) كذا في الاصول وهو تحريف وفي البخاري ابن أبي ذئب ; وقد تقدم قبل قليل.
[ * ]

(1/163)

علم.
وهذا الذي قاله محتمل والله أعلم (1) * ثم قال تعالى (وكذلك نري إبراهيم ملكوت
__________
(1) يقول الدكتور النجار في قصص الانبياء معللا ص 70 - 71: " هو أبراهيم خليل الله بن تارح بن ناحور بن سروج بن رعو بن فالج بن عامر بن شالح بن أرفكشاذ بن سام بن نوح عليه السلام.
هذا هو نسبه الموجود في التوراة والتواريخ.
وقد جاء في الكتاب الكريم قوله تعالى (وإذ قال إبراهيم لابيه آزر أتتخذ أصناما آلهة).
اختلف المفسرون في اسم أبي إبراهيم - فقال بعضهم أن لفظ " آزر " في الآية بدل من لفظ " أب " في " أبيه " ويكون مقول القول " أتتخذ أصناما آلهة) ألخ وقال آخرون اسمه " تارح " وان لفظ " آزر " كلمة ذم في لغته ومعناه " أعرج " قاله السهيلي في التكلمة.
وقال آخرون أن معناه الخاطئ والخرف وفي التكلمة " يا مخطئ يا خرف " وقيل معناه " يا شيخ " أو هي كلمة زجر عن الباطل " راجع ص 12 ج 3 تاج العروس ".
أقول: بعيد في نظري أن يكون إبراهيم عليه السلام قد واجه آباه بكلمات فيها تحقير أو عيب أو زجر كأعرج وخرف ومخطئ لان والد إبراهيم عليه السلام لما هدده بقوله (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا) لم يكن له جواب على هذه الجفوة القاسية وهذا التهديد العنيف إلا أن قال لابيه (سلام عليك سأستغفر لك ربي أنه كان بي حفيا).
وقال آخرون: أن تارح اسمه العلم، وان آزر وصف له كما قال البيضاوي.
أقول: إذا صح أن والد إبراهيم كان له اسم علمي واسم وصفي، يكون معناه القوي أو الناصر أو المعين ; لان لفظ آزر من الازر أي القوة والنصر والعون ومنه الوزير أي المعين " تاج العروس ص 11 ج 3 " وهي كذلك في اللغات السامية التي منها لغة إبراهيم، ومن ذلك عازر وعزير وعازر في العبرية.
فإن هذه المادة تفيد التقوية والنصرة والاعانة في تلك اللغة كما هي في اللغة العربية.
قال تعالى (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه.
الخ) ومعلوم أن العين والهمزة يتعاوران على موضع واحد.
وفي أسماء ملوك الاشوريين " اسرحدون " ولفظا " اسر " و " ازر " في غاية القرب.
وفيهم أيضا " توخلات
أبال ازار " وعلى ذلك فلا يبعد عن علماء الفيلولوجيا وعلماء اللغات السامية على الخصوص أن يثبتوا النسب بين هذه الالفاظ في اللغات السامية وقد جاء في دائرة المعارف الاسلامية ما نصه: " آزر " اسم أبي إبراهيم في القرآن - سورة الانعام الآية 74 - ويظهر أن في هذا بعض الخلط لان اسم أزر لم يرد مطلقا على أنه أبو إبراهيم في غير هذا الموضع.
كما أن تارح أو تارخ قد ورد في روايات بعض المؤرخين والمفسرين من المسلمين على أنه أبو إبراهيم أيضا.
ولذلك لجئوا إلى التحاليل للتوفيق بين هاتين الروايتين.
ولكن هذا التحايل لا قيمة له.
ويقول مراتشي
Prodrani Maracci، ج 4 - ص 90 " ان صيغة آزر نشأت عن قراءة خاطئة Agae التي وردت في = [ * ]

(1/164)

السموات والارض وليكون من الموقنين.
فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين.
فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين.
فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون.
إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شئ علما أفلا تتذكرون.
وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون.
وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء ان ربك حكيم عليم) [ الانعام: 75 - 83 ] وهذا المقام مقام مناظرة لقومه وبيان لهم أن هذه الاجرام المشاهدة من الكواكب النيرة لا تصلح للالوهية ولا أن تعبد مع الله عزوجل لانها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبرة مسخرة تطلع تارة وتأفل أخرى فتغيب عن هذا العالم والرب تعالى لا يغيب عنه شئ ولا تخفى عليه خافية بل هو الدائم الباقي بلا زوال لا إله إلا هو ولا رب سواه فبين لهم اولا عدم صلاحية الكواكب.
قبل هو الزهرة لذلك ثم ترقى منها إلى القمر الذي هو أضوأ منها وأبهى من حسنها.
ثم ترقى إلى الشمس التي هي أشد الاجرام المشاهدة ضياء وسناء وبهاء فبين أنها
مسخرة مسيرة مقدرة مربوبة كما قال تعالى (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) [ فصلت: 37 ] ولهذا قال (فلما رأى الشمس بازغة) أي طالعة (قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون.
إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين.
وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا) [ الانعام: 78 - 80 ] أي لست أبالي في هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله فإنها لا تنفع شيئا ولا تسمع ولا تعقل بل هي مربوبة ومسخرة كالكواكب ونحوها أو مصنوعة منحوتة منجورة.
والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب لاهل حران فإنهم كانوا يعبدونها وهذا يرد قول من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب لما كان صغيرا كما ذكره ابن اسحق وغيره وهو مستند إلى أخبار اسرائيلية لا يوثق بها ولا سيما إذا خالفت الحق * وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الاصنام وهم الذين ناظرهم في عبادتها وكسرها عليهم وأهانها وبين بطلانها كما قال تعالى (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا.
ثم يوم القيامة بكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا.
ومأواكم النار وما لكم من ناصرين) [ العنكبوت: 25 ] وقال في سورة الانبياء (ولقد
__________
تاريخ الكنيسة ليوز بيوس ; إلا أنه لم يعين لا هو ولا من نقلوا عنه الفقرة التي ورد فيها هذا الاسم.
اضف إلى ذلك أن هذا المؤرخ قد ذكر في مواضع متعددة.
ومهما يكن من شئ فإن ما ذهب إليه مراتشي بعيد الاحتمال ".
[ * ]

(1/165)

آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين.
إذ قال لابيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون.
قالوا وجدنا أباءنا لها عابدين.
قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين.
قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين.
قال بل ربكم رب السموات والارض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين.
وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين.
فجعلهم جذاذا الا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون.
قالوا من فعل هذا بآلهتنا انه لمن الظالمين.
قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له
إبراهيم.
قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم.
قال بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون.
ثم نكسوا على رؤسهم.
لقد علمت ما هؤلاء ينطقون.
قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون.
قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم ان كنتم فاعلين.
قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين) [ الانبياء: 51 - 70 ] وقال في سورة الشعراء (واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لابيه وقومه ما تعبدون.
قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين.
قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون.
قالوا بل وجدنا أباءنا كذلك يفعلون.
قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الاقدمون.
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين.
الذي خلقني فهو يهدين.
والذي هو يطعمني ويسقين.
وإذا مرضت فهو يشفين.
والذي يميتني ثم يحيين.
والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب لي حكما والحقني بالصالحين) [ الشعراء: 69 - 83 ] وقال تعالى في سورة الصافات (وإن من شيعته لابراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم.
إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون.
ائفكا آلهة دون الله تريدون.
فما ظنكم برب العالمين.
فنظر نظرة في النجوم.
فقال إني سقيم.
فتولوا عنه مدبرين.
فراغ إلي آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون.
فراغ عليهم ضربا باليمين فأقبلوا إليه يزفون.
قال أتعبدون ما تنحتون.
والله خلقكم وما تعملون.
قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم.
فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين) [ الصافات: 83 - 98 ] يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام أنه أنكر على قومه عبادة الاوثان وحقرها عندهم وصغرها وتنقصها فقال (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) أي معتكفون عندها وخاضعون لها قالوا (وجدنا آبائنا لها عابدين) ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والاجداد وما كانوا عليه من عبادة الانداد (قال لقد كنتم.
أنتم وأباؤكم في ضلال مبين) [ الانبياء: 52 ] كما قال تعالى (إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون.
أئفكا آلهة دون الله تريدون.
فما ظنكم برب العالمين) قال قتادة: فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم
غيره وقال لهم (هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون.
قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) سلموا له أنها لا تسمع داعيا ولا تنفع ولا تضر شيئا وإنما الحامل لهم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم ومن هو مثلهم في الضلال من الاباء الجهال ولهذا قال لهم (أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وأباؤكم الاقدمون فانهم عدو لي إلا رب العالمين) وهذا برهان قاطع على بطلان آلهية ما

(1/166)

ادعوه من الاصنام لانه تبرأ منها وتنقص بها فلو كانت تضر لضرته أو تؤثر لاثرت فيه (قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين) يقولون هذا الكلام الذي تقوله لنا وتنتقص به آلهتنا وتطعن بسببه في آبائنا تقوله محقا جادا فيه أم لاعبا (قال بل ربكم رب السموات والارض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين) يعني بل أقول لكم ذلك جادا محقا وإنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ربكم ورب كل شئ فاطر السموات والارض الخالق لهما على غير مثال سبق فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له وأنا على ذلكم من الشاهدين.
وقوله (وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين) أقسم ليكيدن هذه الاصنام التي يعبدونها بعد أن تولوا مدبرين إلى عيدهم.
قيل إنه قال هذا خفية في نفسه وقال ابن مسعود سمعه (1) بعضهم، وكان لهم عيد يذهبون إليه في كل عام مرة إلى ظاهر البلد فدعاه أبوه ليحضره (2) فقال إني سقيم كما قال تعالى (فنظر نظرة في النجوم.
فقال إني سقيم).
عرض لهم في الكلام حتى توصل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم ونصرة دين الله الحق في بطلان ما هم عليه من عبادة الاصنام التي تستحق أن تكسر وأن تهان غاية الاهانة * فلما خرجوا إلى عيدهم واستقر هو في بلدهم (راغ إلى آلهتهم) أي ذهب إليها مسرعا مستخفيا فوجدها في بهو عظيم وقد وضعوا بين أيديها أنواعا من الاطعمة قربانا إليها (فقال) لها على سبيل التهكم والازدراء (ألا تأكلون.
ما لكم لا تنطقون.
فراغ عليهم ضربا باليمين) لانها أقوى وأبطش وأسرع وأقهر فكسرها بقدوم (3) في يده كما قال تعالى (فجعلهم جذاذا) أي حطاما كسرها كلها (إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون) قيل إنه وضع القدوم في يد الكبير (4) إشارة إلى أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار.
فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم (قالوا من فعل هذا
بآلهتنا إنه لمن الظالمين).
وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون وهو ما حل بآلهتهم التي كانوا يعبدونها فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء لكنهم قالوا من جهلهم وقلة عقلهم وكثرة ضلالهم وخبالهم (من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين.
قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) أي يذكرها بالعيب والتنقص لها والازدراء بها فهو المقيم عليها والكاسر لها.
وعلى قول ابن مسعود أي يذكرهم بقوله وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون) أي في الملا الاكبر على رؤس الاشهاد لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه ويعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه وكان هذا أكبر مقاصد الخليل عليه السلام أن يجتمع الناس كلهم
__________
(1) قال الطبري: فخرجوا إليه خرج معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: إني سقيم.
وفي الكامل: لم يخرج معهم ; لانه كان يتوقع فرصة ينتهى بها ليفعل بأصنامهم ذلك (أي تكسيرها).
(2) في الكامل والطبري 1 / 122: سمعه ضعفي الناس ومن هو في آخرهم 1 / 96.
(3) في الطبري: حديدة - وفي الكامل: بفأس في يده ; وهي كذلك في رواية للطبري.
(4) أما في الطبري والكامل: فربط الفأس بيده.
(الصنم الاعظم).
[ * ]

(1/167)

فيقيم على جميع عباد الاصنام الحجة على بطلان ما هم عليه كما قال موسى عليه السلام لفرعون (موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى) [ طه: 59 ] فلما اجتمعوا وجاؤوا به كما ذكروا (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم.
قال بل فعله كبيرهم هذا) قيل معناه هو الحامل لي على تكسيرها (1) وإنما عرض لهم في القول (فاسئلوهم إن كانوا ينطقون) [ الانبياء: 62 - 63 ] وإنما أراد بقوله هذا أن يبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطق فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات (فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون) أي فعادوا على أنفسهم بالملامة فقالوا إنكم أنتم الظالمون أي في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها (ثم نكسوا على رؤسهم) قال السدي أي ثم رجعوا إلى الفتنة فعلى هذا يكون قوله إنكم أنتم الظالمون أي في عبادتها * وقال قتادة أدركت
القوم حيرة سوء أي فاطرقوا ثم قالوا (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) أي لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق فكيف تأمرنا بسؤالها فعند ذلك قال لهم الخليل عليه السلام (أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيأ ولا يضركم.
أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) [ البقرة: 258 ] كما قال (فأقبلوا إليه يزفون) قال مجاهد يسرعون * قال (أتعبدون ما تنحتون) أي كيف تعبدون أصناما أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة وتصورونها وتشكلونها كما تريدون (والله خلقكم وما تعملون) وسواء كانت ما مصدرية أو بمعنى الذي قمقتضى الكلام أنكم مخلوقون وهذه الاصنام مخلوقة فكيف يعبد مخلوق لمخلوق مثله فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم وهذا باطل فالآخر باطل للتحكم إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له (قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم.
فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين) [ الصافات: 97 - 98 ].
عدلوا عن الجدال والمناظرة (2) لما انقطعوا وغلبوا ولم تبق لهم حجة ولا شبهة إلى استعمال قوتهم وسلطانهم لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم فكادهم الرب جل جلاله وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال تعالى (قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين.
قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين) [ الانبياء: 68 - 70 ].
وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطبا من جميع ما يمكنهم من الاماكن فمكثوا مدة يجمعون له حتى أن المرآة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطبا لحريق ابراهيم * ثم عمدوا إلى جوبة (3) عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأطلقوا فيه النار فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلا لها شرر لم ير مثله قط * ثم وضعوا ابراهيم عليه السلام في كفة منجنيق
__________
(1) قال إبراهيم ساخرا منهم: ان هذا الكبير، الصنم الكبير، غضب من أن تعبدوا معه هذه الصفار وهو أكبر منها فكسرها.
ويتابع الطبري قائلا: فارعوا ورجعوا عنه فيما ادعوه عليه.
ج 1 / 122.
(2) أي فلما أعيتهم الحيلة فيه ووجدت موعظته منهم قلوبا غلقا وأذانا صما، عمدوا إلى ما يلجأ إليه القوي الجبار الذي لاحق معه بإزاء المحق الضعيف.
(3) الجوبة: الحفرة.
[ * ]

(1/168)

صنعه لهم رجل من الاكراد يقال له هزن (1) وكان أول من صنع المجانيق فخسف الله به الارض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيدا مكتوفا ثم ألقوه منه إلى النار قال حسبنا الله ونعم الوكيل كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد حين قيل له (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا.
وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل.
فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء) [ آل عمران: 173 ] الآية.
وقال أبو يعلى حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا اسحق بن سليمان عن أبي جعفر الرازي عن عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال صلى الله عليه وسلم: " لما ألقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الارض واحد أعبدك " (2).
وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال ألك حاجة فقال أما إليك فلا * ويروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنه قال جعل ملك المطر يقول متى أومر فأرسل المطر فكان أمر الله أسرع (قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) [ الانبياء: 69 ] قال علي بن أبي طالب أي لا تضريه وقال ابن عباس وأبو العالية لولا أن الله قال وسلاما على إبراهيم لاذى إبراهيم بردها * وقال كعب الاحبار لم ينتفع أهل الارض يومئذ بنار ولم يحرق منه سوى وثاقه * وقال الضحاك يروى أن جبريل عليه السلام كان معه يمسح العرق عن وجهه لم يصبه منها شئ غيره * وقال السدي كان معه أيضا ملك الظل.
وصار ابراهيم عليه السلام في ميل الجوبة حوله النار وهو في روضة خضراء والناس ينظرون إليه لا يقدرون على الوصول إليه ولا هو يخرج إليهم فعن أبي هريرة أنه قال أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال نعم الرب ربك يا ابراهيم * وروى ابن عساكر (3) عن عكرمة أن أم ابراهيم نظرت إلى ابنها عليه السلام فنادته يا بني إني أريد أن أجئ إليك فادع الله أن ينجيني من حر النار حولك.
فقال نعم فأقبلت إليه لا
يمسها شئ من حر النار.
فلما وصلت إليه اعتنقته وقبلته ثم عادت * وعن المنهال بن عمرو أنه قال أخبرت أن ابراهيم مكث هناك إما أربعين وإما خمسين يوما وأنه قال ما كنت أياما وليالي أطيب عيشا إذ كنت فيها ووددت أن عيشي وحياتي كلها مثل إذ كنت فيها صلوات الله وسلامه عليه فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا وأرادوا أن يغلبوا فغلبوا.
قال الله تعالى (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين) وفي الآية الاخرى (الاسفلين) ففازوا بالخسارة والسفال هذا في
__________
(1) في الطبري والكامل: هيزن.
(2) ورواه ابن عساكر في تاريخه 2 / 147.
(3) في رواية مطولة تراجع في تاريخه 2 / 145.
[ * ]

(1/169)

الدنيا وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم بردا ولا سلاما ولا يلقون فيها تحية ولا سلاما بل هي كما قال تعالى (إنها ساءت مستقرا ومقاما).
قال البخاري حدثنا عبد الله (1) بن موسى، أو ابن سلام عنه، أنبأنا ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن سعيد بن المسيب، عن أم شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ (2)، وقال: " وكان ينفخ على ابراهيم " * ورواه مسلم من حديث ابن جريج * وأخرجاه والنسائي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة به * وقال أحمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا ابن جريج أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي أمية أن نافعا مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم ".
قال فكانت عائشة تقتلهن * وقال احمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن نافع أن امرأة دخلت على عائشة فإذا رمح منصوب فقالت ما هذا الرمح فقالت نقتل به الاوزاغ.
ثم حدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن ابراهيم لما ألقي في النار جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ فإنه جعل ينفخها عليه * تفرد به أحمد من هذين الوجهين.
وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جرير، حدثنا نافع، حدثتني سمامة (3) مولاة الفاكه بن
المغيرة قالت: دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحا موضوعا فقلت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح قالت هذا لهذه الاوزاغ نقتلهن به فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا: " أن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الارض دابة إلا تطفئ عنه النار غير الوزغ كان ينفخ عليه فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله (4) " * ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد عن جرير بن حازم به.
ذكر مناظرة ابراهيم الخليل مع من ادعى الربوبية وهو أحد العبيد الضعفاء قال الله تعالى (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت.
قال ابراهيم فان الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر.
والله لا يهدي القوم الظالمين) [ البقرة: 258 ] يذكر تعالى مناظرة
__________
(1) في البخاري عبيد الله.
(2) الوزغ: حشرة يقال لكبيرها: سام أبرص.
(3) في المسند: سائبة روت عن عائشة وروى عنها نافع وابن عمر وذكرها ابن حبان في الثقات الكاشف ج 3 / 427.
(4) رواه أحمد في مسنده ج 6 / 83 - 200 والبخاري في الفتح 60 / 8 / 3359 ومسلم في صحيحه 7 / 41 وأبو داود في سننه كتاب الادب - باب قتل الاوزاغ وابن عساكر في تاريخه 2 / 146 تهذيب.
بوجوه مختلفة.
[ * ]

(1/170)

خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي أدعى لنفسه الربوبية فأبطل الخليل عليه السلام دليله وبين كثرة جهله وقلة عقله وألجمه الحجة وأوضح له طريق المحجة.
قال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والاخبار وهذا الملك هو ملك بابل واسمه النمرود ابن كنعان بن كوش بن سام بن نوح قاله مجاهد.
وقال غيره نمرود بن فالح بن عابر بن صالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح قال مجاهد وغيره وكان أحد ملوك الدنيا فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا أربعة مؤمنان وكافران.
فالمؤمنان ذو القرنين وسليمان.
والكافران النمرود وبختنصر وذكروا أن نمرود هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة وكان قد طغا وبغا وتجبر وعتا وآثر الحياة الدنيا * ولما دعاه
إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع فحاج إبراهيم الخليل في ذلك وادعى لنفسه الربوبية.
فلما قال الخليل ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت.
قال قتادة والسدي ومحمد بن اسحق يعني أنه إذا أتي بالرجلين قد تحتم قتلهما فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر.
وهذا ليس بمعارضة للخليل بل هو كلام خارجي عن مقام المناظرة ليس بمنع ولا بمعارضة بل هو تشغيب محض وهو انقطاع في الحقيقة فإن الخليل استدل على وجود الصانع بحدوث هذه المشاهدات من إحياء الحيوانات وموتها [ هذا دليل ] (1) على وجود فاعل ذلك الذي لا بد من استنادها إلى وجوده ضرورة عدم قيامها بنفسها ولا بد من فاعل لهذه الحوادث المشاهدة من خلقها وتسخيرها وتسيير هذه الكواكب والرياح والسحاب والمطر وخلق هذه الحيوانات التي توجد مشاهدة ثم إماتتها ولهذا (قال ابراهيم ربي الذي يحي ويميت) فقول هذا الملك الجاهل أنا أحي وأميت إن عنى أنه الفاعل لهذه المشاهدات فقد كابر وعاند وإن عنى ما ذكره قتادة والسدي ومحمد بن اسحق فلم يقل شيئا يتعلق بكلام الخليل إذ لم يمنع مقدمة ولا عارض الدليل.
ولما كان انقطاع مناظرة هذا الملك قد تخفى على كثير من الناس ممن حضره وغيرهم ذكر دليلا آخر بين وجود الصانع وبطلان ما ادعاه النمرود وانقطاعه جهرة (قال فان الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) أي هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيرها وقاهرها.
وهو الله الذي لا إله إلا هو خالق كل شئ * فان كنت كما زعمت من أنك الذي تحي وتميت فات بهذه الشمس من المغرب فإن الذي يحي ويميت هو الذي يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شئ ودان له كل شئ فان كنت كما تزعم فافعل هذا فإن لم تفعله فلست كما زعمت وأنت تعلم وكل أحد أنك لا تقدر على شئ من هذا بل أنت أعجز وأقل
__________
(1) زيادة اقتضاها السياق، ليستقيم بها المعنى.
[ * ]

(1/171)

من أن تخلق بعوضة أو تنصر منها فبين ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه وبطلان ما سلكه وتبجح به عند جهلة قومه ولم يبق له كلام يجيب الخليل به بل انقطع وسكت ولهذا قال (فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين).
وقد ذكر السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم وبين النمرود يوم خرج من النار ولم يكن إجتمع به يومئذ فكانت بينهما هذه المناظرة * وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، أن النمرود كان عنده طعام، وكان الناس يفدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة، فكان بينهما هذه المناظرة ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطي الناس، بل خرج وليس معه شئ من الطعام * فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملا منه عدليه وقال أشغل أهلي إذا قدمت عليهم فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاما طيبا فعملت منه طعاما * فلما أستيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه فقال أنى لكم هذا قالت من الذي جئت به فعرف أنه رزق رزقهموه الله عزوجل * قال زيد بن أسلم وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكا يأمره بالايمان بالله فأبى عليه.
ثم دعاه الثانية فأبى عليه.
ثم الثالثة فأبى عليه.
وقال اجمع جموعك وأجمع جموعي فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس فأرسل الله عليه ذبابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودمائهم وتركتهم عظاما بادية ودخلت واحدة منها في منخر الملك فمكثت في منخرها أربعمائة سنة عذبه الله تعالى بها فكان يضرب رأسه بالمزارب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله عز وجل بها.
هجرة الخليل إلى بلاد الشام ثم الديار المصرية واستقراره في الارض المقدسة قال الله: (فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم.
ووهبنا له اسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب.
وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) [ العنكبوت: 26 - 27 ] وقال تعالى: (ونجيناه ولوطا إلى الارض التي باركنا فيها للعالمين.
ووهبنا له اسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين.
وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا
وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين) [ الانبياء: 71 - 73 ] لما هجر قومه في الله وهاجر من بين أظهرهم وكانت امرأته عاقرا لا يولد لها ولم يكن له من الولد أحد بل معه ابن أخيه لوط بن هاران بن آزر وهبه الله تعالى بعد ذلك الاولاد الصالحين وجعل في ذريته النبوة والكتاب فكل نبي بعث بعده فهو من ذريته وكل كتاب نزل من السماء على نبي من الانبياء من بعده فعلى أحد نسله وعقبه خلعة من الله وكرامة له حين ترك بلاده وأهله وأقرباءه وهاجر إلى بلد يتمكن فيها من عبادة ربه عزوجل ودعوة الخلق إليه والارض التي قصدها بالهجرة أرض الشام وهي التي قال الله عزوجل (إلى الارض التي باركنا فيها للعالمين)

(1/172)

قاله أبي بن كعب وأبو العالية وقتادة وغيرهم * وروى العوفي عن ابن عباس قوله (إلى الارض التي باركنا فيها للعالمين) مكة ألم تسمع إلى قوله (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين).
وزعم كعب الاحبار أنها حران * وقد قدمنا عن نقل أهل الكتاب أنه خرج من أرض بابل هو وابن أخيه لوط وأخوه ناحور وامرأة ابراهيم سارة وامرأة أخيه ملكا فنزلوا حران فمات تارح أبو إبراهيم بها.
وقال السدي انطلق إبراهيم ولوط قبل الشام فلقي ابراهيم سارة وهي ابنة ملك حران وقد طعنت على قومها في دينهم فتزوجها على أن لا يغيرها رواه ابن جرير (1) وهو غريب * والمشهور أنها ابنة عمه هاران الذي تنسب إليه حران ومن زعم أنها ابنة أخيه هاران أخت لوط كما حكاه السهيلي عن القتيبي والنقاش فقد أبعد النجعة وقال بلا علم وادعى أن تزويج بنت الاخ كان إذا ذاك مشروعا فليس له على ذلك دليل.
ولو فرض أن هذا كان مشروعا في وقت كما هو منقول عن الربانيين من اليهود فان الانبياء لا تتعاطاه والله أعلم * ثم المشهور أن ابراهيم عليه السلام لما هاجر من بابل خرج بسارة مهاجرا من بلاده كما تقدم والله أعلم.
وذكر أهل الكتاب أنه لما قدم الشام أوحى الله إليه إني جاعل هذه الارض لخلفك من بعدك فابتنى إبراهيم مذبحا لله شكرا على هذه
النعمة وضرب قبته شرقي بيت المقدس ثم انطلق مرتحلا إلى التيمن وأنه كان جوع أي قحط وشدة وغلاء فارتحلوا إلى مصر وذكروا قصة سارة مع ملكها وان إبراهيم قال لها قولي أنا أخته وذكروا خدام الملك إياها هاجر.
ثم أخرجهم منها فرجعوا إلى بلاد التيمن يعني أرض بيت المقدس وما والاها ومعه دواب وعبيد وأموال.
وقد قال البخاري حدثنا محمد بن محبوب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة قال لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتان منهن في ذات الله قوله (إني سقيم) وقوله (بل فعله كبيرهم هذا) وقال بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له ههنا رجل معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه وسأله عنها فقال من هذه قال أختي فأتى سارة فقال يا سارة ليس على وجه الارض مؤمن غيري وغيرك وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني فأرسل إليها فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعت الله فأطلق ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعا بعض حجبته فقال إنك لم تأتني بإنسان وإنما أتيتني بشيطان فأخدمها هاجر فأتته وهو قائم يصلي فأومأ بيده مهيم فقالت رد الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره وأخدم هاجر * قال أبو هريرة فتلك أمكم يا بني ماء
__________
(1) تاريخ الطبري ج 1 / 125.
[ * ]

(1/173)

السماء (1) تفرد به من هذا الوجه موقوفا * وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار عن عمرو بن علي الفلاس عن عبد الوهاب الثقفي عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن إبراهيم لم يكذب قط إلا ثلاث كذبات كل ذلك في ذات الله قوله (إني سقيم) وقوله (بل فعله كبيرهم هذا) وبينما هو يسير في أرض جبار من الجبابرة إذ نزل منزلا فأتى الجبار فقيل له إنه قد نزل ههنا رجل معه امرأة من أحسن الناس.
فأرسل إليه فسأله عنها فقال إنها أختي فلما رجع إليها قال إن هذا سألني عنك فقلت إنك أختي وإنه ليس اليوم مسلم غيري وغيرك وإنك أختي فلا تكذبيني عنده فأنطلق بها فلما ذهب يتناولها أخذ فقال ادعي الله لي ولا أضرك
فدعت له فأرسل فذهب يتناولها فأخذ مثلها أو أشد منها.
فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعت فأرسل ثلاث مرات فدعا أدنى حشمة فقال إنك لم تأتني بإنسان ولكن أتيتني بشيطان أخرجها وأعطها هاجر فجاءت وإبراهيم قائم يصلي فلما أحس بها انصرف فقال مهيم فقالت كفى الله كيد الظالم وأخدمني هاجر (2).
وأخرجاه من حديث هشام * ثم قال البزار لا نعلم أسنده عن محمد عن أبي هريرة إلا هشام ورواه غيره موقوفا.
وقال الامام أحمد حدثنا علي بن حفص عن ورقاء هو ابن عمر اليشكري، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات قوله حين دعي إلى آلهتهم فقال (إني سقيم) وقوله (بل فعله كبيرهم هذا) وقوله لسارة (انها أختي) قال ودخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة فقيل دخل إبراهيم الليلة بامرأة من أحسن الناس قال فأرسل إليه الملك أو الجبار من هذه معك قال أختي قال فأرسل بها قال فأرسل بها إليه وقال لا تكذبي قولي فإني قد أخبرته أنك أختي إن على الارض مؤمن غيري وغيرك فلما دخلت عليه قام إليها فأقبلت تتوضأ وتصلي وتقول اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر قال فغط حتى ركض برجله * قال أبو الزناد قال أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة إنها قالت اللهم إن يمت يقال هي قتله قال فأرسل قال: ثم قام إليها قال فقامت تتوضأ وتصلي وتقول اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر قال فغط حتى ركض برجله قال أبو الزناد وقال أبو سلمة عن أبي هريرة انها قالت اللهم ان يمت يقل هي قتلته قال فأرسل قال فقال في الثالثة أو الرابعة ما أرسلتم إلي إلا شيطانا أرجعوها إلى إبراهيم وأعطوها هاجر قال فرجعت فقالت
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (60 / 8 / 3358 الفتح) ورواه مسلم في صحيحه (43 كتاب - ح 154) ورواه أبو داود في سننه والترمذي وأحمد في مسنده 1 / 281 - 295، 2 / 403، 3 / 244 وأبو داود الطيالسي في مسنده (2711).
ومحمد: هو ابن سيرين.
قال الحافظ ابن حجر: ان ابن سيرين كان غالبا لا يصرح برفع كثير من حديثه.
(2) روى ابن عساكر نحوه في تاريخه 2 / 143، وانظر ما تقدم من تعليق في الحديث الذي قبله.
[ * ]

(1/174)

لابراهيم أشعرت أن الله رد كيد الكافرين وأخدم وليدة * تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط الصحيح * وقد رواه البخاري عن أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم به مختصرا * وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا سفيان عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " في كلمات ابراهيم الثلاث التي قال ما منها كلمة إلا ما حل (1) بها عن دين الله فقال إني سقيم وقال بل فعله كبيرهم هذا وقال للملك حين أراد امرأته هي أختي فقوله في الحديث هي أختي أي في دين الله وقوله لها إنه ليس على وجه الارض مؤمن غيري وغيرك يعني زوجين مؤمنين غيري وغيرك ويتعين حمله على هذا لان لوطا كان معهم وهو نبي عليه السلام وقوله لها لما رجعت إليه مهيم معناه ما الخبر فقالت إن الله رد كيد الكافرين.
وفي رواية الفاجر وهو الملك وأخدم جارية وكان إبراهيم عليه السلام من وقت ذهب بها إلى الملك قام يصلي لله عزوجل ويسأله أن يدفع عن أهله وأن يرد بأس هذا الذي أراد أهله بسوء وهكذا فعلت هي أيضا فلما أراد عدو الله أن ينال منها أمرا قامت إلى وضوئها وصلاتها ودعت الله عزوجل بما تقدم من الدعاء العظيم ولهذا قال تعالى (واستعينوا بالصبر والصلوة) [ البقرة: 45 ] فعصمها الله وصانها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم عليه السلام.
وقد ذهب بعض العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة سارة وأم موسى ومريم عليهن السلام * والذي عليه الجمهور أنهن صديقات رضي الله عنهن وأرضاهن * ورأيت في بعض الآثار أن الله عزوجل كشف الحجاب فيما بين إبراهيم عليه السلام وبينها فلم يزل يراها منذ خرجت من عنده إلى أن رجعت إليه وكان مشاهدا لها وهي عند الملك وكيف عصمها الله منه ليكون ذلك أطيب لقلبه وأقر لعينه وأشد لطمأنينته فإنه كان يحبها حبا شديدا لدينها وقرابتها منه وحسنها الباهر فإنه قد قيل إنه لم تكن امرأة بعد حواء إلى زمانها أحسن منها رضي الله عنها * ولله الحمد والمنة (2).
وذكر بعض أهل التواريخ أن فرعون مصر هذا كان أخا للضحاك الملك المشهور بالظلم وكان عاملا لاخيه على مصر (3) * ويقال كان اسمه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج (4) بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح.
وذكر ابن هشام في التيجان أن الذي أرادها عمرو بن امرئ القيس بن مايلون بن سبأ وكان على مصر نقله السهيلي فالله أعلم.
ثم إن الخليل عليه السلام رجع من بلاد مصر إلى أرض التيمن وهي الارض المقدسة التي
__________
(1) ماحل: جادل ودافع.
(2) استغل اليهود هذه الحادثة للطعن على إبراهيم عليه السلام كما طعنوا على لوط وداود عليهما السلام.
(3) ذكره الكامل لابن الاثير: 1 / 101 والطبري في رواية 1 / 151.
(4) في الكامل لابن الاثير: عولج وفي الطبري فكالاصل.
[ * ]

(1/175)

كان فيها ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل وصحبتهم هاجر القبطية المصرية ثم إن لوطا عليه السلام نزح بماله من الاموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك إلى أرض الغور المعروف بغور زغر فنزل بمدينة سدوم (1) وهي أم تلك البلاد في ذلك الزمان وكان أهلها أشرارا كفارا فجارا وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم الخليل فأمره أن يمد بصره وينظر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا وبشره بأن هذه الارض كلها سأجعلها لك ولخلفك إلى آخر الدهر وسأكثر ذريتك حتى يصيروا بعدد تراب الارض * وهذه البشارة اتصلت بهذه الامة بل ما كملت ولا كانت أعظم منها في هذه الامة المحمدية * يؤيد ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان الله زوي لي الارض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها " (2).
قالوا ثم أن طائفة من الجبارين تسلطوا على لوط عليه السلام فأسروه وأخذوا أمواله واستاقوا أنعامه فلما بلغ (3) أمواله وقتل من أعداء الله ورسوله خلقا كثيرا وهزمهم وساق في آثارهم حتى وصل إلى شرقي دمشق وعسكر بظاهرها عند برزة وأظن مقام إبراهيم إنما سمي لانه كان موقف جيش الخليل والله أعلم.
ثم رجع مؤيدا منصورا إلى بلاده وتلقاه ملوك بلاد بيت المقدس معظمين له مكرمين خاضعين
واستقر ببلاده صلوات الله وسلامه عليه.
ذكر مولد اسماعيل عليه السلام من هاجر قال أهل الكتاب: إن إبراهيم عليه السلام سأل الله ذرية طيبة وأن الله بشره بذلك وأنه لما كان لابراهيم ببلاد بيت المقدس عشرون سنة قالت سارة لابراهيم عليه السلام إن الرب قد أحرمني الولد فادخل على أمتي هذه لعل الله يرزقني منها ولدا فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم عليه السلام فحين دخل بها حملت منه قالوا فلما حملت ارتفعت نفسها وتعاظمت على سيدتها فغارت منها سارة فشكت ذلك إلى إبراهيم فقال لها افعلي بها ما شئت فخافت هاجر فهربت فنزلت عند عين هناك فقال لها ملك من الملائكة لا تخافي فإن الله جاعل من هذا الغلام الذي حملت خيرا
__________
(1) في الطبري: 1 / 127: ونزل لوط بالمؤتفكة وهي من السبع (من أرض فلسطين) على مسيرة يوم وليلة ; وفي رواية أخرى 1 / 151: نزل الاردن.
وبعثه الله نبيا على المدائن الخمس: سدوم، وعمورا، وادموتا، وصاعورا وصابورا (المسعودي 1 / 42) ونزل إبراهيم السبع من أرض فلسطين / الطبري - الكامل.
(2) أخرجه الطبراني عن سلمان وجابر بن عبد الله.
وأخرجه البيهقي في الدلائل ج 6 / 527 عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان وفيه زيادة قال: وأعطيت الكنزين الاحمر والابيض وأني سألت ربي عزوجل لامتي ألا يهلكها بسنة عامة..زوي: جمع.
وسنة: قحط وجدب.
(3) سقط في الكلام ; وفي قصص الانبياء لابن كثير: فلما بلغ الخبر إبراهيم الخليل سار إليهم في ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا فاستنقذ لوطا عليه السلام واسترجع أمواله..[ * ]

(1/176)

وأمرها بالرجوع وبشرها أنها ستلد ابنا وتسميه إسماعيل ويكون وحش الناس يده على الكل ويد الكل به ويملك جميع بلاد إخوته فشكرت الله عزوجل على ذلك.
وهذه البشارة إنما انطبقت على ولده محمد صلوات الله وسلامه عليه فإنه الذي سادت به العرب وملكت جميع البلاد غربا وشرقا وأتاها الله من العلم النافع والعمل الصالح ما لم تؤت أمة من الامم قبلهم وما ذاك إلا بشرف رسولها على سائر الرسل وبركة رسالته ويمن بشارته وكماله فيما جاء به وعموم بعثته لجميع أهل
الارض.
ولما رجعت هاجر وضعت اسماعيل عليه السلام قالوا وولدته ولابراهيم من العمر ست وثمانون سنة قبل مولد اسحق بثلاث عشرة سنة * ولما ولد اسماعيل أوحى الله إلى إبراهيم يبشره باسحق من سارة فخر لله ساجدا وقال له قد استجبت لك في اسماعيل وباركت عليه وكثرته ونميته (1) جدا كثيرا ويولد له اثنا عشر عظيما * وأجعله رئيسا لشعب عظيم وهذه أيضا بشارة بهذه الامة العظيمة وهؤلاء الاثنا عشر عظيما هم الخلفاء الراشدون الاثنا عشر المبشر بهم في حديث عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يكون اثنا عشر أميرا " ثم قال كلمة لم افهمها فسألت أبي ما قال قال " كلهم من قريش " أخرجاه في الصحيحين (2).
وفي رواية لا يزال هذا الامر قائما وفي رواية عزيزا حتى يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش.
فهؤلاء منهم الائمة الاربع أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
ومنهم عمر بن عبد العزيز أيضا.
ومنهم بعض بني العباس وليس المراد أنهم يكونون اثني عشر نسقا بل لابد من وجودهم وليس المراد الائمة الاثني عشر الذين يعتقد فيهم الرافضة الذين أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم المنتظر بسرداب سامرا وهو محمد بن الحسن العسكري فيما يزعمون فان أولئك لم يكن فيهم أنفع من علي وإبنه الحسن بن علي حين ترك القتال وسلم الامر لمعاوية وأخمد نار الفتنة وسكن رحى الحروب بين المسلمين والباقون من جملة الرعايا لم يكن لهم حكم على الامة في أمر من الامور * وأما ما يعتقدونه بسرداب سامرا فذاك هوس في الرؤوس وهذيان في النفوس لا حقيقة له ولا عين ولا أثر.
والمقصود أن هاجر عليها السلام لما ولد لها اسماعيل اشتدت غيرة سارة منها وطلبت من الخليل أن يغيب وجهها عنها فذهب بها وبولدها فسار بهما حتى وضعهما حيث مكة اليوم ويقال إن ولدها كان إذ ذاك رضيعا فلما تركهما هناك وولي ظهره عنهما قامت إليه هاجر وتعلقت بثيابه وقالت يا إبراهيم أين تذهب وتدعنا ههنا وليس معنا ما يكفينا فلم يجبها فلما ألحت عليه وهو لا يجيبها قالت له، الله أمرك بهذا ؟ قال: نعم.
قالت فإذا لا يضيعنا * وقد ذكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله في كتاب النوادر أن سارة تغضبت على هاجر فخلفت لتقطعن ثلاثة أعضاء منها فأمرها
__________
(1) كذا في النسخ المطبوعة، ونسخ قصص الانبياء لابن كثير ; ولعله ويمنته وهي أكثر مناسبة للسياق.
(2) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 6 / 519 والبخاري في 93 كتاب الاحكام 51 باب الاستخلاف ومسلم في 33 كتاب الامارة (1) باب الناس تبع لقريش ص 1452.
وأبو داود في أول كتاب المهدي، وأحمد في المسنده 5 / 92.
[ * ]

(1/177)

الخليل أن تثقب أذنيها وأن تخفضها فتبر قسمها (1) * قال السهيلي فكانت أول من اختنن من النساء وأول من ثقبت أذنها منهن وأول من طولت ذيلها.
ذكر مهاجرة ابراهيم بابنه اسماعيل وأمه هاجر إلى جبال فاران وهي ارض مكة وبنائه البيت العتيق قال البخاري قال عبد الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبي شيبة - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب السختياني، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، يزيد أحدهما على الآخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم اسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها اسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفي إبراهيم منطلقا فتبعته أم اسماعيل فقالت يا إبراهيم: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنس ولا شئ، فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا، قال: نعم.
قالت إذا لا يضيعنا.
ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال (ربنا إني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم.
ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) [ ابراهيم: 37 ] وجعلت أم اسماعيل ترضع اسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الارض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الصفا
حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف ذراعها ثم سعت سعي الانسان المجهود، حتى إذا جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فلذلك سعى الناس بينهما ".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه، تريد نفسها.
ثم تسمعت فسمعت أيضا ; فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث.
فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء فجعلت تخوضه وتقول بيدها هكذا.
وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهي تفور بعد ما تغرف * قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله أم اسماعيل لو تركت زمزم " أو قال: " لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا " فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافى الضيعة، فإن ههنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت
__________
(1) أورده الطبري في تاريخه 1 / 130 وابن الاثير في الكامل 1 / 103 وفيهما فمن ثم خفص النساء.
[ * ]

(1/178)

مرتفعا من الارض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كذا فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا " (1) فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على الماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا، قال: وأم اسمعيل عند الماء فقالوا تأذنين لنا أن ننزل عندك، قالت نعم ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم * قال عبد الله بن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فألقى ذلك أم اسمعيل وهي تحب الانس فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم (2) وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم (3) وماتت أم اسمعيل فجاء ابراهيم بعد ما تزوج اسمعيل يطالع تركته فلم يجد اسمعيل فسأل امرأته فقالت: خرج يبتغي لنا.
ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر في ضيق وشدة وشكت إليه * قال: فإذا جاء زوجك اقرئي عليه السلام وقولي له: يغير عتبة بابه، فلما جاء اسمعيل، كأنه آنس شيئا، فقال: هل
جاءكم من أحد ؟ فقالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة.
قال فهل أوصاك بشئ فقالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك غير عتبة بابك قال ذاك أبي وأمرني أن أفارقك، فالحق بأهلك، فطلقها وتزوج منهم أخرى (4) ولبث عنهم ابراهيم ما شاء الله * ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت خرج يبتغي لنا قال كيف أنتم، وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله فقال ما طعامكم ؟ قالت: اللحم قال فما شرابكم قالت: الماء.
قال اللهم بارك لهم في اللحم والماء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ولم يكن لهم يومئذ حب (5).
ولو كان لهم حب لدعا لهم فيه " [ قال: ] فهما لا يخلو عليهما أحد بعين مكة إلا لم يوافقاه (6).
قال: فإذا جاء زوجك فأقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه فلما جاء اسماعيل قال هل أتاكم من أحد قالت نعم أتانا شيخ حسن، قال الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير قال: فأوصاك بشئ قالت: نعم هو
__________
(1) عائفا: باحثا عن الماء.
(2) أنفسهم: زاحمهم في النفاسة وعلو الهمة.
(3) وهي جداء بنت سعد، امرأة من جرهم وهي التي امره أبوه بتطليقها.
(4) وهي رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، وقيل اسمها السيدة.
(5) حب، بكسر الحاء، إناء من فخار يحفظ فيه الماء.
(6) كذا العبارة في الاصول والمعنى وغير مكتمل ; وفي العرائس للثعلبي ما يكتمل به المعنى: " فلو جاءت يومئذ بخبز أو بر أو شعير أو تمر لكانت مكة أكثر أرض الله برا وشعيرا وتمرا ".
(انظر الكامل لابن الاثير 1 / 104، الطبري 1 / 132).
[ * ]

(1/179)

يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأمرني أن أمسكك * ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك اسمعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم فلما رآه قام إليه
فصنعا كما يصنع الولد بالوالد والوالد بالولد * ثم قال يا اسمعيل إن الله أمرني بأمر قال فاصنع ما أمرك به ربك قال: وتعينني قال وأعينك قال فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها قال فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل اسمعيل يأتي بالحجارة وابراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني واسمعيل يناوله الحجارة وهما يقولان (ربنا تقبل منا أنك أنت السميع العليم) [ البقرة: 127 ] قال وجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) ثم قال حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما كان من ابراهيم وأهله ما كان خرج باسمعيل وأم اسمعيل ومعهم شنة فيها ماء * وذكر تمامه بنحر ما تقدم وهذا الحديث من كلام ابن عباس وموشح برفع بعضه وفي بعضه غرابة وكأنه مما تلقاه ابن عباس عن الاسرائيليات * وفيه أن اسمعيل كان رضيعا إذ ذاك * وعند أهل التوراة أن إبراهيم أمره الله بأن يختن ولده اسمعيل وكل من عنده من العبيد وغيرهم فختنهم وذلك بعد مضي تسع وتسعين سنة من عمره فيكون عمر اسمعيل يومئذ ثلاث عشرة سنة وهذا امتثال لامر الله عزوجل في أهله فيدل على أنه فعله على وجه الوجوب ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء أنه واجب على الرجال كما هو مقرر في موضعه.
وقد ثبت في الحديث الذي رواه البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " أختتن إبراهيم النبي عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم " * تابعه عبد الرحمن بن إسحق عن أبي الزناد وتابعه عجلان عن أبي هريرة ورواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة * وهكذا رواه مسلم عن قتيبة به * وفي بعض الالفاظ اختتن ابراهيم بعدما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم.
والقدوم هو الآلة وقيل موضع.
وهذا اللفظ لا ينافي الزيادة على الثمانين.
والله أعلم لما سيأتي من الحديث عند ذكر وفاته عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " اختتن ابراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة ".
رواه ابن حبان في صحيحه.
وليس في هذا السياق ذكر قصة الذبيح وانه اسمعيل ولم يذكر في قد مات (1) ابراهيم عليه السلام إلا ثلاث مرات أولاهن بعد أن تزوج إسمعيل بعد موت هاجر، وكيف تركهم من حين صغر الولد، على ما ذكر إلى حين تزويجه، لا ينظر في حالهم.
وقد ذكر أن الارض كانت تطوى له وقيل: إنه كان يركب البراق إذا سار إليهم فكيف يتخلف عن مطالعة حالهم وهم في غاية الضرورة الشديدة
__________
(1) قد مات: المرات التي قدمها إبراهيم إلى ولده.
* ]

(1/180)

والحاجة الاكيدة * وكأن بعض هذا السياق متلقى من الاسرائيليات ومطرز بشئ من المرفوعات ولم يذكر فيه قصة الذبيح وقد دللنا (1) على أن الذبيح هو إسمعيل على الصحيح في سورة الصافات.
قصة الذبيح قال الله تعالى (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين.
رب هب لي من الصالحين.
فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني اذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين.
فلما أسلما وتله للجبين.
وناديناه ان يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا انا كذلك نجزي المحسنين.
ان هذا لهو البلاء المبين.
وفديناه بذبح عظيم.
وتركنا عليه في الآخرين.
سلام على إبراهيم.
كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين.
وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين.
وباركنا عليه وعلى اسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) [ الصافات: 113 ].
يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه أن يهب له ولدا صالحا فبشره الله تعالى بغلام حليم وهو إسماعيل عليه السلام لانه أول من ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمر الخليل.
وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل لانه أول ولده وبكره وقوله (فلما بلغ معه السعي) أي شب وصار يسعى في مصالحه كأبيه قال مجاهد (فلما بلغ معه السعي) أي شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل.
فلما كان هذا رئى ابراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده * هذا.
وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعا " رؤيا الانبياء وحي " (2) * قاله عبيد بن عمير أيضا وهذا اختبار من الله عزوجل لخليله في أن
يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه على كبر وقد طعن في السن بعدما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد قفر وواد ليس به حسيس ولا أنيس ولا زرع ولا ضرع فامتثل أمر الله في ذلك وتركهما هناك ثقة بالله وتوكلا عليه، فجعل الله لهما فرجا ومخرجا ورزقهما من حيث لا يحتسبان.
ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذي قد أفرده عن أمر ربه وهو بكره ووحيده الذي ليس له غيره أجاب ربه، وامتثل أمره، وسارع إلى طاعته، ثم عرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسرا ويذبحه قهرا (قال يا بني اني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى) [ الصافات: 102 ] فبادر الغلام الحليم، سر والده الخليل إبراهيم، فقال: " يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين) * وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد قال الله تعالى (فلما أسلما وتله للجبين) قيل أسلما أي استسلما لامر الله وعزما على ذلك.
وقيل هذا من المقدم والمؤخر والمعنى تله للجبين أي ألقاه على وجهه.
قيل أراد أن يذبحه من قفاه
__________
(1) في تفسير ابن كثير ; راجع سورة الصافات.
وسيأتي الحديث عنه في الفصل القادم.
(2) الحديث في البخاري في رواية طويلة (4 / 5 / 138 فتح الباري).
[ * ]

(1/181)

لئلا يشاهده في حال ذبحه قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك.
وقيل بل أضجعه كما تضجع الذبائح وبقي طرف جبينه لاصقا بالارض ((واسلما) أي سمى إبراهيم وكبر وتشهد الولد للموت * قال السدي وغيره أمر السكين على حلقه فلم تقطع شيئا ويقال جعل بينها وبين حلقه صفيحة من نحاس والله أعلم.
فعند ذلك نودي من الله عزوجل (أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك إلى أمر ربك وبذلك ولدك للقربان كما سمحت ببدنك للنيران وكما مالك مبذول للضيفان ولهذا قال تعالى (إن هذا لهو البلاء المبين) أي الاختبار الظاهر البين وقوله (وفديناه بذبح عظيم) أي وجعلنا فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى له من العوض عنه.
والمشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض أعين أقرن رآه مربوطا بسمرة في ثبير.
قال الثوري
عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا وقال سعيد بن جبير كان يرتع في الجنة حتى تشقق عنه ثبير وكان عليه عهن أحمر (1).
وعن ابن عباس هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه (2).
رواه ابن أبي حاتم.
قال مجاهد فذبحه بمنى وقال عبيد بن عمير ذبحه بالمقام.
فأما ما روي عن ابن عباس أنه كان وعلا وعن الحسن أنه كان تيسا من الاروى.
واسمه جرير فلا يكاد يصح عنهما * ثم غالب ماههنا من الآثار مأخوذ من الاسرائيليات * وفي القرآن كفاية عما جرى من الامر العظيم والاختبار الباهر وأنه فدى ذبح عظيم وقد ورد في الحديث أنه كان كبشا.
قال الامام أحمد، حدثنا سفيان، حدثنا منصور عن خاله نافع (3)، عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني إمرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة - وقال مرة - إنها سألت عثمان لم دعاك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما (4) فخمرهما فانه لا ينبغي أن يكون في البيت شئ يشغل المصلي.
قال: سفيان: لم تزل قرنا الكبش في البيت حتى احترق البيت فاحترقا (5).
__________
(1) العهن: الصوف.
(2) الخبر في الطبري ج 1 / 141 - 142.
(3) في المسند: مسافح.
(4) تخمرهما: تغطيهما.
(5) الحديث في مسند أحمد ج 4 / 68، 5 / 380.
وفيه: - صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية حدثت عن عائشة وأم حبيبة.
وفي البخاري صرع بسماعها عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنكر الدارقطني ذلك.
(تقريب التهذيب 2 / 603) الكاشف 3 / 429.
[ * ]

(1/182)

وهذا روي عن ابن عباس أن رأس الكبش لم يزل معلقا عند ميزاب الكعبة قد يبس.
وهذا وحده
دليل على أن الذبيح اسمعيل لانه كان هو المقيم بمكة.
واسحق لا نعلم أنه قدمها في حال صغره والله أعلم.
وهذا هو الظاهر من القرآن بل كأنه نص على أن الذبيح هو اسمعيل لانه ذكر قصة الذبيح ثم قال بعده (وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين) [ الصافات: 112 [ ومن جعله حالا (1) فقد تكلف، ومستنده أنه إسحق إنما هو اسرائيليات، وكتابهم فيه تحريف، ولا سيما ههنا قطعا لا محيد عنه، فان عندهم أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده وفي نسخة من المعربة بكره اسحق فلفظة اسحق ههنا مقحمة مكذوبة مفتراة لانه ليس هو الوحيد ولا البكر [ انما ] ذاك اسمعيل.
وإنما حملهم على هذا حسد العرب فإن إسمعيل أبو العرب الذين يسكنون الحجاز الذين منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسحق والد يعقوب وهو اسرائيل الذين ينتسبون إليه فأرادوا أن يجروا هذا الشرف إليهم فحرفوا كلام الله وزادوا فيه وهم قوم بهت ولم يقروا بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
وقد قال بأنه اسحق طائفة كثيرة من السلف وغيرهم (2).
وإنما أخذوه والله أعلم من كعب الاحبار أو صحف أهل الكتاب وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم حتى نترك لاجله ظاهر الكتاب العزيز ولا يفهم هذا من القرآن بل المفهوم بل المنطوق بل النص عند التأمل على أنه اسمعيل.
وما أحسن ما استدل محمد بن كعب القرظي على أنه اسمعيل وليس باسحق من قوله (فبشرناها باسحاق ومن وراء اسحق يعقوب) [ هود: 71 ] قال: فكيف تقع البشارة باسحق ؟ وأنه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر بذبح إسحق، وهو صغير، قبل أن يولد له، هذا لا يكون لانه يناقض البشارة المتقدمة والله أعلم.
وقد اعترض السهيلي على هذا الاستدلال بما حاصله أن قوله (فبشرناها باسحاق) جملة تامة وقوله (ومن وراء إسحاق يعقوب) جملة أخرى ليست في حيز البشارة.
قال لانه لا يجوز من حيث العربية أن يكون مخفوضا إلا أن يعاد معه حرف الجر فلا يجوز أن يقال مررت بزيد ومن
__________
= منصور بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث العبدري الحجي المكي، وهو ابن صفية بنت شيبة ثقة.
تقريب التهذيب 2 / 276 قال أبو حاتم: صالح الحديث مات سنة 137 ه (الكاشف ج 3 / 156).
(1) أي من جعل كلمة - نبيا - حال من إسحاق فيكون التبشير به - بإسحاق - تبشيرا بنبوته لا بولادته.
(2) قال القرطبي 15 / 99: واختلف العلماء في المأمور بذبحه ; فقال أكثرهم: الذبيح اسحق.
وممن قال بذلك: العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله - ابن عباس - ابن مسعود - حماد بن زيد - جابر بن عبد الله - عبد الله بن عمر - عمر بن الخطاب - (هؤلاء من الصحابة) ومن التابعين وغيرهم: علقمة الشعبي مجاهد وسعيد بن جبير وكعب الاحبار وقتادة ومسروق وعكرمة وعطاء ومقاتل والسدي والزهري ومالك بن أنس.
وقال الزجاج: الله أعلم أيهما الذبيح، وهذا مذهب ثالث.
أما المذهب الثاني ; فهم من قال: انه إسماعيل.
[ * ]

(1/183)

هو بعده عمرو حتى يقال ومن بعده بعمر.
وقال فقوله (ومن وراء إسحق يعقوب) منصوب بفعل مضمر تقديره (ووهبنا لاسحق يعقوب) وفي هذا الذي قاله نظر.
ورجح أنه اسحاق واحتج بقوله (فلما بلغ معه السعي) قال واسماعيل لم يكن عنده إنما كان في حال صغره هو وأمه بحيال مكة فكيف يبلغ معه السعي * وهذا أيضا فيه نظر لانه قد روي أن الخليل كان يذهب في كثير من الاوقات راكبا البراق إلى مكة يطلع على ولده وابنه ثم يرجع والله أعلم * فمن حكى القول عنه بأنه اسحق كعب الاحبار * وروي عن عمر والعباس وعلي وابن مسعود ومسروق وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والشعبي ومقاتل وعبيد بن عمر وأبي ميسرة وزيد بن أسلم وعبد الله بن شقيق والزهري والقاسم وابن أبي بردة ومكحول وعثمان بن حاضر والسدي والحسن وقتادة وأبي الهذيل وابن سابط وهو اختيار ابن جرير وهذا عجب منه وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ولكن الصحيح عنه وعن أكثر هؤلاء أنه اسماعيل عليه السلام.
قال مجاهد وسعيد والشعبي ويوسف بن مهران وعطاء وغير واحد عن ابن عباس هو اسماعيل عليه السلام وقال ابن جرير حدثني يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني عمرو بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنه قال المفدى اسماعيل وزعمت اليهود أنه اسحق وكذبت اليهود * وقال عبد الله بن الامام احمد عن أبيه هو اسماعيل * وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عن الذبيح فقال الصحيح أنه اسماعيل عليه
السلام.
قال ابن أبي حاتم وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد والشعبي ومحمد بن كعب وأبي جعفر محمد بن علي وأبي صالح أنهم قالوا الذبيح هو اسماعيل عليه السلام * وحكاه البغوي أيضا عن الربيع بن أنس والكلبي وأبي عمر بن العلاء * قلت وروي عن معاوية (1) وجاء عنه أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن الذبيحين فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز ومحمد بن إسحاق بن يسار وكان الحسن البصري يقول لا شك في هذا.
وقال محمد بن اسحاق عن بريدة عن سفيان بن فروة الاسلمي عن محمد بن كعب أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام، يعني استدلاله بقوله بعد العصمة (2) (فبشرناه باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب) فقال له عمر إن هذا الشئ ما كنت أنظر فيه وإني لاراه كما قلت ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه
__________
(1) روى الخبر الحاكم في مستدركه (2 / 551) من طريق عبد الله بن محمد العتبي، عن عبد الله بن سعيد عن الصنابحي.
قال الذهبي في الرواية: " قلت اسناده واه ".
وعلق عليه ابن كثير في التفسير: هذا حديث غريب جدا.
(2) " بعد العصمة " في النسخ المطبوعة وهو تحريف والصواب: بعد ذكر القصة.
[ * ]

(1/184)

وكان يرى أنه من علمائهم قال فسأله عمر بن عبد العزيز أي ابني ابراهيم أمر بذبحه فقال اسماعيل والله يا أمير المؤمنين وإن اليهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل والذي ذكره الله منه لصبره لما أمر به فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحق لان إسحق أبوهم * وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاة بأدلتها وآثارها في كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة.
مولد اسحاق
قال الله تعالى (وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين.
وباركنا عليه وعلى اسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) [ الصافات: 112 - 113 ] * وقد كانت البشارة به من الملائكة لابراهيم وسارة لما مروا بهم مجتازين ذاهبين إلى مدائن قوم لوط ليدمروا عليهم لكفرهم وفجورهم كما سيأتي بيانه في موضعه ان شاء الله تعالى قال الله تعالى (ولقد جاءت رسلنا ابراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ.
فلما رأى أيديهم لا تصل إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب.
قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب.
قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) [ هود: 69 - 73 ] وقال تعالى (ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون.
قالوا لا توجل انا نبشرك بغلام عليم.
قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون.
قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين.
قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) [ الحجر: 51 - 56 ].
وقال تعالى (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين.
إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون.
فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين.
فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم.
فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم.
قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم) [ الذاريات: 24 - 30 ].
يذكر تعالى أن الملائكة قالوا وكانوا ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل لما وردوا على الخليل حسبهم أضيافا فعاملهم معاملة الضيوف شوى لهم عجلا سمينا من خيار بقره فلما قربه إليهم وعرض عليهم لم ير لهم همة إلى الاكل بالكلية، وذلك لان الملائكة ليس فيهم قوة الحاجة إلى الطعام (فنكرهم) ابراهيم (وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط) [ هود: 70 ] أي لندمر عليهم فاستبشرت عند ذلك سارة غضبا لله عليهم وكانت قائمة على رؤس الاضياف كما جرت به عادة الناس من العرب وغيرهم فلما ضحكت استبشارا بذلك قال الله تعالى

(1/185)

(فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب) أي بشرتها الملائكة بذلك (فأقبلت امرأته في صرة) أي في صرخة (فصكت وجهها) [ الذاريات: 29 ] أي كما يفعل النساء عند التعجب (وقالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا) [ هود: 72 ] أي كيف يلد مثلي وأنا كبيرة وعقيم أيضا وهذا بعلي - أي زوجي - شيخا تعجبت من وجود ولد والحالة هذه.
ولهذا قالت (إن هذا لشئ عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) [ هود: 72 - 73 ] وكذلك تعجب ابراهيم عليه السلام استبشارا بهذه البشارة وتثبيتا لها وفرحا بها (قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون.
قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين) [ الحجر: 55 54 ] أكدوا الخبر بهذه البشارة وقرروه معه فبشروهما (بغلام عليم) [ الحجر: 53 ].
وهو اسحق وأخوه اسماعيل غلام حليم مناسب لمقامه وصبره وهكذا وصفه ربه بصدق الوعد والصبر.
وقال في الآية الاخرى (فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب) وهذا مما استدل به محمد بن كعب القرظي وغيره على أن الذبيح هو اسماعيل وأن اسحق لا يجوز أن يؤمر بذبحه بعد أن وقعت البشارة بوجوده ووجود ولده يعقوب المشتق من العقب من بعده.
وعند أهل الكتاب أنه أحضر مع العجل الحنيذ، وهو المشوي (1)، رغيفا من مكة فيه ثلاثة أكيال وسمن ولبن.
وعندهم أنهم أكلوا، وهذا غلط محض * وقيل كانوا يودون (2) أنهم يأكلون والطعام يتلاشى في الهواء.
وعندهم أن الله تعالى قال لابراهيم أما سارا امرأتك فلا يدعى اسمها سارا ولكن اسمها سارة وأبارك عليها وأعطيك منها ابنا وأباركه ويكون الشعوب وملوك الشعوب منه، فخر ابراهيم على وجهه - يعني ساجدا - وضحك قائلا في نفسه أبعد مائة سنة (3) يولد لي غلام أو سارة تلد وقد أتت عليها تسعون سنة.
وقال ابراهيم لله تعالى ليت إسماعيل يعيش قدامك فقال الله لابراهيم بحقي ان امرأتك سارة تلد لك غلاما وتدعو اسمه إسحق إلى مثل هذا الحين من قابل وأوثقه ميثاقي إلى الدهر ولخلفه من بعده وقد استجبت لك في اسماعيل وباركت عليه وكبرته ونميته جدا وكثيرا ويولد له أثنا عشر عظيما وأجعله رئيسا لشعب عظيم * وقد تكلمنا على هذا بما
تقدم والله أعلم.
فقوله تعالى (فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب) دليل على أنها تستمتع بوجود ولدها إسحاق ثم من بعده بولد ولده يعقوب أي يولد في حياتهما لتقر أعينهما به كما قرت بولده.
ولو لم يرد هذا لم يكن لذكر يعقوب وتخصيص التنصيص عليه من دون سائر نسل إسحق فائدة ولما عين بالذكر دل على أنهما يتمتعان به ويسران بولده كما سرا بمولد أبيه من قبله وقال تعالى (ووهبنا له اسحق ويعقوب كلا هدينا) [ الانعام: 84 ] وقال تعالى (فلما اعتزلهم وما
__________
(1) قال الطبري: التحناذ: الانضاج.
(2) كذا في النسخ المطبوعة يودون ; وما في قصص ابن كثير يرون وهو مناسب أكثر.
(3) في المسعودي: عشرين ومائة سنة وفي الطبري 120 سنة.
[ * ]

(1/186)

يعبدون من دون الله وهبنا له اسحق ويعقوب) [ مريم: 49 ] وهذا ان شاء الله ظاهر قوي ويؤيده ما ثبت في الصحيحين (1) من حديث سليمان بن مهران الاعمش، عن إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع [ في الارض ] (2) أول ؟ قال: " المسجد الحرام " قلت: ثم أي ؟ قال: " المسجد الاقصى ".
قلت كم بينهما ؟ قال: " أربعون سنة " قلت: ثم أي ؟ قال: " ثم حيث أدركت الصلاة فصل فكلها مسجد ".
وعند أهل الكتاب أن يعقوب عليه السلام هو الذي أسس المسجد الاقصى وهو مسجد إيليا بيت المقدس شرفه الله * وهذا متجه ويشهد له ما ذكرناه من الحديث فعلى هذا يكون بناء يعقوب وهو اسرائيل عليه السلام بعد بناء الخليل وابنه إسماعيل المسجد الحرام بأربعين سنة سواء وقد كان بناؤهما ذلك بعد وجود اسحق لان إبراهيم عليه السلام لما دعا قال في دعائه كما قال تعالى (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الاصنام.
رب إنهن أضللن كثيرا من الناس من تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم.
ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم.
ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل افئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون.
ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من
شئ في الارض ولا في السماء.
الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل واسحق إن ربي لسميع الدعاء.
رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) [ ابراهيم: 35 - 41 ].
وما جاء في الحديث من أن سليمان بن داود عليهما السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثا كما ذكرناه عند قوله (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي) [ الحج: 26 - 27 ] وكما سنورده في قصته فالمراد من ذلك والله أعلم أنه جدد بناءه كما تقدم من أن بينهما أربعين سنة ولم يقل أحد إن بين سليمان وإبراهيم أربعين سنة سوى ابن حبان في تقاسيمه وأنواعه وهذا القول لم يوافق عليه ولا سبق إليه.
بناء البيت العتيق قال الله تعالى (وإذ بوءنا لابراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود.
وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) [ الحج: 26 - 27 ] وقال تعالى (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين.
فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا.
ولله على الناس حج البيت من
__________
(1) في صحيح مسلم (5) كتاب المساجد ح 1 / 520 ص 1 / 370.
والبخاري ح رقم 1589.
(2) من مسلم.
وأول: بضم اللام، وهي ضمة بناء، لقطعه عن الاضافة.
مثل قبل وبعد.
والتقدير أول كل شئ.
[ * ]

(1/187)

استطاع إليه سببلا.
ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) [ آل عمران: 96 - 97 ] وقال تعالى (وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن.
قال إني جاعلك للناس اماما.
قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين.
واذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود.
وإذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فامتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير.
واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.
ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) [ البقرة: 124 - 126 ].
يذكر تعالى عن عبده ورسوله وصفيه وخليله، إمام الحنفاء ووالد الانبياء [ إبراهيم ] عليه أفضل صلاة وتسليم أنه بنى البيت العتيق الذي هو أول مسجد وضع لعموم الناس يعبدون الله فيه وبوأه الله مكانه أي ارشده إليه ودله عليه * وقد روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وغيره أنه أرشد إليه بوحي من الله عزوجل.
وقد قدمنا في صفة خلق السموات أن الكعبة بحيال البيت المعمور بحيث أنه لو سقط لسقط عليها وكذلك معابد السموات السبع، كما قال بعض السلف إن في كل سماء بيتا يعبد الله فيه أهل كل سماء وهو فيها كالكعبة لاهل الارض فأمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام أن يبني له بيتا يكون لاهل الارض كتلك المعابد لملائكة السموات وأرشده الله إلى مكان البيت المهيأ له المعين لذلك منذ خلق السموات والارض كما ثبت في الصحيحين (1): " أن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والارض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ".
ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام * ومن تمسك في هذا بقوله مكان البيت فليس بناهض ولا ظاهر لان المراد مكانه المقدر في علم الله المقرر في قدرته المعظم عند الانبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم * وقد ذكرنا أن آدم نصب عليه قبة وأن الملائكة قالوا له: قد طفنا قبلك بهذا البيت وأن السفينة طافت به أربعين (2) يوما أو نحو ذلك ولكن كل هذه الاخبار عن بني اسرائيل * وقد قررنا أنها لا تصدق ولا تكذب فلا يحتج بها فأما إن ردها الحق فهي مردودة.
وقد قال الله (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) [ آل عمران: 96 ] أي أول بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى البيت الذي ببكة * قيل مكة وقيل محل الكعبة (فيه آيات بينات) [ آل عمران - 97 ] أي على أنه بناء الخليل والد الانبياء من بعده
__________
(1) مسلم في 15 كتاب الحج 81 - 82 تحريم مكة ح 445 / 1353 ص 2 / 986 من طريق مجاهد عن طاوس عن ابن عباس.
والبخاري حديث رقم 710.
(2) في الطبري: أسبوعا.
وفي تاريخ مكة للازرقي فكالاصل.
[ * ]

(1/188)

وإمام الحنفاء من ولده (1) الذين يقتدون به ويتمسكون بسنته ولهذا قال (مقام إبراهيم) أي الحجر الذي كان يقف عليه قائما لما ارتفع البناء عن قامته فوضع له ولده هذا الحجر المشهور ليرتفع عليه لما تعالى البناء وعظم الفناء كما تقدم في حديث ابن عباس الطويل.
وقد كان هذا الحجر ملصقا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخره عن البيت قليلا لئلا يشغل المصلين عنده الطائفين بالبيت واتبع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا فإنه قد وافقه ربه في أشياء منها في قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم لو اتخذنا من مقام ابراهيم مصلى (2) فأنزل الله (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى) [ البقرة: 135 ] وقد كانت آثار قدمي الخليل باقية في الصخرة إلى أول الاسلام وقد قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة.
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق لبر في حراء ونازل (3) وبالبيت حق البيت من بطن مكة * وبالله إن الله ليس بغافل وبالحجر المسود إذ يمسحونه * إذ اكتنفوه بالضحى والاصائل وموطئ ابراهيم في الصخر رطبة * على قدميه حافيا غير ناعل يعني أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت على قدر قدمه حافية لا منتعلة ولهذا قال تعالى (وإذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) أي في حال قولهما (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) [ البقرة: 128 ] فهما في غاية الاخلاص والطاعة لله عزوجل وهما يسألان من الله السميع العليم أن يتقبل منهما ما هما فيه من الطاعة العظيمة والسعي المشكور (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم) [ البقره: 128 ].
والمقصود أن الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع في واد غير ذي زرع ودعا لاهلها بالبركة وأن يرزقوا من الثمرات مع قلة المياه وعدم الاشجار والزروع والثمار، وأن يجعله حرما محرما وآمنا
محتما فاستجاب الله وله الحمد له مسألته ولبى دعوته وأتاه طلبته فقال تعالى (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم) [ العنكبوت: 67 ] وقال تعالى (أو لم نمكن لهم حرمنا آمنا يجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنا) [ القصص: 57 ] وسأل الله أن يبعث فيهم رسولا منهم أي من جنسهم وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة، لتتم عليهم النعمتان الدنيوية والدينية سعادة الاولى والاخرى.
وقد استجاب الله له فبعث فيهم رسولا وأي رسول ختم به
__________
(1) قال مجاهد في قوله تعالى: (فيه آيات بينات): أثر قدميه في المقام.
(2) رواه البخاري في صحيحه: فتح الباري 8 / 128 وأحمد في مسنده وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 / 118 ورواه ابن كثير في تفسيره مطولا.
(3) ثور: الجبل الذي فيه الغار، وقال الجوهري: جبل بمكة.
[ * ]

(1/189)

أنبياءه ورسله وأكمل له من الدين ما لم يؤت أحدا قبله وعم بدعوته أهل الارض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم في سائر الاقطار والامصار والاعصار إلى يوم القيامة.
كان هذا من خصائصه من بين سائر الانبياء لشرفه في نفسه وكمال ما أرسل به وشرف بقعته وفصاحة لغته وكمال شفقته على أمته ولطفه ورحمته وكريم محتده (1) وعظيم مولده وطيب مصدره ومورده ولهذا استحق ابراهيم الخليل عليه السلام إذ كان باني الكعبة لاهل الارض أن يكون منصبه ومحله وموضعه في منازل السموات، ورفيع الدرجات، عند البيت المعمور الذي هو كعبة أهل السماء السابعة، المبارك المبرور، الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه.
ثم لا يعودون إليه إلى يوم البعث والنشور، وقد ذكرنا في التفسير من سورة البقرة صفة بناية البيت وما ورد في ذلك من الاخبار والآثار بما فيه كفاية فمن أراده فليراجعه ثم ولله الحمد.
فمن ذلك ما قال السدي لما أمر الله إبراهيم واسماعيل أن يبنيا البيت ثم لم يدريا أين مكانه حتى بعث الله ريحا يقال له الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الاول واتبعاها بالمعاول يحفران، حتى وضعا الاساس، وذلك حين يقول تعالى
(وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت) [ الحج: 26 ] فلما بلغا القواعد بنيا الركن قال ابراهيم لاسماعيل يا بني اطلب لي [ حجرا حسنا أضعه هاهنا وقال: يا أبت إني كسلان تعب.
قال: على ذلك فانطلق.
وجاءه جبريل بالحجر ] (3) الاسود من الهند وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل النعامة (3) وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن.
فقال يا أبتي من جاءك بهذا ؟ قال: جاء به من هو أنشط منك فبنيا وهما يدعوان الله: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) وذكر ابن أبي حاتم أنه بناه من خمسة أجبل (4) وأن ذا القرنين وكان ملك الارض إذ ذاك مر بهما وهما يبنيانه فقال من أمركما بهذا فقال إبراهيم: الله أمرنا به فقال وما يدريني بما تقول فشهدت خمسة أكبش أنه أمره بذلك فآمن وصدق.
وذكر الازرقي أنه طاف مع الخليل بالبيت (5).
وقد كانت على بناء الخليل مدة طويلة ثم بعد ذلك بنتها قريش فقصرت بها عن قواعد إبراهيم من جهة الشمال مما يلي الشام على ما هي عليه
__________
(1) محتده: أصله ونسبه.
(2) ما بين معكوفين سقطت من النسخ المطبوعة، واستدركناها - كما يقتضي السياق - من قصص الانبياء لابن كثير وفي رواية الازرقي: أن إسماعيل ذهب يطوف في الجبال..وفي رواية أخرى: ان إسماعيل اتاه بحجر فلم يرضه إبراهيم فجاءه جبريل بهذا الحجر.
وعن عبد الله بن عمرو أن جبريل جاء بالحجر من الجنة.
(3) في الاصول النعامة وهو تحريف والصواب الثغامة: وهو نبات أبيض.
(4) في تاريخ مكة: قال قتادة ذكر لنا انه بناه من خمسة أجبل: من طور سيناء، وطور زيتا ولبنان والجودي وحرا.
1 / 63.
(5) تاريخ مكة 1 / 74.
[ * ]

(1/190)

اليوم * وفي الصحيحين من حديث مالك عن ابن شهاب عن سالم أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر بن عمر عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال " ألم تري إلى قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد ابراهيم " فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد ابراهيم ؟ فقال: " لولا حدثان
قومك " وفي رواية: " لولا أن قومك حديث (1) عهد بجاهلية " - أو قال بكفر - لانفقت كنز الكعبة في سبيل الله ولجعلت بابها بالارض ولادخلت فيها الحجر " (2) * وقد بناها ابن الزبير رحمه الله في أيامه على ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبما أخبرته خالته عائشة أم المؤمنين عنه فلما قتله الحجاج في سنة ثلاث وسبعين كتب إلى عبد الملك بن مروان الخليفة إذ ذاك فاعتقدوا أن ابن الزبير إنما صنع ذلك من تلقاء نفسه فأمر بردها إلى ما كانت عليه فنقضوا الحائط الشامي وأخرجوا منها الحجر ثم سدوا الحائط وردموا الاحجار في جوف الكعبة فارتفع بابها الشرقي وسدوا الغربي بالكلية كما هو مشاهد إلى اليوم ثم لما بلغهم أن ابن الزبير إنما فعل هذا لما أخبرته عائشة أم المؤمنين، ندموا على ما فعلوا، وتأسفوا أن لو كانوا تركوه وما تولى من ذلك * ثم لما كان في زمن المهدي بن المنصور، استشار الامام مالك بن أنس، في ردها على الصفة التي بناها ابن الزبير، فقال له: إني أخشى أن يتخذها الملوك لعبة - يعني كلما جاء ملك بناها على الصفة التي يريد - فاستقر الامر على ما هي عليه اليوم.
ذكر ثناء الله ورسوله الكريم على عبده وخليله ابراهيم قال الله (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما.
قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) [ البقرة: 124 ].
ولما وفى ما أمره ربه به من التكاليف العظيمة جعله للناس إماما يقتدون به ويأتمون بهديه وسأل الله أن يكون هذه الامامة متصلة بسببه وباقية في نسبه وخالدة في عقبه فأجيب إلى ما سأل ورام.
وسلمت إليه الامامة بزمام واستثني من نيلها الظالمون واختص بها من ذريته العلماء العاملون.
كما قال تعالى (ووهبنا له اسحق ويعقوب.
وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب.
وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) [ العنكبوت: 27 ] * وقال تعالى (ووهبنا له اسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين.
وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين.
واسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين.
ومن آبائهم وذرياتهم واخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط
__________
(1) في البخاري: حديثو.
(2) أخرجه البخاري في 25 / 42 / 1573 فتح الباري وبرواية أخرى في 60 / 10 / 3368 فتح الباري ورواه مسلم في صحيحه 15 / 69 / 1333 ورواه النسائي وأبو داود والترمذي ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده 6 / 113 - 177 - 247.
[ * ]

(1/191)

مستقيم) [ الانعام: 84 - 87 ] فالضمير في قوله ومن ذريته عائد على إبراهيم على المشهور.
ولوط وإن كان ابن أخيه إلا أنه دخل في الذرية تغليبا.
وهذا هو الحامل للقائل الآخر إن الضمير على نوح كما قدمنا في قصته والله أعلم.
وقال تعالى (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب) [ الحديد: 26 ] الآية.
فكل كتاب أنزل من السماء على نبي من الانبياء بعد إبراهيم الخليل فمن ذريته وشيعته.
وهذه خلعة سنية لا تضاهي ومرتبة عليه لا تباهى.
وذلك أنه ولد له لصلبه ولدان ذكران عظيمان اسمعيل من هاجر ثم إسحق من سارة وولد لهذا يعقوب وهو إسرائيل الذي ينتسب إليه سائر أسباطهم فكانت فيهم النبوة وكثروا جدا بحيث لا يعلم عددهم إلا الذي بعثهم واختصهم بالرسالة والنبوة حتى ختموا بعيسى ابن مريم من بني اسرائيل وأما اسمعيل عليه السلام فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها كما سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى ولم يوجد من سلالته من الانبياء سوى خاتمهم على الاطلاق وسيدهم وفخر بني آدم في الدنيا والآخرة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي المكي ثم المدني صلوات الله وسلامه عليه فلم يوجد من هذا الفرع الشريف والغصن المنيف سوى هذه الجوهرة الباهرة والدرة الزاهرة وواسطه العقد الفاخرة وهو السيد الذي يفتخر به أهل الجمع ويغبطه الاولون والآخرون يوم القيامة.
وقد ثبت عنه في صحيح مسلم كما سنورده أنه قال: " سأقوم مقاما يرغب إلى الخلق كلهم حتى ابراهيم " (1) فمدح ابراهيم أباه مدحة عظيمة في هذا السياق ودل كلامه على أنه أفضل الخلائق بعده عند الخلاق في هذه الحياة الدنيا ويوم يكشف عن ساق.
وقال البخاري حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن المنهال عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول: " أن أباكما كان يعوذ بهما اسمعيل وإسحق.
أعوذ بكلمات الله التامة.
من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ".
ورواه أهل السنن (1) من حديث منصور به وقال تعالى (وإذ قال ابراهيم رب أرني كيف تحيى الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن اليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ ثم ادعهن يأتينك سعيا.
وأعلم أن الله عزيز حكيم) [ البقرة: 260 ] ذكر المفسرون لهذا السؤال اسبابا بسطناها في التفسير (2).
وقررناها بأتم تقرير * والحاصل أن الله عز وجل أجابه إلى ما سأل فأمره أن يعمد إلى أربعة من الطيور واختلفوا في تعينها على أقوال (3) والمقصود
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه 60 / 337110 فتح الباري ; وفي كتاب خلق أفعال العباد بروايات متعددة ; وأحمد في مسنده (2 / 181 - 290 - 375، 5 / 430، 6 / 6) ورواه الترمذي وأبو داود والدارمي ومالك في الموطأ.
(2) راجع تفسير ابن كثير الجزء الاول.
تفسير سورة البقرة.
(3) قال ابن إسحاق هي: الديك والطاووس والحمام والغراب وقال ابن عباس: الكركي والنسر بدل الحمام والغراب.
[ * ]

(1/192)

حاصل على كل تقدير فأمره أن يمزق لحومهن وريشهن ويخلط ذلك بعضه في بعض ثم يقسمه قسما ويجعل على كل جبل منهن جزأ ففعل ما أمر به ثم أمر أن يدعوهن بإذن ربهن فلما دعاهن جعل كل عضو يطير إلى صاحبه وكل ريشة تأتي إلى أختها حتى اجتمع بدن كل طائر على ما كان عليه وهو ينظر إلى قدرة الذي يقول للشئ كن فيكون فآتين إليه سعيا ليكون أبين له وأوضح لمشاهدته من أن يأتين طيرانا * ويقال إنه أمر أن يأخذ رؤوسهن في يده فجعل كل طائر يأتي فيلقي رأسه فيتركب على جثته كما كان فلا إله إلا الله، وقد كان إبراهيم عليه السلام يعلم قدرة الله تعالى على إحياء الموتى علما يقينا لا يحتمل النقيض، ولكن أحب أن يشاهد ذلك عيانا ويترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، فأجابه الله إلى سؤاله وأعطاه غاية مأموله * وقال تعالى (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والانجيل الا من بعده أفلا تعقلون.
ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم
به علم.
فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين.
إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) [ ال عمران: 65 - 68 ] ينكر تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في دعوى كل من الفريقين كون الخليل على ملتهم وطريقتهم فبرأه الله منهم وبين كثرة جهلهم وقلة عقلهم في قوله ((وما أنزلت التوراة والانجيل الا من بعده) أي فكيف يكون على دينكم وأنتم إنما شرع لكم ما شرع بعده بمدد متطاولة ولهذا قال (أفلا تعقلون) إلى أن قال (ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين).
فبين أنه كان على دين الله الحنيف وهو القصد إلى الاخلاص، والانحراف وعمدا عن الباطل، إلى الحق الذي هو مخالف لليهودية والنصرانية والمشركية.
كما قال تعالى (ومن يرغب عن ملة ابراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين.
ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني ان الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي.
قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم واسمعيل واسحق إلها واحدا
__________
(1) اختلف الناس في سؤال إبراهيم ربه (وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى.
) هل صدر من إبراهيم عن شك أم لا ؟ فقال الجمهور: لم يكن إبراهيم عليه السلام شاكا في إحياء الله الموتى قط وإنما طلب المعاينة ; وقال الحسن: سأله ليزداد يقينا إلى يقينه.
والشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لاحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن إبراهيم ; والمتأمل سؤاله وسائر الفاظ الآية ; فالاستفهام بكيف إنما هو عن حالة شئ موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول، فإنما السؤال عن حال من أحواله.
وكيف هنا إنما هي استفهام عن هيئة الاحياء، والاحياء متقرر.
قال الرازي: انه إنما سأل ذلك لقومه، والمقصود أن يشاهده فيزول الانكار عن قلوبهم.
(التفسير الكبير للرازي - القرطبي أحكام القرطبي في تفسير سورة البقرة).
[ * ]

(1/193)

ونحن له مسلمون تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون.
وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين.
قولوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى ابراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب والاسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد أهتدوا وان تولوا فانما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم.
صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون.
قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون.
أم يقولون إن ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط كانوا هودا أو نصارى قل أنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون) [ البقرة: 130 - 140 ].
فنزه الله عزوجل خليله عليه السلام عن أن يكون يهوديا أو نصرانيا وبين أنه إنما كان حنيفا مسلما ولم يكن من المشركين ولهذا قال تعالى (إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه) [ آل عمران: 68 ].
يعني الذين كانوا على ملته من اتباعه في زمانه ومن تمسك بدينه من بعدهم (وهذا النبي) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم فإن الله شرع له الدين الحنيف الذي شرعه للخليل وكمله الله تعالى له وأعطاه ما لم يعط نبيا ولا رسولا قبله.
كما قال تعالى (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين.
قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) [ الانعام: 161 - 163 ] وقال تعالى (إن ابراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين.
شاكرا لانعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم.
وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين.
ثم أوحينا اليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) [ النحل: 120 - 123 ].
وقال البخاري حدثنا ابراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت ورأى إبراهيم وإسمعيل بإيديهما الازلام فقال قاتلهم الله والله إن (1) يستقسما بالازلام قط (2) لم يخرجه
مسلم * وفي بعض ألفاظ البخاري قاتلهم الله لقد علموا أن شيخنا لم يستقسم بها قط (3).
فقوله (أمة) أي قدوة إماما مهتديا داعيا إلى الخير يقتدى به فيه (قانتا لله) أي خاشعا له في جميع حالاته وحركاته وسكناته (حنيفا) أي مخلصا على بصيرة (ولم يك من المشركين.
شاكرا
__________
(1) أي لم يستقسما بالازلام قط، وإن هنا نافية.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 60 / 8 / 3352 فتح الباري، وأخرجه أبو داود في سننه (1 / 467 حلبي) وفيه: ما استقسما بها قط.
وأخرجه أحمد في مسنده 1 / 334 - 365.
(3) في الصحيح 25 / 54 / 1601 فتح الباري عن ابن عباس وفيه: لم يستقسما بها قط.
[ * ]

(1/194)

لانعمه) أي قائما بشكر ربه بجميع جوارحه من قلبه ولسانه وأعماله (اجتباه) أي اختاره الله لنفسه واصطفاه لرسالته واتخذه خليلا وجمع له بين خيري الدنيا والآخرة وقال تعالى (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله ابراهيم خليلا) [ النساء: 125 ].
يرغب تعالى في اتباع إبراهيم عليه السلام لانه كان على الدين القويم والصراط المستقيم.
وقد قام بجميع ما أمره به ربه، ومدحه تعالى بذلك فقال (وابراهيم الذي وفى) [ النجم - 27 ] ولهذا اتخذه الله خليلا والخلة هي غاية المحبة كما قال بعضهم.
قد تخللت مسلك الروح مني * وبذا سمي الخليل خليلا وهكذا نال هذه المنزلة (1) خاتم الانبياء وسيد الرسل (2) محمد صلوات الله وسلامه عليه كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جندب البجلي وعبد الله بن عمرو وابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أيها الناس إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ".
وقال أيضا في آخر خطبة خطبها: " أيها الناس لو كنت متخذا من أهل الارض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله " (3).
أخرجاه من حديث أبي سعيد وثبت أيضا من حديث عبد الله بن الزبير وابن عباس وابن مسعود.
وروى البخاري في صحيحه حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن عمرو بن ميمون قال إن معاذا لما قدم اليمن صلى
بهم الصبح فقرأ: واتخذ الله إبراهيم خليلا.
فقال رجل من القوم لقد قرت عين أم إبراهيم * وقال ابن مردويه حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا اسمعيل بن أحمد ابن أسيد، حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة، حدثنا عبد الله الحنفي، حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة ابن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم وإذا بعضهم يقول: عجب أن الله اتخذ من خلقه خليلا فإبراهيم خليله * وقال آخر ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليما.
وقال آخر فعيسى روح الله وكلمته.
وقال آخر آدم اصطفاه الله.
فخرج عليهم فسلم وقال: " قد سمعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك وموسى كليمه وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك.
ألا وإني حبيب الله ولا فخر ألا وإني أول شافع وأول مشفع ولا فخر وأنا أول من يحرك حلقة باب الجنة فيفتحه الله فيدخلنيها ومعي
__________
(1) وفي نسخة: المرتبة.
(2) وفي نسخة: المرسلين.
(3) أخرجه البخاري في 63 / 45 / 1904 فتح الباري و 62 / 5 / 3656 في رواية طويلة والدارمي في سننه، وابن ماجة في سننه مقدمه 11 / 93، وأحمد في مسنده 1 / 270 - 359، 3 / 18 - 478، 4 / 4 - 5، 5 / 212.
وأخرجه الترمذي ومسلم في 44 / 1 / 2 / 7.
[ * ]

(1/195)

فقراء المؤمنين وأنا أكرم الاولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر " * هذا حديث غريب من هذا الوجه وله شواهد من وجوه أخر والله أعلم (1) * وروى الحاكم في مستدركه من حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال أتنكرون أن تكون الخلة لابراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين * وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمود بن خالد المسلمي، حدثنا الوليد، عن اسحاق بن بشار (2) قال: لما اتخذ الله ابراهيم خليلا ألقى في قلبه الوجل حتى أن كان خفقان قلبه ليسمع من بعد، كما يسمع خفقان الطير في الهواء، وقال عبيد بن عمير كان إبراهيم
عليه السلام يضيف الناس، فخرج يوما يلتمس إنسانا يضيفه فلم يجد احدا يضيفه، فرجع إلى داره فوجد فيها رجلا قائما فقال: يا عبد الله ما أدخلك داري بغير إذني قال دخلتها بأذن ربها * قال: ومن أنت ؟ قال: أنا ملك الموت أرسلني ربي إلى عبد من عباده أبشره بان الله قد اتخذه خليلا قال: من هو فوالله إن أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه ثم لا أبرح له جارا حتى يفرق بيننا الموت، قال: ذلك العبد أنت ! قال: أنا، قال: نعم قال: فبم اتخذني ربي خليلا قال بأنك تعطي الناس ولا تسألهم.
رواه ابن أبي حاتم * وقد ذكره الله تعالى في القرآن كثيرا في غير ما موضع بالثناء عليه والمدح له فقيل إنه مذكور في خمسة وثلاثين (3) موضعا منها خمسة عشر في البقرة وحدها وهو أحد أولي العزم الخمسة المنصوص على أسمائهم تخصيصا من بين سائر الانبياء في آيتي الاحزاب والشورى وهما قوله تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) [ الاحزاب: 7 ] وقوله (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه) [ الشورى: 13 ] الآية.
ثم هو أشرف أولي العزم بعد محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي وجده عليه السلام في السماء السابعة مسندا ظهره بالبيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم.
وما وقع في حديث شريك ابن أبي نمير عن أنس في حديث الاسراء من أن ابراهيم في السادسة وموسى في السابعة فمما انتقد على شريك في هذا الحديث والصحيح الاول.
__________
(1) أخرج القسم الاخير منه البيهقي بروايات مختلفة راجع دلائل النبوة ج 5 / 478 وما بعدها.
(2) بشار تحريف والصواب يسار.
(3) ذكر اسم إبراهيم في القرآن في: البقرة: 124 - 125 - 126 - 127 - 130 - 132 - 133 - 135 - 136 - 140 - 258 - 260، وآل عمران: 33 - 35 - 67 - 68 - 84 - 95 - 97، النساء: 54 - 125 - 163، الانعام: 74 - 75 - 83 - 151، التوبة: 70 - 114، هود: 69 - 74 - 75 - 83 - 151، يوسف: 6 - 38، ابراهيم: 36، الحجر: 51، النحل: 120 - 123 -، مريم: 41 - 46 - 58، الانبياء: 51 - 60 -
62 - 69.
الحج: 26 - 43 - 78.
الشعراء: 69، العنكبوت: 16 - 31، الاحزاب: 7، الصافات: 83 - 104 - 109 ص: 45، الشورى: 13، الزخرف: 26، الذاريات: 24، النجم: 37، الحديد: 26، الممتحنة: 4، الاعلى: 19.
[ * ]

(1/196)

وقال أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا أبو سملة، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحق بن ابراهيم خليل الرحمن ".
تفرد به احمد (1).
ثم مما يدل على أن إبراهيم أفضل من موسى الحديث الذي قال فيه: " وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم " رواه مسلم (2) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه.
وهذا هو المقام المحمود الذي أخبر عنه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر " ثم ذكر إستشفاع الناس بآدم ثم بنوح ثم ابراهيم ثم موسى ثم عيسى فكلهم يحيد عنها حتى يأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيقول: " أنا لها أنا لها " الحديث.
قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الله، حدثني سعيد (3) عن أبيه عن أبي هريرة قال: قيل يارسول الله من أكرم (4) الناس ؟ قال: " أتقاهم ".
قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: " فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله بن خليل الله ".
قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: " فعن معادن (5) العرب تسألوني خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا " (6) وهكذا رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طريق عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري به * ثم قال البخاري قال أبو أسامة ومعتمر عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قلت وقد أسنده في موضع آخر من حديثهما وحديث عبدة ابن سليمان والنسائي من حديث محمد بن بشر أربعتهم عن عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال أحمد حدثنا محمد بن بشر حدثنا محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم
يوسف بن يعقوب بن اسحق ابن ابراهيم خليل الله ".
تفرد به أحمد * وقال البخاري حدثنا عبدة حدثنا عبد الصمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الكريم ابن الكريم
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 322.
وأخرج بنحوه البخاري 6 / 19 / 3290 وأحمد من رواية ابن عمر 2 / 96.
(2) أخرجه مسلم في 6 / 48 / 273 من حديث طويل ج 1 / 561 - 562.
وأخرجه أحمد في مسنده ج 5 / 127 - 129.
(3) في البخاري:.
حدثنا عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، وعبيدالله هو - بن سعيد.
(4) أكرم الناس: قال العلماء: أصل الكرم كثرة الخير، وقد جمع يوسف صلى الله عليه وسلم مكارم الاخلاق مع شرف النبوة مع شرف النسب وكونه نبيا ابن ثلاثة أنبياء متناسلين ; وانضم إليه شرف علم الرؤيا وتمكنه فيه وسياسة الدنيا وملكها بالسيرة الجميلة.
(5) معادن العرب: أصولها.
(6) أخرجه البخاري في كتاب المناقب (60) - باب 14 ح 3374.
ومسلم في 43 / كتاب الفضائل - 43 باب ح 168 / 2378 ص 4 / 1846.
[ * ]

(1/197)

ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب ابن اسحق بن ابراهيم ".
تفرد به من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن ابن عمر به * فأما الحديث الذي رواه الامام أحمد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني مغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم " يحشر الناس حفاة عراة غرلا فأول من يكسى إبراهيم عليه السلام " (1) ثم قرأ (كما بدأنا أول خلق نعيده) [ الانبياء: 104 ] فأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج كلاهما عن مغيرة بن النعمان النخعي الكوفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
وهذه الفضيلة المعينة لا تقتضي الافضلية بالنسبة إلى ما قابلها مما ثبت لصاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الاولون والاخرون * وأما الحديث الآخر الذي قال الامام أحمد حدثنا وكيع وأبو نعيم حدثنا سفيان هو الثوري عن مختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يا خير البرية
فقال: " ذاك ابراهيم " (2) فقد رواه مسلم من حديث الثوري وعبد الله بن إدريس وعلي بن مسهر ومحمد بن فضيل أربعتهم عن المختار بن فلفل * وقال الترمذي حسن صحيح * وهذا من باب الهضم والتواضع مع والده الخليل عليه السلام كما قال: " لا تفضلوني على الانبياء " وقال: " لا تفضلوني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلى أم جوزي بصعقة الطور ؟ " * وهذا كله لا ينافي في ما ثبت بالتواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه من أنه سيد ولد آدم يوم القيامة وكذلك حديث أبي بن كعب في صحيح مسلم (3) وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى ابراهيم ".
ولما كان ابراهيم عليه السلام أفضل الرسل وأولي العزم بعد محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أمر المصلي أن يقول في تشهده ما ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وغيره قال: قلنا يارسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك " قال قولوا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل ابراهيم إنك حميد مجيد " وقال تعالى (وإبراهيم الذي وفى) [ النجم: 37 ] قالوا وفي جميع ما أمر به وقام بجميع خصال الايمان وشعبه وكان لا يشغله مراعاة الامر الجليل عن القيام بمصلحة الامر القليل ولا ينسيه القيام بأعباء المصالح الكبار عن الصغار.
قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس (واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن) [ البقرة: 124 ]
__________
(1) أخرجه البخاري في 60 كتاب المناقب باب (8) ح 3349 فتح الباري وأخرجه مسلم في صحيحه 51 / 14 / 58 ورواه الترمذي في سننه وأحمد في مسنده ج 5 / 3 والنسائي في سننه وأبو داود الطيالسي.
(2) أخرجه مسلم في 43 كتاب الفضائل 41 / 150 وأبو داود في سننه وأحمد في مسنده ج 3 / 178 - 184.
(3) تقدم التعليق فليراجع في موضعه.
(4) مسلم في 4 كتاب الصلاة 17 باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم 66 / 406 ص 1 / 305 والحديث في البخاري رقم 1591.
[ * ]

(1/198)

قال إبتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد.
في الرأس قص الشارب والمضمضة والسواك والاستنشاق وفرق الرأس وفي الجسد تقليم الاظفار وحلق العانة والختان ونتف الابط وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
رواه ابن أبي حاتم * وقال وروي عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والنخعي وأبي صالح وأبي الجلد نحو ذلك قلت: وفي الصحيحين (1) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: " الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الاظفار ونتف الابط " وفي صحيح مسلم (2) وأهل السنن من حديث وكيع عن ذكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة العبدري المكي الحجبي عن طلق بن حبيب العتري عن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عشر من الفطرة قص الشارب واعفاء اللحية والسواك وإستنشاق الماء وقص الاظفار وغسل البراجم (3) ونتف الابط وحلق العانة وإنتقاص الماء " - يعني الاستنجاء - وسيأتي في ذكر مقدار عمره الكلام على الختان * والمقصود أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يشغله القيام بالاخلاص لله عزوجل وخشوع العبادة العظيمة عن مراعاة مصلحة بدنه وإعطاء كل عضو ما يستحقه من الاصلاح والتحسين وإزالة ما يشين من زيادة شعر أو ظفر أو وجود قلح (4) أو وسخ فهذا من جملة قوله تعالى في حقه من المدح العظيم (وإبراهيم الذي وفى).
قصره في الجنة قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن سنان القطان الواسطي، ومحمد بن موسى القطان، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن في الجنة قصرا أحسبه قال من لؤلؤة ليس فيه فصم ولا وهي أعده الله لخليله إبراهيم عليه السلام نزلا ".
قال البزار وحدثناه أحمد بن جميل المروزي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
ثم قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن حماد بن سلمة فأسنده إلا يزيد بن هارون والنضر بن شميل، وغيرهما يرويه موقوفا.
قلت: لولا هذه العلة لكان على شرط
الصحيح.
ولم يخرجوه.
__________
(1) مسلم في صحيحه 2 كتاب الطهارة 16 باب خصال الفطرة ح 50 ص 1 / 222.
وفي البخاري ح رقم 2291 ورواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده.
(2) في 2 كتاب الطهارة 16 باب خصال الفطرة حديث 56 / 261 ص 1 / 223.
(3) البراجم: جمع برجمة وهي عقد الاصابع ومفاصلها كلها.
(4) قلح: صفرة الاسنان وسوادها.
[ * ]

(1/199)

صفة ابراهيم عليه السلام قال الامام أحمد حدثنا يونس وحجين قالا: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " عرض علي الانبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود، ورأيت ابراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية.
تفرد به الامام أحمد من هذا الوجه وبهذا اللفظ (1) * وقال أحمد حدثنا أسود بن عامر، حدثنا اسرائيل، عن عثمان - يعني ابن المغيرة - عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عيسى ابن مريم وموسى وابراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر - وأما موسى فآدم جسيم ".
قالوا له فابراهيم ؟ قال: " انظروا إلى صاحبكم " يعني نفسه * وقال البخاري حدثنا بنان (2) بن عمرو، حدثنا النضر، أنبأنا ابن عون، عن مجاهد، أنه سمع ابن عباس وذكروا له الدجال بين عينيه كافرا و (ك ف ر) فقال لم اسمعه ولكنه قال صلى الله عليه وسلم: " أما ابراهيم فانظروا إلى صاحبكم وأما موسى فجعد آدم على جمل احمر مخطوم بخلبه كأني انظر إليه انحدر في الوادي ".
ورواه البخاري أيضا ومسلم عن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عدي عن عبد الله بن عون به * وهكذا رواه البخاري أيضا في كتاب الحج وفي اللباس ومسلم جميعا عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي عن عبد الله بن عون به.
وفاة ابراهيم وما قيل في عمره
ذكر ابن جرير في تاريخه أن مولده كان في زمن النمرود بن كنعان وهو فيما قيل الضحاك الملك المشهور الذي يقال انه ملك ألف سنة وكان في غاية الغشم والظلم * وذكر بعضهم أنه من بني راسب الذين بعث إليهم نوح عليه السلام وأنه كان إذ ذاك ملك الدنيا.
وذكروا أن طلع نجم اخفى ضوء الشمس والقمر فهال ذلك أهل ذلك الزمان وفزع النمرود.
فجمع الكهنة والمنجمين وسألهم عن ذلك فقالوا يولد مولود في رعيتك يكون زوال ملكك على يديه.
فأمر عند ذلك بمنع الرجال عن النساء وأن يقتل المولودون من ذلك الحين فكان مولد إبراهيم الخليل في ذلك الحين فحماه الله عزوجل وصانه من كيد الفجار وشب شبابا باهرا وانبته الله نباتا حسنا حتى كان من أمره ما تقدم وكان مولده بالسوس وقيل ببابل وقيل بالسواد من ناحية كوثى (3) وتقدم عن ابن عباس أنه
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده ج 3 / 324 ومسلم في صحيحه 1 / 74 / 271 وفيه زيادة: ورأيت جبرائيل عليه السلام فإذا أقرب ما رأيت به شبها دحية.
وقبله..رأيت إبراهيم..شبها بصاحبكم (يعني نفسه).
(2) في البخاري: بيان بن عمرو.
(3) تقدم التعليق فليراجع في موضعه.
[ * ]

(1/200)

ولد ببرزة شرقي دمشق فلما أهلك الله نمرود على يديه وهاجر إلى حران ثم إلى أرض الشام وأقام ببلاد إيليا كما ذكرنا وولد له إسماعيل واسحق وماتت سارة قبله بقرية حبرون التي في أرض كنعان ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة فيما ذكر أهل الكتاب فحزن عليها ابراهيم عليه السلام ورثاها رحمها الله واشترى من رجل من بني حيث يقال له عفرون بن صخر مغارة بأربع مائة مثقال ودفن فيها سارة هنالك قالوا ثم خطب إبراهيم على ابنه اسحق فزوجه رفقا بنت بتوئيل بن ناحور بن تارح وبعث مولاه فحملها من بلادها ومعها مرضعتها وجوارها على الابل قالوا ثم تزوج ابراهيم عليه السلام قنطورا (1) فولدت له زمران ويقشان ومادان ومدين وشياق وشوح (2).
وذكروا ما ولد كل واحد من هؤلاء أولاد قنطورا.
وقد روى ابن عساكر عن غير واحد من السلف عن أخبار أهل الكتاب في صفة مجيئ ملك الموت إلى إبراهيم عليه السلام أخبارا كثيرة الله أعلم
بصحتها * وقد قيل إنه مات فجأة وكذا داود وسليمان والذي ذكره أهل الكتاب وغيرهم خلاف ذلك.
قالوا ثم مرض إبراهيم عليه السلام ومات عن مائة وخمس وسبعين * وقيل وتسعين سنة ودفن في المغارة المذكورة التي كانت بحبرون الحيثي عند إمرأته سارة التي في مزرعة عفرون الحيثي وتولى دفنه اسمعيل واسحاق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين * وقد ورد ما يدل أنه عاش مائتي.
(3) سنة كما قاله ابن الكلبي وقال أبو حاتم بن حبان في صحيحه أنبأنا المفضل بن محمد الجندي بمكة حدثنا علي بن زياد اللخمي حدثنا أبو قرة عن ابن جريج عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اختتن ابراهيم بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة " (4) وقد رواه الحافظ بن عساكر من طريق عكرمة بن إبراهيم وجعفر بن عون العمري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد، عن أبي هريرة موقوفا.
ثم قال ابن حبان ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن رفع هذا الخبر وهم أخبرنا محمد بن عبد الله بن الجنيد نيست (5) حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اختتن إبراهيم حين بلغ مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة واختتن بقدوم.
وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد أتت عليه ثمانون سنة.
ثم روى ابن حبان عن
__________
(1) قطورا بنت يقطن من الكنعانيين ابن الاثير في الكامل والطبري في تاريخه.
وقيل تزوج بعدها حجورا بنت أهير.
(2) ذكر المسعودي 1 / 43 الاسماء كالتالي: مرق - نفس - مدن - مدين - سنان وسرح.
وفي الطبري: يقسان، زمران مديان، يسبق، سوح، بسر.
(3) في الكامل وتاريخ الطبري: مائتي سنة - وعند المسعودي: مائة وخمس وتسعين.
(4) رواه ابن عساكر في تاريخه ج 2 / 149 تهذيب.
(5) هكذا في الاصول ; ولم أجد فيما لدي من مراجع من تسمى من الرجال بهذا الاسم، وقد ورد محمد بن عبد الله بن نمير ممن روى عن قتيبة ولم يعرف غيره.
[ * ]

(1/201)

عبد الرزاق أنه قال القدوم اسم القرية.
قلت الذي في الصحيح أنه اختتن وقد أتت عليه ثمانون سنة * وفي رواية وهو ابن ثمانين سنة وليس فيهما تعرض لما عاش بعد ذلك والله أعلم * وقال محمد بن اسماعيل الحساني الواسطي زاد في تفسير وكيع عنه فيما ذكره من الزيادات حدثنا أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: كان إبراهيم أول من تسرول وأول من فرق وأول من استحد وأول من اختتن بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة، وأول من قرى الضيف، وأول من شاب.
هكذا رواه موقوفا وهو أشبه بالمرفوع خلافا لابن حبان والله أعلم.
وقال مالك (1) عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال كان إبراهيم أول من أضاف (2) الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص شاربه (3) وأول الناس رأى الشيب، فقال يا رب ما هذا ؟ فقال الله [ تبارك وتعالى ] " وقار [ يا ابراهيم ] " فقال يا رب زدني وقارا.
وزاد غيرهما وأول من قص شاربه وأول من استحد وأول من لبس السراويل * فقبره وقبر ولده اسحق وقبر ولد ولده يعقوب في المربعة التي بناها سليمان بن داود عليه السلام ببلد " حبرون " وهو البلد المعروف بالخليل اليوم وهذا تلقى بالتواتر أمة بعد أمة وجيل بعد جيل من زمن بني اسرائيل وإلى زماننا هذا أن قبره بالمربعة تحقيقا.
فأما تعيينه منها فليس فيه خبر صحيح عن معصوم فينبغي أن تراعي تلك المحلة وأن تحترم احترام مثلها وأن تبجل وأن تجل أن يداس في أرجائها خشية أن يكون قبر الخليل أو أحد من أولاده الانبياء عليهم السلام تحتها * وروى ابن عساكر بسنده إلى وهب بن منبه قال وجد عند قبر ابراهيم الخليل على حجر كتابة خلقة.
الهي جهولا أمله * يموت من جا أجله ومن دنا من حتفه * لم تغن عنه حيله وكيف يبقى آخر * من مات عنه أوله والمرء لا يصحبه * في القبر إلا عمله ذكر أولاد إبراهيم الخليل
أول من ولد له: اسماعيل من هاجر القبطية المصرية، ثم ولد له إسحق من سارة بنت عم الخليل، ثم تزوج بعدها " قنطورا " بنت يقطن الكنعانية فولدت له ستة مدين وزمران وسرج ويقشان ونشق ولم يسم السادس ثم تزوج بعدها " حجون " بنت أمين (4) فولدت له خمسة كيسان
__________
(1) أخرجه مالك في الموطأ - باب ما جاء في السنة في الفطرة ح 1667 / ص 510.
(2) عند مالك: أول الناس ضيف الضيف.
(3) عند مالك: الشارب.
(4) في الكامل لابن الاثير: حجون بنت أهير.
[ * ]

(1/202)

وسورج واميم ولوطان ونافس * وهكذا ذكره أبو القاسم السهيلي في كتابه " التعريف والاعلام ".
ومما وقع في حياة ابراهيم خليل من الامور العظيمة، قصة قوم لوط عليه السلام، وما حل بهم من النقمة الغميمة (1) وذلك أن لوطا بن هاران بن تارح وهو آزر كما تقدم ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل فإبراهيم وهاران وناحور اخوة كما قدمنا ويقال إن هاران هذا هو الذي بنى حران * وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدي أهل الكتاب والله أعلم * وكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل عليهما السلام بأمره له وأذنه فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر وكأن أم تلك المحلة ولها أرض ومعتملات وقرى مضافة إليها ولها أهل من أفجر الناس وأكفرهم واسوأهم طوية وأرداهم سريرة وسيرة يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم وهي إتيان الذكران من العالمين وترك من خلق الله من النسوان لعباده الصالحين فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والفواحش المنكرات والافاعيل المستقبحات فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم واستمروا على فجورهم وكفرانهم فأحل الله بهم من البأس الذي لا يرد ما لم يكن في خلدهم وحسبانهم وجعلهم مثلة في العالمين وعبرة يتعظ بها الالباء من العالمين ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع من كتابه المبين فقال تعالى في سورة الاعراف (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة
ما سبقكم بها أحد من العالمين.
أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون.
وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون.
فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين) [ الاعراف: 80 - 84 ].
وقال تعالى في سورة هود (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ.
فلما رأى أيديهم لا تصل إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها باسحق ومن وراء اسحاق يعقوب.
قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب.
قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد.
فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى تجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب.
يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك.
وإنهم آتاهم عذاب غير مردود.
ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب.
وجاءه قومه يهرعون إليه.
ومن قبل كانوا يعملون السيئات.
قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد.
قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد.
قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن
__________
(1) وفي نسخة العميمة ; أي الشاملة.
[ * ]

(1/203)

شديد.
قالوا يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فاسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد الا إمرأتك إنه مصيبها ما أصابهم ان موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب.
فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) [ هود: 69 - 83 ].
وقال تعالى في سورة الحجر (ونبئهم عن ضيف ابراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قال لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم.
قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فيم
تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون.
قال فما خطبكم أيها المرسلون.
قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين.
الا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين.
إلا امرأته قدرنا أنها لمن الغابرين.
فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون.
قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وآتيناك بالحق وإنا لصادقون.
فاسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين.
وجاء أهل المدينة يستبشرون.
قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون.
واتقوا الله ولا تخزون.
قالوا أولم ننهك عن العالمين.
قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين.
لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون.
فأخذتهم الصيحة مشرقين.
فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل.
إن في ذلك لآيات للمتوسمين وانها لبسبيل مقيم.
إن في ذلك لآية للمؤمنين) [ الحجر: 51 - 77 ].
وقال تعالى في سورة الشعراء (كذبت قوم لوط المرسلين * إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين.
فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * أتأتون الذكران من العالمين.
وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون * قالوا لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين * قال إني لعملكم من القالين * رب نجني وأهلي مما يعملون * فنجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في الغابرين ثم دمرنا الآخرين * وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 160 - 175 ].
وقال تعالي في سورة النمل (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون.
أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) [ النمل: 54 - 58 ].
وقال تعالي في سورة العنكبوت (ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم لتأتون
الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب

(1/204)

الله إن كنت من الصادقين.
قال رب انصرني على القوم المفسدين * ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية * إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين * ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن انا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون) [ العنكبوت: 28 - 35 ] وقال تعالى في سورة الصافات (وإن لوطا لمن المرسلين * إذ نجيناه وأهله أجمعين.
الا عجوزا في الغابرين * ثم دمرنا الآخرين * إنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون) [ الصافات: 133 - 137 ] وقال تعالى في الذاريات بعد قصة ضيف إبراهيم وبشارتهم إياه بغلام عليم (قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين * فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين.
فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين.
وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم) [ الذاريات: 31 - 38 ].
وقال في سورة الانشقاق (كذبت قوم لوط بالنذر إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر.
نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر * ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر * ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر *) [ القمر: 33 - 40 ].
وقد تكلمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السورة في التفسير * وقد ذكر الله لوطا وقومه في مواضع أخر من القرآن تقدم ذكرها (1) مع قوم نوح وعاد وثمود * والمقصود الآن ايراد ما كان من أمرهم وما أحل الله بهم مجموعا من الآيات والآثار وبالله المستعان * وذلك أن لوطا عليه السلام لما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي ما ذكر الله عنهم من
الفواحش فلم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به حتى ولا رجل واحد منهم ولم يتركوا ما عنه نهوا بل استمروا على حالهم ولم يرتدعو (2) عن غيهم وضلالهم وهموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم [ واستضعفوه وكثروا منه ] (3) وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم إذ كانوا لا يعقلون إلا أن قالوا (أخرجوا آل لوط من قريتكم انهم أناس يتطهرون) [ النمل: 56 ] فجعلوا غاية المدح ذما يقتضي الاخراج وما حملهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج.
فطهره الله وأهله إلا امرأته وأخرجهم منها أحسن اخراج وتركهم في محلتهم خالدين لكن بعدما صيرها عليهم بحرة منتنة ذات أمواج لكنها عليهم في
__________
(1) غير ما تقدم ذكر اسم لوط في: الانعام 86، الانبياء: 71 - 74، الحج: 43، الصافات: 133 ص: 13، ق: 12، التحريم: 10.
(2) وفي نسخة: ولم يرعووا.
(3) سقطت من النسخ المطبوعة.
[ * ]

(1/205)

الحقيقة نار تأجج وحر يتوهج وماؤها ملح أجاج.
وما كان هذا جوابهم إلا لما نهاهم عن [ ارتكاب ] (1) الطامة العظمى والفاحشة الكبرى التي لم يسبقهم إليها أحد من أهل الدنيا (2) * ولهذا صاروا مثلة فيها وعبرة لمن عليها وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق ويخونون الرقيق ويأتون في ناديهم وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم المنكر من الاقوال والافعال على اختلاف أصنافه حتى قيل إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ولا يستحيون من مجالسهم وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نصيحة من عاقل وكانوا في ذلك وغيره كالانعام بل أضل سبيلا ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر ولا ندموا على ما سلف من الماضي ولا راموا في المستقبل تحويلا فأخذهم الله أخذا وبيلا وقالوا له فيما قالوا (ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) [ العنكبوت: 29 ] فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الاليم وحلول البأس العظيم فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين فغار الله لغيرته وغضب لغضبته واستجاب لدعوته وأجابه إلى طلبته وبعث
رسله الكرام وملائكته العظام فمروا على الخليل ابراهيم وبشروه بالغلام العليم وأخبروه بما جاؤوا له من الامر الجسيم والخطب العميم (قال فما خطبكم أيها المرسلون.
قالوا انا ارسلنا إلى قوم مجرمين.
لنرسل عليهم حجارة من طين.
مسومة عند ربك للمسرفين) [ الذاريات: 31 - 34 ] وقال (ولما جائت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين.
قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين) [ العنكبوت: 31 - 34 ] وقال الله تعالى (فلما ذهب عن ابراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط) [ هود: 74 ].
وذلك إنه كان يرجو أن ينيبوا ويسلموا ويقلعوا ويرجعوا.
ولهذا قال تعالى (إن ابراهيم لحليم أواه منيب.
يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود) [ هود: 75 ] أي أعرض عن هذا وتكلم في غيره فإنه قد حتم أمرهم ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم، إنه قد جاء أمر ربك أي قد أمر به، من لا يرد أمره، ولا يرد بأسه، ولا معقب لحكمه، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود.
وذكر سعيد بن جبير والسدي وقتادة ومحمد بن اسحاق أن إبراهيم عليه السلام جعل يقول: * (أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن قالوا لا قال فمائتا مؤمن قالوا لا قال فأربعون مؤمنا قالوا لا قال فأربعة عشر مؤمنا قالوا لا) قال ابن اسحق إلى أن قال (أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد قالوا لا قالوا إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها) الآية وعند أهل الكتاب أنه قال: يا رب أتهلكهم وفيهم خمسون رجلا صالحا فقال الله لا أهلكهم وفيهم خمسون صالحا ثم تنازل إلى
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في نسخة: من العالمين.
[ * ]

(1/206)

عشرة فقال الله (لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون) قال الله تعالى (وقال ولما جاءت رسلنا لوطا سيئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب) قال المفسرون لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم في صور شبان حسان
اختبارا من الله تعالى لقوم لوط وإقامة للحجة عليهم فاستضافوا لوطا عليه السلام وذلك عند غروب الشمس فخشي إن لم يضفهم يضيفهم غيره وحسبهم بشرا من الناس وسيئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن اسحق شديد بلاؤه وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم كما كان يصنع بهم في غيرهم وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحدا ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه * وذكر قتادة أنهم وردوا عليه وهو في أرض له يعمل فيها فتضيفوا فاستحيى منهم وانطلق أمامهم وجعل يعرض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون عن هذه القرية وينزلوا في غيرها فقال لهم: فيما قال [ والله ] (1) يا هؤلاء ما أعلم على وجه الارض أهل بلد أخبث من هؤلاء ثم مشى قليلا ثم أعاد ذلك عليهم حيت كرره أربع مرات قال وكانوا قد أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك.
وقال السدي خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قوم لوط فأتوها نصف النهار فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لاهلها وكانت له ابنتان اسم الكبرى ريثا والصغرى ذعرتا فقالوا لها يا جارية هل من منزل فقالت لهم مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرقت (2) عليهم من قومها فأتت أباها فقالت يا أبتاه أرادك (3) فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم قط هي أحسن منهم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل البيت فخرجت امرأته فأخبرت قومها فقالت إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط فجاءه قومه يهرعون إليه.
وقوله (ومن قبل كانوا يعملون السيئات) [ هود: 77 ] أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة (قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) [ هود: 78 ] يرشدهم إلى غشيان نسائهم وهن بناته شرعا لان النبي للامة بمنزلة الوالد كما ورد في الحديث وكما قال تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) [ الاخزاب: 6 ] وفي قول بعض الصحابة والسلف وهو أب لهم.
وهذا كقوله (أتأتون الذكران من العالمين.
وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون) [ الشعراء: 165 - 166 ]
وهذا هو الذي نص عليه مجاهد وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن اسحق
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) وفي نسخة: شفقة عليهم ; وفي الكامل: خافت عليهم.
(3) في الكامل: أدرك.
[ * ]

(1/207)

وهو الصواب.
والقول الاخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب وقد تصحف عليهم كما أخطأوا في قولهم إن الملائكة كانوا إثنين وانهم تعشوا عنده وقد خبط أهل الكتاب في هذه القصة تخبيطا عظيما وقوله (فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد) [ هود: 78 ] نهي لهم عن تعاطي ما لا يليق من الفاحشة وشهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مسكة ولا فيه خير بل الجميع سفهاء.
فجرة أقوياء.
كفرة أغبياء.
وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوا منه من قبل أن يسألوه عنه.
فقال قومه عليهم لعنة الله الحميد المجيد.
مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الامر السديد (لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما تريد) [ هود: 79 ] يقولون عليهم لعائن الله لقد علمت يالوط إنه لا أرب لنا في نسائنا وانك لتعلم مرادنا وغرضنا [ من غير النساء ] (1).
واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم ولم يخافوا سطوة العظيم.
ذي العذاب الاليم.
ولهذا قال عليه السلام (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) [ هود: 80 ] ود أن لو كان له بهم قوة أو له منعة وعشيرة ينصرونه عليهم ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب.
وقد قال الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا: " نحن أحق بالشك من ابراهيم، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لاجبت الداعي " (2) ورواه أبو الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة * وقال محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد (يعني الله عزوجل - فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه " (3).
وقال تعالى
(وجاء أهل المدينة يستبشرون قال ان هؤلاء ضيفي فلا تفضحون.
واتقوا الله ولا تخزون.
قالوا أو لم ننهك عن العالمين.
قال هؤلاء بناتي ان كنتم فاعلين) [ الحجر: 67 - 71 ] فأمرهم بقربان نسائهم وحذرهم الاستمرار على طريقتهم وسيآتهم هذا وهم في ذلك لا ينتهون ولا يرعوون بل كلما لهم (4) يبالغون في تحصيل هؤلاء الضيفان ويحرصون.
ولم يعلموا ما حم به القدر مما هم إليه صائرون.
وصبيحة ليلتهم إليه منقلبون ولهذا قال تعالى مقسما بحياة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) [ الحجر: 72 ] وقال تعالى (ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر.
ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) [ القمر - 36 - 38 ] ذكر المفسرون وغيرهم أن نبي الله لوطا عليه السلام جعل
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 60 كتاب المناقب باب 11 ح 3372 فتح الباري وروى ابن ماجة نحوه ورواه أحمد في مسنده 2 / 326 - 332 - 350.
(3) انظر الدر المنثور ج 2 / 185.
(4) هكذا في الاصول وفي نسخة من قصص الانبياء لابن كثير: كلما نهاهم.
[ * ]

(1/208)

يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق وهم يرومون فتحه وولوجه وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب وكل ما لهم في إلحاح وإنحاح فلما ضاق الامر وعسر الحال قال [ ما قال ] (1): لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " لاحللت.
بكم النكال * قالت الملائكة (يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) [ هود: 81 ] وذكروا أن جبريل عليه السلام خرج عليهم فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم حتى قيل إنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا عين ولا أثر فرجعوا يتجسسون مع الحيطان.
ويتوعدون رسول الرحمن ويقولون إذا كان الغد كان لنا وله شأن قال الله تعالى (ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) فذلك أن الملائكة تقدمت إلى لوط عليهم السلام آمرين له بأن يسري هو
وأهله من آخر الليل ولا يلتفت منكم أحد يعني عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم * وقوله (إلا امرأتك) على قراءة النصب يحتمل أن يكون مستثنى من قوله فأسر بأهلك كأنه يقول إلا امرأتك فلا تسر بها.
ويحتمل أن يكون من قوله ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك.
أي فانها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم.
ويقوي هذا الاحتمال قراءة الرفع ولكن الاول أظهر في المعنى والله أعلم.
قال السهيلي واسم امرأة لوط والهة واسم امرأة نوح والغة.
وقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة الملعونين النظراء والاشباه الذين جعلهم الله سلفا لكل خائن مريب (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) [ هود: 81 ] فلما خرج لوط عليه السلام بأهله وهم ابنتاه ولم يتبعه منهم رجل واحد ويقال إن إمرأته خرجت معه فالله أعلم.
فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكان عند شروقها جاءهم من أمر الله ما لا يرد.
ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد * وعند أهل الكتاب أن الملائكة أمروه أن يصعد إلى رأس الجبل الذي هناك فاستبعده وسأل منهم أن يذهب إلى قرية قريبة منهم فقالوا اذهب فإنا ننتظرك حتى تصير إليها وتستقر فيها ثم نحل بهم العذاب فذكروا أنه ذهب إلى قرية صغر التي يقول الناس غورزغر فلما أشرقت الشمس نزل بهم العذاب قال الله تعالى (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) [ هود: 82 - 83 ] قالوا اقتلعهن جبريل بطرف جناحه من قرارهن وكن سبع مدن (2) بمن فيهن من الامم فقالوا إنهم كانوا أربع مائة نسمة.
قيل أربعة آلاف (3) نسمة وما معهم من الحيوانات وما يتبع تلك المدن من الاراضي والاماكن
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في الطبري والكامل والمسعودي: خمس قرى، ذكر المسعودي المدائن الخمس وهي: سدوم، عمورا، وادموتا، وصاعورا، وصابورا.
(3) وفي نسخة: أربعة آلاف ألف نسمة.
[ * ]

(1/209)

والمعتملات فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها قال مجاهد فكان أول ما سقط منها شر فاتها (وأمطرة عليهم حجارة من سجيل) [ الحجر: 74 ] والسجيل فارسي معرب وهو الشديد الصلب القوي (منضود) أي يتبع بعضها بعضا في نزولها عليهم من السماء (مسومة) أي معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدمغه كما قال (مسومة عند ربك للمسرفين) [ الذاريات: 34 ] وكما قال تعالى (وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) [ الشعراء: 173 ] وقال تعالى (والمؤتفكة أهوى.
فغشاها ما غشى) [ النجم: 53 - 54 يعني قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها وغشاها بمطر من حجارة من سجيل متتابعة مرقومة على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه من الحاضرين منهم في بلدهم والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها * ويقال إن امرأة لوط مكثت مع قومها ويقال إنها خرجت مع زوجها وبنتيها ولكنها لما سمعت الصيحة وسقوط البلدة والتفتت إلى قومها وخالفت أمر ربها قديما وحديثا وقالت واقوماه فسقط عليها حجر فدمغها وألحقها بقومها إذ كانت على دينهم وكانت عينا لهم على من يكون عند لوط من الضيفان كما قال تعالى (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) [ التحريم: 10 ] أي خانتاهما في الدين فلم يتبعاهما فيه.
وليس المراد أنهما كانتا على فاحشة حاشا وكلا ولما.
فإن الله لا يقدر على نبي آن تبغي امرأته كما قال ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف ما بغت امرأة نبي قط * ومن قال خلاف هذا فقد اخطأ خطأ كبيرا.
قال الله تعالى في قصة الافك: لما انزل براءة ام المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج رسول اله صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الافك ما قالوا فعاتب الله المؤمنين وأنب وزجر ووعظ وحذر وقال فيما قال (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم) [ النور: 15 - 16 ] أي سبحانك أن تكون زوجة نبيك بهذه المثابة * وقوله ههنا (وما هي من الظالمين ببعيد) أي وما
هذه العقوبة ببعيدة ممن أشبههم في فعلهم.
ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى أن اللائط يرجم سواء كان محصنا أو لا نص عليه الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من الائمة واحتجوا أيضا بما رواه الامام أحمد وأهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " (1) وذهب أبو حنيفة إلى أن اللائط يلقى من شاهق جبل ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط
__________
(1) أخرجه أبو داود في سننه 2 / 468 والترمذي في سننه 15 / 24 / 1456 وابن ماجة.
وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب: لينه ابن معين، وقال أحمد: ما به بأس.
وقال أبو داود: ليس بالقوي.
وفي تقريب التهذيب: ثقة ربما وهم 2 / 75 / 642.
[ * ]

(1/210)

لقوله تعالى: (وما هي من الظالمين ببعيد).
وجعل الله مكان تلك البلاد بحرة منتنة لا ينفع بمائها ولا بما حولها من الاراضي المتاخمة لفنائها لردائتها ودناءتها فصارت عبرة ومثلة وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته وعزته في انتقامه ممن خالف أمره وكذب رسله واتبع هواه وعصى مولاه.
ودليلا على رحمته بعباده المؤمنين في انجائه إياهم من المهلكات.
وإخراجه إياهم من النور إلى الظلمات كما قال تعالى (ان في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وان ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: * - 9 ] وقال تعالى (فأخذتهم الصيحة مشرقين.
فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل.
إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم.
ان في ذلك لآية للمؤمنين) [ الحجر: 73 - 77 ] أي من نظر بعين الفراسة والتوسم فيهم، كيف غير الله تلك البلاد وأهلها ؟ وكيف جعلها بعدما كانت آهلة عامرة.
هالكة غامرة ؟ كما روى الترمذي وغيره مرفوعا: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " (1) ثم قرأ (إن في ذلك لآيات للمتوسمين).
وقوله (وانها لبسبيل مقيم) [ الحجر: 76 ] أي لبطريق مهيع مسلوك إلى الآن كما قال (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون) [ الصافات: 137 ] وقال تعالى (ولقد تركناها آية بينة لقوم يعقلون) [ العنكبوت: 35 ] وقال تعالى (فأخرجنا من كان
فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم) [ الذاريات: 35 - 37 ] أي تركناها عبرة وعظة لمن خاف عذاب الآخرة وخشي الرحمن بالغيب وخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فانزجر عن محارم الله وترك معاصيه وخاف أن يشابه قوم لوط (ومن تشبه بقوم فهو منهم) وإن لم يكن من كل وجه فمن بعض الوجوه كما قال بعضهم: فان لم تكونوا قوم لوط بعينهم * فما قوم لوط منكم ببعيد فالعاقل اللبيب الخائف من ربه الفاهم يمتثل ما أمره الله به عزوجل ويقبل ما أرشده إليه رسول الله من إتيان ما خلق له من الزوجات الحلال.
والجواري من السراري ذوات الجمال.
وإياه أن يتبع كل شيطان مريد.
فيحق عليه الوعيد.
ويدخل في قوله تعالى (وما هي من الظالمين ببعيد).
__________
(1) سنن الترمذي 48 / 16 / 3127 عن أبي سعيد الخدري وقال: هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، وقد روي عن بعض أهل العلم، وقال في المتوسمين.
المتفرسين.
ورواه ابن حجر في لسان الميزان (5 / 1154) والقرطبي في أحكامه (1 / 43) ورواه الاصفهاني في حلية الاولياء 4 / 94 والسيوطي في الدر المنثور 4 / 103 والذهبي في الطب النبوي ص 112.
والطبراني في المعجم الكبير 8 / 121.
[ * ]

(1/211)

قصة مدين قوم شعيب عليه السلام (1) قال الله تعالى في سورة الاعراف بعد قصة قوم لوط (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جائتكم بينة من ربكم فاوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين.
ولا تقعدوا بكل صراط توعدون.
وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين.
وان كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة
لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
قال الملا الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين.
قد أفترينا على الله كذبا ان عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما.
على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين.
وقال الملا الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون.
فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين.
الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين.
فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ابلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين) [ الاعراف: 83 - 95 ].
وقال في سورة هود بعد قصة قوم لوط أيضا: (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط.
ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الارض مفسدين.
بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين.
وما أنا عليكم بحفيظ.
قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء.
إنك لانت الحليم الرشيد.
قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد.
واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود.
قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز.
قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه ورائكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط.
ويا قوم اعملوا على
__________
(1) ذكر شعيب في القرآن في: الاعراف: 85 - 88 - 90 - 92 وفي سورة هود: 84 - 87 - 90 - 95، وفي الشعراء: 177 وفي العنبكوت: 36.
[ * ]

(1/212)

مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب.
ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فاصبحوا في ديارهم جاثمين.
كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) [ هود: 84 - 95 ].
وقال في الحجر بعد قصة قوم لوط أيضا.
(وإن كان أصحاب الايكة لظالمين فانتقمنا منهم وانهما لبامام مبين) [ الحجر: 78 - 79 ] وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم (كذب أصحاب الايكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون إني لكم رسول امين.
فاتقو الله وأطيعون.
وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين.
اوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم.
ولا تبخسوا الناس اشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين.
واتقوا الله الذي خلقكم والجبلة الاولين.
قالوا انما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين.
فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين.
قال ربي أعلم بما تعملون.
فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 176 - 191 ].
كان أهل مدين قوما عربا يسكنون مدينتهم مدين التي هي قرية (1) من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز قريبا من بحيرة قوم لوط.
وكانوا بعدهم بمدة قريبة.
ومدين قبيلة عرفت بهم القبيلة (2) وهم من بني مدين بن مديان بن إبرهيم الخليل وشعيب نبيهم هو ابن ميكيل (3) بن يشجن ذكره ابن اسحاق قال ويقال له بالسريانية بنزون (4) وفي هذا نظر ويقال شعيب بن يشخر بن لاوي بن يعقوب ويقال شعيب بن نويب بن عيفا بن مدين بن ابراهيم ويقال شعيب بن ضيفور بن عيفا (5) بن ثابت بن مدين بن ابراهيم وقيل غير ذلك في نسبه.
قال ابن عساكر ويقال جدته ويقال أمه بنت لوط.
وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه ودخل معه دمشق وعن وهب ابن منبه أنه قال شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق بالنار وهاجرا معه إلى الشام فزوجهما بنتي لوط عليه السلام.
ذكره ابن قتيبة * وفي هذا كله نظر أيضا والله أعلم.
وذكر أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة سلمة بن سعد العنزي [ انه ]: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وانتسب إلى عنزة فقال: " نعم الحي عنزة مبغي عليهم منصورون قوم
__________
(1) وفي نسخة قريبة ; وهو الصواب.
(2) وفي نسخة أخرى: مدينة عرفت بها القبيلة ; وهو الصواب.
(3) في الطبري 1 / 167: ميكائيل.
(4) في الطبري: يثرون.
(5) في الطبري: بن صيفون بن عنقا.
[ * ]

(1/213)

شعيب وأختان (1) موسى ".
فلو صح هذا لدل على أن شعيبا من (2) موسى وأنه من قبيلة من العرب العاربة يقال لهم عنزة لا أنهم من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان فإن هؤلاء بعده بدهر طويل والله أعلم.
وفي حديث أبي ذر الذي في صحيح ابن حبان في ذكر الانبياء والرسل قال: " أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر " وكان بعض السلف يسمي شعيبا خطيب الانبياء يعني لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الايمان برسالته * وقد روى ابن اسحاق بن بشر، عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبا قال: " ذاك خطيب الانبياء " وكان أهل مدين كفارا يقطعون السبيل ويخيفون المارة ويعبدون الايكة وهي شجرة من الايك حولها غيضة ملتفة بها وكانوا من أسوء الناس معاملة يبخسون المكيال والميزان ويطففون فيها يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو رسول الله شعيب عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي هذه الافاعيل القبيحة من بخس الناس أشيائهم وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم فآمن به بعضهم وكفر أكثرهم حتى أحل الله بهم البأس الشديد وهو الولي الحميد.
كما قال تعالى (وإلى مدين أخاهم شعيبا.
قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جائتكم بينة من ربكم) [ الشعراء: 85 ] أي دلالة وحجة
واضحة وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وإنه أرسلني وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم تنقل إلينا تفصيلا وان كان هذا اللفظ قد دل عليها إجمالا (فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها) [ الاعراف: 85 ] أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم وتوعدهم على خلاف ذلك فقال (ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ولا تقعدوا بكل صراط) [ الاعراف: 86 ] أي طريق (توعدون) أي تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مكوس وغير ذلك وتخيفون السبل * قال السدي في تفسيره عن الصحابة (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون) أنهم كانوا يأخذون العشور من أموال المارة * وقال اسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال كانوا قوما طغاة بغاة يجلسون على الطريق (يبخسون الناس) يعني يعشرونهم وكانوا أول من سن ذلك (وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا) [ الاعراف: 86 ] فنهاهم عن قطع الطريق الحسية الدنيوية والمعنوية الدينية (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين) ذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القلة وحذرهم نقمة الله بهم إن خالفوا ما أرشدهم إليه ودلهم عليه كما قال لهم في القصة الاخرى (ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم
__________
(1) أختان موسى: أصهار موسى.
وفي الاستيعاب: وأحبار موسى.
(2) وفي نسخة: صهر موسى.
[ * ]

(1/214)

محيط) [ هود: 84 ] أي لا تركبوا ما أنتم عليه وتستمروا فيه فيمحق (1) الله بركة ما في أيديكم (2) ويفقركم ويذهب ما به يغنيكم.
وهذا مضاف إلى عذاب الآخرة ومن جمع له هذا وهذا فقد باء بالصفقة الخاسرة.
فنهاهم أولا عن تعاطي ما لا يليق من التطفيف وحذرهم سلب نعمة الله عليهم في دنياهم وعذابه الاليم في أخراهم وعنفهم أشد تعنيف.
ثم قال لهم آمرا بعد ما كان عن ضده زاجرا (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الارض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ) [ هود: 86 ] قال
ابن عباس والحسن البصري (بقيت الله خير لكم) أي رزق الله خير لكم من أخذ أموال الناس * وقال ابن جرير ما فضل لكم من الريح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف.
قال وقد روي هذا عن ابن عباس وهذا الذي قاله وحكاه حسن وهو شبيه بقوله تعالى (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو اعجبتك كثرة الخبيث) [ المائدة: 100 ] يعني أن القليل من الحلال خير لكم من الكثير من الحرام فإن الحلال مبارك وإن قل والحرام ممحوق وإن كثر كما قال تعالى (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) [ البقرة: 276 ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الربا وإن كثر فإن مصيره إلى قل " رواه أحمد (3) أي إلى قلة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما " * والمقصود أن الربح الحلال مبارك فيه وإن قل والحرام لا يجدي وإن كثر ولهذا قال نبي الله شعيب (بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين) وقوله (وما أنا عليكم بحفيظ) أي افعلوا ما آمركم به ابتغاء وجه الله ورجاء ثوابه لا لاراكم أنا وغيري (قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء انك لانت الحليم الرشيد) [ هود: 78 ] يقولون هذا على سبيل الاستهزاء والتنقص والتهكم أصلاتك هذه التي تصليها هي الآمرة لك بأن تحجر علينا فلا نعبد إلا إلهك ونترك ما يعبد أباؤنا الاقدمون وأسلافنا الاولون (5) ؟ أو أن لا نتعامل إلا على الوجه الذي ترتضيه أنت ونترك المعاملات التي تأباها وإن كنا نحن نرضاها ؟، (انك لانت الحليم الرشيد) قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وزيد بن أسلم وابن جرير يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء.
(قال يا قوم أر أيتم ان كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما
__________
(1) يمحق: يمحي.
(2) وفي نسخة: ما بأيديكم.
(3) مسند أحمد ج 1 / 395 و 424.
(4) ورواه الحاكم في المستدرك 2 / 37، 4 / 317، وصححه ووافقه الذهبي، وابن ماجة في سننه رقم 2279.
وأحمد في مسنده ج 2 / 183.
(5) رواه مسلم في 21 / 43 / 47 والبخاري في 34 / 19 - 42 - 43 فتح الباري وأحمد في مسنده 3 / 402 - 403 - 434 ورواه أصحاب السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي.
ورواه مالك في الموطأ.
[ * ]

(1/215)

أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ان أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) [ هود: 88 ] هذا تلطف معهم في العبارة، ودعوة لهم إلى الحق بأبين إشارة.
يقول لهم: " أرأيتم " أيها المكذبون (ان كنت على بينة من ربي) أي على أمر بين من الله تعالى أنه أرسلني إليكم (ورزقني منه رزقا حسنا) يعني النبوة والرسالة يعني وعمى عليكم معرفتها فأي حيلة لي بكم.
وهذا كما تقدم عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه سواء.
وقوله (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) أي لست آمركم بالامر إلا وأنا أول فاعل له وإذا نهيتكم عن الشئ فأنا أول من يتركه وهذه في الصفة المحمودة العظيمة وضدها هي المردودة الذميمة كما تلبس بها علماء بني اسرائيل في آخر زمانهم وخطباؤهم الجاهلون * قال الله تعالى (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) [ البقرة: 44 ] وذكر عندها في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يؤتى بالرجل فيلقى النار فتندلق أقتاب بطنه - أي تخرج أمعاؤه من بطنه - فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار فيقولون: يا فلان مالك ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول: بلى.
كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه " * وهذه صفة مخالفي الانبياء من الفجار والاشقياء فأما السادة من النجباء والالباء من العلماء، والذين يخشون ربهم بالغيب، فحالهم كما قال نبي الله شعيب (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ان أريد إلا الاصلاح ما استطعت) أي ما أريد في جميع أمري إلا الاصلاح في الفعال والمقال بجهدي وطاقتي (وما توفيقي) أي في جميع أحوالي (إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب) أي عليه أتوكل في سائر الامور واليه مرجعي ومصيري في كل أمري وهذا مقام ترغيب.
ثم انتقل إلى نوع من الترهيب فقال (ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد)
[ هود: 89 ] أي لا تحملنكم مخالفتي وبغضكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم وجهلكم ومخالفتكم فيحل الله بكم من العذاب والنكال نظير ما أحله بنظرائكم وأشباهكم من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين المخالفين.
وقوله (وما قوم لوط منكم ببعيد) قيل معناه في الزمان أي ما بالعهد من قدم مما قد بلغكم ما أحل بهم على كفرهم وعتوهم * وقيل معناه وما هم منكم ببعيد في المحلة والمكان.
وقيل في الصفات والافعال المستقبحات من قطع الطريق وأخذ أموال الناس جهرة وخفية بأنواع الحيل والشبهات.
والجمع بين هذه الاقوال ممكن فإنهم لم يكونوا بعيدين منهم لا زمانا ولا مكانا ولا صفات ثم مزج الترهيب بالترغيب فقال (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود) [ هود: 90 ] أي أقلعوا عما أنتم فيه وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود فإنه من تاب إليه تاب عليه فإنه رحيم بعباده أرحم بهم من الوالدة بولدها ودود وهو الحبيب ولو بعد التوبة على عبده ولو من الموبقات العظام (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما نقول وإنا لنراك فينا ضعيفا) [ هود: 91 ] روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري أنهم قالوا كان ضرير

(1/216)

البصر * وقد روي في حديث مرفوع أنه بكى من حب الله حتى عمي فرد الله عليه بصره.
وقال يا شعيب أتبكي خوفا من النار أو من شوقك إلى الجنة فقال: بل من محنتك فإذا نظرت إليك فلا أبالي ماذا يصنع بي فأوحى الله إليه هنيئا لك يا شعيب لقاني فلذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي * رواه الواحدي عن أبي الفتح محمد بن علي الكوفي عن علي بن الحسن بن بندار عن أبي عبد الله محمد بن اسحق التربلي (1)، عن هشام بن عمار، عن إسمعيل بن عباس عن يحيى بن سعيد، عن شداد بن أمين (2)، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وهو غريب جدا، وقد ضعفه الخطيب البغدادي * وقولهم (ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز) [ هود: 91 ] وهذا من كفرهم البليغ وعنادهم الشنيع حيث قالوا (ما نفقه كثيرا مما تقول) أي ما نفهمه ولا نتعقله لانا لا نحبه ولا نريده وليس لنا همة إليه ولا إقبال عليه وهو كما قال كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعوننا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا
عاملون) [ فصلت: 5 ] وقولهم (وإنا لنراك فينا ضعيفا) أي مضطهدا مهجورا (ولولا رهطك) أي قبيلتك وعشيرتك فينا (لرجمناك وما أنت علينا بعزيز).
(قال يا قوم ارهطي أعز عليكم من الله) [ هود: 92 ] أي تخافون قبيلتي وعشيرتي وترعوني بسببهم، ولا تخافون جنبة (3) الله ولا تراعوني لاني رسول الله فصار رهطي أعز عليكم من الله (واتخذتموه وراءكم ظهريا) أي جانب الله وراء ظهوركم (إن ربي بما تعملون محيط) [ هود: 92 ] أي هو عليم بما تعملونه وما تصنعونه، محيط بذلك كله وسيجزيكم عليه يوم ترجعون إليه.
(ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا اني معكم رقيب) [ هود: 93 ] وهذا أمر تهديد شديد ووعيد أكيد، بأن يستمروا على طريقتهم ومنهجهم وشاكلتهم فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار.
ومن يحل عليه الهلاك والبوار (من يأتيه عذاب يخزيه) أي في هذه الحياة الدنيا (ويحل عليه عذاب مقيم) أي في الاخرى (ومن هو كاذب) أي مني ومنكم فيما أخبر وبشر وحذر (وارتقبوا اني معكم رقيب) وهذا كقوله (وان كان طائفة منكم آمنوا بالذي ارسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين) [ الاعراف: 87 ] (قال الملا (4) الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين.
قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها الا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) [ الاعراف:
__________
(1) وفي نسخه الرملي.
(2) ابن امين تحريف، وفي نسخة ابن أوس.
(3) وفي نسخة: عذاب الله.
(4) الملا: أشراف القوم وسادتهم وكبراؤهم.
[ * ]

(1/217)

88 - 89 ] طلبوا بزعمهم أن يردوا من آمن منهم إلى ملتهم، فانتصب شعيب للمحاجة عن قومه
فقال: (أو لو كنا كارهين) أي هؤلاء لا يعودون إليكم اختيارا وإنما يعودون إليه إن عادوا اضطرارا مكرهين، وذلك لان الايمان إذا خالطته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد ولا يرتد أحد عنه ولا محيد لاحد منه.
ولهذا قال (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما على الله توكلنا) أي فهو كافينا وهو العاصم لنا وإليه ملجاؤنا في جميع أمرنا ثم استفتح على قومه واستنصر ربه عليه في تعجيل ما يستحقونه إليهم فقال (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) أي الحاكمين، فدعا عليهم والله لا يرد دعاء رسله إذا استنصروه على الذين جحدوه وكفروه ورسوله خالفوه.
ومع هذا صمموا على ما هم عليه مشتملون، وبه متلبسون (وقال الملا الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون) [ الاعراف: 90 ] قال الله تعالى: (فأخذتهم الرجفة فاصبحوا في دارهم جاثمين) [ الاعراف: 91 ] ذكر في سورة الاعراف أنهم أخذتهم رجفة أي رجفت بهم أرضهم وزلزلت زلزالا شديدا أزهقت أرواحهم من أجسادها وصيرت حيوانات أرضهم كجمادها وأصبحت جثثهم جاثية لا أرواح فيها ولا حركات بها ولا حواس لها * وقد جمع الله عليهم أنواعا من العقوبات وصنوفا من المثلات وأشكالا من البليات وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات وصيحة عظيمة أخمدت الاصوات وظلة أرسل عيلهم منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات.
ولكنه تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها ويوافق طباقها في سباق قصة الاعراف ارجفوا نبي الله وأصحابه وتوعدوهم بالاخراج من قريتهم أو ليعودن في ملتهم راجعين فقال تعالى (فأخذتهم الرجفة فاصبحوا في دارهم جاثمين) فقابل الارجاف بالرجفة والاخافة بالخيفة وهذا مناسب لهذا السياق ومتعلق بما تقدمه من السياق * وأما في سورة هود فذكر أنهم أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين وذلك لانهم قالوا لنبي الله على سبيل التهكم والاستهزاء والتنقص (أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء انك لانت الحليم الرشيد) [ هود: 87 ] فناسب أن يذكر الصيحة التي هي كالزجر عن تعاطي هذا الكلام القبيح الذي واجهوا به هذا
الرسول الكريم الامين الفصيح فجاءتهم صيحة أسكتتهم مع رجفة اسكنتهم.
وأما في سورة الشعراء فذكر أنه أخذهم عذاب يوم الظلة.
وكان إجابة لما طلبوا.
وتقريبا إلى ما إليه رغبوا.
فإنهم قالوا (إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين فاسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين.
قال رب أعلم بما تعملون) [ الشعراء: 185 - 188 ] قال الله تعالى (وهو السميع العليم فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم) [ الشعراء: 189 ] ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره أن أصحاب الايكة أمة أخرى غير أهل مدين فقوله ضعيف.
وإنما عمدتهم شيئان: أحدهما أنه قال: (كذب

(1/218)

أصحاب الايكة المرسلين إذ قال لهم شعيب) ولم يقل أخوهم كما قال: (وإلى مدين أخاهم شعيبا).
والثاني أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة والجواب عن الاول أنه لم يذكر الاخوة بعد قوله: (كذب أصحاب الايكة المرسلين) لانه وصفهم بعبادة الايكة فلا يناسب ذكر الاخوة ههنا ولما نسبهم إلى القبيلة شاع ذكر شعيب بأنه أخوهم * وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة * وأما إحتجاجهم بيوم الظلة فإن كان دليلا بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلا على أنهما أمتان أخريان وهذا لا يقوله أحد يفهم شيأ من هذا الشأن * فأما الحديث الذي أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب عليه السلام من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن أبيه عن معاوية بن هشام عن هشام بن سعد عن شفيق بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: " إن مدين وأصحاب الايكة أمتان بعث الله اليهما شعيبا النبي عليه السلام ".
فإنه حديث غريب وفي رجاله من تكلم فيه * والاشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني اسرائيل والله أعلم * ثم قد ذكر الله عن أهل الايكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان فدل على أنهم أمة واحدة أهلكوا بأنواع من العذاب * وذكر في كل موضع ما يناسب من
الخطاب.
وقوله (فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم) ذكروا أنهم أصابهم حر شديد وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل ولا دخولهم في الاسراب فهربوا من محلتهم إلى البرية فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها ليسظلوا بظلها، فلما تكاملوا فيه أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب، ورجفت بهم الارض وجاءتهم صيحة من السماء، فأزهقت الارواح، وخربت الاشباح.
(فاصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين) [ الاعراف: 91 - 92 ].
(ونجى الله شعيبا ومن معه من المؤمنين)، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) [ هود: 94 - 95 ].
وقال تعالى (وقال الملا من قومه لئن إتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون.
فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كان لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين) [ الاعراف: 90 - 92 ].
وهذا في مقابلة قولهم (لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون) [ الاعراف: 93 ] ثم ذكر تعالى عن نبيهم أنه نعاهم إلى أنفسهم موبخا ومؤنبا ومقرعا فقال تعالى (يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين) [ الاعراف: 93 ] أي أعرض عنهم موليا عن محلتهم بعد هلكتهم قائلا (يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم) أي قد أديت ما كان واجبا علي من البلاغ التام والنصح

(1/219)

الكامل وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه وأتوصل إليه فلم ينفعكم ذلك لان الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين فلست أتأسف بعد هذا عليكم لانكم لم تكونوا تقبلون النصيحة ولا تخافون يوم الفضيحة.
ولهذا قال فكيف آسى أي أحزن على قوم كافرين أي لا تقبلون الحق ولا ترجعون إليه ولا تلتفون إليه فحل بهم من بأس الله الذي لا يرد ما لا يدافع ولا يمانع ولا محيد لاحد أريد به عنه ولا مناص منه.
وقد ذكر الحافظ بن عساكر في تاريخه عن ابن عباس أن شعيبا عليه السلام كان بعد يوسف عليه السلام.
وعن وهب بن منبه أن شعيبا عليه السلام مات بمكة ومن معه من المؤمنين وقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بني سهم.
باب ذرية ابراهيم قد قدمنا قصته مع قومه وما كان من أمرهم وما آل إليه أمره عليه السلام والتحية والاكرام وذكرنا ما وقع في زمانه من قصة قوم لوط.
وأتبعنا ذلك بقصة مدين قوم شعيب عليه السلام لانها قرينتها في كتاب الله عزوجل في مواضع متعددة فذكر تعالى بعد قصة قوم لوط قصة مدين وهم أصحاب الايكة على الصحيح كما قدمنا فذكرناها تبعا لها إقتداء بالقرآن العظيم * ثم نشرع الآن في الكلام على تفصيل ذرية ابراهيم عليه السلام لان الله جعل في ذريته النبوة والكتاب فكل نبي أرسل بعده فمن ولده.
اسماعيل عليه السلام وقد كان للخليل بنون كما ذكرنا ولكن أشهرهم الاخوان النبيان العظيمان الرسولان أسنهما وأجلهما الذي هو الذبيح على الصحيح إسماعيل بكر ابراهيم الخليل من هاجر القبطية المصرية عليها السلام من العظيم الجليل * ومن قال إن الذبيح هو إسحق فإنما تلقاه من نقلة بني إسرائيل الذين بدلوا وحرفوا وأولوا التوراة والانجيل وخالفوا ما بأيديهم في هذا من التنزيل * فإن إبراهيم أمر بذبح ولده البكر * وفي رواية الوحيد وأياما كان فهو إسماعيل بنص الدليل ففي نص كتابهم إن إسماعيل ولد ولابراهيم من العمر ست وثمانون سنة * وإنما ولد اسحق بعد مضي مائة سنة من عمر الخليل فإسماعيل هو البكر لا محالة وهو الوحيد صورة ومعنى على كل حالة * أما في الصورة فلانه كان وحده ولده أزيد من ثلاثة عشر سنة وأما أنه وحيد في المعنى فإنه هو الذي هاجر به أبوه ومعه أمه هاجر وكان صغيرا رضيعا فيما قيل فوضعهما في وهاد جبال فاران وهي الجبال التي حول مكة نعم المقيل وتركهما هنالك ليس معهما من الزاد والماء إلا القليل وذلك ثقة بالله وتوكلا عليه.
فحاطهما الله تعالى بعنايته وكفايته فنعم الحسيب والكافي والوكيل والكفيل فهذا هو الولد
الوحيد في الصورة والمعنى ولكن أين من يتفطن لهذا السر وأين من يحل بهذا المحل والمعنى لا يدركه

(1/220)

ويحيط بعلمه إلا كل نبيه نبيل * وقد أثنى الله تعالى عليه ووصفه بالحلم (1) والصبر وصدق الوعد والمحافظة على الصلاة والامر بها لاهله ليقيهم العذاب مع ما كان يدعو إليه من عبادة رب الارباب * قال تعالى (فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى.
قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) [ الصافات: 101 - 102 ] فطاوع أباه على ما إليه دعاه.
ووعده بأن سيصبر فوفى بذلك وصبر على ذلك.
وقال تعالى (واذكر في الكتاب اسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا) [ مريم: 54 - 55 ] وقال تعالى (واذكر عبادنا ابراهيم واسحق ويعقوب أولي الايدي والابصار.
إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وانهم عندنا لمن المصطفين الاخيار.
واذكر اسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار) [ ص: 45 - 48 ] وقال تعالى (واسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين) [ الانبياء: 85 - 86 ] وقال تعالى (إنا أوحينا اليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط) [ النساء: 163 ] الآية.
وقال تعالى (قولوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى إبراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط) [ البقرة: 136 ] الآية.
ونظيرتها من السورة الاخرى.
وقال تعالى (أم يقولون إن إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله) [ البقرة: 140 ] الآية.
فذكر الله عنه كل صفة جميلة وجعله نبيه ورسوله، وبرأه من كل ما نسب إليه الجاهلون، وأمر بأن يؤمن بما أنزل عليه عباده المؤمنون.
وذكر علماء النسب وأيام الناس أنه أول من ركب الخيل، وكانت قبل ذلك وحوشا فأنسها وركبها.
وقد قال سعيد بن يحيى الاموي في مغازيه: حدثنا شيخ من قريش، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتخذوا الخيل واعتبقوها فإنها مراث
أبيكم اسماعيل " وكانت هذه العراب وحشا (2) فدعا لها بدعوته التي كان أعطى فأجابته وإنه أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة * وكان قد تعلمها من العرب العاربة الذين نزلوا عندهم بمكة من جرهم والعماليق وأهل اليمن من الامم المتقدمين من العرب قبل الخليل.
قال الاموي: حدثني علي بن المغيرة، حدثنا أبو عبيدة، حدثنا مسمع بن مالك، عن محمد بن علي بن الحسين، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة " فقال له يونس صدقت يا أبا سيار هكذا أبو جرى حدثني.
وقد قدمنا أنه تزوج لما شب من العماليق امرأة وأن أباه أمره بفراقها ففارقها * قال الاموي هي
__________
(1) وفي نسخة: بالعلم.
(2) وفي نسخة: وحوشا.
[ * ]

(1/221)

عمارة بنت سعد بن أسامة بن أكيل العماليقي * ثم نكح غيرها فأمره أن يستمر بها فاستمر بها وهي السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي وقيل هذه ثالثة فولدت له إثني عشر ولدا ذكرا.
وقد سماهم محمد بن اسحق رحمه الله وهم نابت وقيذر (1) وازبل وميشى ومسمع وماش ودوصاوارر ويطور ونبش وطيما وقيذما * وهكذا ذكرهم أهل الكتاب في كتابهم.
وعندهم أنهم الاثنا عشر عظيما المبشر بهم المتقدم ذكرهم.
وكذبوا في تأويلهم ذلك وكان إسماعيل عليه السلام رسولا إلى أهل تلك الناحية وما والاها من قبائل جرهم والعماليق وأهل اليمن صلوات الله وسلامه عليه * ولما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه اسحق وزوج ابنته نسمة (2) من ابن أخيه العيص بن اسحق فولدت له الروم.
ويقال لهم بنو الاصفر لصفرة كانت في العيص * وولدت له اليونان في أحد الاقوال * ومن ولد العيص الاشبان قيل منهما أيضا * وتوقف ابن جرير رحمه الله.
ودفن اسماعيل نبي الله بالحجر مع أمه هاجر وكان عمره يوم مات مائة وسبعا وثلاثين سنة * وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال شكى اسماعيل عليه السلام إلى ربه عزوجل حر مكة فأوحى الله إليه أني سأفتح لك بابا إلى الجنة إلى الموضع الذي تدفن فيه تجري عليك روحها إلى يوم
القيامة وعرب الحجاز كلهم ينتسبون إلى ولديه نابت وقيذار * وسنتكلم على أحياء العرب وبطونها وعمائرها وقبائلها وعشائرها من لدن اسماعيل عليه السلام إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم * وذلك إذا انتهينا إلى أيامه الشريفة وسيرته المنيفة بعد الفراغ من أخبار أنبياء بني إسرائيل إلى زمان عيسى بن مريم خاتم انبيائهم ومحقق أنبائهم * ثم نذكر ما كان في زمن بني اسرائيل * ثم ما وقع في أيام الجاهلية ثم ينتهي الكلام إلى سيرة نبينا رسول الله إلى العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم من الامم إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم.
اسحاق بن إبراهيم عليهما الصلاة والتسليم قد قدمنا أنه ولد ولابيه مائة سنة (3) بعد أخيه اسماعيل بأربع عشر سنة.
وكان عمر أمه سارة حين بشرت به تسعين (4) سنة قال الله تعالى (وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى
__________
(1) قال الطبري: وقد ينطق أسماء أولاد إسماعيل بغير الالفاظ التي ذكرت عن ابن إسحاق فيقول بعضهم في قيدر قيدار وفي ادبيل ادبال وفي ميشا ميشام.
وانظر التعليق حول هذا الموضوع في أخبار العرب ; الجزء الثاني من البداية والنهاية.
(2) في الطبري: بسمة.
(3) في الطبري والكامل: مائة وعشرين سنة.
(4) في الكامل لابن الاثير: سبعون سنة.
[ * ]

(1/222)

اسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) [ الصافات: 112 - 113 ] * وقد ذكره الله تعالى بالثناء عليه في غير ما آية من كتابه العزيز * وقدمنا في حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن ابراهيم ".
وذكر أهل الكتاب أن إسحق لما تزوج رفقا بنت بتواييل في حياة أبيه، كان عمره أربعين سنة، وأنها كانت
عاقرا فدعا الله لها فحملت فولدت غلامين توأمين أولهما سموه عيصو وهو الذي تسميه العرب العيص وهو والد الروم * والثاني خرج وهو آخذ بعقب أخيه فسموه يعقوب وهو اسرائيل الذي ينتسب إليه بنو اسرائيل قالوا وكان إسحق يحب العيصو أكثر من يعقوب لانه بكره وكانت أمهما رفقا تحب يعقوب أكثر لانه الاصغر قالوا فلما كبر إسحق وضعف بصره اشتهى على ابنه العيص طعاما وأمره أن يذهب فيصطاد له صيدا ويطبخه له ليبارك عليه ويدعو له وكان العيص صاحب صيد فذهب يبتغي ذلك فأمرت رفقا ابنها يعقوب أن يذبح جديين من خيار غنمه ويصنع منهما طعاما كما اشتهاه أبوه ويأتي إليه به قبل أخيه ليدعو له فقامت فألبسته ثياب أخيه وجعلت على ذراعيه وعنقه من جلد الجديين لان العيص كان أشعر الجسد ويعقوب ليس كذلك فلما جاء به وقربه إليه قال من أنت قال ولدك فضمه إليه وجسه وجعل يقول أما الصوت فصوت يعقوب وأما الجس (1) والثياب فالعيص فلما أكل وفرغ دعا له أن يكون أكبر إخوته قدرا وكلمته عليهم وعلى الشعوب بعده وأن يكثر رزقه وولده.
فلما خرج من عنده جاء أخوه العيص بما أمره به والده فقربه إليه فقال له ما هذا يا بني قال هذا الطعام الذي اشتهيته فقال أما جئتني به قبل الساعة وأكلت منه ودعوت لك فقال لا والله وعرف أن أخاه قد سبقه إلى ذلك فوجد في نفسه عليه وجدا كثيرا وذكروا أنه تواعده بالقتل إذا مات أبوهما وسأل أباه فدعا له بدعوة أخرى وأن يجعل لذريته عليظ الارض وأن يكثر أرزاقهم وثمارهم فلما سمعت أمهما ما يتواعد به العيص أخاه يعقوب أمرت ابنها يعقوب أن يذهب إلى أخيها لابان الذي بأرض حران وأن يكون عنده إلى حين يسكن غضب أخيه عليه وأن يتزوج من بناته.
وقالت لزوجها إسحق أن يأمره بذلك ويوصيه ويدعو له ففعل فخرج يعقوب عليه السلام من عندهم من آخر ذلك اليوم (2) فأدركه المساء في موضع فنام فيه أخذ حجرا فوضعه تحت رأسه ونام فرأى في نومه ذلك معراجا منصوبا من السماء إلى الارض وإذا الملائكة يصعدون فيه وينزلون والرب تبارك وتعالى يخاطبه ويقول له إني سأبارك عليك وأكثر ذريتك وأجعل لك هذه الارض ولعقبك من بعدك.
فلما هب من نومه فرح بما رأى ونذر لله لئن رجع إلى أهله سالما ليبنين في هذا
الموضع معبد الله عزوجل وأن جميع ما يرزقه من شئ يكون لله عشره ثم عمد إلى ذلك الحجر
__________
(1) في الطبري: المس.
(2) في الطبري: فكان يسري بالليل ويكمن بالنهار ولذلك سمي إسرائيل [ * ]

(1/223)

فجعل عليه دهنا يتعرفه به وسمي ذلك الموضع بين إيل أي بيت الله وهو موضع بيت المقدس اليوم الذي بناه يعقوب بعد ذلك كما سيأتي قالوا فلما قدم يعقوب على خاله أرض حران إذا له ابنتان اسم الكبرى ليا واسم الصغرى راحيل وكانت أحسنهما.
وأجملهما [ فطلب يعقوب الصغرى من خاله ] (1) فأجابه إلى ذلك بشرط أن يرعى على غنمه سبع سنين فلما مضت المدة على خاله لا بان صنع طعاما وجمع الناس عليه وزف إليه ليلا ابنته الكبرى ليا وكانت ضعيفة العينين قبيحة المنظر.
فلما أصبح يعقوب إذا هي ليا فقال لخاله لم غدرت بي وأنت إنما خطبت إليك راحيل فقال إنه ليس من سنتنا أن نزوج الصغرى قبل الكبرى فان احببت أختها فاعمل سبع سنين أخرى وازوجكها فعمل سبع سنين وادخلها عليه مع أختها وكان ذلك سائغا في ملتهم ثم نسخ في شريعة التوراة * وهذا وحده دليل كاف على وقوع النسخ لان فعل يعقوب عليه السلام دليل على جواز هذا وإباحته لانه معصوم * ووهب لابان لكل واحدة من إبنتيه جارية فوهب لليا جارية إسمها زلفى ووهب لراحيل جارية اسمها بلهى * وجبر الله تعالى ضعف ليا بأن وهب لها أولادا فكان أول من ولدت ليعقوب روبيل ثم شمعون ثم لاوى ثم يهوذا فغارت عند ذلك راحيل وكانت لا تحبل فوهبت ليعقوب جاريتها بلهى فوطئها فحملت وولدت له غلاما سمته دان وحملت وولدت غلاما آخر سمته نيفتالي فعمدت عند ذلك ليا فوهبت جاريتها زلفى من يعقوب عليه السلام فولدت له جاد (2) وأشير غلامين ذكرين ثم حملت أيضا فولدت غلاما خامسا منها وسمته ايساخر (3) * ثم حملت وولدت غلاما سادسا سمته زابلون ثم حملت وولدت بنتا سمتها دينا فصار لها سبعة من يعقوب * ثم دعت الله تعالى راحيل وسألته أن يهب لها غلاما من يعقوب فسمع الله ندائها وأجاب دعائها فحملت من نبي الله يعقوب فولدت له غلاما (4) عظيما شريفا حسنا جميلا سمته يوسف كل هذا وهم مقيمون بأرض
حران (5) وهو يرعى على خاله غنمه بعد دخوله على البنتين ست سنين أخرى فصار مدة مقامه عشرين سنة فطلب يعقوب من خاله لابان أن يسرحه ليمر إلى أهله فقال له خاله اني قد بورك لي بسببك فسلني من مالي ما شئت فقال تعطيني كل حمل يولد من غنمك هذه السنة أبقع (6) وكل حمل ملمع أبيض بسواد وكل أملح (7) ببياض وكل أجلح (8) أبيض من المعز فقال نعم فعمد بنوه فابرزوا
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة واستدركت من الطبري وقصص الانبياء لابن كثير.
(2) كذا في الاصل وفي رواية للطبري ; وفي رواية أخرى عنده سماه: حادر.
(3) في الطبري: يسحر.
(4) في الطبري: ولدت راحيل ليعقوب بعد اليأس يوسف وأخاه بنيامين، وفي رواية أخرى عنده ماتت راحيل في نفاسها ببنيامين.
(5) في الطبري: بأرض بابل.
(6) أبقع: ما فيه بقع بيض وسود.
(7) الاملح: ما يخالط بياضه سواد.
(8) اجلح: ما لا قرن له.
[ * ]

(1/224)

من غنم أبيهم ما كان على هذه الصفات من التيوس لئلا يولد شئ من الحملان على هذه الصفات وساروا بها مسيرة ثلاثة أيام عن غنم أبيهم قالوا فعمد يعقوب عليه السلام إلى قضبان رطبة بيض من لوز وولب فكان يقشرها بلقا وينصبها في مساقي الغنم من المياه لينظر الغنم إليها فتفزع وتتحرك أولادها في بطونها فتصير ألوان حملانها كذلك وهذا يكون من باب خوارق العادات وينتظم في سلك المعجزات فصار ليعقوب عليه السلام أغنام كثيرة ودواب وعبيد وتغير له وجه خاله وبنيه وكأنهم انحصروا منه.
وأوحى الله تعالى إلى يعقوب أن يرجع إلى بلاد أبيه وقومه ووعده بأن يكون معه فعرض ذلك على أهله فأجابوه مبادرين إلى طاعته فتحمل بأهله وماله وسرقت راحيل (1) أصنام أبيها فلما جاوزوا
وتحيزوا عن بلادهم لحقهم لابان وقومه فلما اجتمع لابان بيعقوب عاتبه في خروجه بغير علمه وهلا أعلمه فيخرجهم في فرح ومزاهر وطبول وحتى يودع بناته وأولادهن ولم أخذوا أصنامه معهم ولم يكن عند يعقوب علم من أصنامه فأنكر أن يكون أخذوا له أصناما فدخل بيوت بناته وامائهن يفتش فلم يجد شيئا وكانت راحيل قد جعلتهن في بردعة الحمل وهي تحتها فلم تقم وأعتذرت بأنها طامث فلم يقدر عليهن فعند ذلك تواثقوا على رابية هناك يقال لها جلعاد على أنه لا يهبن بناته ولا يتزوج عليهن ولا يجاوز هذه الرابية إلى بلاد الآخر لا لابان ولا يعقوب وعملا طعاما وأكل القوم معهم وتودع كل منهما من الآخر وتفارقوا راجعين إلى بلادهم فلما اقترب يعقوب من أرض ساعير تلقته الملائكة يبشرونه بالقدوم وبعث يعقوب البرد إلى أخيه العيصو يترفق له ويتواضع له فرجعت البرد وأخبرت يعقوب بأن العيص قد ركب إليك في أربعمائة راجل فخشي يعقوب من ذلك ودعا الله عزوجل وصلى الله وتضرع إليه وتمسكن لديه وناشده عهده ووعده الذي وعده به وسأله أن يكف عنه شر أخيه العيص وأعد لاخيه هدية عظيمة وهي مائتا شاة وعشرون تيسا ومائتا نعجة وعشرون كبشا وثلاثون لقحة وأربعون بقرة وعشرة من الثيران وعشرون أتانا وعشرة من الحمر وأمر عبيده أن يسوقوا كلا من هذه الاصناف وحده وليكن بين كل قطيع وقطيع مسافة فإذا لقيهم العيص فقال للاول لمن أنت ولمن هذه معك فليقل لعبدك يعقوب أهداها لسيدي العيص وليقل الذي بعده كذلك وكذا الذي بعده ويقول كل منهم وهو جائي بعدنا وتأخر يعقوب بزوجتيه وأمتيه وبنيه الاحد عشر بعد الكل بليلتين وجعل يسير فيهما ليلا ويكمن نهارا فلما كان وقت الفجر من الليلة الثانية تبدا له ملك من الملائكة في صورة رجل فظنه يعقوب رجلا من الناس فأتاه يعقوب ليصارعه ويغالبه فظهر عليه يعقوب فيما يرى إلا أن الملك أصاب وركه فعرج يعقوب فلما أضاء الفجر قال له الملك ما اسمك قال يعقوب قال لا ينبغي أن تدعى بعد اليوم إلا اسرائيل فقال له يعقوب ومن أنت وما أسمك فذهب عنه فعلم أنه ملك من الملائكة وأصبح يعقوب وهو يعرج من رجله فلذلك لا يأكل
__________
(1) في الطبري: فقالت امرأة يعقوب، ولم يذكر اسمها، وعلى الارجح فيما رواه الطبري انها ليا ; لانه اعتبر في نفس الرواية ان راحيل قد ماتت.
1 / 165.
[ * ]

(1/225)

بنو اسرائيل عرق النساء ورفع يعقوب عينيه فإذا أخوه عيصو قد أقبل في أربعمائة رجل فتقدم أمام أهله فلما رأى أخاه العيص سجد له سبع مرات وكانت هذه تحيتهم في ذلك الزمان وكان مشروعا لهم كما سجدت الملائكة لآدم تحية له وكما سجد أخوه يوسف وأبواه له كما سيأتي فلما رآه العيص تقدم إليه وأحتضنه وقبله وبكى ورفع العيص عينيه ونظر إلى النساء والصبيان فقال من أين لك هؤلاء فقال هؤلاء الذين وهب الله لعبدك فدنت الامتان وبنوهما فسجدوا له ودنت ليا وبنوها فسجدوا له ودنت راحيل وابنها يوسف فخرا سجدا له وعرض عليه أن يقبل هديته وألح عليه فقبلها ورجع العيص فتقدم أمامه ولحقه يعقوب بأهله وما معه من الانعام والمواشي والعبيد قاصدين جبال ساعير فلما مر بساحور ابتنى له بيتا ولدوا به ظلالا ثم مر على أورشليم قرية شخيم فنزل قبل القرية واشترى مزرعة شخيم بن جمور بمائة نعجة فضرب هنالك فسطاطه وابتنى ثم مذبحا فسماه إيل إله اسرائيل وأمر الله ببنائه ليستعلن له فيه * وهو بيت المقدس اليوم الذي جدده بعد ذلك سليمان بن داود عليهما السلام وهو مكان الصخرة التي أعلمها بوضع الدهن عليها قبل ذلك كما ذكرنا أولا.
وذكر أهل الكتاب هنا قصة دينا بنت يعقوب بنت ليا وما كان من أمرها مع شخيم بن جمور الذي قهرها على نفسها وأدخلها منزله ثم خطبها عن أبيها وأخوتها فقال إخوتها إلا أن تختتنوا كلكم فنصاهركم وتصاهرونا فإنا لا نصاهر قوما غلفا فأجابوهم إلى ذلك واختتنوا كلهم فلما كان اليوم الثالث واشتد وجعهم من ألم الختان مال عليهم بنو يعقوب فقتلوهم عن آخرهم وقتلوا شخيما وأباه جمور لقبيح ما صنعوا إليهم مضافا إلى كفرهم وما كانوا يعبدونه من أصنامهم فلهذ قتلهم بنو يعقوب وأخذوا أموالهم غنيمة.
ثم حملت راحيل (1) فولدت غلاما وهو بنيامين إلا أنها جهدت في طلقها به جهدا شديدا وماتت عقيبه فدفنها يعقوب في أفراث وهي بيت لحم وصنع يعقوب على قبرها حجرا وهي الحجارة المعروفة بقبر راحيل إلى اليوم * وكان أولاد يعقوب الذكور اثنى عشر رجلا فمن ليا روبيل وشمعون
ولاوى ويهوذا وايساخر وزايلون ومن راحيل يوسف وبنيامين (2) ومن أمة راحيل دان ونفتالي ومن أمة ليا حاد واشير عليهم السلام وجاء يعقوب إلى أبيه إسحاق فأقام عنده بقرية حبرون التي في أرض كنعان حيث كان يسكن ابراهيم ثم مرض اسحاق ومات عن مائة وثمانين سنة ودفنه ابناه العيص ويعقوب مع أبيه ابراهيم الخليل في المغارة التي اشتراها كما قدمنا.
__________
(1) في رواية الطبري ان راحيل قد ولدت بنيامين وهم في ديار أبيها قبل خروجهم إلى أرض فلسطين.
راجع التعليق قبل قليل.
(2) زاد ابن قتيبة في المعارف: وأخوات لهما، ولم يذكر اسماءهن.
[ * ]

(1/226)

ما وقع من الامور العجيبة في حياة اسرائيل فمن ذلك قصة يوسف (1) بن راحيل وقد أنزل الله عزوجل في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم ليتدبر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والامر الحكيم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (بسم الله الرحمن الرحيم آلر تلك آيات الكتاب المبين إنا انزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون.
نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا اليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) [ يوسف: 1 - 3 ] قد تكلمنا على الحروف المقطعة في أول تفسير سورة البقرة فمن أراد تحقيقه فلينظره ثم * وتكلمنا على هذه السورة مستقصى في موضعها من التفسير ونحن نذكر ههنا نبذا مما هناك على وجه الايجاز والنجاز.
وجملة القول في هذا المقام أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الذي انزله على عبده ورسوله الكريم بلسان عربي فصيح بين واضح جلي يفهمه كل عاقل ذكي زكي فهو أشرف كتاب نزل من السماء، أنزله أشرف الملائكة على أشرف الخلق في أشرف زمان ومكان.
بأفصح لغة وأظهر بيان.
فإن كان السياق في الاخبار الماضية أو الآتية ذكر أحسنها وأبينها وأظهر الحق مما اختلف الناس فيه ودمغ الباطل وزيفه ورده.
وإن كان في الاوامر والنواهي فأعدل الشرائع وأوضح المناهج وأبين
حكما (2) وأعدل حكما.
فهو كما قال تعالى (وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا) [ الانعام: 115 ].
يعني صدقا في الاخبار، عدلا في الاوامر والنواهي ولهذا قال تعالى (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) [ يوسف: 3 ] أي بالنسبة إلى ما أوحى اليك فيه كما قال تعالى (وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الارض ألا إلى الله تصير الامور) [ الشورى: 52 - 53 ].
وقال تعالى (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق.
وقد آتيناك من لدنا ذكرا.
من أعرض عنه فانه يحمل يوم القيامة وزرا.
خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا) [ طه: 99 - 101 ] يعني من أعرض عن هذا القرآن واتبع غيره من الكتب فإنه يناله هذا الوعيد كما قال في الحديث المروي في المسند والترمذي عن أمير المؤمنين علي مرفوعا وموقوفا
__________
(1) ذكر اسم يوسف في 26 آية من الكتاب الكريم: 24 آية في سورة يوسف وآية في الانعام (84) وآية في غافر (34) وقد ذكرت قصته مطولة في سورة يوسف.
وقال النسفي في سبب نزول هذه السورة: ان كفار مكة لقي بعضهم اليهود وتباحثوا في ذكر محمد صلى الله عليه وسلم فقال لهم اليهود: سلوه لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر ؟ وعن قصة يوسف.
فنزلت.
(2) وفي نسخة: حكمة.
[ * ]

(1/227)

" من ابتغى الهدى في غيره أضله الله ".
وقال الامام أحمد حدثنا سريج بن النعمان حدثنا هشام أنبأنا خالد (1) عن الشعبي عن جابر: أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال فغضب وقال: " أتتهوكون (2) فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شئ فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني " (3) إسناد صحيح.
ورواه أحمد من وجه آخر عن عمرو فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم
موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الامم وأنا حظكم من النبيين " (4) وقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة يوسف.
وفي بعضها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال في خطبته: " أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه واختصر لي اختصارا ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون.
ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفا حرفا (إذ قال يوسف لابيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين.
قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للانسان عدو مبين.
وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم واسحق ان ربك عليم حكيم) [ يوسف: 4 - 6 ] قد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولدا ذكرا وسميناهم وإليهم تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف عليه السلام وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبي غيره وباقي إخوته لم يوح إليهم.
وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول * ومن استدل على نبوتهم بقوله (قالوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى إبراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب والاسباط) [ البقرة: 136 ] وزعم أن هؤلاء هم الاسباط فليس استدلاله بقوي (5) لان المراد بالاسباط شعوب بني اسرائيل وما كان يوجد فيهم من الانبياء الذين ينزل عليهم الوحي من السماء والله أعلم.
ومما يؤيد أن يوسف عليه السلام هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة أنه نص على واحد من إخوته سواه فدل على ما ذكرناه ويستأنس لهذا بما قال الامام أحمد: حدثنا: عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمن، عن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الكريم بن الكريم ابن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحق بن
__________
(1) في المسند: عن هشيم عن مجالد.
(2) في المسند: أمتهوكون ; والتهوك: التحير.
(3) مسند أحمد: ج 3 / 388.
(4) مسند أحمد: ج 3 / 471.
(5) وفي نسخة: بالقوي.
[ * ]

(1/228)

ابراهيم " (1) " انفرد به البخاري ; فرواه عن عبد الله بن محمد وعبدة بن عبد الصمد بن عبد الوارث به * وقد ذكرنا طرقه في قصة إبراهيم بما أغنى عن إعادته ههنا ولله الحمد والمنه * قال المفسرون وغيرهم رأى يوسف عليه السلام وهو صغير قبل أن يحتلم كأن (أحد عشر كوكبا) وهم اشارة إلى بقية اخوته (والشمس والقمر) وهما عبارة عن أبويه قد سجدوا له فهاله ذلك فلما استيقظ قصها على أبيه فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة بحيث يخضع له أبواه وإخوته فيها فأمره بكتمانها وأن لا يقصها على إخوته كيلا يحسدوه ويبغوا له الغوائل ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر وهذا يدل على ما ذكرناه * ولهذا جاء في بعض الآثار: " استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود "، وعند أهل الكتاب أنه قصها على أبيه وإخوته معا وهو غلط منهم (وكذلك يجتبيك ربك) أي وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة فإذا كتمتها (يجتبيك ربك) أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة (ويعلمك من تأويل الاحاديث) أي يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك (ويتم نعمته عليك) أي بالوحي إليك (وعلى آل يعقوب) آي بسببك ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة (كما أتمها على أبويك من قبل ابراهيم وإسحق) أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنبوة كما أعطاها أباك يعقوب وجدك إسحق ووالد جدك إبراهيم الخليل (إن ربك عليم حكيم) كما قال تعالى (الله أعلم حيث يجعل رسالته).
لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل أي الناس أكرم قال: " يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله " (2) وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما وأبو يعلى والبزار في مسنديهما من حديث الحكم بن ظهير (3) وقد ضعفه الائمة - عن السدي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود يقال له بستانة اليهودي فقال: يا محمد أخبرني عن
الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له ما أسماؤها.
قال فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشئ ونزل جبريل عليه السلام بأسمائها قال فبعث إليه رسول الله فقال: " هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها قال نعم فقال هي جريان والطارق.
والديال وذو الكتفان.
وقابس.
ووثاب.
وعمردان (4) والفيلق.
والمصبح.
والضروح.
وذو الفرع.
والضياء.
والنور " فقال اليهودي أي والله إنها لاسماؤها.
وعند أبي يعلى فلما قصها على أبيه قال هذا أمر مشتت يجمعه الله والشمس أبوه والقمر أمه.
(لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين.
إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا
__________
(1) تقدم التعليق فليراجع.
(2) تقدم تخريجه فليراجع.
(3) الحكم بن ظهير الفزاري، أبو محمد وكنية أبيه أبو ليلى ; متروك.
اتهمه ابن معين تقريب التهذيب 1 / 485 / 191.
(4) في نسخة: عمودان.
[ * ]

(1/229)

منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين.
اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين.
قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين) [ يوسف: - 10 ].
ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم والدلالات والمواعظ والبينات.
ثم ذكر حسد إخوة يوسف له على محبة أبيه له ولاخيه يعنون شقيقه لامه بنيامين أكثر منهم وهم عصبة أي جماعة يقولون فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين (إن أبانا لفي ضلال مبين) أي بتقديمه حبهما علينا * ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها ليخلو لهم وجه أبيهم أي لتتمحض (1) محبته لهم وتتوفر عليهم وأضمروا التوبة بعد ذلك.
فلما تمالؤا على ذلك وتوافقوا عليه (قال قائل منهم) قال مجاهد هو شمعون * وقال السدي هو يهودا * وقال قتادة ومحمد بن اسحق هو أكبرهم روبيل (لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة) أي
المارة من المسافرين (ان كنتم فاعلين) ما تقولون لا محالة فليكن هذا الذي أقول لكم فهو أقرب حالا من قتله أو نفيه وتغريبه فأجمعوا رأيهم على هذا فعند ذلك (قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون.
قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون.
قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون) [ يوسف: 11 - 14 ] طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم وأن يلعب وينبسط وقد أضمروا له ما الله به عليم فأجابهم الشيخ عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم.
يا بني يشق علي أن أفارقه ساعة من النهار ومع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم وما أنتم فيه فيأتي الذئب فيأكله ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه.
(قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون) أي لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة إنا إذا لخاسرون أي عاجزون هالكون.
وعند أهل الكتاب أنه أرسله وراءهم يتبعهم فضل عن الطريق حتى أرشده رجل إليهم.
وهذا أيضا من غلطهم وخطئهم في التعريب فإن يعقوب عليه السلام كان أحرص عليه من أن يبعثه معهم فكيف يبعثه وحده (فلما ذهبوا به واجمعوا ان يجعلوه في غيابت (2) الجب وأوحينا إليه لننبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون وجاؤا أباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين.
وجاؤا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل.
والله المستعان على ما تصفون) [ يوسف: 15 - 18 ] لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم فما كان إلا أن غابوا عن عينيه فجعلوا يشتمونه ويهينونه بالفعال والمقال
__________
(1) تتمحض المحبة: تكون خالصة لهم.
(2) غيابة الجب: غوره.
[ * ]

(1/230)

واجمعوا على إلقائه في غيابت الجب أي في قعره على راعوفته وهي الصخرة التي تكون في وسطه يقف عليها المائح وهو الذي ينزل ليملي الدلاء إذا قل الماء والذي يرفعها بالحبل يسمى الماتح فلما ألقوه
فيه أوحى الله إليه أنه لابد لك من فرج ومخرج من هذه الشدة التي أنت فيها ولتخبرن أخوتك بصنيعهم هذا في حال أنت فيها عزيز وهم محتاجون إليك خائفون منك (وهم لا يشعرون).
قال مجاهد وقتادة وهم لا يشعرون بايحاء الله إليه ذلك * وعن ابن عباس وهم لا يشعرون أي لتخبرنهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها * رواه ابن جرير عنه * فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه أخذوا قميصه فلطخوه بشئ من دم ورجعوا إلى أبيهم عشاء وهم يبكون أي على أخيهم.
ولهذا قال بعض السلف لا يغرنك بكاء المتظلم فرب ظالم وهو باك وذكر بكاء إخوة يوسف وقد جاءوا أباهم عشاء يبكون أي في ظلمة الليل ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم (قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا) أي ثيابنا (فأكله الذئب) أي في غيبتنا عنه في استباقنا وقولهم (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) أي وما أنت بمصدق لنا في الذي أخبرناك من أكل الذئب له ولو كنا غير متهمين عندك فكيف وأنت تتهمنا في هذا فإنك خشيت أن يأكله الذئب وضمنا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله فصرنا غير مصدقين عندك فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه.
(وجاؤا على قميصه بدم كذب) أي مكذوب مفتعل لانهم عمدوا إلى سخلة (1) ذبحوها فأخذوا من دمها فوضعوه على قميصه ليوهموا أنه أكله الذئب قالوا ونسوا أن يخرقوه وآفة الكذب النسيان * ولما ظهرت عليهم علائم الريبة لم يرج صنيعهم على أبيهم فإنه كان يفهم عداوتهم له وحسدهم إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم لما كان يتوسم فيه من الجلالة والمهابة التي كانت عليه في صغره لما يريد الله أن يخصه به من نبوته * ولما راودوه عن أخذه فبمجرد ما أخذوه وأعدموه وغيبوه عن عينيه جاؤا وهم يتباكون وعلى ما تمالؤا عليه يتواطؤن ولهذا (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون).
وعند أهل الكتاب: أن روبيل أشار بوضعه في الجب ليأخذه من حيث لا يشعرون ويرده إلى أبيه، فغافلوه وباعوه لتلك القافلة.
فلما جاء روبيل من آخر النار ليخرج يوسف لم يجده، فصاح وشق ثيابه، وعمد أولئك إلى جدي فذبحوه، ولطخوا من دمه جبة يوسف.
فلما علم يعقوب شق ثيابه، ولبس مئزرا أسود وحزن على إبنه أياما كثيرة.
وهذه الركاكة جاءت من خطئهم
في التعبير والتصوير [ وقال تعالى ]: (وجاءت سيارة فارسلوا واردهم فادلى دلوه.
قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون.
وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين.
وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا ونتخذه ولدا.
وكذلك مكنا ليوسف في الارض ولنعلمه من تأويل الاحاديث.
والله غالب على أمره ولكن أكثر
__________
(1) سخلة: ولد الشاة.
[ * ]

(1/231)

الناس لا يعلمون.
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) [ يوسف: 19 - 22 ] يخبر تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب: أنه جلس ينتظر فرج الله ولطفه به، فجاءت سيارة أي مسافرون.
قال أهل الكتاب: كانت بضاعتهم من الفستق والصنوبر والبطم قاصدين ديار مصر من الشام، فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر، فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه (1) يوسف فلما رآه ذلك الرجل (قال يا بشرى) أي يا بشارتي (هذا غلام وأسروه بضاعة) أي أوهموا أنه معهم غلام من جملة متجرهم (والله عليم بما يعملون) أي هو عالم بما تمالا عليه أخوته وبما يسره واجدوه من أنه بضاعة لهم ومع هذا لا يغيره تعالى لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقدر السابق والرحمة بأهل مصر مما يجري الله على يدي هذا الغلام الذي يدخلها في صورة أسير رقيق ثم بعد هذا يملكه ازمة الامور وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم بما لا يحد ولا يوصف.
ولما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيارة له لحقوهم وقالوا هذا غلامنا أبق منا، فاشتروه منهم * بثمن بخس أي قليل نزر وقيل هو الزيف (دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين).
قال ابن مسعود وابن عباس ونوف اليكالي والسدي وقتادة وعطية العوفي باعوه بعشرين درهما اقتسموها درهمين درهمين.
وقال مجاهد اثنان وعشرون درهما.
وقال عكرمة ومحمد بن اسحق أربعون درهما فالله أعلم (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته اكرمي مثواه) أي أحسني إليه (عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) وهذا من لطف
الله به ورحمته وإحسانه إليه بما يريد أن يؤهله له ويعطيه من خيري الدنيا والآخرة.
قالوا وكان الذي اشتراه من أهل مصر عزيزها وهو الوزير بها الذي [ تكون ] الخزائن مسلمة إليه * قال ابن اسحق وإسمه اطفير (2) بن روجيب قال وكان ملك مصر يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق قال واسم امرأة العزيز راعيل بنت رعاييل.
وقال غيره كان اسمها زليخا والظاهر أنه لقبها.
وقيل فكا بنت ينوس رواه الثعلبي عن أبي هشام (3) الرفاعي.
وقال محمد بن اسحق عن محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس كان اسم الذي باعه بمصر يعني الذي جلبه إليها مالك بن ذعر بن نويب بن عفقا (4) بن مديان بن ابراهيم فالله أعلم.
وقال ابن اسحق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال أفرس الناس ثلاثة عزيز مصر حين قال لامرأته اكرمي مثواه والمرأة التي قالت لابيها عن موسى (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت
__________
(1) في نسخة: تعلق به.
(2) في رواية للطبري عن ابن عباس اسمه قطفير ; وفي رواية أخرى قطين وكان عمره يوم اشتروه سبع عشرة سنة.
(3) في نسخة: ابن هشام.
(4) في الطبري: مالك بن دعر بن بويب بن عفقان.
[ * ]

(1/232)

القوي الامين) [ القصص: 26 ] وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
ثم قيل اشتراه العزيز بعشرين دينارا.
وقيل بوزنه مسكا ووزنه حريرا ووزنه ورقا.
فالله أعلم وقوله (وكذلك مكنا ليوسف في الارض) أي وكما قيضنا هذا العزيز وامرأته يحسنان إليه ويعتنيان به مكنا له في أرض مصر (ولنعلمه من تأويل الاحاديث) أي فهمها.
وتعبير الرؤيا من ذلك (والله غالب على أمره) أي إذا أراد شيئا فإنه يقيض له أسبابا وامورا لا يهتدي إليها العباد ولهذا قال تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين).
فدل على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الاشد.
وهو حد الاربعين الذي يوحي الله
فيه إلى عبادة النبيين عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين.
وقد اختلفوا في مدة العمر الذي هو بلوغ الاشد: فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشعبي: هو الحلم.
وقال سعيد بن جبير: ثماني عشرة سنة.
وقال الضحاك: عشرون سنة.
وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة.
وقال السدي: ثلاثون سنة، وقال ابن عباس ومجاهد: وقتادة ثلاث وثلاثون سنة.
وقال الحسن: أربعون سنة، ويشهد له قوله تعالى (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة) [ الاحقاف: 15 ].
(وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الابواب.
وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون.
ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر والفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم.
قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين.
وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين.
فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف اعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) [ يوسف: 23 - 29 ].
يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه، وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب، وكيف غلقت الابواب عليها وعليه وتهيأت له، وتصنعت، ولبست أحسن ثيابها، وأفخر لباسها، وهي مع هذا كله امرأة الوزير * قال ابن اسحق: وبنت أخت الملك الريان بن الوليد صاحب مصر.
وهذا كله مع أن يوسف عليه السلام شاب بديع الجمال والبهاء، إلا أنه نبي من سلالة الانبياء، فعصمه ربه عن الفحشاء.
وحماه عن مكر النساء.
فهو سيد السادة النجباء السبعة الاتقياء.
المذكورين في الصحيحين عن خاتم الانبياء.
في قوله عليه الصلاة والسلام من رب الارض والسماء: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل.
ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه.
ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه.
ورجلان تحابا في الله إجتمعا عليه وتفرقا عليه.
ورجل تصدق بصدقة فأخفاها

(1/233)

حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وشاب نشأ في عبادة الله.
ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله " (1).
والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص فقال (معاذ الله إنه ربي) يعني زوجها صاحب المنزل سيدي (أحسن مثواي) أي أحسن إلي وأكرم مقامي عنده (إنه لا يفلح الظالمون) وقد تكلمنا على قوله (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) بما فيه كفاية ومقنع في التفسير (2).
وأكثر أقوال المفسرين ههنا متلقى من كتب أهل الكتاب فالاعراض عنه أولى بنا * والذي يجب أن يعتقد أن الله تعالى عصمه وبرأه ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها * ولهذا قال تعالى (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين.
واستبقا الباب) أي هرب منها طالبا إلى الباب ليخرج منه فرارا منها فاتبعته في أثره (والفيا) أي وجدا (سيدها) أي زوجها لدى الباب فبدرته بالكلام وحرضته عليه (قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب اليم).
اتهمته وهي المتهمة وبرأت عرضها ونزهت ساحتها فلهذا قال يوسف عليه السلام (هي راودتني عن نفسي) إحتاج إلى أن يقول الحق عند الحاجة (وشهد شاهد من أهلها) قيل كان صغيرا في المهد قاله ابن عباس * وروي عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك واختاره ابن جرير.
وروي فيه حديثا مرفوعا عن ابن عباس ووقفه غيره عنه * وقيل كان رجلا قريبا إلى أطفير بعلها.
وقيل قريبا إليها * وممن قال إنه كان رجلا ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن اسحاق وزيد بن أسلم فقال (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين) أي لانه يكون قد راودها فدافعته حتى قدت مقدم قميصه (وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين) أي لانه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك وكذلك كان.
ولهذا قال تعالى (فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم) أي هذا الذي جرى من
مكركن أنت (3) راودته عن نفسه * ثم اتهمته بالباطل ثم ضرب بعلها عن هذا صفحا فقال (يوسف أعرض عن هذا) أي لا تذكره لاحد لان كتمان مثل هذه الامور هو الاليق والاحسن وأمرها بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها والتوبة إلى ربها فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه.
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: فتح الباري 10 / 36 / 660 و 24 / 26 و 81 / 24 وأخرجه مسلم في صحيحه 12 / 30 / 91 والترمذي في سننه 37 / 53 / 2391 والنسائي ومالك في الموطأ 51 / 5 / 14 وأحمد في مسنده 2 / 439.
(2) يراجع تفسير ابن كثير ; تفسير سورة يوسف.
(3) في نسخة: أنت الذي راودتيه عن نفسه.
ثم اتهمتيه بالباطل.
[ * ]

(1/234)

وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الاصنام إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك * ولهذا قال لها بعلها وعذرها من بعض الوجوه لانها رأت ما لا صبر لها على مثله إلا أنه عفيف نزيه برئ العرض سليم الناحية فقال (استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) (1).
(وقال (2) نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين.
فلما سمعت بمكرهن أرسلت اليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن.
فلما رأينه أكبرنه وقطعن إيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم.
قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين.
قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين.
فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم) [ يوسف: 30 - 34 ] * يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة، من نساء الامراء وبنات الكبراء (3) في الطعن على إمرأة العزيز وعيبها، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها، وحبها الشديد له، وهو لا يساوي هذا لانه مولى من الموالي وليس مثله أهلا لهذا ولهذا قلن (إنا لنراها في ضلال مبين) أي في وضعها الشئ في غير محله (فلما سمعت بمكرهن) أي بتشنيعهن
عليها والتنقص لها والاشارة إليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها فأظهرن ذما وهي معذورة في نفس الامر، فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن، وتبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن، ولا من قبيل ما لديهن فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها.
واعتدت لهن ضيافة مثلهن، وأحضرت في جملة ذلك شيئا مما يقطع بالسكاكين، كالاترج ونحوه، وأتت كل واحدة منهن سكينا، وكانت قد هيأت يوسف عليه السلام وألبسته أحسن الثياب وهو في غاية طراوة الشباب، وأمرته بالخروج عليهن بهذه (4) الحالة.
فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة.
(فلما رأينه أكبرنه) أي اعظمنه وأجللنه وهبنه (5) وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم وبهرهن حسنه
__________
(1) سورة يوسف الآية 29 وفيها: (واستغفري..) رجح الرازي أن يكون القائل هو الشاهد ; ويحتمل أن يكون المراد طلب المغفرة من الزوج أي طلب العفو والصفح، ويحتمل أن يكون المراد بالاستغفار من الله.
لان أولئك الاقوام كانوا يثبتون الصانع ; إلا انهم كانوا يعبدون الاوثان.
(2) قوله (وقال نسوة) قال الرازي في تفسيره: لم يقل: وقالت نسوة لوجهين: - إن النسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنبته غير حقيقي فلذلك لم يلحق فعله تاء التأنيث.
الثاني - قال الواحدي تقدم الفعل يدعو إلى إسقاط علامة التأنيث على قياس إسقاط علامة التثنية والجمع.
(3) قال في تفسير الرازي: قال الكلبي هن أربع: امرأة ساقي العزيز، وامرأة خبازه، وامرأة صاحب سجنه - وامرأة صاحب دوابه.
وزاد مقاتل: وامرأة الحاجب.
(4) في نسخة: في هذه.
(5) في قول للرازي: أكبرن بمعنى حضن، قال الازهري يقال: أكبرت المرأة إذا حاضت ; وهو أن المرأة إذا خافت = وفزعت فربما اسقطت ولدها ; وربما حاضت.
[ * ]

(1/235)

حتى اشتغلن عن أنفسهن وجعلن يحززن في إيديهن بتلك الساكين ولا يشعرن بالجراح (وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم).
وقد جاء في حديث الاسراء: " فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن ".
قال السهيلي وغيره من الائمة: معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام، لان الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه فكان في غاية نهايات الحسن البشرى، ولهذا يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم وحسنه، ويوسف كان على النصف من حسن آدم.
ولم يكن بينهما أحسن منهما، كما أنه لم تكن أنثى بعد حواء أشبه بها من سارة إمرأة الخليل عليه السلام.
قال ابن مسعود: وكان وجه يوسف مثل البرق، وكان إذا أتته امرأة لحاجة غطى وجهه * وقال غيره: كان في الغالب مبرقعا لئلا يراه الناس.
ولهذا لما قام عذر (1) امرأة العزيز في محبتها لهذا المعنى المذكور، وجرى لهن وعليهن ما جرى، من تقطيع أيديهن بجراح السكاكين، وما ركبهن من المهابة والدهش عند رؤيته ومعاينته: (قالت فذلكن الذي لمتنني فيه) ثم مدحته بالعصمة (2) التامة فقالت (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) أي امتنع (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين) وكان بقية النساء حرضنه على السمع والطاعة لسيدته، فأبى أشد الاباء.
ونأى لانه من سلالة الانبياء ودعا فقال في دعائه لرب العالمين (رب السجن أحب الي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين) يعني إن وكلتني إلى نفسي، فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله فأنا ضعيف إلا ما قويتني وعصمتني وحفظتني وحطني بحولك وقوتك.
ولهذا قال تعالى: (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم.
ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين.
ودخل معه السجن فتيان.
قال احدهما إني أراني أعصر خمرا.
وقال الآخر إني أراني احمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين.
قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون.
واتبعت ملة آبائي إبراهيم واسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.
يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار.
ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا
__________
= وقال: وعندي يحتمل انهن إنما أكبرنه لانهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة، وآثار الخضوع والاحتشام.
وحمل الآية على هذا الوجه أولى.
18 / 127 - 128.
(1) في نسخة عذرن ; وهو مناسب أكثر.
(2) في نسخة بالعفة.
وفي نسخة أخرى: بالعصمة والعفة.
[ * ]

(1/236)

إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضى الامر الذي فيه تستفتيان) [ يوسف: 34 - 41 ].
يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم أي ظهر لهم من الرأي بعدما علموا براءة يوسف أن يسجنوه إلى وقت ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية وأخمد لامرها وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها فسجنوه ظلما وعدوانا.
وكان هذا مما قدر الله له * ومن جملة ما عصمه به فإنه أبعد له عن معاشرتهم.
ومخالطتهم * ومن ههنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعي أن من العصمة أن لا تجد.
قال الله (ودخل معه السجن فتيان) قيل كان أحدهما ساقي الملك واسمه فيما قيل " بنو " (1).
والآخر خبازه يعني الذي يلي طعامه وهو الذي يقول له الترك " الجاشنكير " واسمه فيما قيل " مجلث " (2) كان الملك قد اتهمهما في بعض الامور فسجنهما * فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته وهديه ودله وطريقته وقوله وفعله وكثرة عبادته ربه وإحسانه إلى خلقه فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه * قال أهل التفسير رأيا في ليلة واحدة * أما الساقي فرأى كأن ثلاث قضبان من حبلة وقد أورقت وأينعت عناقيد العنب فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه، ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز وضواري الطيور تأكل من السل الاعلى فقصاها عليه وطلبا منه أن يعبرهما لهما وقالا (إنا نراك من المحسنين) فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها خبير بأمرها و (قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما) * قيل معناه مهما رأيتما من حلم فأني أعبره لكم قبل وقوعه فيكون كما أقول * وقيل معناه إني أخبركما بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلوا أو حامضا كما قال عيسى (وانبئكم بما تأكلون وما
تدخرون في بيوتكم) [ آل عمران: 49 ] وقال لهما إن هذا من تعليم الله إياي لاني مؤمن به موحد له متبع ملة آبائي الكرام إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب (ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا) أي بأن هدانا لهذا (وعلى الناس) أي بأن امرنا أن ندعوهم إليه ونرشدهم وندلهم عليه وهو في فطرهم مركوز وفي جبلتهم مغروز (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) * ثم دعاهم إلى التوحيد وذم عبادة ما سوى الله عزوجل وصغر أمر الاوثان وحقرها وضعف أمرها.
فقال (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله) [ يوسف: 39 - 40 ] أي هو المتصرف في خلقه الفعال لما يريد الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء (أمر أن لا تعبدوا إلا أياه) أي وحده لا شريك له و (ذلك الدين القيم) أي المستقيم والصراط القويم (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أي فهم لا يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره وكانت دعوته لهما في هذه الحال في غاية الكمال لان نفوسهما معظمة له منبعثة على تلقي ما يقول
__________
(1) في نسخة نبوا وفي الطبري نبو.
(2) في الطبري: محلب.
[ * ]

(1/237)

بالقبول فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الانفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه * ثم لما قام بما وجب عليه وارشد إلى ما أرشد إليه قال (يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا) قالوا وهو الساقي (وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه) قالوا وهو الخباز (قضي الامر الذي فيه تستفتيان) أي وقع هذا لا محالة ووجب كونه على حالة ولهذا جاء في الحديث: " الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت ".
وقد روي عن بن مسعود ومجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (أنهما قالا لم نر شيئا) فقال لهما (قضي الامر الذي فيه تستفتيان.
وقال للذي ظن أنه ناج منها اذكرني عند ربك فانساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين) [ يوسف: 42 ] يخبر تعالى أن يوسف عليه
السلام قال للذي ظنه ناجيا منها وهو الساقي (أذكرني عند ربك) يعني اذكر أمري وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك * وفي هذا دليل على جواز السعي في الاسباب * ولا ينافي ذلك التوكل على رب الارباب.
وقوله (فأنساه الشيطان ذكر ربه) أي فانسى الناجي منهما الشيطان أن يذكر ما وصاه به يوسف عليه السلام * قاله مجاهد ومحمد بن اسحق وغير واحد وهو الصواب وهو منصوص أهل الكتاب (فلبث يوسف في السجن بضع سنين) والبضع ما بين الثلاث إلى التسع * وقيل إلى السبع * وقيل إلى الخمس * وقيل ما دون العشرة.
حكاها الثعلبي * ويقال بضع نسوة وبضعة رجال * ومنع الفراء استعمال البضع فيما دون العشر قال وإنما يقال نيف.
وقال الله تعالى (فلبث في السجن بضع سنين) وقال تعالى (في بضع سنين) [ الروم: 2 ] وهذا رد لقوله * قال الفراء: ويقال بضعة عشر وبضعة وعشرون إلى التسعين ولا يقال بضع ومائة وبضع وألف وخالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر فمنع أن يقال بضعة وعشرون إلى تسعين * وفي الصحيح: " الايمان بضع وستون " وفي رواية وسبعون شعبة، أعلاها (1) قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الاذى عن الطريق " (2).
ومن قال إن الضمير في قوله (فأنساه الشيطان ذكر ربه) عائد على يوسف فقد ضعف ما قاله وإن كان قد روي عن ابن عباس وعكرمة والحديث الذي رواه ابن جرير (3) في هذا الموضع ضعيف من كل وجه * تفرد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي (4) المكي وهو
__________
(1) في نسخة وأعلاها وفي نسخة أخرى وأرفعها.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه: فتح الباري 2 / 3 ورواه مسلم في 1 / 57 / 58 وأبو داود والنسائي في سننيهما وابن ماجة في المقدمة وأحمد في مسنده 2 / 144 - 379 - 445.
(3) تاريخ الطبري ج 1 / 177 وفي إسناده: عن وكيع عن عمرو بن محمد عن إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار..(4) في نسخة خوذي وفي نسخة الخوري والصواب الخوزي.
نسبة إلى خوز وهو هنا شعب مكة يسمى شعب الخوز وليس منسوبا إلى خوزستان.
وهو أبو إسماعيل المكي، مولى بني أمية - متروك تقريب التهذيب 1 / 46.
[ * ]

(1/238)

متروك.
ومرسل الحسن وقتادة لا يقبل ولا ههنا بطريق الاولى والاخرى والله أعلم.
فأما قول ابن حبان في صحيحه، [ عند ] ذكر السبب الذي من أجله لبث يوسف في السجن ما لبث، أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي، ثنا مسدد بن مسرهد، ثنا خالد بن عبد الله، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها: اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ما لبث ورحم الله لوطا أن كان ليأوي إلى ركن شديد إذ قال لقومه لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد قال: فما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة من قومه ".
فإنه حديث منكر من هذا الوجه ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة وهذه اللفظة من أنكرها وأشدها.
والذي في الصحيحين يشهد بغلطها والله أعلم.
(وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات.
يا أيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون.
قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين.
وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون.
يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون.
قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون.
ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون.
ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون) [ يوسف: 43 - 49 ] هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف عليه السلام من السجن على وجه الاحترام والاكرام، وذلك أن ملك مصر، وهو الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشه بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رأى هذه الرؤيا.
قال أهل الكتاب رأى كأنه على حافة نهر وكأنه قد خرج منه سبع بقرات سمان فجعلن يرتعن في روضة هناك فخرجت سبع هزال ضعاف من ذلك النهر، فرتعن معهن، ثم ملن عليهن، فأكلنهن فاستيقظ مذعورا.
ثم نام فرأى سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة، وإذا سبع
أخر دقاق يابسات فأكلنهن، فاستيقظ مذعورا.
فلما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها بل (قالوا أضغاث أحلام) أي أخلاط أحلام من الليل لعلها لا تعبير لها، ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك، ولهذا قالوا (وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين) فعند ذلك تذكر الناجي منهما الذي وصاه يوسف بأن يذكره عند ربه فنسيه إلى حينه هذا.
وذلك عن تقدير الله عزوجل وله الحكمة في ذلك فلما سمع رؤيا الملك ورأى عجز الناس عن تعبيرها تذكر أمر يوسف وما كان أوصاه به من التذكار.
ولهذا قال تعالى (وقال الذي نجا منهما وأدكر) أي تذكر (بعد أمة) أي بعد مدة من الزمان وهو بضع سنين وقرأ بعضهم كما حكي عن ابن عباس وعكرمة والضحاك (وأدكر بعد أمة) أي بعد نسيان وقرأها مجاهد (بعد أمة) باسكان الميم وهو النسيان أيضا يقال أمه الرجل يأمه أمها وأمها إذا نسي قال الشاعر.

(1/239)

امهت وكنت لا أنسى حديثا * كذاك الدهر يزري بالعقول.
فقال لقومه وللملك (أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون) أي فأرسلوني إلى يوسف فجاءه فقال (يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون) وعند أهل الكتاب أن الملك لما ذكره له الساقي إستدعاه إلى حضرته وقص عليه ما رآه ففسره له وهذا غلط والصواب ما قصه الله في كتابه القرآن لا ما عرفه هؤلاء الجهلة الثيران، من قراى وربان (1).
فبذل يوسف عليه السلام ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط ولا طلب الخروج سريعا بل أجابهم إلى ما سألوا وعبر لهم ما كان من منام الملك الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدب (2) * (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس) يعني يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية (وفيه يعصرون) يعني ما كانوا يعصرونه من الاقصاب والاعناب والزيتون والسمسم وغيرها فعبر لهم.
وعلى الخير دلهم وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم وما يفعلونه من ادخار حبوب سني الخصب في السبع الاول في سنبله إلا ما يرصد بسبب الاكل ومن تقليل البذر في سني الجدب في السبع الثانية إذ الغالب على
الظن أنه لا يرد البذر من الحقل * وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأي والفهم.
(وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فأسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ان ربي بكيدهن عليم.
قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين.
ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين * وما أبرئ نفسي أن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي ان ربي غفور رحيم) [ يوسف: 50 - 53 ].
لما أحاط الملك علما بكمال علم يوسف عليه الصلاة والسلام وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه أمر بإحضاره إلى حضرته ليكون من جملة خاصته فلما جاءه الرسول بذلك أحب أن لا يخرج حتى يتبين لكل أحد أنه حبس ظلما وعدوانا وأنه برئ الساحة مما نسبوه إليه بهتانا (قال ارجع إلى ربك) يعني الملك (فأسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ان ربي بكيدهن عليم) قيل معناه إن سيدي العزيز يعلم براءتي مما نسب إلي أي فمر الملك فليسألهن كيف كان امتناعي الشديد عند مراودتهن إياي وحثهن لي على الامر الذي ليس برشيد ولا سديد.
فلما سئلن عن ذلك اعترفن بما وقع من الامر وما كان منه من الامر الحميد (وقلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء) فعند ذلك (قالت امرأة العزيز) وهي زليخا (الآن حصحص الحق) أي ظهر وتبين ووضح والحق أحق أن يتبع (أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين) أي فيما يقوله من أنه برئ وانه لم يراودني وأنه حبس ظلما
__________
(1) في نسخة: من فرى وهذيان وفي أخرى: من افتراء وهذيان ; وما في النسخ المطبوعة تحريف.
(2) فالسمان المخاصيب والعجاف هن السنون المحول الجدوب.
[ * ]

(1/240)

وعدوانا وزورا وبهتانا.
وقوله (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين) قيل إنه من كلام يوسف أي إنما طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب.
وقيل إنه من تمام كلام زليخا أي إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أني لم أخنه في نفس الامر وإنما كان مراده لم يقع معها فعل فاحشة وهذا القول هو الذي نصره طائفة كثيرة من أئمة المتأخرين وغيرهم ولم يحك
ابن جرير وابن أبي حاتم سوى الاول.
(وما ابرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم) قيل إنه من كلام يوسف وقيل من كلام زليخا وهو مفرع على القولين الاولين.
وكونه من تمام كلام زليخا أظهر وأنسب وأقوى والله أعلم (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين.
قال اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم.
وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين.
ولاجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون) [ يوسف: 54 - 57 ].
لما ظهر للملك براءة عرضه ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه (قال ائتوني به استخلصه لنفسي) أي اجعله من خاصتي ومن أكابر دولتي ومن أعيان حاشيتي فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله (قال إنك اليوم لدينا مكين أمين) أي ذو مكانة وأمانة (قال اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم) طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالاهراء لما يتوقع من حصول الخلل فيما (1) بعد مضي سبع سني الخصب لينظر فيها بما يرضي الله في خلقه من الاحتياط لهم والرفق بهم وأخبر الملك إنه حفيظ أي قوي على حفظ ما لديه أمين عليه عليم بضبط الاشياء ومصالح الاهراء وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الامانة والكفاءة * وعند أهل الكتاب أن فرعون عظم يوسف عليه السلام جدا وسلطه على جميع أرض مصر وألبسه خاتمه وألبسه الحرير وطوقه الذهب وحمله على مركبه الثاني ونودي بين يديه أنت رب ومسلط وقال له لست أعظم منك إلا بالكرسي.
قالوا وكان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة وزوجه إمرأة عظيمة الشأن.
وحكى الثعلبي أنه عزل قطفير عن وظيفته وولاها يوسف.
وقيل (2) إنه لما مات زوجه إمرأته زليخا فوجدها عذراء لان زوجها كان لا يأتي النساء فولدت ليوسف عليه السلام رجلين وهما أفرايم ومنشا قال واستوثق ليوسف ملك مصر وعمل فيهم بالعدل فأحبه الرجال والنساء.
وحكي أن يوسف كان يوم دخل على الملك عمره ثلاثين سنة وأن الملك خاطبه بسبعين لغة وكل (3) ذلك يجاويه بكل لغة منها فأعجبه ذلك مع حداثة سنه فالله أعلم * قال الله تعالى (وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء) أي بعد السجن والضيق والحصر صار مطلق
__________
(1) في نسخة: فيها بعد.
(2) في الطبري: أن أطفير (قطفير) مات في تلك الليالي أي بعد عزله مباشرة عن عمله.
(3) في نسخة: وفي كل.
[ * ]

(1/241)

الركاب بديار مصر (يتبوأ منها حيث يشاء) أي أين شاء حل منها مكرما محسودا معظما (نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين) أي هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن مع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل.
وهذا قال (ولاجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون) ويقال إن أطفير زوج زليخا كان قد مات فولاه الملك مكانه وزوجه إمرأته زليخا فكان وزير صدق.
وذكر محمد بن اسحق أن صاحب مصر - الوليد بن الريان - أسلم على يدي يوسف عليه السلام فالله أعلم.
وقد قال بعضهم.
وراء مضيق الخوف متسع الامن * وأول مفروح به غاية الحزن فلا تيأسن فالله ملك يوسفا * خزائنه بعد الخلاص من السجن (وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون.
ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوف الكيل وأنا خير المنزلين.
فان لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون.
قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون.
وقال لفتيانه إجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون) [ يوسف: 58 - 62 ] يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف عليه إلى الديار المصرية يمتارون طعاما وذلك بعد إتيان سني الجدب وعمومها على سائر البلاد والعباد.
وكان يوسف عليه السلام إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينا ودنيا.
فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه لانهم لم يخطر ببالهم (1) ما صار إليه يوسف عليه السلام من المكانة والعظمة فلهذا عرفهم وهم له منكرون.
وعند أهل الكتاب أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم وأراد أن لا يعرفوه فأغلظ لهم في
القول: وقال: أنتم جواسيس، جئتم [ لنا ] لتأخذوا خير بلادي.
فقالوا معاذ الله إنما جئنا نمتار لقومنا من الجهد والجوع الذي أصابنا، ونحن بنو أب واحد من كنعان، ونحن اثنا عشر رجلا ذهب منا واحد، وصغيرنا عند أبينا، فقال: لابد أن أستعلم أمركم * وعندهم: أنه حبسهم ثلاثة أيام ثم أخرجهم، وأحتبس شمعون عنده ليأتوه بالاخ الآخر.
وفي بعض هذا نظر.
قال الله تعالى (فلما جهزهم بجهازهم) أي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته في إعطاء كل إنسان
__________
(1) في عدم معرفتهم له وجوه: انه أمر حجابه أن يوقفوهم بعيدا عنه ولم يتكلم معهم إلا بالواسطة مع مهابة الملك وشدة الحاجة يوجبان كثرة الخوف.
- تغيره بعد إلقائه في الجب منذ زمن بعيد - قيل أربعون سنة.
- حصول العرفان والتذكر، لعله تعالى ما خلق ذلك في قلوبهم تحقيقا لما أخبره عنهم وهذا من معجزات يوسف عليه السلام.
[ * ]

(1/242)

حمل بعير لا يزيده عليه (قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم) وكان قد سألهم عن حالهم وكم هم فقالوا كنا إثني عشر رجلا فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا فقال إذا قدمتم من العام المقبل فأتوني به معكم (ألا ترون أنى أوف الكيل وأنا خير المنزلين) أي قد أحسنت نزلكم وقراكم فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم إن لم يأتوه به قال: (فإن لم تأتون به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون) أي فلست أعطيكم ميرة ولا أقربكم بالكلية عكس ما أسدي إليهم أولا فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب (قالوا سنراود عنه أباه) أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن (وإنا لفاعلون) أي وإنا لقادرون على تحصيله.
ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاؤا به يتعوضون به عن الميرة في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها (لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون) قيل أراد أن يردوها إذا وجدوها في بلادهم.
وقيل خشي أن لا يكون عندهم ما يرجعون به مرة ثانية.
وقيل تذمم أن يأخذ منهم عوضا عن الميرة.
وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرها * وعند أهل الكتاب أنها كانت صررا من ورق وهو أشبه والله أعلم (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون.
قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.
ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم.
قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير.
قال لن أرسله معكم حتى تؤتوني موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم.
فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل.
وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون.
ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [ يوسف: 63 - 68 ].
يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم * وقولهم له (منع منا الكيل) أي بعد عامنا هذا إن لم ترسل معنا أخانا فإن أرسلته معنا لم يمنع منا (ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي) أي أي شئ نريد وقد ردت إلينا بضاعتنا (ونمير أهلنا) أي نمتار لهم ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ومحلهم (ونحفظ أخانا ونزداد) بسببه (كيل بعير) قال الله تعالى (ذلك كيل يسير) أي في مقابلة ذهاب ولده الآخر وكان يعقوب عليه السلام أضن شئ بولده بنيامين لانه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه ويتعوض بسببه منه فلهذا قال (لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتتني به إلا أن يحاط بكم) أي إلا أن تغلبوا كلكم عن الاتيان به (1) (فلما آتوه موثقهم قال الله على ما تقول وكيل) أكد المواثيق وقرر
__________
(1) قال الرازي في تفسيره: قال الواحدي للمفسرين فيه قولان: [ * ]

(1/243)

العهود واحتاط لنفسه في ولده ولن يغني حذر من قدر.
ولولا حاجته (1) وحاجة قومه إلى الميرة لما بعث الولد العزيز ولكن الاقدار لها أحكام والرب تعالى يقدر ما يشاء ويختار ما يريد ويحكم ما يشاء
وهو الحكيم العليم.
ثم أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة.
قيل أراد أن لا يصيبهم أحد بالعين وذلك لانهم كانوا أشكالا حسنة وصورا بديعة قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسدي والضحاك * وقيل أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبرا ليوسف أو يحدثون عنه بأثر.
قاله إبراهيم النخعي.
والاول أظهر ولهذا قال (وما أغني عنكم من الله من شئ) وقال تعالى (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
وعند أهل الكتاب أنه بعث معهم هدية إلى العزيز من الفستق واللوز والصنوبر والبطم والعسل وأخذوا الدراهم الاولى وعوضا آخر (2) (فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون.
فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذون أيتها العير إنكم لسارقون.
قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون.
قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم.
قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين.
قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين.
فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم.
قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون.
قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون) [ يوسف: 69 - 79 ].
يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف وأيوائه إليه وإخباره له سرا عنهم بأنه أخوه وأمره بكتم ذلك عنهم وسلاه عما كان منهم من الاساءة إليه * ثم
__________
= - معناه الهلال: قال مجاهد: إلا أن تموتوا كلكم فيكون ذلك عذرا عندي.
- ما ذكره قتادة: إلا أن تصيروا مغلوبين مقهورين.
فلا تقدرون على الرجوع.
(1) في بعثه بنيامين معهم ; وقصة يوسف لا تزال حية في ضميره ; وجوه: - انهم كبروا ومالوا إلى الخير والصلاح.
- انه كان يشاهد انه ليس بينهم وبين بنيامين من الحسد والحقد ما كان بينهم وبين يوسف.
- ضرورة القحط أحوجته إلى ذلك.
- لعله تعالى أوحى إليه وضمن حفظه وإيصاله إليه.
راجع الرازي ج 18 / 170.
(2) في نسخة: وعرضا آخر وفي نسخة أخرى: وعوضوا آخر.
[ * ]

(1/244)

احتال على أخذه منهم وتركه (1) إياه عنده دونهم فأمر فتيانه بوضع سقايته.
وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام عن غرته (2) في متاع بنيامين.
ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك ووعدهم جعالة على رده حمل بعير وضمنه المنادى لهم فأقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنبوه وهجنوه فيما قاله لهم و (قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين) يقولون أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به من السرقة (قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين.
قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين).
وهذه كانت شريعتهم أن السارق يدفع إلى المسروق (3) منه ولهذا قالوا (كذلك نجزي الظالمين).
قال الله تعالى (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه) ليكون ذلك أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة ثم قال الله تعالى (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) أي لولا إعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر (إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء) أي في العلم (وفوق كل ذي علم عليم) وذلك لان يوسف كان أعلم منهم وأتم رأيا وأقوى عزما وحزما وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك لانه يترتب على هذا الامر مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم إليه فلما عاينوا إستخراج الصواع من حمل بنيامين (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) يعنون يوسف * قيل كان قد سرق صنم جده أبي أمه فكسره.
وقيل كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه وهو صغير منطقة كانت لاسحق
ثم استخرجوها من بين ثيابه وهو لا يشعر بما صنعت وإنما أرادت أن يكون عندها وفي حضانتها لمحبتها له.
وقيل كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء.
وقيل غير ذلك فلهذا (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه) وهي كلمته بعدها وقوله (وأنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون) أجابهم سرا لا جهرا حلما وكرما وصفحا وعفوا فدخلوا معه في الترقق والتعطف فقالوا (يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون) أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البرئ.
هذا ما لا نفعله ولا نسمح به وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده.
وعند أهل الكتاب أن يوسف تعرف إليهم حينئذ وهذا مما غلطوا فيه ولم يفهموه جدا (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف لن أبرح الارض حتى يأذن لى أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين.
__________
(1) في نسخة: وتركهم إياه.
(2) في نسخة: عن غرة.
(3) قال ابن عباس: كانوا في ذلك الزمان يستعبدون كل سارق بسرقته وكان استعباد السارق في شرعهم يجري مجرى وجوب القطع في شرعنا ; والمعنى جزاء هذا الجرم هو استعباد الشخص الذي يوجد المسروق في رحله ; إلا أن العفو وأخذ الفداء كان أيضا جائزا.
[ * ]

(1/245)

إرجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.
واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون.
قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم.
وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وأبيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو أكون من الهالكين.
قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون.
يا بني إذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم
الكافرون) [ يوسف: 80 - 87 ].
يقول تعالى مخبرا عنهم أنهم لما استيأسوا من أخذه منه خلصوا يتناجون فيما بينهم قال كبيرهم وهو روبيل (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم) لقد أخلفتم عهده وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله فلم يبق لي وجه أقابله به (فلن أبرح الارض) أي لا أزال مقيما ههنا (حتى يأذن لي أبي) في القدوم عليه (أو يحكم الله لي) بأن يقدرني على رد أخي إلى أبي (وهو خير الحاكمين.
ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن إبنك سرق) أي اخبروه بما رأيتم من الامر في ظاهر المشاهدة (وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.
واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها) أي فإن هذا الذي أخبرناك به من أخذهم أخانا لانه سرق أمر اشتهر بمصر وعلمه العير التي كنا نحن وهم هناك (وإنا لصادقون قال بل سولت لكم أنفسكم أمر فصبر جميل) أي ليس الامر كما ذكرتم لم يسرق فإنه ليس سجية له ولا [ هو ] (1) خلقه وإنما سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل.
قال ابن اسحق وغيره لما كان التفريط منهم في بنيامين مترتبا على صنيعهم في يوسف قال لهم ما قال وهذا كما قال بعض السلف إن من جزاء السيئة السيئة بعدها ثم قال (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) يعني يوسف وبنيامين وروبيل (إنه هو العليم) أي بحالي وما أنا فيه من فراق الاحبة (الحكيم) فيما يقدره ويفعله وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة (وتولى عنهم) أي أعرض عن بنيه (وقال يا أسفى على يوسف) ذكره حزنه الجديد بالحزن القديم وحرك ما كان كامنا كما قال بعضهم: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحب إلا للحبيب الاول وقال آخر (2): لقد لامني عند القبور على البكا * رفيقي لتذراف الدموع السوافك (3)
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) القائل: متمم بن نويرة.
(3) الدموع السوافك: المذروفة بغزارة.
[ * ]

(1/246)

فقال أتبكي كل قبر رأيته * لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك (1) فقلت له إن الاسى يبعث الاسى * فدعني فهذا كله قبر مالك وقوله (وابيضت عيناه من الحزن) أي من كثرة البكاء (فهو كظيم) أي مكظم (2) من كثرة حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق (قالوا) له على وجه الرحمة له والرأفة به والحرص عليه (تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين) يقولون لا تزال تتذكره حتى تنحل جسدك وتضعف قوتك فلو رفقت بنفسك كان أولى بك (قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون) يقول لبنيه لست أشكوا إليكم ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه إنما أشكو إلى الله عزوجل وأعلم أن الله سيجعل لي مما أنا فيه فرجا ومخرجا وأعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن تقع ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى ولهذا قال: (واعلم من الله ما لا تعلمون) ثم قال لهم محرضا على تطلب يوسف وأخيه وأن يبحثوا عن أمرهما.
(يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله انه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) أي لا تيئسوا من الفرج بعد الشدة فإنه لا ييأس من روح الله وفرجه وما يقدره من المخرج في المضايق إلا القوم الكافرون (فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين.
قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون.
قالوا أئنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين.
قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
إذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين) [ يوسف: 88 - 93 ].
يخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقدومهم عليه ورغبتهم فيما لديه من الميرة والصدقة
عليهم رد أخيهم بنيامين إليهم (فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر) أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال (وجئنا ببضاعة مزجاة) أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن بتجاوز عنا.
قيل كانت دراهم رديئة.
وقيل قليلة وقيل حب الصنوبر وحب البطم ونحو ذلك.
وعن ابن عباس كانت خلق الغرائر والحبال ونحو ذلك (فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين) قيل بقبولها قاله السدي.
وقيل برد أخينا إلينا قاله ابن جريج.
وقال سفيان بن عيينة إنما حرمت الصدقة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونزع بهذه الآية رواه ابن جرير.
فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاؤوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال تعرف إليهم وعطف عليهم قائلا لهم
__________
(1) اللوى والدكادك: موضعان.
(2) في نسخة: مكمد.
[ * ]

(1/247)

عن أمر ربه وربهم.
وقد حسر لهم عن جبينه الشريف وما يحويه من الخال فيه الذي يعرفون (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون.
قالوا) وتعجبوا كل العجب وقد ترددوا إليه مرارا عديدة وهم لا يعرفون أنه هو (أئنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي) يعني أنا يوسف الذي صنعتم معه ما صنعتم وسلف من أمركم فيه ما فرطتم وقوله (وهذا أخي) تأكيد لما قال وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد وعملوا في أمرهما من الاحتيال ولهذا قال (قد من الله علينا) أي بإحسانه إلينا وصدقته علينا وإيوائه لنا وشده معاقد عزنا وذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا وصبرنا على ما كان منكم الينا وطاعتنا وبرنا لابينا ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا (إنه من يتق ويصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين.
قالوا تالله لقد آثرك الله علينا) أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا (وإن كنا لخاطئين).
أي فيما أسدينا إليك (1) وها نحن بين يديك (قال لا تثريب عليكم اليوم) أي لست أعاقبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا ثم ذادهم على ذلك فقال (اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين).
ومن زعم أن الوقف على قوله لا تثريب عليكم وابتدأ بقوله اليوم يغفر الله لكم فقوله ضعيف
والصحيح الاول.
ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه وهو الذي يلي جسده فيضعوه على عيني أبيه فانه يرجع إليه بصره بعدما كان ذهب بإذن الله وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات * ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين (2) إلى ديار مصر إلى الخير والدعة وجمع الشمل بعد الفرقة على أكمل الوجوه وأعلى الامور.
(فلما فصلت العير قال أبوهم إني لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون.
قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم.
فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا.
قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون.
قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين.
قال سوف استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم) [ يوسف: 94 - 98 ].
قال عبد الرزاق أنبأنا اسرائيل عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل سمعت ابن عباس يقول: فلما فصلت العير قال: لما خرجت العير هاجت ريح فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف (فقال إني لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون) قال فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام (3).
وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبي سنان (4) به.
وقال الحسن البصري وابن جريج المكي كان بينهما
__________
(1) قال أبو علي الجبائي: لم يعتذروا إليه من أقدامهم على إلقائه في الجب، وإنما اعتذروا من حيث انهم أخطأوا لانهم لم يظهروا لابيهم ما فعلوه.
قال الرازي وهذا الكلام ضعيف تفسير الفخر الرازي 18 / 205.
(2) قال الكلبي: كان أهله نحوا من سبعين إنسانا ; وقال مسروق: ثلاثة وتسعون بين رجل وامرأة.
تفسير الرازي 18 / 207.
وفي الطبري 1 / 187: كان دخول يعقوب مصر في سبعين إنسانا من أهله.
(3) في نسخة: ثلاثة أيام.
(4) في نسخة: أبي سعد.
وفي الطبري: ابن سنان.
[ * ]

(1/248)

مسيرة ثمانين فرسخا وكان له منذ فارقه ثمانون سنة وقوله (لولا أن تفندون) أي تقولون إنما قلت هذا من الفند وهو الخرف وكبر السن.
قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة تفندون تسفهون.
وقال مجاهد أيضا والحسن تهرمون (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم) قال
قتادة والسدي قالوا له كلمة غليظة (1).
قال الله تعالى (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا) أي بمجرد ما جاء (2) ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيرا بعد ما كان ضريرا وقال لبنيه عند ذلك (ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون) أي أعلم أن الله سيجمع شملي بيوسف وستقر عيني به وسيريني فيه ومنه ما يسرني فعند ذلك (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين) طلبوا منه أن يستغفر لهم الله عزوجل عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه وما كانوا عزموا عليه.
ولما كان من نيتهم التوبة قبل الفعل وفقهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا وما عليه عولوا قائلا (سوف استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم).
قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم أرجأهم إلى وقت السحر قال ابن جرير حدثني أبو السائب حدثنا ابن ادريس سمعت عبد الرحمن بن اسحق يذكر عن محارب بن دثار قال كان عمر يأتي المسجد فسمع إنسانا يقول " اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فاطعت وهذا السحر فاغفر لي " قال فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل عبد الله عن ذلك فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله (سوف أستغفر لكم ربي) وقد قال الله تعالى (والمستغفرين بالاسحار) [ آل عمران: 17 ] وثبت في الصحيحين (3) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول هل من تائب فأتوب عليه هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له " (4) وقد ورد في حديث ": أن يعقوب أرجأ بنيه إلى ليلة الجمعة " قال ابن جرير (5) حدثني المثني.
ثنا سليمان بن عبد الرحمن بن أيوب الدمشقي حدثنا الوليد (6) أنبأنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس عن رسول لله صلى الله عليه وسلم (سوف أستغفر لكم ربي) يقول حتى تأتي ليلة الجمعة وهو قول أخي يعقوب لبنيه.
وهذا غريب من هذا الوجه.
وفي
__________
(1) زاد قتادة: ولم يكن يجوز أن يقولوها لنبي الله ; والمراد بقولهم: حبك القديم ليوسف لا تنساه ولا تذهل عنه، وما تكابد من الاحزان والشقاء على يوسف.
(2) جمهور المفسرين البشير هو: يهودا.
وفي رواية للطبري 1 / 185: البشير: يعني البريد الذي أبرده يوسف إلى
يعقوب.
(3) وفي النسخ المطبوعة: الصحيح وهو تحريف.
(4) صحيح مسلم في 6 كتاب صلاة المسافرين باب 23 / ح 166 / 757 ص 1 / 521 عن جابر بن عبد الله.
(5) تاريخ الطبري ج 1 / 186.
(6) وهو الوليد بن مسلم.
[ * ]

(1/249)

رفعه نظر والاشبه أن يكون موقوفا على ابن عباس رضي الله عنه.
(فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم.
رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الاحاديث فاطر السموات والارض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين) [ يوسف: 99 - 101 ].
هذا إخبار عن حال إجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة التي قيل أنها ثمانون سنة وقيل ثلاث وثمانون سنة وهما روايتان عن الحسن.
وقيل خمس وثلاثون سنة قاله قتادة.
وقال محمد بن اسحاق ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة * قال وأهل الكتاب يزعمون (1) أنه غاب عنه أربعين سنة وظاهر سباق القصة يرشد إل تحديد المدة تقريبا فإن المرأة راودته وهو شاب ابن سبع عشرة سنة فيما قاله غير واحد فامتنع فكان في السجن بضع سنين وهي سبع عند عكرمة وغيره.
ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع ثم لما أمحل الناس في السبع البواقي جاء إخوتهم يمتارون في السنة الاولى وحدهم وفي الثانية ومعهم أخوه بنيامين.
وفي الثالثة تعرف إليهم وأمرهم بإحضار أهلهم أجمعين فجاؤا كلهم (فلما دخلوا عليه آوى إليه أبويه) اجتمع بهما (2) خصوصا وحدهما دون إخوته (وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) قيل هذا من المقدم والمؤخر تقديره ادخلوا مصر وآوى إليه أبويه.
وضعفه ابن جرير وهو معذور * قيل تلقاهما وآواهما في منزل الخيام.
ثم لما اقتربوا من باب
مصر (قال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) قاله السدي.
ولو قيل إن الامر لا يحتاج إلى هذا أيضا وأنه ضمن قوله أدخلوا معنى اسكنوا مصر أو اقيموا بها (إن شاء الله آمنين) لكان صحيحا مليحا أيضا.
وعند أهل الكتاب أن يعقوب لما وصل إلى أرض جاشر وهي أرض بلبيس خرج يوسف لتلقيه وكان يعقوب قد بعث ابنه يهوذا بين يديه مبشرا بقدومه وعندهم أن الملك أطلق لهم أرض جاشر يكونون فيها ويقيمون بها بن عمهم ومواشيهم * وقد ذكر جماعة من المفسرين أنه لما أزف قدوم نبي الله يعقوب وهو اسرائيل أراد يوسف أن يخرج لتلقيه فركب معه الملك وجنوده خدمة ليوسف
__________
(1) في نسخة: يدعون.
(2) المراد بقوله أبويه: قولان: - المراد أبوه وأمه، وعلى هذا تكون أمه لا تزال حية إلى ذلك الوقت، وقيل انها كانت قد ماتت وأن الله تعالى احياها من قبرها.
- المراد أبوه وخالته، لان أمه - كما مر - ماتت في النفاس بأخيه بنيامين وقد تزوج أبوه بخالته فسماها الله بأحد الابوين.
تفسير الرازي 18 / 210.
[ * ]

(1/250)

وتعظيما لنبي الله إسرائيل وأنه دعا للملك وأن الله رفع عن أهل مصر بقية سني الجدب ببركة قدومه إليهم فالله أعلم.
وكان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم فيما قاله أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن ابن مسعود ثلاثة وستين إنسانا * وقال موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب عن عبد الله بن شداد كانوا ثلاثة وثمانين إنسانا.
وقال أبو إسحاق عن مسروق دخلوا وهم ثلثمائة وتسعون إنسانا.
قالوا وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمائة ألف مقاتل * وفي نص أهل الكتاب أنهم كانوا سبعين نفسا وسموهم (1).
قال الله تعالى (ورفع أبويه على العرش) قيل كانت أمه قد ماتت كما هو عند علماء التوراة.
وقال بعض المفسرين فأحياها الله تعالى وقال آخرون بل كانت
خالته ليا والخالة بمنزلة الام.
وقال ابن جرير وآخرون بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمه إلى يومئذ فلا يعول على نقل أهل الكتاب فيما خالفه وهذا قوي والله أعلم (2).
ورفعهما على العرش أي اجلسهما معه على سريره (وخروا له سجدا) أي سجد له الابوان والاخوة الاحد عشر تعظيما وتكريما وكان هذا مشروعا لهم ولم يزل ذلك معمولا به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا (3).
(وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل) أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك من رؤيتي الاحد عشر كوكبا والشمس والقمر حين رأيتهم لي ساجدين وأمرتني بكتمانها ووعدتني ما وعدتني عند ذلك (قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن) أي بعد الهم والضيق جعلني حاكما نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت (وجاء بكم من البدو) أي البادية وكانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخليل (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) أي فيما كان منهم إلي من الامر الذي تقدم وسبق ذكره * ثم قال (إن ربي لطيف لما يشاء) أي إذا أراد شيئا هيأ أسبابه ويسرها وسهلها من وجوه لا يهتدي إليها العباد بل يقدرها وييسرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته (إنه هو العليم) أي بجميع الامور (الحكيم) في خلقه وشرعه وقدره.
__________
(1) تقدم التعليق فليراجع.
(2) تقدم التعليق فليراجع.
(3) قال الرازي: في سجود يعقوب ليوسف واستجازته له وجوه: - لاجل وجدانه سجدا لله تعالى، إن ذلك السجود كان سجودا للشكر فالمسجود له هو الله.
- جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكرا لنعمة وجدانه كما يقال: صلبت للكعبة.
- قد يسمى التواضع سجودا، إلا أن هذا شكل لانه تعالى قال: (وخروا له سجدا).
- الضمير في قوله (وخروا له) غير عائد للابوين وإلا لقال: وخروا له ساجدين بل الضمير عائد إلى إخوته.
- لعل الفعل الدال على التحية والاكرام في ذلك الوقت هو السجود، والمقصود التعظيم وهذا بعيد.
- لعل يعقوب علم أن إخوته لن يسجدوا له على سبيل التواضع، ففعل هو ذلك السجود مع جلالة قدره وعظم حقه حتى يصير عمله سببا لزوال الانفة والنفرة عن قلوبهم.
- لعل الله تعالى أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية.
بإختصار تفسير الرازي 18 / 212 - 213.
[ * ]

(1/251)

وعند أهل الكتاب أن يوسف باع أهل مصر وغيرهم من الطعام الذي كان تحت يده - بأموالهم كلها من الذهب والفضة والعقار والاثاث وما يملكونه كله حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء * ثم أطلق لهم أرضهم وأعتق رقابهم على أن يعملوا ويكون خمس ما يشتغلون من زرعهم وثمارهم للملك فصارت سنة أهل مصر بعده (1).
وحكى الثعلبي أنه كان لا يشبع في تلك السنين حتى لا ينسى الجيعان وأنه إنما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار قال فمن ثم اقتدى به الملوك في ذلك * قلت وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يشبع بطنه عام الرمادة (2) حتى ذهب الجدب وأتى الخصب.
وقال الشافعي قال رجل من الاعراب لعمر بعد ما ذهب عام الرمادة لقد انجلت عند وإنك لابن حرة.
ثم لما رأى يوسف عليه السلام نعمته قد تمت وشمله قد إجتمع عرف أن هذه الدار لا يقربها قرار وأن كل شئ فيها ومن عليها فان.
وما بعد التمام إلا النقصان فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله واعترف له بعظيم إحسانه وفضله.
وسأل منه - وهو خير المسؤولين - أن يتوفاه أي حين يتوفاه على الاسلام.
وأن يلحقه بعباده الصالحين.
وهكذا كما يقال في الدعاء " اللهم احينا مسلمين وتوفنا مسلمين " أي حين تتوفانا.
ويحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره عليه السلام كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عند احتضاره أن يرفع روحه إلى الملا الاعلى والرفقاء الصالحين من النبيين والمرسلين كما قال: " اللهم في الرفيق الاعلى " ثلاثا ثم قضى (3).
ويحتمل أن يوسف عليه السلام سأل الوفاة على الاسلام منجزا في صحة بدنه وسلامته وأن ذلك كان سائغا في ملتهم وشرعتهم كما روي عن ابن عباس أنه قال: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف.
فأما في شريعتنا فقد نهى عن الدعاء بالموت إلا عند الفتن كما في حديث معاذ في الدعاء الذي رواه أحمد: " وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين " (4) وفي الحديث الآخر: " ابن آدم، الموت خير لك من الفتنة " وقالت مريم عليها السلام (يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا
منسيا) [ مريم: 23 ] وتمنى الموت علي بن أبي طالب لما تفاقمت الامور وعظمت الفتن واشتد
__________
(1) هو ما كانوا يسمونه في مصر نظام المزارعة، وقد بقي معمولا بعقود هذا النظام إلى وقت متأخر.
(2) عام الرمادة: لما صدر الناس عن الحج سنة ثماني عشرة أصاب الناس جهد شديد وأجدبت البلاد وأهلكت الماشية وجاع الناس وهلكوا.
سمي ذلك العالم عام الرمادة لان الارض كلها صارت سوداء فشبهت بالرماد وكانت تسعة أشهر.
طبقات ابن سعد 3 / 310.
(3) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 7 / 208 عن عائشة ورواه البخاري في الصحيح عن بشر بن محمد بن مبارك ح 4435 في 64 كتاب المغازي 83 باب مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة فتح الباري 8 / 136.
(4) الحديث رواه الترمذي في سننه 48 / 39 / 3235 وقال: هذا الحديث حسن صحيح.
ورواه أحمد في المسند 1 / 368، 4 / 66، 5 / 243، 5 / 427.
[ * ]

(1/252)

القتال وكثر القيل والقال وتمنى ذلك البخاري أبو عبد الله صاحب الصحيح لما اشتد عليه الحال ولقي من مخالفيه الاهوال.
فأما في حال الرفاهية ؟ فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما (1) من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فيزداد وإما مسيئا فلعله يستعتب ولكن ليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي " والمراد بالضر ههنا ما يخص العبد في بدنه من مرض ونحوه لا في دينه * والظاهر أن نبي الله يوسف عليه السلام سأل ذلك إما عند إحضاره أو إذا كان ذلك أن يكون كذلك.
وقد ذكر ابن اسحق عن أهل الكتاب أن يعقوب أقام بديار مصر عند يوسف سبع عشرة سنة ثم توفي عليه السلام وكان قد أوصى إلى يوسف عليه السلام أن يدفن عند أبويه إبراهيم وإسحق.
قال السدي فصبر وسيره إلى بلاد الشام فدفنه بالمغارة عند أبيه إسحق وجده الخليل عليهم السلام.
وعند أهل الكتاب أن عمر يعقوب يوم دخل مصر مائة وثلاثون سنة.
وعندهم أنه أقام
بأرض مصر سبع عشرة سنة ومع هذا قالوا فكان جميع عمره مائة وأربعين سنة * هذا نص كتابهم وهو غلط إما في النسخة أو منهم أو قد أسقطوا الكسر وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا فكيف يستعملون هذه الطريقة ههنا وقد قال تعالى في كتابه العزيز (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون) [ البقرة: 133 ] يوصي بنيه بالاخلاص وهو دين الاسلام الذي بعث الله به الانبياء عليهم السلام.
وقد ذكر أهل الكتاب أنه أوصى بنيه واحدا واحدا وأخبرهم بما يكون من أمرهم وبشر يهوذا بخروج نبي عظيم من نسله تطيعه الشعوب وهو عيسى بن مريم والله أعلم.
وذكروا أنه لما مات يعقوب بكى عليه أهل مصر سبعين يوما وأمر يوسف الاطباء فطيبوه بطيب ومكث فيه أربعين يوما ثم إستأذن يوسف ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله فأذن له وخرج معه أكابر مصر وشيوخها فلما وصلوا حبرون دفنوه في المغارة التي كان إشتراها إبراهيم الخليل من عفرون بن صخر الحيثي وعملوا له عزاء سبعة أيام قالوا ثم رجعوا إلى بلادهم وعزى إخوة يوسف ليوسف في أبيهم وترققوا له فأكرم وأحسن منقلبهم فأقاموا ببلاد مصر.
ثم
__________
(1) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 75 / 19، 80 / 30، 81 / 7 ورواه مسلم في 48 / 10 - 13 ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي في سننهم ; وأحمد في مسنده: 2 / 263 - 309 - 316 - 350، 3 / 100 - 104 - 163 - 171 - 195 - 208 - 247، 5 / 109 - 110 - 111 - 112، 6 / 339 - 395.
[ * ]

(1/253)

حضرت يوسف عليه السلام الوفاة فأوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من مصر فيدفن عند آبائه فحنطوه ووضعوه في تابوت فكان بمصر حتى أخرجه معه موسى عليه السلام فدفنه عند آبائه كما سيأتي.
قالوا فمات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين * هذا نصهم فيما رأيته وفيما حكاه ابن جرير أيضا.
وقال مبارك بن فضالة عن الحسن ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة وغاب عن أبيه ثمانين سنة وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة.
ومات وهو ابن مائة سنة وعشرين سنة *
وقال غيره أوصى إليه أخيه يهوذا صلوات الله عليه وسلامه.
قصة نبي الله ايوب قال ابن اسحق كان رجلا من الروم وهو أيوب بن موص بن زراح (1) بن العيص بن إسحق ابن إبراهيم الخليل.
وقال غيره هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن اسحق بن يعقوب وقيل غير ذلك في نسبه.
وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام.
وقيل كان أبوه ممن آمن بإبراهيم عليه السلام يوم ألقي في النار فلم تحرقه والمشهور الاول لانه من ذرية إبراهيم كما قررنا عند قوله تعالى: (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون) الآيات من أن الصحيح أن الضمير عائد على إبراهيم دون نوح عليهما السلام.
وهو من الانبياء المنصوص على الايحاء إليهم في سورة النساء في قوله تعالى (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب) الآية.
فالصحيح أنه من سلالة العيص بن اسحق وإمرأته قيل اسمها ليا بنت يعقوب وقيل رحمه بنت أفرائيم (2).
وقيل منشا بن يوسف بن يعقوب.
وهذا أشهر فلهذا ذكرناه هاهنا.
ثم نعطف بذكر أنبياء بني إسرائيل بعد ذكر قصته إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
قال الله تعالى (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) [ الانبياء: 83 - 84 ] وقال تعالى في سورة ص (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب.
أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب.
ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لاولي الالباب.
وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) [ ص: 41 - 44 ] وروى ابن عساكر من طريق الكلبي أنه قال: أول نبي بعث إدريس.
ثم نوح.
ثم إبراهيم.
ثم إسماعيل.
ثم إسحق.
ثم يعقوب.
ثم يوسف.
ثم لوط.
ثم هود.
ثم صالح.
ثم شعيب.
ثم موسى وهرون.
ثم إلياس.
ثم اليسع.
ثم عرفى بن سويلخ بن أفرائيم بن يوسف بن
__________
(1) في الطبري: رازح.
وفي المعارف لابن قتيبة: بن صوص بن رعويل.
(2) في الطبري: افرائيم بن يوسف بن يعقوب.
[ * ]

(1/254)

يعقوب.
ثم يونس بن متى من بني يعقوب.
ثم أيوب بن زراح (1) بن آموص بن ليفرز بن العيص بن اسحق بن إبراهيم.
وفي بعض هذا الترتيب نظر فإن هودا وصالحا المشهور أنهما بعد نوح.
وقبل إبراهيم والله أعلم.
قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم كان أيوب رجلا كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه من الانعام والعبيد والمواشي والاراضي المتسعة بأرض البثينة من أرض حوران (2).
وحكى ابن عساكر أنها كلها كانت له وكان له أولاد وأهلون كثير فسلب من ذلك جميعه وابتلى في جسده بأنواع البلاء ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه.
يذكر الله عزوجل بها وهو في ذلك كله صابر محتسب، ذاكر الله عزوجل في ليله ونهاره وصباحه ومسائه.
وطال مرضه حتى عافه الجليس، وأوحش منه الانيس، وأخرج من بلده وألقى على مزبلة خارجها، وانقطع عنه الناس، ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت ترعى له حقه، وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها، فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه، وتعينه على قضاء حاجته وتقوم بمصلحته.
وضعف حالها وقل مالها حتى كانت تخدم الناس بالاجر، لتطعمه وتقوم بأوده، رضي الله عنها وأرضاها، وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق المال والولد وما يختص بها من المصيبة بالزوج وضيق ذات اليد وخدمة الناس بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أشد الناس بلاء الانبياء.
ثم الصالحون.
ثم الامثل فالامثل، يبتلي الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه " (3).
ولم يزد هذا كله أيوب عليه السلام إلا صبرا واحتسابا وحمدا وشكرا حتى أن المثل ليضرب بصبره عليه السلام ويضرب المثل أيضا بما حصل له من أنواع البلايا * وقد روى عن وهب بن منبه وغيره من علماء بني إسرائيل في قصة أيوب خبر طويل في كيفية ذهاب ماله وولده وبلائه في جسده والله أعلم بصحته * وعن مجاهد أنه قال كان أيوب عليه السلام أول من أصابه الجدري وقد اختلفوا في
مدة بلواه على أقوال فزعم وهب أنه ابتلى ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص.
وقال أنس ابتلى سبع سنين وأشهرا وألقى على مزبلة (4) لبني اسرائيل تختلف الدواب في جسده حتى فرج الله عنه وعظم له الاجر وأحسن الثناء عليه.
__________
(1) وفي نسخة: راذح، وفي الطبري: رازح.
(2) في الطبري: وكان لايوب البثنية من الشام كلها بما فيها بين شرقها وغربها وكان له بها ألف شاة برعاتها وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد ولكل عبد امرأة وولد ومال ويحمل آلة كل فدان اتان لكل اتان ولد بين اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك.
(3) أحمد في مسنده 1 / 172 - 174 - 180 - 185 والترمذي في سننه 37 / 56 / 2398 وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه الدارمي وابن ماجة في سننيهما.
(4) في الطبري: كناسة خارج القرية لبني إسرائيل لا يقربه أحد إلا زوجته.
[ * ]

(1/255)

وقال حميد مكث في بلواه ثمانية عشرة سنة.
وقال السدي تساقط لحمه حتى لم يبق إلا العظم والعصب فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته فلما طال عليها قالت (يا أيوب لو دعوت ربك لفرج عنك فقال قد عشت سبعين سنة صحيحا فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة) فجزعت من هذا الكلام وكانت تخدم الناس بالاجر وتطعم أيوب عليه السلام.
ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها لعلمهم أنها امرأة أيوب خوفا أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته فلما لم تجد أحدا يستخدمها عمدت فباعت لبعض بنات الاشراف إحدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير فأتت به أيوب فقال من أين لك هذا وأنكره فقالت خدمت به أناسا فلما كان الغد لم تجد أحدا فباعت الضفيرة الاخرى بطعام فأتته به فأنكره أيضا وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام فكشفت عن رأسها خمارها فلما رأى رأسها محلوقا قال في دعائه (إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) [ الانبياء: 83 ].
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة، حدثنا جرير بن خازم، عن عبد الله بن
عبيد بن عمير قال: كان لايوب أخوان فجاءا يوما فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه فقاما من بعيد، فقال أحدهما لصاحبه: لو كان الله علم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا فجزع أيوب من قولهما جزعا لم يجزع من شئ قط قال (اللهم ان كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعانا وأنا أعلم مكان جائع فصدقني) فصدق من السماء وهما يسمعان ثم قال (اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان) ثم قال اللهم بعزتك وخر ساجدا فقال اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدا حتى تكشف عني فما رفع رأسه حتى كشف عنه.
وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعا حدثنا يونس بن عبد الاعلى، انبئنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه: يعلم الله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك قال: منذ ثماني عشر سنة لم يرحمه ربه فيكشف ما به.
فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقول ؟ غير أن الله عزوجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهية أن يذكر الله إلا في حق ".
قال وكان يخرج في حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يرجع فلما كان ذات يوم أبطأت عليه فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن (أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) [ ص: 42 ] فاستبطأته فتلقته تنظر وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان فلما رأته قالت أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى فوالله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا قال فإني أنا هو.
قال وكان له أندر

(1/256)

للقمح واندر للشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت أحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الدهب حتى فاض وأفرغت الاخرى في أندر (1) الشعير الورق حتى فاض.
هذا لفظ ابن جرير وهكذا رواه بتمامه إبن حبان في صحيحه عن محمد بن الحسن بن قتيبة عن حرملة عن ابن وهب به.
هذا
غريب رفعه جدا.
والاشبه أن يكون موقوفا.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ثنا موسى بن اسمعيل حدثنا حماد أنبئنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال وألبسه الله حلة من الجنة فتنحى أيوب وجلس في ناحية وجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت يا عبد الله هذا المبتلي الذي كان ههنا لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب وجعلت تكلمه ساعة قال ولعل أنا أيوب قالت أتسخر مني يا عبد الله فقال ويحك أنا أيوب قد رد الله علي جسدي.
قال ابن عباس ورد الله عليه ماله وولده بأعيانهم ومثلهم معهم.
وقال وهب بن منبه.
أوحى الله إليه قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم فاغتسل بهذا الماء فإن فيه شفاءك وقرب عن صحابتك (2) قربانا واستغفر لهم فانهم قد عصوني فيك رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم ثنا أبو زرعة حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما عافى الله أيوب عليه السلام أمطر عليه جرادا من ذهب فجعل يأخذ بيده ويجعل في ثوبه قال فقيل له يا أيوب أما تشبع.
قال يا رب ومن يشبع من رحمتك " (3).
وهكذا رواه الامام أحمد عن أبي داود الطيالسي وعبد الصمد عن همام عن قتادة به.
ورواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الازدي عن إسحق بن راهوية عن عبد الصمد به ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب وهو على شرط الصحيح فالله أعلم.
وقال الامام أحمد: ثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة، أرسل على أيوب رجل من جراد من ذهب فجعل يقبضها في ثوبه فقيل يا أيوب ألم يكفك ما أعطيناك ؟ قال: أي رب ومن يستغني عن فضلك ؟ (4).
هذا موقوف.
وقد روى عن أبي هريرة من وجه آخر مرفوعا.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب
__________
(1) الاندر: الكدس من القمح خاصة.
(2) ذكر الطبري ان ثلاثة نفر (فقط) قد اتبعوه على دينه يقال للاول: يلدد، والآخر: اليفز، والثالث صافر.
ووردت في التوراة: بلدد الشوحي، أليفار اليماني، صوفر النعماني.
وفي تعليله لاشفائه: ان هؤلاء بكتوه في بلائه ; فأقبل على ربه يستغيثه ويتضرع إليه فرحمه ربه ورفع عنه البلاء ورد عليه أهله وماله ومثلهم معهم.
(3) رواه أحمد في مسنده 2 / 511 وأبو داود الطيالسي في مسنده 2 / 83 / 2302.
(4) مسند أحمد ج 2 / 243 - 304.
[ * ]

(1/257)

فجعل أيوب يحشي في ثوبه، فناداه ربه عزوجل (يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى) قال: بلى يا رب، ولكن لا غني لي عن بركتك " (1).
رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به.
وقوله (أركض برجلك) أي اضرب الارض برجلك فامتثل ما أمر به فانبع الله له عينا باردة الماء وأمر أن يغتسل فيها، ويشرب منها، فأذهب الله عنه ما كان يجده من الالم والاذى والسقم والمرض، الذي كان في جسده ظاهرا وباطنا وأبدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة وجمالا تاما ومالا كثيرا حيت صب له من المال صبا مطرا عظيما جرادا (2) من ذهب وأخلف الله له أهله كما قال تعالى (وآتيناه أهله ومثلهم معهم) [ الانبياء: 84 ].
فقيل أحياهم الله بأعيانهم.
وقيل آجره فيمن سلف وعوضه عنهم في الدنيا بدلهم وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة.
وقوله (رحمة من عندنا) أي رفعنا عنه شدته (وكشفنا ما به من ضر) رحمة منا به ورأفة وإحسانا (وذكرى للعابدين) أي تذكرة لمن ابتلى في جسده أو ماله أو ولده فله أسوة بنبي الله أيوب حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حتى فرج الله عنه.
ومن فهم من هذا اسم امرأته فقال هي رحمة من هذه الآية فقد أبعد النجعة وأغرق النزع (3).
وقال الضحاك عن ابن عباس رد الله إليها شبابها وزادها حتى ولدت له ستة وعشرون ولدا ذكرا.
وعاش أيوب بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنيفية ثم غيروا بعده دين إبراهيم.
وقوله (خذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) [ ص: 44 ] هذه رخصة من الله تعالى لعبده ورسوله أيوب عليه السلام فيما كان من حلفه
ليضربن امرأته مائة سوط فقيل حلفه ذلك لبيعها ضفائرها.
وقيل لانه عرضها الشيطان في صورة طبيب يصف لها دواء لايوب فأتته فأخبرته فعرف أنه الشيطان فحلف ليضربها مائة سوط.
فلما عافاه الله عزوجل أفتاه أن يأخذ ضغثا (4) وهو كالعثكال (5) الذي يجمع الشماريخ (6) فيجمعها كلها ويضربها به ضربة واحدة ويكون هذا منزلا منزلة الضرب بمائة سوط ويبر ولا يحنث.
وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأطاعه ولا سيما في حق امرأته الصابرة المحتسبة المكابدة الصديقة البارة الراشدة رضي الله عنها.
ولهذا عقب الله هذه الرخصة وعللها بقوله (إنا وجدناه صابرا
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 314 والبخاري في صحيحه 5 / 20 - 60 / 20 و 97 / 35.
(2) جراد: آنية.
(3) النزع.
النبت، (4) الضغث: قبضة من قضبان مختلفة، يجمعها أصل واحد مثل الاسل.
(5) العثكال: ما علق من عهن أو صوف أو زينة فتذبذب في الهواء.
(6) الشماريخ: واحدها شمراخ، وشماريخ العثكال اغصانه.
وأصله في العذق.
[ * ]

(1/258)

نعم العبد إنه أواب) وقد استعمل كثير من الفقهاء هذه الرخصة في باب الايمان والنذور وتوسع آخرون فيها حتى وضعوا كتاب الحيل في الخلاص من الايمان وصدروه بهذه الآية الكريمة وأتوا فيه بأشياء من العجائب والغرائب * وسنذكر طرفا من ذلك في كتاب الاحكام عند الوصول إليه أن شاء الله تعالى.
وقد ذكر ابن جرير وغيره من علماء التاريخ أن أيوب عليه السلام لما توفي كان عمره ثلاثا وتسعين سنة.
وقيل إنه عاش أكثر من ذلك.
وقد روى ليث عن مجاهد ما معناه أن الله يحتج يوم القيامة بسليمان عليه السلام على الاغنياء وبيوسف عليه السلام على الارقاء وبأيوب عليه السلام على أهل البلاء رواه ابن عساكر بمعناه وأنه أوصى إلى ولده حومل وقام بالامر بعده ولده بشر بن أيوب وهو الذي يزعم كثير من الناس أنه ذو الكفل فالله أعلم.
ومات ابنه هذا وكان نبيا فيما
يزعمون وكان عمره من السنين خمسا وسبعين * ولنذكر ههنا قصة ذي الكفل إذ قال بعضهم إنه ابن أيوب عليهما السلام.
قصة ذي الكفل (1) الذي زعم قوم انه ابن أيوب قال الله تعالى بعد قصة أيوب في سورة الانبياء (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين.
وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين) [ الانبياء: 85 - 86 ] وقال تعالى بعد قصة أيوب أيضا في سورة ص (واذكر عبادنا إبراهيم واسحق ويعقوب أولي الايدي والابصار.
إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار.
وانهم عندنا لمن المصطفين الاخيار.
واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار) [ ص 45 - 48 ] فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونا مع هؤلاء السادة الانبياء أنه نبي عليه من ربه الصلاة والسلام وهذا هو المشهور.
وقد زعم آخرون أنه لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صالحا وحكما مقسطا عادلا * وتوقف ابن جرير في ذلك فالله أعلم.
وروى ابن جرير وابن أبي نجيح عن مجاهد أنه لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صالحا وكان قد تكفل لبني قومه أن يكفيه امرهم ويقتضي بينهم بالعدل فسمي ذا الكفل.
وروى ان جرير وابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند عن مجاهد أنه قال لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، فجمع الناس فقال: من يتقبل لي
__________
(1) قال الزجاج: الكفل في اللغة الكساء الذي يجعل على عجز البعير، والكفل أيضا النصيب.
[ * ]

(1/259)

بثلاث استخلفه.
يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب (1).
قال: فقام رجل تزدريه العين (2)، فقال: أنا.
فقال أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب قال نعم، قال فردهم ذلك اليوم، وقال مثلها اليوم الآخر، فسكت الناس وقام ذلك الرجل فقال: أنا.
فاستخلفه قال: فجعل إبليس يقول للشياطين عليكم بفلان فأعياهم ذلك، فقال: دعوني وإياه فأتاه في
صورة شيخ كبير فقير، وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام الليل والنهار، إلا تلك النومة فدق الباب، فقال: من هذا ؟ قال: شيخ كبير مظلوم * قال: فقام ففتح الباب، فجعل يقص عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة وإنهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا حتى حضر الرواح (3) وذهبت القائلة، وقال: إذا رحلت فأتني آخذ لك بحقك.
فانطلق وراح.
فكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يتبعه فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه.
فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب فقال: من هذا فقال الشيخ الكبير المظلوم ففتح له فقال ألم أقل لك إذا قعدت فأتني فقال إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك وإذا قمت جحدوني قال: فانطلق فإذا رحت فأتني قال ففاتته القائلة فراح فجعل ينتظر فلا يراه وشق عليه النعاس فقال لبعض أهله لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام فإني قد شق على النوم.
فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل وراءك وراءك فقال إني قد أتيته أمس فذكرت له أمري فقال: لا والله لقد أمرنا أن لا ندع أحدا يقربه فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها فإذا هو في البيت وإذا هو يدق الباب من داخل قال فاستيقظ الرجل فقال يا فلان ألم آمرك قال أما من قبلي والله فلم تؤت فأنظر من أين أتيت ؟ قال: فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه وإذا الرجل معه في البيت فعرفه فقال أعدو الله قال: نعم أعييتني في كل شئ ففعلت ما ترى لاغضبنك، [ فعصمك الله مني ] (4) فسماه الله ذا الكفل لانه تكفل بأمر فوفى به.
وقد روى ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس قريبا من هذا السياق.
وهكذا روى عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن قيس وابن حجيرة الاكبر وغيرهم من السلف نحو هذا.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو الجماهر أنبئنا سعيد بن بشير حدثنا قتادة عن كنانة بن الاخنس قال سمعت الاشعري - يعني أبا موسى رضي الله عنه - وهو على هذا المنبر يقول: ما كان ذو الكفل نبيا، ولكن كان رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من بعده يصلي كل يوم مائة صلاة فسمي ذا الكفل.
ورواه ابن جرير من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة.
__________
(1) زاد في القرطبي: ولا يغضب وهو يقضي.
(2) في القرطبي: رجل من ذرية العيص.
(3) الرواح: قيل الرواح العشي، وقيل: الرواح من لدن زوال الشمس إلى الليل.
(4) الزيادة من القرطبي.
[ * ]

(1/260)

قال: قال أبو موسى الاشعري، فذكره منقطعا.
فأما الحديث الذي رواه الامام أحمد (1): حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الاعمش، عن عبد الله بن عبد الله.
عن سعد مولى طلحة، عن ابن عمر، قال سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين - حتى عد سبع مرار - ولكن قد سمعته أكثر من ذلك قال: " كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال لها ما يبكيك [ أ ] أكرهتك قالت لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط وإنما حملتني عليه الحاجة قال فتفعلين هذا ولم تفعليه قط.
ثم نزل فقال اذهبي بالدنانير لك.
ثم قال والله لا يعصي الله الكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله لكفل " (2).
ورواه الترمذي من حديث الاعمش به وقال حسن.
وذكر أن بعضهم رواه فوقفه على ابن عمر فهو حديث غريب جدا.
وفي إسناده نظر فإن سعدا (3) هذا قال أبو حاتم لا أعرفه إلا بحديث واحد ووثقه ابن حبان ولم يرو عنه سوى عبد الله بن عبد الله الرازي هذا فالله أعلم.
باب ذكر أمم أهلكوا بعامة وذلك قبل نزول التوراة بدليل قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا القرون الاولى الآية) [ القصص: 43 ].
كما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من حديث عوف الاعرابي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء أو من الارض بعد ما أنزلت التوراة على وجه الارض غير القرية التى مسخوا قردة.
ألم تر أن الله تعالى يقول: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الاولى) ورفعه البزار في رواية له.
والاشبه والله أعلم وقفه فدل على أن كل أمة أهلكت بعامة قبل موسى عليه السلام: فمنهم:
اصحاب الرس قال الله تعالى في سورة الفرقان (وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا.
وكلا ضربنا له الامثال وكلا تبرنا تتبيرا) [ الفرقان: 38 - 39 ] وقال تعالى في صورة ق (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الايكة
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 23.
(2) رواه الترمذي الحكيم في نوادر الاصول.
ورواه الترمذي أبو عيسى في سننه كتاب صفة القيامة (38) باب 48 ح / 2496.
وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن قد رواه شيبان وغير واحد عن الاعمش ونحو هذا ورفعوه.
وروى بعضهم عن الاعمش ولم يرفعه.
(3) سعد ويقال طلحة، عن ابن عمر، وعنه عبد الله (الرازي) وثقة الكاشف (1 / 280) أو سعيد ويقال طلحة مولى سعد مجهول من الرابعة تقريب التهذيب 1 / 290.
[ * ]

(1/261)

وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد) [ ق: 12 - 14 ] وهذا السياق والذي قبله يدل على أنهم أهلكوا ودمروا وتبروا وهو الهلاك.
وهذا يرد اختيار ابن جرير من أنهم أصحاب الاخدود الذين ذكروا في سورة البروج (1)، لان أولئك عند ابن اسحق وجماعة كانوا بعد المسيح عليه السلام وفيه نظر أيضا.
وروى ابن جرير قال قال ابن عباس أصحاب الرس (2) ; أهل قرية من قرى ثمود.
وقد ذكر الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر في أول تاريخه عند ذكر بناء دمشق عن تاريخ أبي القاسم عبد الله بن عبد الله بن جرداد وغيره: أن أصحاب الرس كانوا بحضور فبعث الله إليهم نبيا يقال له حنظلة بن صفوان فكذبوه وقتلوه فسار عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح بولده من الرس فنزل الاحقاف وأهلك الله أصحاب الرس وانتشروا في اليمن كلها وفشوا مع ذلك في الارض كلها حتى نزل جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح دمشق وبنى مدينتها وسماها جيرون وهي إرم ذات العماد وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها بدمشق، فبعث الله هود بن عبد الله بن رباح بن خالد بن الحلود بن عاد إلى عاد، يعني أولاد عاد
بالاحقاف، فكذبوه وأهلكهم الله عزوجل، فهذا يقتضي أن أصحاب الرس قبل عاد بدهور متطاولة فالله أعلم (3).
وروى ابن أبي حاتم، عن أبي بكر بن أبي عاصم عن أبيه عن شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال الرس بئر بآذربيجان.
وقال الثوري عن أبي بكر عن عكرمة قال الرس بئر رسوا فيها نبيهم أي دفنوه فيها (4).
وقال بن جريج قال عكرمة أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب ياسين.
وقال قتادة فلج من قرى اليمامة قلت: فإن كانوا أصحاب ياسين كما زعمه عكرمة فقد أهلكوا بعامة قال الله تعالى في قصتهم (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [ يس: 29 ] وستأتي قصتهم بعد هؤلاء وإن كانوا غيرهم وهو الظاهر فقد أهلكوا أيضا وتبروا * وعلى كل تقدير فينافي ما ذكره ابن جرير.
وقد ذكر أبو بكر محمد ابن الحسن النقاش: أن أصحاب الرس كانت لهم بئر ترويهم وتكفي أرضهم جميعا وكان لهم ملك عادل حسن السيرة فلما مات وجدوا عليه وجدا عظيما فلما كان بعد أيام تصور لهم الشيطان في صورته وقال إني لم أمت ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم ففرحوا أشد الفرح وأمر بضرب حجاب بينهم وبينه وأخبرهم أنه لا يموت أبدا فصدق به أكثرهم وافتتنوا به وعبدوه فبعث الله فيهم نبيا وأخبرهم (5) أن هذا شيطان يخاطبهم من وراء الحجاب ونهاهم عن
__________
(1) قال تعالى: (قتل أصحاب الاخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود (4 - 6).
(2) الرس: في كلام العرب البئر التي تكون مطوية والجمع رساس.
وفي الصحاح: الرس بئر كانت لبقية من ثمود.
والرس أيضا عند العرب: الدفن.
(3) تاريخ ابن عساكر 1 / 15 تهذيب.
(4) عن عكرمة: دفنوه حيا.
(5) في نسخة: فأخبرهم، وهو مناسب أكثر.
[ * ]

(1/262)

عبادته وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له قال السهيلي وكان يوحي إليه في النوم وكان اسمه حنظلة بن صفوان فعدوا عليه فقتلوه
وألقوه في البئر فغار ماؤها وعطشوا بعد ريهم ويبست أشجارهم وانقطعت ثمارهم وخربت ديارهم وتبدلوا بعد الانس بالوحشة وبعد الاجتماع بالفرقة وهلكوا عن آخرهم وسكن في مساكنهم الجن والوحوش (1) فلا يسمع ببقاعهم لا عزيف الجن وزئير الاسد (2) وصوت الضباع.
فأما ما رواه - أعني - ابن جرير عن محمد بن حميد عن سلمة عن ابن إسحق عن محمد بن كعب القرظي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الاسود " وذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك الاسود.
ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئرا فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه بحجر أصم قال: فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعاما وشرابا ثم يأتي به إلى ذلك (3) لبئر فيرفع تلك الصخرة ويعينه الله عليها، ويدلي إليه طعامه وشرابه ثم يردها كما كانت، قال: فكان كذلك ما شاء الله أن يكون * ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة فاضطجع ينام (4) فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى وتحول لشقه الآخر فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى ثم إنه هب واحتمل حزمته، ولا يحسب أنه نام إلا ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع * ثم إنه ذهب إلى الحفرة إلى موضعها الذي كانت فيه فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه بداء فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه * قال فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الاسود ما فعل فيقولون له ما تدري حتى قبض الله النبي عليه لسلام وأهب (5) الاسود من نومه بعد ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ذلك الاسود لاول من يدخل الجنة ".
فإنه حديث مرسل ومثله فيه نظر.
ولعل بسط قصته من كلام محمد بن كعب القرظي والله أعلم.
ثم قد رده ابن جرير نفسه وقال لا يجوز أن يحمل هؤلاء، على أنهم أصحاب الرس المذكورون في القرآن قال لان الله أخبر عن أصحاب الرس أنه أهلكهم وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيهم (6).
__________
(1) في نسخة: والوحش.
(2) في نسخة: والاسود.
(3) في نسخة: تلك.
(4) في نسخة: فنام.
(5) في الرازي والقرطبي: وهب.
(6) قال الرازي: وأعلم أن القول ما قاله أبو مسلم وهو أن شيئا من هذه الروايات غير معلوم بالقرآن.
ولا بخبر قوي الاسناد، ولكنهم كيف كانوا فقد أخبره الله تعالى عنهم انهم أهلكوا بسبب كفرهم 24 / 83.
[ * ]

(1/263)

اللهم إلا أن يكون حدثت لهم أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم والله أعلم.
ثم اختار أنهم أصحاب الاخدود وهو ضعيف لما تقدم ولما ذكر في قصة أصحاب الاخدود حيث توعدوا بالعذاب في الآخرة إن لم يتوبوا ولم يذكر هلاكهم وقد صرح بهلاك أصحاب الرس والله أعلم.
قصة قوم يس وهم (1) اصحاب القرية قال الله تعالى (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون.
إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون.
قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شئ إن أنتم إلا تكذبون.
قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون.
وما علينا إلا البلاغ المبين.
قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنك وليمسنكم منا عذاب أليم.
قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ومالي لا أعبد الذي فطرني إليه ترجعون.
أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغني عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون.
إني إذا لفي ضلال مبين.
إني آمنت بربكم فاسمعون.
قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين.
وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين.
إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [ يس: 13 - 29 ].
اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية أنطاكية.
رواه ابن اسحق فيما بلغه عن
ابن عباس وكعب الاحبار ووهب بن منبه، وكذا روى عن بريدة بن الحصيب وعكرمة وقتادة والزهري وغيرهم، قال ابن اسحق فيما بلغه عن ان ابن عباس وكعب ووهب انهم قالوا: وكان لها ملك اسمه انطيخس بن انطيخس وكان يعبد الاصنام.
فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم صادق وصدوق وشلوم فكذبهم.
وهذا ظاهر أنهم رسل من الله عزوجل.
وزعم قتادة أنهم كانوا رسلا من المسيح.
وكذا قال ابن جرير عن وهب، عن ابن سليمان، عن شعيب الجبائي: كان اسم المرسلين (2) الاوليين
__________
= وفي القرطبي تعليقا على قول ابن جرير.
قال الثعلبي: هؤلاء آمنوا بنبيهم فلا يجوز أن يكونوا أصحاب الرس، لان الله تعالى أخبر عن أصحاب الرس، أنه دمرهم.
ج 13 / 33.
(1) في نسخة: ومنهم أصحاب القرية.
(2) في نسخة: الرسولين.
قال القرطبي هذا قول الطبري وقال غيره: شمعون ويوحنا، وحكى النقاش: سمعان ويحيى ولم يذكرا صادقا وصدوقا.
[ * ]

(1/264)

شمعون، ويوحنا، واسم الثالث بولس، والقرية أنطاكية.
وهذا القول ضعيف جدا: لان أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت ولهذا كانت إحدى المدن الاربع التي تكون فيها بتاركة النصارى وهن أنطاكية والقدس واسكندرية ورومية ثم بعدها إلى القسطنطينية ولم يهلكوا وأهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) [ يس: 29 ] لكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن بعثوا إلى أهل أنطاكية قديما فكذبوهم وأهلكهم الله ثم عمرت بعد ذلك.
فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم فلا يمنع هذا والله أعلم.
فأما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة أصحاب المسيح فضعيف لما تقدم ولان ظاهر سياق القرآن يقتضي من هؤلاء الرسل من عند الله.
قال الله تعالى (واضرب لهم
مثلا) يعني لقومك يا محمد (أصحاب القرية) يعني المدينة (إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث) أي أيدناهما بثالث في الرسالة (فقالوا إنا إليكم مرسلون) فردوا عليهم بأنهم بشر مثلهم كما قالت الامم الكافرة لرسلهم يستبعدون أن يبعث الله نبيا بشريا فأجابوهم بأن الله يعلم أنا رسله إليكم ولو كنا كذبنا عليه لعاقبنا وأنتقم منا أشد الانتقام (وما علينا إلا البلاغ المبين) أي إنما علينا أي نبلغكم ما أرسلنا به إليكم والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء (قالوا إنا تطيرنا بكم) أي تشائمنا بما جئتمونا به (1) (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) بالمقال وقيل بالفعال ويؤيد الاول قوله (وليمسنكم منا عذاب أليم) فوعدوهم بالقتل والاهانة.
(قالوا طائركم معكم) أي مردود عليكم (أأن ذكرتم) أي بسبب أنا ذكرناكم بالهدى ودعوناكم إليه توعدتمونا بالقتل والاهانة (بل أنتم قوم مسرفون) أي لا تقبلون الحق ولا تريدونه.
وقوله تعالى (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) يعني لنصرة الرسل وأظهار الايمان بهم (قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون) أي يدعونكم إلى الحق المحض بلا أجرة ولا جعالة.
ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع شيئا لا في الدنيا (2) ولا في الآخرة (أني إذا لفي ضلال مبين) أي إن تركت عبادة الله وعبدت معه ما سواه * ثم قال مخاطبا للرسل (إني آمنت بربكم فاسمعون) قيل فاستمعوا مقالتي واشهدوا لي بها عند ربكم.
وقيل معناه فاسمعوا يا قومي إيماني يرسل الله جهرة.
فعند ذلك.
__________
(1) قال مقاتل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين فقالوا هذا بشؤمكم، القرطبي 15 / 16.
(2) قال وهب: وكان حبيب مجذوما، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة كان ينحث الاصنام وكان عكف على عبادة الاصنام سبعين سنة يدعوهم، لعلهم يرحمونه ويكشفون ضره فما استجابوا له ; فلما أبصر الرسل دعوه إلى عبادة الله ; وأن هذه لا تنفع شيئا ولا تضر.
فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به.
القرطبي 15 / 18 [ * ]

(1/265)

قتلوه.
قيل رجما.
وقيل عضا وقيل وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه * وحكى ابن اسحق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال وطئوه بأرجلهم حتى أخرجوا قصبته [ من دبره ] (1).
وقد روى الثوري عن عاصم الاحول عن أبي مجلز كان اسم هذا الرجل حبيب بن مري * ثم قيل كان نجارا وقيل حبالا.
وقيل إسكافا.
وقيل قصارا وقيل كان يتعبد في غار هناك فالله أعلم.
وعن ابن عباس كان حبيب النجار قد أسرع فيه الجذام وكان كثير الصدقة قتله قومه.
ولهذا قال تعالى: (إدخل الجنة) يعني لما قتله قومه أدخله الله الجنة فلما رأى فيها من النضرة والسرور (قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) يعني ليؤمنوا بما آمنت به فيحصل لهم ما حصل لي.
قال ابن عباس نصح قومه في حياته (يا قوم اتبعوا المرسلين) وبعد مماته (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) رواه ابن أبي حاتم وكذلك قال قتادة لا يلقى المؤمن إلا ناصحا لا يلقي غاشا لما عاين ما عاين من كرامة الله (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو عليه قال قتادة فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) وقوله تعالى (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين) أي ما احتجنا في الانتقام منهم إلى إنزال جند من السماء عليهم.
هذا معنى ما رواه ابن اسحق عن بعض أصحابه (2) عن ابن مسعود * قال مجاهد وقتادة وما أنزل عليهم جندا أي رسالة أخرى قال ابن جرير والاول أولى.
قلت: وأقوى، ولهذا قال (وما كنا منزلين) أي وما كنا نحتاج (3) في الانتقام إلى هذا حين كذبوا رسلنا وقتلوا ولينا (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون).
قال المفسرون بعث الله إليهم جبريل عليه السلام فأخذ بعضادتي الباب الذي لبلدهم ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون أي قد أخمدت أصواتهم وسكنت حركاتهم ولم يبق منهم عين تطرف.
وهذا كله مما يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية لان هؤلاء أهلكوا بتكذيبهم رسل الله إليهم وأهل أنطاكية آمنوا واتبعوا رسل المسيح من الحواريين إليهم فلهذا قيل إن أنطاكية أول مدينة
__________
(1) من القرطبي.
وقصبته: أمعاؤه.
وقيل في قتله: عن الحسن: حرقوه حرقا.
(2) في نسخة: أشياخه.
(3) في نسخة: محتاجين.
[ * ]

(1/266)

آمنت بالمسيح * فأما الحديث الذي رواه الطبراني من حديث حسين الاشقري (1) عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " السبق ثلاثة فالسابق إلى موسى يوشع بن نون والسابق إلى عيسى صاحب يس والسابق إلى محمد علي بن أبي طالب " (2) فإنه حديث لا يثبت لان حسينا هذا متروك وشيعي من الغلاة وتفرده بهذا مما يدل على ضعفه بالكلية والله أعلم.
قصة يونس قال الله تعالى في سورة يونس (فلولا كانت قرية آمنت فتفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) [ يونس: 98 ] وقال تعالى في سورة الانبياء (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) [ الانبياء: 87 - 88 ] وقال تعالى في سورة والصافات (وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون.
فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين) [ الصافات: 139 - 148 ].
وقال تعالى في سورة نون (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم * لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم فاجتباه ربه فجعله من الصالحين) [ القلم: 47 - 50 ].
قال أهل التفسير بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل نينوى، من أرض الموصل، فدعاهم
إلى الله عزوجل فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم، فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم، ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث (3).
قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد من السلف والخلف فلما خرج من بين ظهرانيهم وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والانابة وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عجوا (4) إلى الله عزوجل وصرخوا وتضرعوا
__________
(1) في نسخة: الاشقر وفي أخرى: الاصفر وهو تحريف.
(2) رواه الطبراني في 3 / 111 / 2.
قال البخاري في الاشقري: ضعيف جدا.
وقال العقيلي: عن البخاري قال فيه: فيه نظر (الضعفاء 90).
(3) في تفسير الرازي بعد أربعين ليلة.
وعند القرطبي فكالاصل.
(4) عجوا: معناها هنا: تضرعوا.
[ * ]

(1/267)

إليه وتمسكنوا لديه وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والامهات (1) وجأرت الانعام والدواب والمواشي فرغت الابل وفصلانها وخارت البقر وأولادها وثغت الغنم وحملانها وكانت ساعة عظيمة هائلة فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب الذي كان قد اتصل بهم بسببه ودار على رؤسهم كقطع الليل المظلم ولهذا قال تعالى (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها) أي هلا وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكمالها فدل على أنه لم يقع ذلك بل كما قال تعالى (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون) [ سبأ: 34 ].
وقوله (إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) [ يونس: 98 ] أي آمنوا بكمالهم.
وقد اختلف المفسرون هل ينفعهم هذا الايمان في الدار الآخرة فينقذهم من العذاب الاخروي كما أنقذهم من العذاب الدنيوي على قولين ; الاظهر من السياق نعم.
والله أعلم.
كما قال تعالى (لما آمنوا) وقال تعالى (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى
حين).
وهذا المتاع إلى حين لا يفني أن يكون معه غيره من رفع العذاب الاخروي والله أعلم.
وقد كانوا مائة ألف لا محالة واختلفوا في الزيادة فعن مكحول عشرة آلاف * وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زهير عمن سمع أبا العالية: حدثني أبي بن كعب أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) [ الصافات: 147 ] قال: " يزيدون عشرين ألفا فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلا في هذا الباب * وعن ابن عباس كانوا مائة ألف وثلاثين ألفا وعنه وبضعة وثلاثين ألفا.
وعنه وبضعة وأربعين ألفا وقال سعيد بن جبير كانوا مائة ألف وسبعين ألفا.
واختلفوا هل كان ارساله إليهم قبل الحوت أو بعده أو هما أمتان على ثلاثة أقوال: هي مبسوطة في التفسير * والمقصود أنه عليه السلام لما ذهب مغاضبا بسبب قومه ركب سفينة في البحر فلجت بهم واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها وكادوا يغرقون على ما ذكره المفسرون * قالوا فاشتوروا فيما بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتحفظوا منه.
فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس فلم يسمحوا به فأعادوها ثانية فوقعت عليه أيضا فشمر (2) ليخلع ثيابه ويلقي بنفسه فأبوا عليه ذلك.
ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضا لما يريده الله به من الامر العظيم.
قال الله تعالى: (وإن يونس لمن المرسلين.
إذ أبق إلى الفلك المشحون.
فساهم فكان من المدحضين.
فالتقمه الحوت وهو مليم) [ الصافات: 139 - 142 ].
وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة ألقي في البحر وبعث الله عزوجل
__________
(1) في النسخ المطبوعة: الامهاب وهو تحريف.
(2) في نسخة: فتشمر.
[ * ]

(1/268)

حوتا عظيما من البحر الاخضر فالتقمه وأمره الله تعالى أن لا يأكل له لحما ولا يهشم له عظما فليس لك برزق فأخذه فطاف به البحار كلها وقيل إنه ابتلع ذلك الحوت حوت آخر أكبر منه * قالوا ولما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت فإذا هو حي فخر لله ساجدا
وقال يا رب اتخذت لك مسجدا لم يعبدك أحد في مثله.
وقد اختلفوا في مقدار لبثه في بطنه.
فقال مجالد عن الشعبي التقمه ضحى ولفظه عشية * وقال قتادة مكث فيه ثلاثا وقال جعفر الصادق سبعة أيام ويشهد له شعر أمية بن أبي الصلت: وأنت بفضل منك نجيت يونسا * وقد بات في أضعاف حوت لياليا وقال سعيد بن أبي الحسن وأبو مالك مكث في جوفه أربعين يوما والله أعلم كم مقدار ما لبث فيه (1).
والمقصود أنه لما جعل الحوت يطوف به في قرار البحار اللجية ويقتحم به لجج الموج الاجاجي (2) فسمع تسبيح الحيتان للرحمن وحتى سمع تسبيح الحصى لفالق الحب والنوى ورب السموات السبع والارضين السبع وما بينها وما تحت الثرى * فعند ذلك وهنالك قال ما قال: بلسان الحال والمقال، كما أخبر عنه ذو العزة والجلال الذي يعلم السر والنجوى، ويكشف الضر والبلوى، سامع الاصوات وإن ضعفت وعالم الخفيات وإن دقت، ومجيب الدعوات وإن عظمت، حيث قال في كتابه المبين المنزل على رسوله الامين، وهو أصدق القائلين ورب العالمين وإله المرسلين (وذا النون إذ ذهب) إلى أهله (مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) [ الانبياء: 87 - 88 ] (فظن أن لن نقدر عليه) أن نضيق * وقيل معناه نقدر من التقدير وهي لغة مشهورة قدر وقدر كما قال الشاعر.
فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى * تباركت ما يقدر يكن فلك الامر (3) (فنادى في الظلمات) قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والضحاك ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل وقال سالم بن أبي الجعد ابتلع الحوت حوت آخر فصار ظلمة الحوتين مع ظلمة البحر (4).
وقوله تعالى (فلولا أنه
__________
(1) في القرطبي: قال السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما.
الضحاك: عشرين يوما.
عطاء سبعة أيام.
مقاتل بن حبان: ثلاثة أيام وقيل ساعة واحدة.
15 / 123.
(2) الاجاجي: نسبة إلى الاجاج: الملح.
(3) في القرطبي: أنشد ثعلب: ولا عائد ذالك الزمان الذي مضى * تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر (4) قال الماوردي: انه يحتمل أن يعبر بالظلمات عن ظلمة الخطيئة، وظلمة الشدة، وظلمة الوحدة.
[ * ]

(1/269)

كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) [ الصافات: 143 - 144 ] قيل معناه لولا أنه سبح الله هنالك وقال ما قال من التهليل والتسبيح والاعتراف لله بالخضوع والتوبة إليه والرجوع إليه للبث هنالك إلى يوم القيامة.
ولبعث من جوف ذلك الحوت.
هذا معنى ما روي عن سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه.
وقيل معناه (فلولا أنه كان) من قبل أخذ الحوت له (من المسبحين) أي المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيرا قاله الضحاك بن قيس وابن عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وعطاء بن السائب والحسن البصري وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير ويشهد لهذا ما رواه الامام أحمد وبعض أهل السنن عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: " يا غلام إني معلمك كلمات إحفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة " (1) وروى ابن جرير في تفسيره والبزار في مسنده من حديث محمد بن اسحاق عمن حدثه عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة [ قالت ] سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذ [ ه ] ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما [ فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه من البحر ] فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت إن هذا تسبيح دواب البحر * قال فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتا [ ضعيفا ] بأرض غريبة، قال ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر * قالوا العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال: نعم * قال فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في الساحل " كما قال الله (وهو سقيم) هذا لفظ ابن
جرير إسنادا ومتنا (3) * ثم قال البزار لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الاسناد كذا قال.
وقد قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن، أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثني أبو صخر أن يزيد الرقاشي حدثه سمعت أنس بن مالك ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن يونس النبي عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال: (اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فأقبلت الدعوة تحن بالعرش فقالت الملائكة يا رب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة فقال أما تعرفون ذاك ؟ قالوا: يا رب ومن هو ؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عملا متقبلا ودعوة مجابة، قالوا: يا ربنا أولا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء فتنجيه من البلاء ؟ قال: بلى، فأمر الحوت فطرحه في العراء * ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب به، زاد ابن أبي حاتم * قال: أبو صخر حميد بن زياد فأخبرني ابن قسيط وأنا احدثه هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء وأنبت الله عليه اليقطينة قلنا يا أبا هريرة وما اليقطينة قال شجرة
__________
(1) مسند أحمد ج 2 / 293 - 307.
(2) ما بين معكوفين من الطبري 2 / 45.
[ * ]

(1/270)

الدباء قال أبو هريرة وهيأ الله له أروية (1) وحشية تأكل من خشاش (2) الارض أو قال هشاش الارض.
قال فتنفشخ (3) عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتا من شعره: فأنبت يقطينا عليه برحمة * من الله لولا الله أصبح ضاويا وهذا غريب أيضا من هذا الوجه ويزيد الرقاشي ضعيف ولكن يتقوى بحديث أبي هريرة المتقدم كما يتقوى ذاك بهذا والله أعلم.
وقد قال الله تعالى (فنبذناه) أي القيناه (بالعراء) وهو المكان القفر الذي ليس فيه شئ من الاشجار بل هو عار منها (وهو سقيم) أي ضعيف البدن * قال ابن مسعود كهيئة الفرخ ليس عليه ريش * وقال ابن عباس والسدي وابن زيد كهيئة الضبي
حين يولد وهو المنفرش ليس عليه شئ وأنبتنا عليه شجرة من يقطين، قال ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاوس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخرساني وغير واحد: هو القرع.
قال بعض العلماء في إنبات القرع عليه حكم جمة ; منها أن ورقه في غاية النعومة، وكثير وظليل، ولا يقربه ذباب، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره، نيا ومطبوخا وبقشره وببزره أيضا.
وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك (4).
وتقدم كلام أبي هريرة في تسخير الله تعالى له تلك الاروية التي كانت ترضعه لبنها وترعى في البرية وتأتيه بكرة وعشية.
وهذا من رحمة الله به ونعمته عليه وإحسانه إليه ولهذا قال تعالى (فاستجبنا له فنجيناه من الغم) أي الكرب والضيق الذي كان فيه (وكذلك ننجي المؤمنين) أي وهذا صنيعنا بكل من دعانا واستجار بنا * قال ابن جرير حدثني عمران بن بكار الكلاعي حدثنا يحيى بن صالح حدثنا أبويحيى بن عبد الرحمن حدثني بشر بن منصور عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال سمعت سعد بن مالك وهو ابن أبي وقاص يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اسم الله الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى " قال: فقلت: يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين ؟ قال: " هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها.
ألم تسمع قول الله تعالى: (فنادي في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) فهو شرط من الله لمن دعاه به ".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الاشج، حدثنا أبو خالد الاحمر، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن حنطب قال: * قال أبو خالد: أحسبه
__________
(1) أروية: جمع أروى وهي أنثى الوعل الحيوان للجاحظ 3 / 498.
(2) خشاش: حشرات.
(3) في نسخة: فتفسح ; وفي الطبري: فتفسح.
(4) يحتوي اليقطين على الحديد والكلس، يستفاد منه في تناول بذوره لطرد الدودة الوحيدة من الامعاء.
[ * ]

(1/271)

عن مصعب يعني ابن سعد عن سعد.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من دعا بدعاء يونس أستجيب له " قال أبو سعيد الاشج يريد به (وكذلك ننجي المؤمنين) وهذان طريقان عن سعد.
وثالث أحسن منهما.
قال الامام أحمد حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا يونس بن أبي اسحق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد، عن أبيه سعد، وهو ابن أبي وقاص قال مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه، فملا عينيه مني ثم لم يردد علي السلام، فأتيت عمر بن الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين هل حدث في السلام شئ قال: لا، وما ذاك قلت لا إلا أني مررت بعثمان آنفا في المسجد فسلمت عليه فملا عينيه مني ثم لم يردد علي السلام قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام.
قال ما فعلت.
قال سعد: قلت: بلى حتى حلف وحلفت.
قال ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى واستغفر الله وأتوب إليه أنك مررت بي آنفا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة قال سعد: فأنا أنبئك بها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أول دعوة ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتبعته فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الارض فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من هذا أبو إسحق ؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله قال فمه قلت لا والله إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة.
ثم جاء هذا الاعرابي فشغلك.
قال نعم دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شئ قط إلا استجاب له " (1) ورواه الترمذي والنسائي من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد به.
فضل يونس قال الله تعالى (وإن يونس لمن المرسلين) وذكره تعالى في جملة الانبياء الكرام في سورتي النساء والانعام عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام * وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن الاعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (2) ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري به * وقال البخاري
أيضا حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى ونسبه إلى أبيه " (3).
ورواه
__________
(1) مسند أحمد ج 1 / 170 والترمذي في جامعه 49 / 82 / 3505 وقال أبو عيسى: وقد روى غير واحد هذا الحديث عن إبراهيم بن محمد بن سعد عن سعد ولم يذكر فيه عن أبيه.
(2) مسند أحمد ج 1 / 205 وأخرجه البخاري في صحيحه: فتح الباري 65 / 37 / 1 / 4804.
(3) صحيح البخاري (فتح الباري 65 / 46 / 4630) وأخرجه أحمد في المسند 1 / 242، 342 ومسلم في صحيحه [ * ]

(1/272)

أحمد ومسلم وأبو داود من حديث شعبة به قال شعبة فيما حكاه أبو داود عنه: لم يسمع قتادة من أبي العالية سوى أربعة أحاديث هذا أحدها * وقد رواه الامام أحمد عن عفان عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (1) تفرد به أحمد.
ورواه الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن بن كيسان، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا اسرائيل، عن أبي يحيى العتاب، عن مجاهد، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينبغي لاحد أن يقول أنا عند الله خير من يونس بن متى " إسناده جيد ولم يخرجوه.
وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (2) وكذا رواه مسلم من حديث شعبة به وفي البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمن بن هرمز الاعرج عن أبي هريرة في قصة المسلم الذي لطم وجه اليهودي حين قال: لا والذي اصطفى موسى على العالمين (3).
قال البخاري في آخره: " ولا أقول إن أحدا خير من يونس بن متى " أي ليس لاحد أن يفضل نفسه على يونس * والقول الآخر لا ينبغي لاحد أن يفضلني على يونس بن متى كما قد ورد في بعض الاحاديث لا تفضلوني على الانبياء ولا على يونس بن متى * وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله
والمرسلين.
قصة موسى الكليم وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر (4) بن لاوى بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام.
قال تعالى (واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الايمن وقربناه نجيا.
ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا) [ مريم: 51 - 53 ] وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن * وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة مطولة وغير مطولة وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير وسنورد سيرته ههنا من إبتدائها
__________
= 43 / 43 / 167 ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده وأبو داود السجستاني في سننه.
والبيهقي في الدلائل ج 5 / 495 وفيه: ونسبه إلى أمه بدل أبيه.
(1) مسند أحمد 1 / 291.
(2) صحيح البخاري ج 4631 ومسلم ح 166 (المرجع السابق) أحمد في مسنده 2 / 405.
(3) رواه أبو داود في سننه - كتاب السنة ح 4671 ص 4 / 217.
(4) سقط عازر من عمود نسب موسى عند الطبري وابن قتيبة في المعارف.
وزاد ابن قتيبة ولم يكن بين آل يعقوب وأيوب نبي حتى كان موسى.
[ * ]

(1/273)

إلى آخرها من الكتاب والسنة وما ورد في الاثار المنقولة من الاسرائيليات التي (1) ذكرها السلف وغيرهم إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان * قال الله تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون.
إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين.
ونريد أن نمن على الذين أستضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين.
ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) [ القصص: 1 - 6 ] يذكر تعالى ملخص القصة ثم يبسطها بعد هذا فذكر أنه يتلو على نبيه خبر
موسى وفرعون بالحق أي بالصدق الذي كأن سامعه مشاهد للامر معاين له (إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا) أي تجبر وعتا وطغى وبغى وآثر الحياة الدنيا وأعرض عن طاعة الرب الاعلى وجعل أهلها شيعا أي قسم رعيته إلى أقسام وفرق وأنواع يستضعف طائفة منهم وهم شعب بني إسرائيل الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن إسحق بن إبراهيم خليل الله وكانوا إذ ذاك خيار أهل الارض * وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وأردأها وأدناها ومع هذا (يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين) [ القصص: 4 ] وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم، ما يأثرونه (2) عن إبراهيم عليه السلام من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه، وذلك والله أعلم حين كان جرى على سارة إمرأة الخليل من ملك مصر من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها * وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل فتحدث بها القبط فيما بينهم، ووصلت إلى فرعون، فذكرها له بعض أمرائه وأساورته، وهم يسمرون عنده، فأمر عن ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل، حذرا من وجود هذا الغلام، ولن يغني حذر من قدر.
وذكر السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس وعن مرة (3) عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة: أن فرعون رأى في منامه كأن نارا قد أقبلت من نحو (4) بيت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط ولم تضر بني إسرائيل * فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة، والحزأة، والسحرة، وسألهم عن ذلك فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء، يكون سبب هلاك
__________
(1) في نسخة: كما.
(2) يأثرونه يحفظونه.
(3) وهو مرة بن شراحيل الهمداني، أبو إسماعيل الكوفي ثقة عابد تقريب التهذيب 2 / 1007 ذكره ابن معين والعجلي في الثقات روى عن ابن مسعود وعمر الكاشف ج 3 / 116.
(4) في نسخة: من جهة بيت المقدس، وفي الطبري: من بيت المقدس.
[ * ]

(1/274)

أهل مصر.
على يديه فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان (1) ولهذا قال الله تعالى (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض) [ القصص: 5 ] وهم بنو إسرائيل (ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) أي الذين يؤل ملك مصر وبلادها إليهم (ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) [ القصص: 6 ] أي سنجعل الضعيف قويا والمقهور قادرا والذليل عزيزا وقد جرى هذا كله لبني اسرائيل كما قال تعالى (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا) [ الاعراف: 137 ] الآية * وقال تعالى (كم تركوا من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل) [ الشعراء: 57 - 59 ] سيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله.
والمقصود أن فرعون احترز كل الاحتراز أن لا يوجد موسى حتى جعل رجالا وقوابل يدورون على الحبالي ويعلمون ميقات وضعهن فلا تلد إمرأة ذكرا إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته * وعند أهل الكتاب أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان (2) لتضعف شوكة بني إسرائيل فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم.
وهذا فيه نظر بل هو باطل وإنما هذا في الامر بقتل الولدان بعد بعثة موسى كما قال تعالى: (فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم) ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى (أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا) فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولا حذرا من وجود موسى.
هذا والقدر يقول يا أيها ذا (3) الملك الجبار المغرور بكثرة جنوده وسلطة بأسه وإتساع سلطانه قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف أقداره إن هذا المولود الذي تحترز منه وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا بعد ولا يحصى لا يكون مرباه إلا في دارك وعلى فراشك ولا يغذى إلا بطعامك وشرابك في منزلك وأنت الذي تتبناه وتربية وتتعداه ولا تطلع على سر معناه ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين تكذيبك ما أوحى إليه لتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السموات والارض هو
الفعال لما يريد وأنه هو القوي الشديد ذو البأس العظيم والحول والقوة والمشيئة التي لا مرد لها.
وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن القبط شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل بسبب قتل ولدانهم الذكور وخشي أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون فأمر فرعون بقتل الابناء عاما وأن يتركوا عاما فذكروا أن هرون عليه السلام ولد في عام المسامحة عن قتل الابناء وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم فضاقت أمه به ذرعا
__________
(1) رواه الطبري (ج 1 / 200 القاموس الحديث).
(2) في نسخة: كان يقتل الغلمان أولا.
(3) في نسخة: يا أيها.
[ * ]

(1/275)

واحترزت من أول ما حبلت ولم يكن يظهر عليها مخائيل الحبل.
فلما وضعت الهمت أن اتخذت له تابوتا فربطته في حبل وكانت دارهما متاخمة للنيل فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها فإذا ذهبوا استرجعته إليها به (1).
قال الله تعالى (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فالقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين.
وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون) [ القصص: 7 - 9 ] هذا الوحي وحي إلهام وإرشاد كما قال تعالى (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا الآية) [ النحل: 68 - 69 ] وليس هو بوحي نبوة كما زعمه ابن حزم وغير واحد من المتكلمين بل الصحيح الاول كما حكاه أبو الحسن الاشعري عن أهل السنة والجماعة.
قال السهيلي واسم أم موسى أيارخا.
وقيل أياذخت (2) * والمقصود أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه وألقى في خلدها وروعها أن لا تخافي ولا تحزني، فإنه إن ذهب فإن الله سيرده إليك.
وإن الله سيجعله نبيا مرسلا، يعلي كلمته في الدنيا والآخرة، فكانت تصنع ما أمرت به فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط في طرف الحبل عندها فذهب مع النيل فمر على دار فرعون (فالتقطه آل فرعون) قال الله تعالى (ليكون لهم عدوا وحزنا) قال بعضهم: هذه لام العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقا بقوله فالتقطه * وأما إن جعل متعلقا بمضمون الكلام، وهو أن آل فرعون قيضوا لالتقاطه ليكون لهم عدوا وحزنا، صارت اللام معللة كغيرها، والله أعلم * ويقوى هذا التقدير الثاني قوله (إن فرعون وهامان) [ القصص: 8 ] وهو الوزير السوء (وجنودهما) المتابعين لهما (كانوا خاطئين) أي كانوا على خلاف الصواب، فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة.
وذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرن على فتحه، حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف * وقيل إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى * وقيل بل كانت عمته، حكاه السهيلي فالله أعلم.
وسيأتي مدحها والثناء عليها في قصة مريم بنت عمران وأنهما يكونان يوم القيامة من أزواج
__________
(1) انظر تاريخ الطبري 1 / 200.
(2) في الطبري: يوخابد وقيل كان اسمها أناحيد ; وفي القرطبي: لوخا بنت هاند بن لاوى بن يعقوب.
وفي المعارف لابن قتيبة: أباحثة، وفي التوراة اسمها: يوخابث بنت لاوى بن يعقوب.
[ * ]

(1/276)

رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة * فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب رأت وجهه يتلالا بتلك الانوار النبوية، والجلالة الموسوية، فلما رأته، ووقع نظرها عليه أحبته حبا شديدا جدا * فلما جاء فرعون قال ما هذا وأمر بذبحه فاستوهبته منه ودفعت عنه (وقالت قرة عين لي ولك) فقال لها فرعون أما لك فنعم وأما لي فلا أي لا حاجة لي به والبلاء موكل بالمنطق.
وقولها (عسى أن ينفعنا) [ القصص: 9 ] وقد أنالها الله ما رجت من النفع أما في الدنيا فهداها الله به وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه (أو تتخذه ولدا) وذلك أنهما تبنياه لانه لم يكن يولد لهما ولد.
قال الله تعالى
(وهم لا يشعرون) أي لا يدرون ماذا يريد الله بهم حين قيضهم (1) لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده [ وعند أهل الكتاب: أن التي التقطت موسى " دربتة " إبنة فرعون، وليس لامرأته ذكر بالكلية، وهذا من غلطهم على كتاب الله عزوجل ] (2) (وأصبح فؤاد آم موسى فارغا إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين وقالت لاخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون) [ القصص: 10 - 13 ] قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم (وأصبح فؤاد أم موسى فأرغا) أي من كل شئ من أمور الدنيا إلا من موسى إن كادت لتبدي به أي لتظهر أمره وتسأل عنه جهرة (لولا أن ربطنا على قلبها) أي صبرناها وثبتناها (لتكون من المؤمنين) وقالت لاخته وهي ابنتها الكبيرة (3) قصيه أي اتبعي أثره واطلبي له خبره فبصرت به عن جنب * قال مجاهد عن بعد * وقال قتادة جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده * ولهذا قال (وهم لا يشعرون) وذلك لان موسى عليه السلام لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثديا ولا أخذ طعاما فحاروا في أمره واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل.
كما قال تعالى (وحرمنا عليه المراضع من قبل) فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق لعل يجدون من يوافق رضاعته فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه إذ بصرت به أخته فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) * قال ابن عباس لما قالت ذلك قالوا لها ما يدريك بنصحهم وشفقتهم عليه فقالت رغبة في صهر الملك ورجاء منفعته فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم فأخذته أمه فلما أرضعته التقم ثديها وأخذ يمتصه ويرتضعه ففرحوا بذلك فرحا شديدا وذهب البشير إلى آسية يعلمها بذلك فاستدعتها إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها وأن تحسن إليها فأبت عليها وقالت إن لي بعلا وأولادا ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي فأرسلته معها ورتبت لها رواتب وأجرت عليها
__________
(1) في النسخ المطبوعة: أن قيضهم وهو تحريف.
(2) سقطت من النسخ المطبوعة.
واستدركت من قصص الانبياء لابن كثير.
(3) جاء في تفسير القرطبي: اسمها: مريم بنت عمران ; وقال الضحاك: كلثمة.
وقال السهيلي: كلثوم.
[ * ]

(1/277)

النفقات والكساوى والهبات فرجعت به تحوزه إلى رحلها وقد جمع الله شمله بشملها.
قال الله تعالى (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق) أي كما وعدناها برده ورسالته فهذا رده وهو دليل على صدق البشارة برسالته (ولكن أكثرهم لا يعلمون) وقد امتن الله على موسى بهذا ليلة كلمه فقال هل فيما قال له (ولقد متنا عليك مرة أخرى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني) [ طه: 37 - 39 ] [ وذلك أنه كان لا يراه أحد إلا أحبه ] (1) (ولتصنع على عيني) إذ قال قتادة وغير واحد من السلف أي تطعم وترفه وتغذي بأطيب المآكل وتلبس أحسن الملابس بمرأى مني وذلك كله بحفظي وكلائتي لك فيما صنعت بك لك وقدرته من الامور التي لا يقدر عليها غيري (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرددناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا) [ طه: 40 ] وسنورد حديث الفتون في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان.
(ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين.
ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين) [ القصص: 14 - 17 ] لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها وإحسانه بذلك وإمتنانه عليها شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى هو إحتكام الخلق والخلق وهو سن الاربعين في قول الاكثرين آتاه الله حكما وعلما وهو النبوة والرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال (إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر
وذهابه إلى أرض مدين وإقامته هنالك حتى كمل الاجل وانقضى الامد وكان ما كان من كلام الله له وإكرامه بما أكرمه به كما سيأتي.
قال تعالى (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها) قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي وذلك نصف النهار * وعن ابن عباس بين العشائين (فوجد فيها رجلين يقتتلان) أي يتضاربان ويتهاوشان (هذا من شيعته) أي إسرائيلي (وهذا من عدوه) أي قبطي.
قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) وذلك أن موسى عليه السلام كانت له بديار مصر صولة بسبب نسبته إلى تبني فرعون له وتربيته في بيته وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاها وارتفعت رؤوسهم بسبب أنهم أرضعوه وهم أخواله أي من الرضاعة فلما استغاث ذلك الاسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي أقبل إليه موسى (فوكزه) * قال مجاهد أي طعنه بجمع كفه *
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة واستدركت من قصص الانبياء لابن كثير.
[ * ]

(1/278)

وقال قتادة بعصا كانت معه (فقضى عليه) أي فمات منها * وقد كان ذلك القبطي كافرا مشركا بالله العظيم ولم يرد موسى قتله بالكلية وإنما أزاد زجره وردعه مع هذا (قال) موسى (هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم.
قال رب بما أنعمت علي) أي من العز والجاه (فلن أكون ظهيرا للمجرمين) (فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالامس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين.
فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى.
أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين.
وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين) [ القصص: 18 - 21 ] يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفا - أي من فرعون وملائه - أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل فتقوى ظنونهم أن موسى
منهم ويترتب على ذلك أمر عظيم فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم (خائفا يترقب) أي يلتفت فبينما هو كذلك إذا ذلك الرجل الاسرائيلي الذي استنصره بالامس يستصرخه أي يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته قال له (إنك لغوي مبين) * ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي الذي هو عدو لموسى وللاسرائيلي فيردعه عنه ويخلصه منه فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي (قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد الا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين) قل بعضهم إنما قال هذا الكلام الاسرائيلي الذي إطلع على ما كان صنع موسى بالامس وكأنه لما رأى موسى مقبلا إلى القبطي إعتقد أنه جاء إليه لما عنفه قبل ذلك بقوله إنك لغوي مبين فقال ما قال لموسى وأظهر الامر الذي كان وقع بالامس فذهب القبطي فاستعدى موسى إلى فرعون.
وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس سواه.
ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي وأنه لما رآه مقبلا إليه خافه ورأى من سجيته إنتصارا جيدا للاسرائيلي فقال ما قال من باب الظن والفراسة إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالامس أو لعله فهم من كلام الاسرائيلي حين أستصرخه عليه ما دله على هذا والله أعلم.
والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالامس فأرسل في طلبه وسبقهم رجل ناصح عن طريق أقرب (وجاء رجل من أقصى المدينة) ساعيا إليه مشفقا عليه (1) فقال (يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج) أي من هذه البلدة (إني لك من الناصحين) أي فيما أقوله لك قال الله تعالى (فخرج منها خائفا يترقب) أي فخرج من مدينة مصر من فوره
__________
(1) قال في تفسير القرطبي: قال أكثر أهل التفسير: هذا الرجل هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون وكان ابن عم فرعون.
[ * ]

(1/279)

على وجهه لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه قائلا (رب نجني من القوم الظالمين.
ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير
فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) [ القصص: 21 - 24 ].
يخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفا يترقب أي يتلفت خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون وهو لا يدري أين يتوجه ولا إلى أين يذهب وذلك لانه لم يخرج من مصر قبلها (ولما توجه تلقاء مدين) أي اتجه له طريق يذهب فيه (قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل).
أي عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود * وكذا وقع أو صلته إلى مقصود وأي مقصود (ولما ورد ماء مدين) وكانت بئرا يستقون منها * ومدين هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الايكة وهم قوم شعيب عليه السلام * وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في أحد قول العلماء * (ولما ورد الماء) المذكور (وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان) أي تكفكفان [ عنهما ] غنمهما أن تختلط بغنم الناس * وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات.
وهذا أيضا من الغلط وكأنه كن سبعا ولكن إنما كان تسقى إثنتان منهن.
وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظا وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتان (قال ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير) أي لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء (1) لضعفنا وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره قال الله تعالى (فسقى لهما).
قال المفسرون وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة فتجئ هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده.
ثم استقى لهما وسقى غنمهما ثم رد الحجر كما كان * قال أمير المؤمنين عمر وكان لا يرفعه إلا عشرة [ رجال ] وإنما استقى ذنوبا واحدا فكفاهما.
ثم تولى إلى الظل قالوا وكان ظل شجرة من السمر (2) * روى ابن جرير عن ابن مسعود أنه رآها خضراء ترف (قال رب إني لما أنزلت الي من خير فقير) قال ابن عباس سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل وورق الشجر وكان حافيا فسقطت نعلا قدميه من الحفاء وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع وإن خضرة البقل لترى من داخل (3) جوفه وأنه لمحتاج إلى شق تمرة * قال عطاء بن السائب لما (قال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) اسمع المرأة (فجاءته إحداهما
__________
(1) الرعاء: جمع راع.
(2) السمر: جمع السمرة وهي شجرة صغيرة الورق، قصيرة الشوك، لها برمة صفراء يأكلها الناس.
(3) معنى العبارة ركيك وغير مقبول عقليا ; وفي تفسير القرطبي عن ابن عباس: - ولعله أقرب للواقع - وكان قد بلغ به الجوع، واخضر لونه من أكل البقل في بطنه.
[ * ]

(1/280)

تمشي على استحياء قالت ان أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين.
قالت إحداهما يا أبت إستأجره إن خير من إستأجرت القوي الامين.
قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين.
قال ذلك بيني وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل) [ القصص: 25 - 28 ] لما جلس موسى عليه السلام في الظل و (قال رب إني لما أنزلت الي من خير فقير) سمعته المرأتان (1) فيما قيل فذهبتا إلى ابيهما فيقال إنه استنكر سرعة رجوعهما فأخبرتاه ما كان من أمر موسى عليه السلام فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه فجاءته إحداهما تمشي على استحياء أي مشى الحراير قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا * صرحت له بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة.
وهذا من تمام حيائها وصيانتها، فلما جاءه وقص عليه القصص وأخبره خبره وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فرارا من فرعونها (قال له) ذلك الشيخ (لا تخف نجوت من القوم الظالمين) أي خرجت من سلطاتهم فلست في دولتهم.
وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو فقيل هو شعيب عليه السلام.
وهذا هو المشهور عند كثيرين وممن نص عليه الحسن البصري ومالك بن أنس.
وجاء مصرحا به في حديث ولكن في إسناده نظر وصرح طائفة بأن شعيبا عليه السلام عاش عمرا طويلا بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام وتزوج بابنته.
وروى ابن أبي حاتم وغيره عن الحسن البصري أن صاحب موسى عليه السلام هذا إسمه شعيب وكان سيد الماء ولكن ليس يالنبي صاحب مدين * وقيل إنه
ابن أخي شعيب * وقيل ابن عمه * وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب * وقيل رجل إسمه يثرون هكذا هو في كتب أهل الكتاب يثرون كاهن مدين أي كبيرها وعالمها * قال ابن عباس وأبو عبيدة بن عبد الله إسمه يثرون.
زاد أبو عبيدة وهو ابن أخي شعيب.
زاد ابن عباس صاحب مدين.
والمقصود أنه لما أضافه وأكرم مثواه وقص عليه ما كان من أمره بشره بأنه قد نجا فعند ذلك قالت إحدى البنتين لابيها (يأ أبت إستأجره) أي لرعي (2) غنمك ثم مدحته بأنه قوي أمين قال عمرو بن عباس وشريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحق وغير واحد لما قالت ذلك قال لها أبوها وما علمك بهذا ؟ فقالت إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة، وأنه لما جئت معه
__________
(1) قيل إحداهما: ليا.
والاخرى صفوريا ابنتا يثرون، ويثرون هو شعيب عليه السلام وقيل غير ذلك.
(2) إشارة إلى مشروعية نظام الاجارة، وانها كانت عندهم في نظام حياتهم الاقتصادية، وإشارة إلى انها ضرورة للخليقة ومصلحة التعامل بين الناس.
[ * ]

(1/281)

تقدمت أمامه فقال كوني من ورائي فإذا اختلف الطريق فأخذ في لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق (1) قال ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: صاحب يوسف حين قال لامرأته أكرمي مثواه، وصاحبة موسى حين قالت يا أبت إستأجره إن خير من إستأجرت القوي الامين * وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب (قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فان أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين) [ القصص: 27 ] استدل بهذا جماعة من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله على صحة ما إذا باعه أحد هذين العبدين أو الثوبين ونحو ذلك أنه يصح لقوله إحدى ابنتي هاتين * وفي هذا نظر لان هذه مراوضة لا معاقدة والله أعلم.
واستدل أصحاب أحمد على صحة الايجار بالطعمة والكسوة كما جرت به العادة وأستأنسوا
بالحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه مترجما [ عليه ] (2) في كتابه " باب إستئجار الاجير على طعام بطنه " حدثنا محمد بن المصفي الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، عن مسلمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح قال: سمعت عتبة بن الدر (3) يقول: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ طس حتى إذا بلغ قصة موسى قال: " إن موسى عليه السلام آجر نفسه ثماني سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه " (4) وهذا من هذا الوجه لا يصح لان مسلمة بن على الخشني الدمشقي البلاطي ضعيف عند الائمة لا يحتج بتفرده ولكن قد روى من وجه آخر فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكر، حدثني أبن لهيعة (ح) وحدثنا أبورزعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح اللخمي، قال سمعت عتبة بن الندر السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أن رسول الله قال: " إن موسى عليه السلام آجر نفسه لعفة
__________
(1) إشارة إلى خلق موسى وتحرجه من النظر إلى ادبار النساء.
قال في تفسير القرطبي: فهبت ريح ضمت قميصها فوصفت عجيزتها، فتحرج موسى من النظر إليها ; فقال ارجعي وأرشديني إلى الطريق بصوتك..ودليني على الطريق يمينا ويسارا.
وكان هذا سبب وصفها له بالامانة.
(2) سقطت من النسخ المطبوعة.
(3) الدر تحريف، وفي ابن ماجة الندر.
(4) سنن ابن ماجة في: 16 / 5 / 2444.
وفيه: أو عشرا في إسناده ضعف لان فيه بقية (الزاوئد) بقية بن الوليد الحمصي المحدث المشهور قال أحمد: له مناكير وقال ابن حجر: كان كثيرا لتدليس عن الضعفاء والمجهولين.
- مسلم بن علي الخشني الشامي قال فيه البخاري: منكر الحديث وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة - الضعفاء والمتروكين (70) تقريب التهذيب (1 / 107) ميزان الاعتدال (109 / 4).
[ * ]

(1/282)

فرجه وطعمة بطنه " * ثم قال تعالى (ذلك بيني وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي والله
على ما نقول وكيل) [ القصص: 28 ] يقول إن موسى قال لصهره الامر على ما قلت فأيهما قضيت فلا عدوان علي والله على مقالتنا سامع ومشاهد، ووكيل علي وعليك ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكمل الاجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة.
قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الافطس (1)، عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الاجلين قضى موسى ؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل.
تفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه النسائي في حديث الفتون، كما سيأتي من طريق القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير.
وقد رواه ابن جرير عن أحمد بن محمد الطوسي وابن أبي حاتم عن أبيه كلاهما عن الحميدي (2) عن سفيان بن عيينة، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سألت جبريل أي الاجلين قضى موسى قال أتمهما وأكملهما (3) * وإبراهيم هذا غير معروف إلا بهذا الحديث.
وقد رواه البزار، عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره.
وقد رواه سنيد، عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مرسلا أن رسول الله سأل عن ذلك جبريل فسأل جبريل إسرافيل فسأل إسرافيل الرب عزوجل فقال: أبرهما وأوفاهما.
وبنحوه رواه ابن أبي حاتم من حديث يوسف بن سرح مرسلا ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الاجلين قضى موسى قال: " أوفاهما وأتمهما ".
وقد رواه البزار وابن أبي حاتم من حديث عويد بن أبي عمران الجوني وهو ضعيف عن أبيه عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الاجلين قضى موسى قال: " أوفاهما وأبرهما " قال: " وإن سئلت أي المرأتين تزوج ؟ فقل الصغرى منهما ".
وقد رواه البزار وابن أبي
__________
(1) سالم الافطس وهو ابن عجلان الجزري ; أبو محمد الحراني قال ابن حجر: شامي ثقة ليس له في الصحيح سوى حديثين: هذا الحديث وآخر في الطب.
فتح الباري 52 / 28 / 2684 من السادسة قتل صبرا سنة اثنين
وثلاثين / تقريب التهذيب 1 / 281.
(2) الحميدي: عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الحميدي المكي، أبو بكر ثقة حافظ فقيه.
قال الحاكم كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره تقريب التهذيب أحد الاعلام.
قال الفسوي: ما لقيت أنصح للاسلام وأهله منه مات سنة 219 تقريب التهذيب 1 / 415 الكاشف للذهبي 2 / 77.
(2) تاريخ الطبري: 1 / 206.
[ * ]

(1/283)

حاتم من طريق عبد الله بن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح عن عتبة بن الندر أن رسول الله قال: " إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه وطعام بطنه " * فلما وفى الاجل قيل يا رسول الله أي الاجلين قال: " أبرهما وأوفاهما " * فلما أراد فراق شعيب سأل إمرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به فأعطاها ما ولدت من غنمه من قالب لون (1) من ولد ذلك العام وكانت غنمه سودا حسانا فانطلق موسى عليه السلام إلى عصا قسمها من طرفها * ثم وضعها في أدنى الحوض ثم أوردها فسقاها ووقف موسى عليه السلام بإزاء الحوض فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة قال فأتمئت وآنثت (2) ووضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش ولا ضبوب ولا عزوز ولا ثعول ولا كموش تفوت الكف قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو أقتحمتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية ".
قال ابن لهيعة الفشوش: واسعة الشخب (3)، والضبوب ; طويلة الضرع تجره، والعزوز: ضيقة الشخب (4)، والثعول: الصغيرة الضرع كالحلمتين، والكموش: التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره، وفي صحة رفع هذا الحديث نظر * وقد يكون موقوفا كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: لما دعا نبي الله موسى صاحبه إلى الاجل الذي كان بينهما قال له صاحبه كل شاة ولدت على لونها فلك ولدها فعمد فوضع خيالا على الماء فلما رأت الخيال (5) فزعت فجالت جولة فولدن كلهن بلقا إلا شاة واحدة فذهب بأولادهن [ كلهن ] (6) ذلك
العام وهذا إسناد [ جيد ] (6) رجاله ثقات والله أعلم.
وقد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب عليه السلام حين فارق خاله لابان أنه أطلق له ما يولد من غنمه بلقا ففعل نحو ما ذكر عن موسى عليه السلام فالله أعلم.
[ قال الله تعالى ] (6).
(فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لاهله أمكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون.
فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين.
وأن ألق عصاك
__________
(1) أي على غير لون أمها.
(2) في نسخة فأغنت وانثت.
وفي أخرى اتأمت وألبنت.
اتمئت: ولدت توأما.
انثت: ولدت انثى.
وألبنت: أي كثر لبنها.
(3) الشخب: اللبن الذي ينزل، والمقصود انها تشخب كثيرا عند حلبها في المرة الواحدة.
(4) أي تحلب حلبا قصيرا.
(5) في نسخة: في الموضعين: الحبال.
(6) ما بين معكوفين سقطت من النسخ المطبوعة.
[ * ]

(1/284)

فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين.
أسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين) [ القصص: 29 - 32 ].
تقدم أن موسى قضى أتم الاجلين وأكملهما وقد يؤحذ هذا من قوله (فلما قضى موسى الاجل) وعن مجاهد أنه أكمل عشرا وعشرا بعدها.
وقوله (وسار بأهله) أي من عند صهره زاعما (1) فيما ذكره غير واحد من المفسرين - وغيرهم أنه اشتاق إلى أهله فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم وغنم قد استفادها مدة مقامه قالوا واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة وتاهوا في
طريقهم فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف وجعل يوري زناده فلا يرى (2) شيئا واشتد الظلام والبرد، فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد نارا تأجج في جانب الطور وهو الجبل الغربي منه عن يمينه، فقال لاهله: امكثوا إني آنست نارا وكأنه، - والله أعلم - رآها دونهم لان هذه النار هي نور في الحقيقة ولا يصلح رؤيتها لكل أحد (لعلي آتيكم منها بخبر) أي لعلي أستعلم من عندها عن الطريق (أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة لقوله في الآية الاخرى (وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لاهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) [ طه: 9 - 10 ] فدل على وجود الظلام وكونهم تاهوا عن الطريق * وجمع الكل في سورة النمل في قوله (إذ قال موسى لاهله إني آنست نارا سأتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون) [ النمل: 7 ].
وقد أتاهم منها بخبر وأي خبر ووجد عندها هدى وأي هدى واقتبس منها نورا وأي نور.
قال الله تعالى (فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) [ القصص: 30 ].
وقال في النمل (فلما جاءها نودى أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين) [ النمل: 8 ] أي سبحان الله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم) [ النمل: 9 ] وقال في سورة طه (فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى.
وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى.
فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) [ طه: 11 - 16 ].
قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف لما قصد موسى إلى تلك النار التي رآها فانتهى إليها وجدها تأجج في شجرة خضراء من العوسج (3) وكل ما لتلك النار في اضطرام وكل ما لخضرة تلك الشجرة
__________
(1) في نسخة ذاهبا وما أثبتناه مناسب أكثر.
(2) في النسخ المطبوعة: فلا يورى وما أثبتناه مناسب للسياق.
وفي تفسير القرطبي عن وهب بن منبه: فقدح موسى النار فلم تور المقدحة شيئا.
(3) العوسج: الشوك.
[ * ]

(1/285)

في ازدياد فوقف متعجبا وكانت تلك الشجرة في لحف جبل غربي منه عن يمينه كما قال تعالى (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت من الشاهدين) [ القصص: 44 ] وكان موسى في واد اسمه طوى فكان موسى مستقبل القبلة وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب فناداه ربه بالواد المقدس طوى فأمر أولا بخلع نعليه تعظيما وتكريما وتوقيرا لتلك البقعة المباركة ولا سيما في تلك الليلة المباركة.
وعند أهل الكتاب أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور مهابة له وخوفا على بصره ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلا له (إني أنا الله رب العالمين) [ القصص: 30 ] (إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) [ طه: 14 ] أي أنا رب العالمين الذي لا إله إلا هو الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلا له.
ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار وإنما الدار الباقية يوم القيامة التي لا بد من كونها ووجودها (لتجزى كل نفس بما تسعى) [ طه: 15 ] أي من خير وشر.
وحضه وحثه على العمل لها ومجانبة من لا يؤمن بها ممن عصى مولاه واتبع هواه ثم قال له مخاطبا ومؤانسا ومبينا له أنه القادر على كل شئ الذي يقول للشئ كن فيكون.
(وما تلك بيمينك يا موسى) [ طه: 17 ] أي أما هذه عصاك التي نعرفها منذ صحبتها (قال هي عصاي أتؤكؤ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى) [ طه: 18 ] أي بل هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها (قال القها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى) [ طه: 19 - 20 ].
وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه [ هو الذي ] يقول للشئ كن فيكون وأنه الفعال بالاختيار.
وعند أهل الكتاب أنه سأل برهانا [ صادقا ] (1) على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر فقال له الرب عزوجل ما هذه التي في يدك قال عصاي قال القها إلى الارض (فألقاها فإذا هي حية تسعى) [ طه: 20 ] فهرب موسى من قدامها فأمره الرب عزوجل أن يبسط يده ويأخذها بذنبها
فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده.
وقد قال الله تعالى في الآية الاخرى (وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب) [ النمل: 10 ] أي قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة وأنياب تصك (2) وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان وهو ضرب من الحيات * يقال الجان والجنان وهو لطيف ولكن سريع الاضطراب والحركة جدا فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة فلما عاينها موسى عليه السلام (ولى مدبرا) أي هاربا منها لان طبيعته البشرية تقتضي ذلك (ولم يعقب) أي ولم يلتفت (3) (فناداه ربه) قائلا (يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين)
__________
(1) ما بين معكوفين سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في نسخة: تصطك.
(3) في تفسير القرطبي: عن مجاهد: لم يرجع.
[ * ]

(1/286)

[ القصص: 21 ] فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها.
(قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى) [ طه: 21 ] فيقال إنه هابها شديدا فوضع يده في كم مدرعته ثم وضع يده في وسط فمها * وعند أهل الكتاب بذنبها فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين (1) فسبحان القدير العظيم رب المشرقين والمغربين ثم أمره تعال بإدخال يده في جيبه.
ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضا من غير سوء أي من غير برص ولا بهق.
ولهذا قال (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب) [ القصص: 32 ] قيل معناه إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك.
وهذا وإن كان خاصا به إلا أن بركة الايمان به حق بأن ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالانبياء وقال في سورة النمل (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين) [ النمل: 12 ] أي هاتان الآيتان وهما العصا واليد وهما البرهانان المشار إليهما في قوله (فذلك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين) [ القصص: 32 ] ومع ذلك سبع آيات أخر فذلك تسع آيات بينات وهي المذكورة في آخر سورة
سبحان حيث يقول تعالى (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذا جاءهم فقال له فرعون إني لاظنك يا موسى مسحورا.
قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والارض بصائر وإني لاظنك يا فرعون مثبورا) [ الاسراء: 101 - 102 ] وهي المبسوطة في سورة الاعراف في قوله (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون.
وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين.
فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) [ الاعراف: 130 - 133 ] كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه وهذه التسع آيات غير العشر الكلمات فإن التسع من كلمات الله القدرية والعشرة من كلماته الشرعية وإنما نبهنا على هذا لانه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة فظن أن هذه هي هذه كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بني إسرائيل.
والمقصود أن الله سبحانه لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون.
وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردأ يصدقني إني أخاف أن يكذبون.
قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) [ القصص: 33 - 35 ].
يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه موسى عليه السلام في جوابه لربه عزوجل حين أمره بالذهاب إلى عدوه الذي خرج من ديار مصر
__________
1) في الطبري عن وهب بن منبه: ذات شعبتين في رأسها ومحجن في طرفها.
2) في تفسير الرازي: قال العزيزي في غريب القرآن: اسلك يدك في جيبك: أدخلها فيه.
[ * ]

(1/287)

فرارا من سطوته وظلمه حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي ولهذا (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون.
وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردأ يصدقني إني أخاف أن يكذبون).
أي اجعله معي معينا وردأ ووزيرا يساعدني ويعينني على أداء رسالتك إليهم
فإنه أفصح مني لسانا وأبلغ بيانا * قال الله تعالى مجيبا له إلى سؤاله (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا) أي برهانا (فلا يصلون إليكما) أي فلا ينالون منكما مكروها بسبب قيامكما بآياتنا.
وقيل ببركة آياتنا (أنتما ومن اتبعكما الغالبون) وقال في سورة طه (اذهب إلى فرعون انه طغى.
قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) [ طه: 24 - 28 ] قيل إنه أصابه في لسانه لثغة بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه التي كان فرعون أراد إختبار عقله حين أخذ بلحيته وهو صغير فهم بقتله فخافت عليه آسية وقالت إنه طفل فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه فهم بأخذ التمرة فصرف الملك يده إلى الجمرة فأخذها فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله ولم يسأل زوالها بالكلية.
قال الحسن البصري والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة ولهذا بقيت في لسانه بقية ولهذا قال فرعون قبحه الله فيما زعم أنه يعيب به الكليم (ولا يكاد يبين) [ الزخرف: 52 ] أي يفصح عن مراده ويعبر عما في ضميره وفؤاده * ثم قال موسى عليه السلام (واجعل لي وزيرا من أهلي هرون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا.
قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) [ طه: 32 - 36 ] أي قد أجبناك إلى جميع ما سألت وأعطيناك الذي طلبت وهذا من وجاهته عند ربه عزوجل حين شفع أن يوحي الله إلى أخيه فأوحى إليه وهذا جاه عظيم قال الله تعالى (وكان عند الله وجيها) [ الاحزاب: 69 ] وقال تعالى (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا) [ مريم: 53 ] وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلا يقول لاناس وهم سائرون طريق الحج (أي أخ أمن على أخيه) فسكت القوم فقالت عائشة لمن حول هودجها هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هرون فأوحى إليه قال الله تعالى (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا) قال تعالى في سورة الشعراء (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون.
قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هرون ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون.
قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم
مستمعون.
فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا نبي إسرائيل.
قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) [ الشعراء: 10 - 19 ] تقدير الكلام فأتياه فقالا له ذلك وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته وتركهم يعبدون ربهم حيث شاؤا ويتفرغون لتوحيده ودعائه والتضرع لديه فتكبر فرعون في نفسه وعتا

(1/288)

وطغى ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقص قائلا له (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين) [ الشعراء: 18 ] أي أما أنت الذي ربيناه في منزلنا وأحسنا إليه وأنعمنا عليه مدة من الدهر (1) وهذا يدل على أن فرعون الذي بعث إليه هو الذي فر منه خلافا لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الذي فر منه مات في مدة مقامه بمدين وأن الذي بعث إليه فرعون آخر.
وقوله (وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) [ الشعراء ; 19 ] أي وقتلت الرجل القبطي وفررت منا وجحدت نعمتنا (2) (قال فعلتها إذا وأنا من الضالين) [ الشعراء: 20 ] أي قبل أن يوحى إلي وينزل علي (ففرت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين) [ الشعراء: 21 ] ثم قال مجيبا لفرعون عما امتن به من التربية والاحسان إليه (وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل) [ الشعراء: 22 ] أي وهذه النعمة التي ذكرت من أنك أحسنت إلي وأنا رجل واحد من بني إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله واستعبدتهم في أعمالك وخدمك وأشغالك (قال فرعون وما رب العالمين.
قال رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين.
قال لمن حوله ألا تستمعون.
قال ربكم ورب آبائكم الاولين.
قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون.
قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) [ الشعراء: 23 - 28 ].
يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمحاجة والمناظرة وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم من الحجة العقيلة المعنوية ثم الحسية.
وذلك أن فرعون قبحه الله أظهر جحد
الصانع تبارك وتعالى.
وزعم أنه الاله (فحشر فنادى فقال أنا ربكم الاعلى) [ النازعات: 23 - 24 ] (وقال يا أيها الملا ما علمت لكم من إله غيري) [ القصص: 38 ].
وهو في هذه المقالة معاند يعلم أنه عبد مربوب وأن الله هو الخالق البارئ المصور الاله الحق كما قال تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كانت عاقبة المفسدين) [ النمل: 14 ] ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الانكار لرسالته والاظهار أنه ماثم رب أرسله (وما رب العالمين) [ الشعراء: 23 ] لانهما قالا له (إنا رسول رب العالمين) [ الشعراء: 16 ] فكأنه يقول لهما ومن رب العالمين الذي تزعمان أنه أرسلكما وابعتثكما فأجابه موسى قائلا (رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين) [ الشعراء 24 ] يعني رب العالمين خالق هذه السموات والارض المشاهدة وما بينهما من المخلوقات المتعددة (3) من السحاب والرياح والمطر والنبات والحيوانات التي يعلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها ولا بد لها من موجد
__________
(1) كان بين خروج موسى حين قتل القبطي وبين رجوعه نبيا أحد عشر عاما غير أشهر القرطبي 13 / 95.
(2) نعمتنا: أي نعمتي التي كانت لنا عليك من التربية والاحسان إليك.
(3) في النسخ المطبوعة " المتجددة " وما أثبتناه مناسب للمعنى.
[ * ]

(1/289)

ومحدث وخالق.
وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين.
(قال) أي فرعون لمن حوله من أمرائه ومرازبته ووزرائه على سبيل التهكم والتنقص لما قرره موسى عليه السلام ألا تسمعون يعني كلامه هذا قال موسى مخاطبا له ولهم (ربكم ورب آبائكم الاولين) [ الشعراء: 26 ] أي هو الذي خلقكم والذين من قبلكم من الآباء والاجداد والقرون السالفة في الآباد فإن كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه ولا أبوه ولا أمه ولم يحدث من غير محدث وإنما أوجده وخلقه رب العالمين.
وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) [ فصلت: 53 ] ومع هذا كله لم يستفق فرعون من رقدته ولا نزع عن ضلالته بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه (قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون.
قال رب المشرق
والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) [ الشعراء: 27 - 28 ] أي هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة (1).
المسير للافلاك الدائرة.
خالق الظلام والضياء.
ورب الارض والسماء رب الاولين والآخرين خالق الشمس والقمر والكواكب السائرة والثوابت الحائرة خالق الليل بظلامه والنهار بضيائه والكل تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون وفلك يسبحون يتعاقبون في سائر الاوقات ويدورون فهو تعالى الخالق المالك المتصرف في خلقه بما يشاء.
فلما قامت الحجج على فرعون وانقطعت شبهه ولم يبق له قول سوى العناد عدل إلى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته (2) (قال لئن اتخذت إلها غيري لاجعلنك من المسجونين.
قال أولو جئتك بشئ مبين.
قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) [ الشعراء: 29 - 33 ] وهذان هما البرهانان اللذان أيده الله بهما وهما العصا واليد.
وذلك مقام أظهر فيه الخارق العظيم الذي بهر به العقول والابصار حين ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين.
أي عظيم الشكل بديع في الضخامة والهول والمنظر العظيم الفظيع الباهر حتى قيل إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه أخذه رهب شديد (3) وخوف عظيم بحيث إنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم وكان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يوما إلا مرة واحدة فانعكس عليه الحال * وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها أخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نورا يبهر الابصار فإذا أعادها إلى جيبه [ واستخرجها ] (4) رجعت إلى صفتها الاولى.
ومع هذا كله لم ينتفع
__________
(1) في نسخة: المنيرة.
وفي أخرى: النيرة: (2) قطع فرعون المحاورة مع موسى، لما انقطعت عنده الحجة ; ولم يقل له ما دليلك على أن هذا الاله أرسلك لان فيه الاعتراف بأن ثم إلها آخر غيره ; فتوعده بالسجن، وفي ذلك ضعف منه وتراجع ; ولم يخفه موسى بل كان في منتهى اللطف به والطمع في إيمانه قال: أولو جئتك بشئ مبين.
لكنه كما قال مالك: دعاه إلى الاسلام أربعين سنة.
(3) في نسخة: أخذته رجفة شديدة.
وفي أخرى: أخذه رعبه.
(4) سقطت من النسخ المطبوعة.
[ * ]

(1/290)

فرعون - لعنه الله - بشئ من ذلك بل استمر على ما هو عليه، وأظهر أن هذا كله سحر، وأراد معارضته بالسحرة، فأرسل يجمعهم من سائر مملكته ومن [ هم ] (1) في رعيته وتحت قهره ودولته، كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه، من إظهار الله الحق المبين والحجة الباهرة القاطعة على فرعون وملائه، وأهل دولته وملته، ولله الحمد والمنة.
وقال تعالى في سورة طه (فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى واصطنعتك لنفسي إذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى) [ طه: 40 - 46 ].
يقول تعالى مخاطبا لموسى فيما كلمه به ليلة أوحى إليه، وأنعم بالنبوة عليه، وكلمه منه إليه: قد كنت مشاهدا لك وأنت في دار فرعون وأنت تحت كنفي وحفظي ولطفي ثم أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مدين بمشيئتي وقدرتي وتدبيري فلبثت فيها سنين (ثم جئت على قدر) أي مني لذلك، فوافق ذلك تقديري وتسييري (واصطنعتك لنفسي) أي اصطفيتك لنفسي برسالتي وبكلامي (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري) [ طه: 45 ] يعني ولا تفترا في ذكري إذ قدمتما عليه ووفدتما إليه (2) فإن ذلك عون لكما على مخاطبته ومجاوبته وإهداء (3) النصيحة إليه وإقامة الحجة عليه.
وقد جاء في بعض الاحاديث يقول الله تعالى " إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه " (4) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا الآية) [ الانفال: 45 ] ثم قال تعالى (اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) [ طه: 43 ] وهذا من حلمه تعالى وكرمه ورأفته ورحمته بخلقه مع علمه بكفر فرعون وعتوه وتجبره وهو إذ ذاك أردى خلقه وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعواه إليه بالتي هي أحسن برفق ولين ويعاملاه معاملة من يرجو أن يتذكر أو يخشى كما قال لرسوله (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) في نسخة: عليه.
(3) في نسخة: وأداء.
(4) الحديث أخرجه الترمذي في 49 كتاب الدعوات 119 باب ح 3580 عن الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان عن أبي دوس اليحصبي عن ابن عائذ اليحصبي عن عمارة بن زعكرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم..وفيه زيادة (يعني عند القتال).
وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ليس اسناده بالقوي.
وعفير: ضعيف.
قال ابن أبي حاتم: لا يشتغل به / تقريب التهذيب 2 / 25 [ * ]

(1/291)

[ النحل: 145 ] وقال تعالى (ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم الآية) [ العنكبوت: 46 ] قال الحسن البصري (فقولا له قولا لينا) أعذرا إليه قولا له وإن لك ربا ولك معادا وإن بين يديك جنة ونارا.
وقال وهب بن منبه: قولا له إن لي العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة.
قال يزيد الرقاشي عند هذه الآية يا من ينحبب إلى من يعاديه فكيف بمن يتولاه ويناديه (قالا ربنا إنا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى) [ طه: 201 ] وذلك أن فرعون كان جبارا عنيدا وشيطانا مريدا له سلطان في بلاد مصر طويل عريض وجاه وجنود وعساكر وسطوة فهاباه من حيث البشرية وخافا أن يسطو عليهما في بادئ الامر فثبتهما تعالى وهو العلي الاعلى فقال (لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى) [ طه: 46 ] كما قال في الآية الاخرى (إنا معكم مستمعون) [ الشعراء: 15.
].
(فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدي.
إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى) [ طه: 47 - 48 ] يذكر تعالى أنه أمرهما أن يذهبا إلى فرعون فيدعواه إلى الله تعالى أن يعبده وحده لا شريك له وأن يرسل معهم بني إسرائيل ويطلقهم من أسره وقهره ولا يعذبهم (1).
(قد جئناك بآية من ربك) [ طه: 47 ] وهو البرهان العظيم في العصى
واليد (والسلام على من إتبع الهدى) تقيد مفيد بليغ عظيم.
ثم تهدداه وتوعداه على التكذيب فقالا (إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى) أي كذب بالحق بقلبه وتولى عن العمل بقالبه.
وقد ذكر السدي وغيره أنه لما قدم من بلاد مدين دخل على أمه وأخيه هرون وهما يتعشيان من طعام فيه الطفشيل وهو اللفت فأكل معهما * ثم قال: يا هرون إن الله أمرني وأمرك أن ندعو فرعون إلى عبادته فقم معي ؟ فقاما يقصدان باب فرعون، فإذا هو مغلق فقال: موسى للبوابين والحجبة: أعلموه أن رسول الله بالباب فجعلوا يسخرون منه ويستهزؤن به (2).
وقد زعم بعضهم أنه لم يؤذن لهما عليه إلا بعد حين طويل.
وقال محمد بن اسحق أذن لهما بعد سنتين لانه لم يك أحد يتجاسر على الاستئذان لهما فالله أعلم * ويقال إن موسى تقدم إلى الباب فطرقه بعصاه فانزعج فرعون وأمر بإحضارهما فوقفا بين يديه فدعواه إلى الله عزوجل كما أمرهما.
__________
(1) أي لا يعذبهم بالسخرة والتعب في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند فرعون في عذاب شديد، يذبح أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل في الطين واللبن وبناء المدائن ما لا يطيقونه.
(2) الخبر رواه الطبري في تاريخه 1 / 208 وفيه: فانطلقا إليه ليلا، فأتيا الباب فضرباه ففزع فرعون وفزع البواب، وقال فرعون: من هذا الذي يضرب بابي في هذه الساعة ؟ فأشرف عليهما البواب فكلمهما فقال له موسى: إنا رسول رب العالمين، ففزع البواب، فأتى فرعون، فأخبره ان ههنا إنسانا مجنونا يزعم انه رسول رب العالمين، قال: فادخله.
فدخل..[ * ]

(1/292)

وعند أهل الكتاب أن الله قال لموسى عليه السلام إن هرون اللاوي يعني من نسل لاوى بن يعقوب سيخرج ويتلقاك وأمره أن يأخذ معه مشايخ بني إسرائيل إلى عند فرعون وأمره أن يظهر ما أتاه من الآيات * وقال له سأقسى قلبه فلا يرسل الشعب وأكثر آياتي وأعاجيبي بأرض مصر * وأوحى الله إلى هرون أن يخرج إلى أخيه يتلقاه بالبرية عند جبل حوريب فلما تلقاه أخبره موسى بما أمره به ربه * فلما دخلا مصر جمعا شيوخ بني إسرائيل وذهبا إلى فرعون فلما بلغاه رسالة الله قال:
من هو الله لا أعرفه ولا أرسل بني إسرائيل.
وقال الله مخبرا عن فرعون (قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى قال فما بال القرون الاولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى الذي جعل لكم الارض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لاولي النهى.
منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) [ طه: 49 - 55 ].
يقول تعالى مخبرا عن فرعون إنه أنكر إثبات الصانع تعالى قائلا (فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى) أي هو الذي خلق الخلق وقدر لهم أعمالا وأرزاقا و آجالا * وكتب ذلك عنده في كتابه اللوح المحفوظ ثم هدى كل مخلوق إلى ما قدره له فطابق عمله فيهم على الوجه الذي قدره وعلمه لكمال علمه وقدرته وقدره وهذه الآية كقوله تعالى (سبح اسم ربك الاعلى.
الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى) [ الاعلى: 1 - 3 ] أي قدر قدرا وهدى الخلائق إليه.
(قال فما بال القرون الاولى) [ طه: 51 ] يقول فرعون لموسى: فإذا كان ربك هو الخالق المقدر الهادي الخلائق لما قدره، وهو بهذه المثابة من أنه لا يستحق العبادة سواه، فلم عبد الاولون غيره وأشركوا به من الكواكب والانداد، ما قد علمت فهلا إهتدى إلى ما ذكرته القرون الاولى (قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) [ طه: 52 ] أي هم وإن عبدوا غيره فليس ذلك بحجة لك ولا يدل على خلاف ما أقول لانهم جهلة مثلك، كل شئ فعلوه مستطر عليهم في الزبر، من صغير وكبير، وسيجزيهم على ذلك ربي عزوجل ولا يظلم أحدا مثقال ذرة، لان جميع أفعال العباد مكتوبة عنده في كتاب لا يضل عنه شئ ولا ينسى ربي شيئا.
ثم ذكر له عظمة الرب وقدرته على خلق الاشياء وجعله الارض مهادا (1) والسماء سقفا محفوظا وتسخيره السحاب والامطار لرزق العباد ودوابهم وأنعامهم كما قال: (كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لاولي النهى) [ طه: 54 ] أي لذوي العقول الصحيحة المستقيمة والفطر القويمة غير السقيمة فهو تعالى الخالق الرازق.
وكما قال تعالى (يا أيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون.
الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء
فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) [ البقرة: 21 - 22 ] ولما
__________
(1) مهادا: جمع مهد، وقيل جاز أن يكون مفردا كفراش، أي فراشا وقرارا تستقرون عليها.
[ * ]

(1/293)

ذكر أحياء الارض بالمطر واهتزازها بإخراج نباتها فيه نبه به على المعاد فقال (منها) أي من الارض خلقناكم (وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) كما قال تعالى (كما بدأكم تعودون).
قال تعالى (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الاعلى في السموات والارض وهو العزيز الحكيم) [ الروم: 27 ] ثم قال تعالى (ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى.
قال موعدكم يوم الزينة وإن يحشر الناس ضحى) [ طه: 56: 58 ].
يخبر تعالى عن شقاء فرعون وكثرة جهله وقلة عقله في تكذيبه بآيات الله واستكباره عن إتباعها وقوله لموسى إن هذا الذي جئت به سحر ونحن نعارضك بمثله ثم طلب من موسى أن يواعده إلى وقت معلوم ومكان معلوم وكان هذا من أكبر مقاصد موسى عليه السلام أن يظهر آيات الله وحججه وبراهينه جهرة بحضرة الناس ولهذا قال (موعدكم يوم الزينة) وكان يوم عيد من أعيادهم ومجتمع لهم (وإن يحشر الناس ضحى) أي من أول النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس فيكون الحق أظهر وأجلى ولم يطلب أن يكون ذلك ليلا في ظلام كيما يروج عليهم محالا وباطلا بل طلب أن يكون نهارا جهرة لانه على بصيرة من ربه ويقين أن الله سيظهر كلمته ودينه وإن رغمت أنوف القبط.
قال الله تعالى (فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى.
قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى فأجمعوا كيدكم ثم أئتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى) [ طه: 60 - 64 ].
يخبر تعالى عن فرعون أنه ذهب فجمع من كان ببلاده (1) من السحرة وكانت بلاد مصر في
ذلك الزمان مملوءة سحرة فضلاء، في فنهم غاية، فجمعوا له من كل بلد ومن كل مكان فاجتمع منهم خلق كثير وجم غفير، فقيل: كانوا ثمانين ألفا قاله محمد بن كعب * وقيل سبعين ألفا قاله القاسم بن أبي بردة.
وقال السدي بضعة وثلاثين ألفا (2).
وعن أبي أمامة تسعة عشر ألفا وقال محمد بن اسحاق خمسة عشر ألفا.
وقال كعب الاحبار كانوا إثني عشر ألفا * وروي ابن أبي حاتم عن ابن عباس كانوا سبعين رجلا وروى عنه أيضا أنهم كانوا أربعين غلاما من بني إسرائيل أمرهم فرعون أن يذهبوا إلى العرفاء فيتعلموا السحر ولهذا قالوا وما أكرهتنا عليه من السحر وفي هذا نظر.
__________
(1) في نسخة: من كان في بلاده.
(2) في نسخة بضعة وثمانين ألفا.
وفي أخرى وأربعين ألفا.
[ * ]

(1/294)

وحضر فرعون وأمراؤه وأهل دولته وأهل بلده عن بكرة أبيهم.
وذلك أن فرعون نادى فيهم أن يحضروا هذا الموقف العظيم فخرجوا وهم يقولون (لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين) [ الشعراء: 40 ].
وتقدم موسى عليه السلام إلى السحرة فوعظهم وزجرهم عن تعاطي السحر الباطل الذي فيه معارضة لآيات الله وحججه فقال (ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى فتنازعوا أمرهم بينهم) [ طه: 61 - 62 ] قيل معناه: أنهم اختلفوا (1) فيما بينهم، فقائل يقول: هذا كلام نبي وليس بساحر، وقائل منهم يقول: بل هو ساحر فالله أعلم * وأسروا التناجي بهذا وغيره (قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما) [ طه: 63 ] يقولون إن هذا وأخاه هرون ساحران عليمان مطبقان متقنان لهذه الصناعة ومرادهم أن يجتمع الناس عليهما ويصولا على الملك وحاشيته ويستأصلاكم عن آخركم ويستأمرا عليكم بهذه الصناعة (فأجمعوا كيدكم ثم اتوا صفا وقد أفلح اليوم من أستعلى) * وإنما قالوا الكلام الاول ليتدبروا ويتواصوا ويأتوا بجميع ما عندهم من المكيدة والمكر والخديعة والسحر والبهتان.
وهيهات كذبت والله الظنون واخطأت الآراء.
أنى يعارض البهتان.
والسحر والهذيان.
خوارق العادات التي أجراها الديان.
على يدي عبده الكليم.
ورسوله الكريم المؤيد بالبرهان الذي يبهر الابصار وتحار فيه العقول والاذهان وقولهم (فأجمعوا كيدكم) أي جميع (2) ما عندكم (ثم اتوا صفا) أي جملة واحدة ثم حضوا بعضهم بعضا على التقدم في هذا المقام لان فرعون كان قد وعدهم ومناهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون أول من ألقى قال بل القوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى.
قلنا لا تخف إنك أنت الاعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى) [ طه 65 - 69 ].
لما اصطف السحرة، ووقف موسى وهرون عليهما السلام تجاههم قالوا له: إما أن تلقي قبلنا (3)، وإما أن نلقي قبلك (قال بل القوا) أنتم وكانوا قد عمدوا إلى حبال وعصي فاودعوها الزئبق وغيره من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطرابا يخيل للرائي أنها تسعى باختيارها * وإنما تتحرك بسبب ذلك.
فعند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم وألقوا حبالهم وعصيهم وهم يقولون (بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون) [ الشعراء: 44 ].
قال الله تعالى (فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم) [ الاعراف: 116 ].
وقال تعالى (فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
فأوجس في نفسه خيفة موسى)
__________
(1) في القرطبي: تشاوروا.
(2) أي جميع ما عندكم من كيد وحيلة واعزموا وجدوا واحكموا أمركم.
(3) في قولهم (إما أن تلقي) فيه أدب تجاه موسى وكان ذلك إشارة إلى - قرب إيمانهم - وأحد أسبابه.
[ * ]

(1/295)

أي خاف على الناس أن يفتتنوا بسحرهم ومحالهم قبل أن يلقي ما في يده فإنه لا يضع شيئا قبل أن يؤمر فأوحى الله إليه في الساعة الراهنة (لا تخف إنك أنت الاعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيت أتى) فعند ذلك ألقى موسى عصاه وقال (ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولو
كره المجرمون) [ يونس: 81 - 82 ] وقال تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون * فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين.
وألقي السحرة ساجدين.
قالوا آمنا برب العالمين.
رب موسى وهرون) [ الاعراف: 117 - 122 ].
وذلك أن موسى عليه السلام لما ألقاها صارت حية عظيمة ذات قوائم، فيما ذكره غير واحد من علماء السلف، وعنق عظيم وشكل هائل مزعج بحيث إن الناس انحازوا منها وهربوا سراعا وتأخروا عن مكانها وأقبلت هي على ما ألقوه (1) من الحبال والعصي فجعلت تلقفه واحدا واحدا في أسرع ما يكون من الحركة والناس ينظرون إليها ويتعجبون منها.
وأما السحرة فإنهم رأوا ما هالهم وحيرهم في أمرهم واطلعوا على أمر لم يكن في خلدهم ولا بالهم ولا يدخل تحت صناعاتهم وأشغالهم.
فعند ذلك وهنالك تحققوا بما عندهم من العلم أن هذا ليس بسحر ولا شعبذة (2) ولا محال ولا خيال ولا زور ولا بهتان ولا ضلال بل حق لا يقدر عليه إلا الحق الذي ابتعث هذا المؤيد به بالحق وكشف الله عن قلوبهم غشاوة الغفلة، وأنارها بما خلق فيها من الهدى وأزاح عنها القسوة، وأنابوا إلى ربهم وخروا له ساجدين، وقالوا جهرة للحاضرين ولم يخشوا عقوبة ولا بلوى (آمنا برب موسى وهرون) كما قال تعالى (فألقى السحرة سجدا قالوا آمنا برب هرون وموسى قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولاصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى.
قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى.
ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى.
جنات عدن تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى): [ طه: 70 - 76 ].
قال سعيد بن جبير وعكرمة والقاسم بن أبي بردة والاوزاعي وغيرهم لما سجد السحرة رأوا منازلهم وقصورهم في الجنة تهيأ لهم وتزخرف لقدومهم ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون وتهديده ووعيده.
وذلك لان فرعون لما رأى هؤلاء السحرة قد أسلموا واشهروا ذكر موسى وهرون في الناس
على هذه الصفة الجميلة، أفزعه ذلك، ورأى أمرا بهره، وأعمى بصيرته وبصره، وكان فيه كيد
__________
(1) في نسخة: على ما ألقوا - وفي أخرى: على ما أقبلت.
(2) في نسخة: شعوذة.
[ * ]

(1/296)

ومكر وخداع، وصنعة بليغة في الصد عن سبيل الله، فقال مخاطبا للسحرة بحضرة الناس: (آمنتم له قبل أن آذن لكم) [ الاعراف: 123 ] أي هلا شاورتموني فيما صنعتم من الامر الفظيع بحضرة رعيتي ثم تهدد وتوعد وأبرق وأرعد وكذب فأبعد قائلا (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) وقال في الآية الاخرى (إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون) [ الاعراف: 123 ].
وهذا الذي قاله من البهتان [ الذي ] يعلم كل فرد عاقل ما فيه من الكفر والكذب والهذيان بل لا يروج مثله على الصبيان فإن الناس كلهم من أهل دولته وغيرهم يعلمون أن موسى لم يره هؤلاء يوما من الدهر فكيف يكون كبيرهم الذي علمهم السحر * ثم هو لم يجمعهم ولا علم بإجتماعهم حتى كان فرعون هو الذي إستدعاهم واجتباهم من كل فج عميق وواد سحيق ومن حواضر بلاد مصر والاطراف ومن المدن والارياف.
قال الله تعالى في سورة الاعراف (ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين.
وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين.
حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل قال إن كنت جئت بآية فات بها إن كنت من الصادقين فألقى.
عصاه فإذا هي ثعبان مبين.
ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين.
قال الملا من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم.
يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون.
قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين.
يأتوك بكل ساحر عليم وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لاجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين.
قال القوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس وأسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا
يعملون.
فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين.
وألقى السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين.
رب موسى وهرون قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون.
لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لاصلبنكم أجمعين.
قالوا إنا إلى ربنا منقلبون.
وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين) [ الاعراف: 103 - 126 ].
وقال تعالى في سورة يونس (ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون إلى فرعون وملائه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين.
فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين.
قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون.
قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الارض وما نحن لكما بمؤمنين.
وقال فرعون إئتوني بكل ساحر عليم.
فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين.
ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون) [ يونس: 75 - 82 ] وقال تعالى في سورة الشعراء (قال لئن اتخذت إلها غيري لاجعلنك من

(1/297)

المسجونين.
قال أو لو جئتك بشئ مبين.
قال فأت به إن كنت من الصادقين.
فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين.
ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال للملا حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون.
قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم.
فجمع السحرة لميقات يوم معلوم.
وقيل للناس هل أنتم مجتمعون.
لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين.
فلما جاء السحرة قالوا لفرعون إن لنا لاجرا ان كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون.
فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون.
فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون.
فالقى السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهرون * قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون.
لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف
ولاصلبنكم أجمعين.
قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين).
[ الشعراء: 19 - 51 ].
والمقصود أن فرعون كذب وافترى وكفر غاية الكفر في قوله (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) وأتي ببهتان يعلمه العالمون بل العالمون في قوله (إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون) [ الاعراف: 123 ] وقوله (لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف) يعني يقطع اليد اليمني والرجل اليسرى وعكسه (ولاصلبنكم أجمعين) أي ليجعلهم (1) مثلة ونكالا لئلا يقتدي بهم أحد من رعيته وأهل ملته ولهذا قال (ولاصلبنكم في جذوع النخل) أي على جذوع النخل لانها أعلى وأشهر (ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى) يعني في الدنيا (قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات) أي لن نطيعك ونترك ما وقر في قلوبنا من البينات والدلائل القاطعات (والذي فرطنا) قيل معطوف.
وقيل قسم (فاقض ما أنت قاض) أي فافعل ما قدرت عليه (إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) أي إنما حكمك علينا في هذه الحياة الدنيا فإذا أنتقلنا منها إلى الدار الآخرة صرنا إلى حكم الذي أسلمنا له واتبعنا رسله (إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى) أي وثوابه خير مما وعدتنا به من التقريب (2) والترغيب وأبقى أي وأدوم من هذه الدار الفانية وفي الآية الاخرى (قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا) [ الشعراء: 50 - 51 ] أي (3) ما جترمناه من المآثم والمحارم (أن كنا أول المؤمنين) أي من القبط، بموسى وهرون عليهما لسلام * وقالوا له أيضا (وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا) أي
__________
1) في نسخة: أي ليجعلنهم.
2) في نسخة: الترهيب.
3) في القرطبي: أي الشرك الذي كانوا عليه.
[ * ]

(1/298)

ليس لنا عندك ذنب إلا إيماننا بما جاءنا به رسولنا، وإتباعنا آيات ربنا لما جاءتنا (ربنا
أفرغ علينا صبرا) أي ثبتنا على ما أبتلينا به من عقوبة هذا الجبار العنيد والسلطان الشديد بل الشيطان المريد (وتوفنا مسلمين) وقالوا أيضا يعظونه ويخوفونه بأس ربه العظيم (إنه من يأت ربه مجرما (1) فان له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى) يقولون له فإياك أن تكون منهم فكان منهم (ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى) أي المنازل العالية (جنات عدن تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى) فاحرص أن تكون منهم فحالت بينه وبين ذلك الاقدار التي لا تغالب ولا تمانع وحكم العلي العظيم بأن فرعون لعنه الله من أهل الجحيم ليباشر العذاب الاليم يصب من فوق رأسه الحميم * ويقال له على وجه التقريع والتوبيخ وهو المقبوح المنبوح والذميم اللئيم (ذق إنك أنت العزيز الكريم) [ الدخان: 49 ].
والظاهر من هذه السياقات أن فرعون لعنه الله صلبهم وعذبهم رضي الله عنهم.
قال عبد الله بن عباس وعبيد بن عمير كانوا من أول النهار سحرة صاروا من آخره شهداء بررة * ويؤيد هذا قولهم (ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين).
فصل ولما وقع ما وقع من الامر العظيم وهو الغلب الذي غلبته القبط في ذلك الموقف الهائل وأسلم السحرة الذين استنصروا ربهم لم يزدهم ذلك إلا كفرا وعنادا وبعدا عن الحق.
قال الله تعالى بعد قصص ما تقدم في سورة الاعراف: (وقال الملا من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الارض ويذرك وآلهتك.
قال سنقتل أبناءهم ونستحيى نساءهم وإنا فوقهم قاهرون.
قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا ان الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا.
قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعلمون) [ الاعراف: 127 - 129 ].
يخبر تعالى عن الملا من قوم فرعون وهم الامراء والكبراء أنهم حرضوا ملكهم فرعون على أذية نبي الله موسى عليه السلام ومقابلته بدل التصديق بما جاء به بالكفر والرد والاذى قالوا (أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الارض ويذرك وآلهتك) يعنون - قبحهم الله - أن دعوته إلى عبادة الله
وحده لا شريك له والنهي عن عبادة ما سواه فساد بالنسبة إلى إعتقاد القبط لعنهم الله.
وقرأ بعضهم (ويذرك وآلهتك) أي وعبادتك ويحتمل شيئين أحدهما ويذر دينك وتقويه القراءة الاخرى.
الثاني ويذر أن يعبدك فإنه كان يزعم أنه إله لعنه الله (قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم) أي لئلا يكثر مقاتلتهم (وإنا فوقهم قاهرون) أي غالبون (وقال موسى لقومه *
__________
(1) المجرم: المراد به المشرك.
[ * ]

(1/299)

استعينوا بالله واصبروا إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) أي إذا هموا هم بأذيتكم والفتك بكم فاستعينوا أنتم بربكم واصبروا على بليتكم (إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة لمتقين) أي فكونوا أنتم المتقين لتكون لكم العاقبة كما قال في الآية الاخرى (وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين.
فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين.
ونجنا برحمتك من القوم الكافرين) [ يونس: 84 - 86 ] وقولهم (قالوا أوذينا (1) من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا) أي قد كانت الابناء تقتل قبل مجيئك وبعد مجيئك إلينا (قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون) [ الاعراف: 129 ] وقال الله تعالى في سورة حم المؤمن (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا (2) وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب) [ غافر: 23 - 24 ] وكان فرعون الملك وهامان الوزير.
وكان قارون إسرائيليا من قوم موسى إلا أنه كان على دين فرعون وملائه وكان ذا مال جزيل جدا كما ستأتي قصته فيما بعد إن شاء الله تعالى.
(فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال) [ غافر: 25 ] وهذا القتل للغلمان من بعد بعثة موسى إنما كان على وجه الاهانة والاذلال (3)، والتقليل لملا بني إسرائيل، لئلا يكون لهم شوكة يمتنعون بها، ويصولون على القبط بسببها وكانت القبط منهم يحذرون، فلم ينفعهم ذلك ولم يرد عنهم قدر الذي يقول للشئ كن فيكون (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الارض الفساد) [ غافر: 26 ].
ولهذا يقول الناس على سبيل التهكم: صار فرعون مذكرا، وهذا منه، فإن فرعون في زعمه يخاف على الناس أن يضلهم موسى عليه السلام.
(وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب) [ غافر: 27 ] أي عذت بالله ولجأت إليه [ واستجرت ] (4) بجنابه أن يسطو فرعون وغيره علي بسوء وقوله (من كل متكبر) أي جبار عنيد لا يرعوي ولا ينتهي ولا يخاف عذاب الله وعقابه لانه لا يعتقد معادا ولا جزاء.
ولهذا قال (من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب.
وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا
__________
(1) قيل في الاذى: - في ابتداء ولادته صلى الله عليه وسلم كان الاذى قتل الابناء واسترقاق النساء.
- تسخير بنى إسرائيل في الاعمال نصف النهار.
- الاذى بعد مجيئه: تسخيرهم جميع النهار كله.
- قال الحسن: الاذى قبل وبعد: واحد هو الجزية.
(القرطبي 7 / 263).
(2) وهي الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات) قيل هي: العصا واليد واللسان والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.
وقيل وفيها: السنين والنقص من الثمرات.
(3) زاد القرطبي: ليمتنعوا من الايمان ولئلا يكثر جمعهم.
(4) سقطت من النسخ المطبوعة.
[ * ]

(1/300)

أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب.
يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الارض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) [ غافر: 28 - 29 ] وهذا الرجل هو ابن عم فرعون (1) وكان يكتم إيمانه من قومه خوفا منهم على نفسه * وزعم بعض الناس أنه كان إسرائيليا وهو بعيد ومخالف لسياق الكلام لفظا ومعنى والله أعلم.
قال ابن جريج قال ابن عباس لم يؤمن من القبط بموسى إلا هذا والذي جاء من أقصى
المدينة (2) وامرأة فرعون.
رواه ابن أبي حاتم * قال الدارقطني لا يعرف من اسمه شمعان بالشين المعجمة إلا مؤمن آل فرعون * حكاه السهيلي * وفي تاريخ الطبراني أن اسمه خير فالله أعلم.
والمقصود أن هذا الرجل كان يكتم إيمانه فلما هم فرعون لعنه الله بقتل موسى عليه السلام وعزم على ذلك وشاور ملاه فيه خاف هذا المؤمن على موسى فتلطف في رد فرعون بكلام جمع فيه الترغيب والترهيب فقال على وجه المشورة والرأي وقد ثبت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر " (3).
وهذا من أعلى مراتب هذا المقام فإن فرعون لاشد جورا منه وهذا الكلام لا أعدل منه لان فيه عصمة نبي * ويحتمل أنه [ كاشفهم ] (4) بإظهار إيمانه وصرح لهم بما كان يكتمه والاول أظهر.
والله أعلم.
قال (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله) أي من أجل أنه قال ربي الله فمثل هذا لا يقابل بهذا بل بالاكرام والاحترام والموادعة وترك الانتقام يعني لانه (قد جاءكم بالبينات من ربكم) أي بالخوارق التي دلت على صدقه، فيما جاء به عمن أرسله، فهذا إن وادعتموه كنتم في سلامة لانه (إن يك كاذبا فعليه كذبه) ولا يضركم ذلك (وإن يك صادقا) وقد تعرضتم له (يصبكم بعض الذي يعدكم) أي وأنتم تشفقون أن ينالكم أيسر جزاء مما يتوعدكم به فكيف بكم إن حل جميعه عليكم.
وهذا الكلام في هذا المقام من أعلى مقامات التلطف والاحتراز والعقل التام.
وقوله
__________
(1) اختلفوا في اسمه: قيل حبيب وقيل شمعان.
وقال الطبري: خبرك وقيل حزقيل.
والاكثر من العلماء على انه: قبطي ; ابن عم فرعون.
(2) والمراد به: الرجل الذي ذكر اسمه في قوله تعالى: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك).
وقد تقدم التعليق.
فليراجع.
(3) أخرجه أحمد في مسنده ج 3 / 19 عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وفيه علي بن زيد بن جدعان ; وفيه: كلمة حق بدل من كلمة عدل.
ورواه ابن ماجة، وأبو داود في سننه في كتاب الملاحم باب الامر والنهي.
والترمذي في 34 كتاب الفتن (13) باب ما جاء في أفضل الجهاد ح 2174 ولفظة: إن من أعظم الجهاد قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.
(4) في بعض النسخ: كاشرهم وهو تحريف.
[ * ]

(1/301)

(يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الارض) [ غافر: 29 ] يحذرهم أن يسلبوا هذا الملك العزيز فإنه من تعرض الدول للدين إلا سلبوا ملكهم وذلوا بعد عزهم وكذا وقع لآل فرعون ما زالوا في شك وريب، ومخالفة ومعاندة لما جاءهم موسى به حتى أخرجهم الله مما كانوا فيه من الملك والاملاك والدور والقصور، والنعمة والحبور، ثم حولوا إلى البحر مهانين، ونقلت أرواحهم بعد العلو والرفعة إلى أسفل السافلين.
ولهذا قال هذا الرجل المؤمن المصدق، البار الراشد التابع للحق، الناصح لقومه الكامل العقل: (يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الارض) أي عالين على الناس حاكمين عليهم (فمن ينصرنا من بأس الله ان جاءنا) أي لو كنتم أضعاف ما أنتم فيه من العدد والعدة والقوة والشدة لما نفعنا ذلك ولا رد عنا بأس مالك الممالك.
(قال فرعون) أي في جواب هذا كله (ما أريكم إلا ما أرى) أي ما أقول لكم إلا ما عندي (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) وكذب في كل من هذين القولين وهاتين المقدمتين فإنه قد كان يتحقق في باطنه وفي نفسه أن هذا الذي جاء به موسى من عند الله لا محالة وإنما كان يظهر خلافه بغيا وعدوانا وعتوا وكفرانا قال الله تعالى إخبارا عن موسى (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والارض بصائر وإني لا أظنك يا فرعون مثبورا فأراد أن يستفزهم من الارض فأغرقناه ومن معه جميعا.
وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الارض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا) [ الاسراء: 102 - 104 ] وقال تعالى (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين.
وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) [ النمل: 13 - 14 ] وأما قوله (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد).
فقد كذب أيضا فإنه لم يكن على رشاد من الامر بل كان على سفه وضلال وخبل وخيال فكان أولا ممن يعبد الاصنام والامثال.
ثم دعا قومه الجهلة الضلال إلى أن اتبعوه وطاوعوه (1) وصدقوه فيما زعم من الكفر المحال في دعواه أنه رب تعالى الله ذو الجلال.
قال الله تعالى (ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك
مصر.
وهذه الانهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين فاستخف قومه فأطاعوه أنهم كانوا قوما فاسقين.
فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين.
فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين) [ الزخرف: 51 - 56 ] وقال تعالى: (فأراه الآية الكبرى فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الاعلى فأخذه الله نكال الآخرة والاولى.
إن في ذلك لعبرة لمن يخشى) [ النازعات: 20 - 26 ] وقال تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين.
إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيمة فأوردهم النار وبئس الورد المورود.
وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيمة بئس الرفد المرفود) [ هود: 96 - 99 ].
__________
(1) في نسخة: وأطاعوه ; وفي أخرى: وطاعوه.
[ * ]

(1/302)

والمقصود بيان كذبه في قوله (ما أريكم إلا ما أرى) وفي قوله (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد).
(وقال الذين آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الاحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد.
ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد.
يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد.
ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب.
الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) [ غافر: 30 - 35 ] يحذرهم ولي الله إن كذبوا برسول الله موسى أن يحل بهم ما حل بالامم من قبلهم من النقمات والمثلات مما تواتر عندهم وعند غيرهم ما حل بقوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم إلى زمانهم ذلك مما أقام به الحجج على أهل الارض قاطبة في صدق ما جاءت به الانبياء لما أنزل من النقمة بمكذبيهم من الاعداء وما أنجى (1) الله من اتبعهم من الاولياء وخوفهم يوم القيمة وهو يوم التناد أي حين ينادي الناس بعضهم بعضا حين يولون [ مدبرين ] (2) إن قدروا على ذلك ولا إلى ذلك سبيل (يقول الانسان
يومئذ أين المفر كلا لا وزر - إلى ربك يومئذ المستقر) [ القيامة: 10 - 12 ] وقال تعالى (يا معشر الجن والانس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والارض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان.
فبأي آلاء ربكما تكذبان يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران فبأي آلاء ربكما تكذبان) [ الرحمن: 33 - 36 ] وقرأ بعضهم (يوم التناد) بتشديد الدال، أي يوم الفرار.
ويحتمل أن يكون يوم القيامة، ويحتمل أن يكون يوم يحل الله بهم البأس، فيودون الفرار ولات حين مناص.
(فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون، لا تركضوا وارجعوا إلى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون) [ الانبياء: 12 - 13 ] ثم أخبرهم عن نبوة يوسف في بلاد مصر ما كان منه من الاحسان إلى الخلق في دنياهم وأخراهم وهذا من سلالته وذريته ويدعو الناس إلى توحيد الله وعبادته وأن لا يشركوا به أحدا من بريته وأخبر عن أهل الديار المصرية في ذلك الزمان أي من سجيتهم التكذيب بالحق ومخالفة الرسل ولهذا قال (فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا) [ غافر: 34 ] أي وكذبتم في هذا ولهذا قال (كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب.
الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم) [ غافر: 34 - 35 ] أي يريدون حجج الله وبراهينه ودلائل توحيده بلا حجة ولا دليل عندهم من الله فإن هذا أمر يمقته الله غاية المقت أي يبغض من تلبس به من الناس ومن اتصف به من الخلق (كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) [ غافر: 35 ] قرئ بالاضافة وبالنعت وكلاهما
__________
(1) في نسخة: ونجى.
(2) سقطت من النسخ المطبوعة.
[ * ]

(1/303)

متلازم أي هكذا إذا خالفت القلوب الحق - ولا تخالفه إلا بلا برهان - فإن الله يطبع عليها، أي يختم عليها [ بما فيها ] (1).
(وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الاسباب أسباب السموات فاطلع إلى إله موسى وإني لاظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في
تباب) [ غافر: 36 - 37 ] كذب فرعون موسى عليه السلام في دعواه أن الله أرسله وزعم فرعون لقومه ما كذبه وافتراه في قوله لهم (ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لاظنه كاذبا) [ القصص: 33 ] وقال ههنا (لعلي أبلغ الاسباب أسباب السموات) أي طرقها ومسألكها (فاطلع إلى إله موسى وإني لاظنه كاذبا) ويحتمل هذا معنيين أحدهما وإني لاظنه كاذبا في قوله إن للعالم ربا غيري والثاني في دعواه أن الله أرسله.
والاول أشبه بظاهر حال فرعون فإنه كان ينكر ظاهر إثبات الصانع والثاني أقرب إلى اللفظ حيث قال (فاطلع إلى إله موسى) أي فاسأله هل أرسله أم لا (وإني لاظنه كاذبا) أي في دعواه ذلك.
وإنما كان مقصود فرعون أن يصد الناس عن تصديق موسى عليه السلام أن يحثهم على تكذيبه قال الله تعالى (وكذلك زين لفرعون سوء علمه وصد عن السبيل) [ غافر: 37 ] وقرئ (وصد عن السبيل ما كيد فرعون إلا في تباب) قال ابن عباس ومجاهد يقول إلا في خسار إي باطل لا يحصل له شئ من مقصوده الذي رامه فإنه لا سبيل للبشر أن يتوصلوا بقواهم إلى نيل السماء أبدا.
أعني السماء الدنيا فكيف بما بعدها من السموات العلى، وما فوق ذلك من الارتفاع، الذي لا يعلمه إلا الله عزوجل.
وذكر غير واحد من المفسرين أن هذا الصرح، وهو القصر الذي بناه وزيره هامان له، لم ير بناء أعلى منه وإن كان مبنيا من الآجر المشوي بالنار ولهذا قال (فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا) [ القصص: 38 ] وعند أهل الكتاب أن بني إسرائيل كانوا يسخرون في ضرب اللبن وكان مما حملوا من التكاليف الفرعونية أنهم لا يساعدون على شئ مما يحتاجون إليه فيه بل كانوا هم الذين يجمعون ترابه وتبنه وماءه، ويطلب منهم كل يوم قسط معين، إن لم يفعلوه وإلا (2) ضربوا وأهينوا غاية الاهانة وأوذوا غاية الاذية.
ولهذا قالوا لموسى (أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون) فوعدهم بأن العاقبة لهم على القبط وكذلك وقع وهذا من دلائل النبوة.
ولنرجع إلى نصيحة المؤمن وموعظته واحتجاجه، قال الله تعالى (وقال الذي آمن يا قوم
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة ; واستدركت من مطبوعة السعادة مصر.
(2) في نسخة: ضربوا وأهينوا - بدون إلا - وفي أخرى - ضربوهم وهانوهم.
[ * ]

(1/304)

اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) [ غافر: 38 - 40 ] يدعوهم رضي الله عنه إلى طريق الرشاد والحق وهي متابعة نبي الله موسى وتصديق فيما جاء به من ربه، ثم زهدهم في الدنيا الدنية الفانية المنقضية لا محالة، ورغبهم في طلب الثواب عند الله الذي لا يضيع عمل عامل لديه.
القدير الذي ملكوت كل شئ بيديه، الذي يعطي على القليل كثيرا، ومن عدله لا يجازي على السيئة إلا مثلها.
وأخبرهم أن الآخرة هي دار القرار التي من وافاها - مؤمنا قد عمل الصالحات - فلهم الجنات (1) العاليات، والغرف (2) الآمنات، والخيرات الكثيرة الفائقات، والارزاق الدائمة التي لا تبيد.
والخير الذي كل ما لهم منه في مزيد.
ثم شرع في إبطال ما هم عليه وتخويفهم مما يصيرون إليه فقال (ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار تدعونني لاكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار.
لا جرم أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد.
فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب.
النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) [ غافر: 41 - 46 ] كان يدعوهم إلى عبادة رب السموات والارض الذي يقول لشئ كن فيكون وهم يدعونه إلى عبادة فرعون الجاهل الضال الملعون، ولهذا قال لهم على سبيل الانكار (ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار تدعونني لاكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار) ثم بين لهم
بطلان ما هم عليه من عبادة ما سوى الله من الانداد والاوثان وأنها لا تملك من نفع ولا إضرار (3) فقال (لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار) أي لا تملك تصرفا ولا حكما في هذه الدار فكيف تملكه يوم القرار * وأما الله عزوجل فإنه الخالق الرازق للابرار والفجار وهو الذي أحيا العباد ويميتهم ويبعثهم فيدخل طائعهم الجنة وعاصيهم إلى النار.
ثم توعدهم إن هم استمروا على العناد بقوله (فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد) قال الله (فوقاه الله سيئات ما مكروا) أي بإنكاره سلم (4) مما أصابهم
__________
(1) في نسخة: الدرجات العاليات.
(2) في نسخة: والغرف والخيرات.
(3) في نسخة: لا تملك لا نفعا ولا ضرا.
(4) بعد تهديده ووعيده لهم، تأمروا عليه لقتله - أي لمؤمن آل فرعون - ففوض أمره لله.
قال مقاتل: فهرب إلى الجبل ولم يقدروا عليه، وقال قتادة: نجاه الله مع بني إسرائيل.
[ * ]

(1/305)

من العقوبة على كفرهم بالله ومكرهم في صدهم عن سبيل الله مما أظهروا للعامة من الخيالات والمحالات التي لبسوا (1) بها على عوامهم وطغامهم ولهذا قال (وحاق) أي أحاط (بآل فرعون سوء العذاب.
النار يعرضون عليها غدوا وعشيا) أي تعرض أرواحهم في برزخهم (2) صباحا ومساء على النار (ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) [ غافر: 45 - 46 ] وقد تكلمنا على دلالة هذه الآية على عذاب القبر في التفسير ولله الحمد.
والمقصود أن الله تعالى لم يهلكهم إلا بعد إقامة الحجج عليهم وإرسال الرسول إليهم وازاحة الشبه عنهم، وأخذ الحجة عليهم منهم، بالترهيب (3) تارة والترغيب أخرى كما قال تعالى.
(ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون.
فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون.
وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين.
فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) [ الاعراف: 130 - 133 ].
يخبر تعالى أنه ابتلى آل فرعون وهم قومه من القبط بالسنين وهي أعوام الجدب التي لا يستغل فيها زرع ولا ينتفع بضرع وقوله (ونقص من الثمرات) وهي قلة الثمار من الاشجار (لعلهم يذكرون) أي فلم ينتفعوا ولم يرعوا بل تمردوا واستمروا على كفرهم وعنادهم (فإذا جاءتهم الحسنة) والخصب ونحوه (قالوا لنا هذه) أي هذا الذي نستحقه وهذا الذي يليق بنا (وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه) أي يقولون هذا بشؤمهم أصابنا هذا، ولا يقولون في الاول أنه ببركتهم وحسن مجاورتهم [ لهم ] (4) ولكن قلوبهم منكرة مستكبرة نافرة عن الحق إذا جاء الشر أسندوه إليه، وإن رأوا خيرا ادعوه لانفسهم.
قال الله تعالى (ألا إنما طائرهم عند الله) أي الله يجزيهم على هذا أوفر الجزاء (ولكن أكثرهم لا يعلمون) [ الاعراف: 132 ] (وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بهما فما نحن لك بمؤمنين) [ الاعراف: 133 ] أي مهما جئتنا به من الآيات - وهي الخوارق للعادات (5) فلسنا نؤمن بك ولا نتبعك ولا نطيعك ولو جئتنا لكل اية (6) وهكذا أخبر الله عنهم في قوله (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا
__________
(1) في النسخ المطبوعة: ألبسوا.
(2) في نسخة: في البرزخ.
(3) في النسخ المطبوعة: فبالترغيب.
(4) سقطت من النسخ المطبوعة.
(5) في نسخة: وهي خوارق العادات (6) قال القرطبي في تفسيره: بقي موسى في القبط بعد إلقاء السحرة سجدا عشرين سنة يرميهم الآيات إلى أن أغرق الله فرعون: وعن نوف قال: أربعين سنة.
[ * ]

(1/306)

العذاب الاليم) [ يونس: 96 - 97 ] قال الله تعالى (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) [ الاعراف: 133 ] أما الطوفان فعن ابن عباس هو كثرة الامطار المتلفة للزروع والثمار.
وبه قال سعيد بن جبير وقتادة والسدي والضحاك * وعن ابن عباس وعطاء هو كثرة الموت * وقال مجاهد الطوفان الماء والطاعون على كل حال * وعن ابن عباس أمر طاف بهم * وقد روى ابن جرير وابن مردويه من طريق يحيى بن يمان، عن المنهال بن خليفة، عن الحجاج عن الحكم بن مينا، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم [ أنه قال ] (1): " الطوفان الموت " (2) وهو غريب * وأما الجراد فمعروف * وقد روى أبو داود عن أبي عثمان عن سلمان الفارسي قال سئل رسول الله عن الجراد فقال: " أكثر جنود الله لا آكله ولا أحرمه " (3) وترك النبي صلى الله عليه وسلم أكله إنما هو على وجه التقذر له، كما ترك أكل الضب، وتنزه عن أكل البصل والثوم والكراث، لما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد (4).
وقد تكلمنا على ما ورد فيه من الاحاديث والآثار في التفسير.
والمقصود أنه استاق خضراءهم فلم يترك لهم زرعا ولا ثمارا ولا سبدا ولا لبدا (5).
وأما القمل فعن ابن عباس: هو السوس الذي يخرج من الحنطة وعنه: أنه الجراد الصغار الذي لا أجنحة له.
وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة وقال سعيد بن جبير والحسن هو دواب سود صغار * وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [ القمل ] (6) هي البراغيث * وحكى ابن جرير عن أهل العربية: أنها الحمنان (7) وهو صغار القردان - فوق القمقامة - فدخل معهم البيوت والفرش فلم يقر لهم قرار ولم يمكنهم معه الغمض ولا العيش.
وفسره عطاء بن السائب بهذا القمل المعروف.
وقرأها الحسن البصري كذلك بالتخفيف.
وأما الضفادع فمعروفة لبستهم حتى كانت
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) رواه السيوطي في الفتح الكبير 2 / 219.
(3) أخرجه أبو داود في سننه - في كتاب الاطعمة - باب في أكل الجراد.
ج 3813 ص ج 3 / 357 بيروت.
وفيه محمد بن الفرج البغدادي.
صدوق.
(4) أخرجه مسلم في 34 / 8 / 52 والبخاري في 72 / 13 وأبو داود في سننه باب في أكل الجراد ح 3812 وفيه: ست أو سبع غزوات نأكله معه.
(5) لا سبدا ولا لبدا: أي لا قليلا ولا كثيرا.
(6) سقطت من النسخ المطبوعة.
(7) الحمنان: جمع حمنانة فالقراد أول ما يكون - قمقامة ثم يصير حمنانة - ثم يصير قرادا ثم يصير حلمة.
قال والقمل واحدتها قملة وهي من جنس القردان، وهي أصغر منها، وهو يتخلق من عرق البعير ومن الوسخ والتلطخ بالثلوط والابوال كتاب الحيوان للجاحظ ج 5 / 438 وما بعدها.
[ * ]

(1/307)

تسقط في أطعماتهم وأوانيهم حتى إن أحدهم إذا فتح فمه (1) لطعام أو شراب سقطت في فيه ضفدعة من تلك الضفادع.
وأما الدم فكان قد مزج ماؤهم كله به فلا يستقون من النيل شيئا إلا وجدوه دما عبيطا ولا من نهر ولا بئر ولا شئ إلا كان دما في الساعة الراهنة.
هذا كله لم ينل بني إسرائيل من ذلك شئ بالكلية.
وهذا من تمام المعجزة الباهرة والحجة القاطعة أن هذا كله يحصل لهم من فعل موسى عليه السلام فينالهم عن آخرهم، ولا يحصل هذا لاحد من بني إسرائيل وفي هذا أدل دليل.
قال محمد بن اسحق فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوبا مفلولا ثم أبي إلا الاقامة على الكفر والتمادي في الشر وتابع الله عليه بالآيات: فأخذه بالسنين فأرسل عليه الطوفان، ثم الجراد، ثم القمل، ثم الضفادع، ثم الدم، آيات مفصلات (2) فأرسل الطوفان وهو الماء ففاض على وجه الارض ثم ركد.
لا يقدرون على أن يخرجوا ولا أن يعملوا شيئا حتى جهدوا جوعا فلما بلغهم ذلك (قالوا يا موسى أدع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل) [ الاعراف: 134 ] فدعا موسى ربه فكشفه (3) عنهم فلما لم يفوا له بشئ فأرسل الله عليهم الجراد فأكل الشجر فيما بلغني حتى أن كان ليأكل مسامير الابواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلم
يفوا له بشئ مما قالوا فأرسل الله عليهم القمل.
فذكر لي أن موسى عليه السلام أمر أن يمشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه فمشى إلى كثيب أهيل عظيم فضربه بها فانثال عليهم قملا حتى غلب على البيوت والاطعمة ومنعهم النوم والقرار فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا له فدعا ربه فكشف عنهم فلما لم يفوا له بشئ مما قالوا أرسل الله عليهم الضفادع فملات البيوت والاطعمة والآنية فلم يكشف أحد ثوبا ولا طعاما إلا وجد فيه الضفادع قد غلب عليه فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا بشئ مما قالوا فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دما لا يستقون من بئر ولا نهر يغترفون من إناء إلا عاد دما عبيطا وقال زيد بن أسلم المراد بالدم الرعاف رواه ابن أبي حاتم.
قال الله تعلى (ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى أدع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل.
فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون.
فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين) [ الاعراف: 134 - 136 ].
يخبر تعالى عن كفرهم وعتوهم واستمرارهم على الضلال والجهل والاستكبار عن إتباع
__________
(1) في نسخة: فاه.
(2) قال القرطبي: قال مفصلات لانه كان بين الآية والآية ثمانية أيام، وقيل: أربعون يوما.
وقيل: شهر.
(3) أي العذاب، وقال ابن جبير: كان العذاب بالطاعون.
والسياق يقتضي أن الرجز قد يكون ما تقدم من إظهار الآيات.
[ * ]

(1/308)

آيات الله وتصديق رسوله مع ما أيد به من الآيات العظيمة الباهرة والحجج البليغة القاهرة التي أراهم الله إياها عيانا وجعلها عليهم دليلا وبرهانا * وكلما شاهدوا آية وعاينوها وجهدهم وأضنكهم حلفوا وعاهدوا موسى لئن كشف عنهم هذه ليؤمنن به وليرسلن معه من هو من حزبه فكلما رفعت عنهم تلك الآية عادوا إلى شر مما كانوا عليه وأعرضوا عما جاءهم به من الحق ولم يلتفتوا إليه فيرسل الله عليهم آية أخرى هي أشد مما كانت قبلها وأقوى فيقولون فيكذبون.
ويعدون ولا يفون لئن
كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل فيكشف عنهم ذلك العذاب الوبيل.
ثم يعودون إلى جهلهم العريض الطويل هذا والعظيم الحليم القدير ينظرهم، ولا يعجل عليهم، ويؤخرهم ويتقدم بالوعيد إليهم * ثم أخذهم بعد إقامة الحجة عليهم والانذار إليهم أخذ عزيز مقتدر فجعلهم عبرة ونكالا وسلفا لمن أشبههم من الكافرين ومثلا لمن اتعظ بهم من عباده المؤمنين، كما قال تبارك وتعالى وهو أصدق القائلين في سورة حم والكتاب المبين (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إني رسول رب العالمين.
فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون.
وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون.
وقالوا يا أيها الساحر أدع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون.
فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون.
ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الانهار تجري من تحتي أفلا تبصرون.
أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين.
فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين.
فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين.
فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين) [ الزخرف: 46 - 56 ].
يذكر تعالى إرساله عبده الكليم الكريم، إلى فرعون الخسيس اللئيم وأنه تعالى أيد رسوله بآيات بينات واضحات، تستحق أن تقابل بالتعظيم والتصديق، وأن يرتدعوا عما هم فيه من الكفر، ويرجعوا إلى الحق والصراط المستقيم، فإذا هو منها يضحكون، وبها يستهزئون وعن سبيل الله يصدون، وعن الحق، [ ينصرفون ] (1) فأرسل الله عليهم الآيات تترى يتبع بعضها بعضا، وكل آية أكبر من التي تتلوها، لان التوكيد أبلغ مما قبله (وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون.
وقالوا يا أيها الساحر أدع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون) لم يكن لفظ الساحر في زمنهم نقصا ولا عيبا لان علماءهم في ذلك الوقت هم السحرة ولهذا خاطبوه به في حال احتياجهم إليه وضراعتهم لديه قال الله تعالى.
(فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون) ثم أخبر تعالى عن تبجح فرعون بملكه وعظمة بلده وحسنها وتخرق الانهار فيها * وهي الخلجانات التي يكسرونها أمام زيادة النيل ثم تبجح بنفسه وحليته وأخذ يتنقص رسول الله موسى عليه السلام ويزدريه بكونه
(لا يكاد يبين) يعني كلامه بسبب ما كان في لسانه من بقية تلك اللثغة التي هي شرف له وكمال
__________
(1) في النسخ المطبوعة: يصدون.
[ * ]

(1/309)

وجمال.
ولم تكن مانعة له أن كلمه الله تعالى وأوحى إليه، وأنزل بعد ذلك التوراة عليه، وتنقصه فرعون لعنه الله بكونه لا أساور في بدنه ولا زينة عليه، وإنما ذلك من حلية النساء، لا يليق بشهامة الرجال، فكيف بالرسل الذين هم أكمل عقلا وأتم معرفة وأعلى همة وأزهد في الدنيا وأعلم بما أعد الله لاوليائه في الاخرى وقوله (أو جاء معه الملائكة مقترنين) لا يحتاج الامر إلى ذلك إن كان المراد أن تعظمه الملائكة فالملائكة يعظمون ويتواضعون لمن هو دون موسى عليه السلام بكثير كما جاء في الحديث: " إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضي بما يصنع " (1) فكيف يكون تواضعهم وتعظيمهم لموسى الكليم عليه الصلاة والتسليم والتكريم * وإن كان المراد شهادتهم له بالرسالة فقد أيد من المعجزات بما يدل قطعا لذوي الالباب ولمن قصد إلى الحق والصواب ويعمى عما جاء به من البينات والحجج الواضحات من نظر إلى القشور وترك لب اللباب وطبع على قلبه رب الارباب وختم عليه بما فيه من الشك والارتياب كما هو حال فرعون القبطي العمى الكذاب قال الله تعالى (فاستخف قومه فأطاعوه) أي استخف عقولهم ودرجهم من حال إلى حال إلى أن صدقوه في دعواه الربوبية، لعنه الله وقبحهم (إنهم كانوا قوما فاسقين فلما أسفونا) أي أغضبونا (انتقمنا منهم) أي بالغرق والاهانة وسلب العز والتبدل بالذل وبالعذاب بعد النعمة والهوان بعد الرفاهية والنار بعد طيب العيش عياذا بالله العظيم وسلطانه القديم من ذلك (فجعلناهم سلفا) أي لمن اتبعهم في الصفات (ومثلا) أي لمن اتعظ بهم وخاف من وبيل مصرعهم ممن بلغه جلية خبرهم وما كان من أمرهم كما قال الله تعالى.
(فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في أبائنا الاولين.
وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون.
وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلى أطلع إلى آله موسى وإني لاظنه من الكاذبين واستكبر هو وجنوده في الارض
بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين.
وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيمة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيمة هم من المقبوحين) [ القصص: 36 - 42 ] يخبر تعالى أنهم لما استكبروا عن اتباع الحق وادعى ملكهم الباطل، ووافقوه عليه، وأطاعوه فيه، اشتد غضب الرب القدير العزيز الذي لا يغالب، ولا يمانع عليهم، فانتقم منهم أشد الانتقام، واغرقه هو وجنوده في صبيحة واحدة، فلم يفلت منهم أحد، ولم يبق منهم ديار، بل كل قد غرق فدخل النار وأتبعوا في هذه الدار لعنة بين العالمين ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ويوم القيامة هم من المقبوحين.
__________
(1) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والبيهقي.
عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الترمذي: لا يعرف إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة، وليس إسناده عندي بمتصل.
وقد روي عن الاوزاعي عن كثير بن يزيد بن سمرة عنه.
قال البخاري: وهذا أصح (الترغيب والترهيب للمنذري ج 1 / 94).
[ * ]

(1/310)

هلاك فرعون وجنوده لما تمادى قبط مصر على كفرهم وعتوهم وعنادهم، متابعة لملكهم فرعون، ومخالفة لنبي الله ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام، وأقام الله على أهل مصر الحجج العظيمة القاهرة، وأراهم من خوارق العادات ما بهر الابصار وحير العقول، وهم مع ذلك لا يرعون ولا ينتهون ولا ينزعون ولا يرجعون، ولم يؤمن منهم إلا القليل.
قيل ثلاثة وهم إمرأة فرعون، ولا علم لاهل الكتاب بخبرها، ومؤمن آل فرعون، الذي تقدمت حكاية موعظته ومشورته وحجته عليهم، والرجل الناصح، الذي جاء يسعى من أقصى المدينة فقال: (يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين) قاله ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم عنه ومراده غير السحرة فإنهم كانوا من القبط * وقيل بل آمن طائفة من القبط من قوم فرعون والسحرة كلهم وجميع شعب بني إسرائيل.
ويدل على هذا قوله تعالى (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف
من فرعون وملائهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الارض وإنه لمن المسرفين) [ يونس: 83 ] فالضمير في قوله (إلا ذرية من قومه) عائد على فرعون (1) لان السياق يدل عليه.
وقيل على موسى لقربه والاول أظهر كما هو مقرر في التفسير وإيمانهم كان خفية لمخافتهم من فرعون وسطوته وجبروته وسلطته ومن ملائهم أن ينموا عليهم إليه فيفتنهم عن دينهم قال الله تعالى مخبرا عن فرعون وكفى بالله شهيدا (وإن فرعون لعال في الارض) أي جبار عنيد مستعل بغير الحق (وإنه لمن المسرفين) (2) أي في جيمع أموره وشئونه وأحواله ولكنه جرثومة قد حان إنجعافها (3) وثمرة خبيثة قد آن قطافها ومهجة ملعونة قد حتم اتلافها.
وعند ذلك قال موسى (يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين.
فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين.
ونجنا برحمتك من القوم الكافرين) [ يونس: 84 - 86 ] يأمرهم بالتوكل على الله والاستمالة به والالتجاء إليه فأتمروا بذلك فجعل الله لهم مما كانوا فيه فرجا ومخرجا.
(وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين) [ يونس: 87 ] أوحى الله تعالى إلى موسى وأخيه هارون عليهما السلام أن يتخذوا لقومهما بيوتا متميزة فيما بينهم عن بيوت القبط ليكونوا على أهبة في الرحيل إذا أمروا به ليعرف بعضهم بيوت بعض وقوله (واجعلوا
__________
(1) قال القرطبي: عن ابن عباس: من قومه: يعني من قوم فرعون، منهم مؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأته وماشطة ابنته وامرأة خازنه.
وقيل: هم أقوام أباؤهم من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل فسموا ذرية.
قال الفراء: وعلى هذا فالكفاية في قومه: ترجع إلى موسى للقرابة من جهة الامهات، وإلى فرعون إذا كانوا من القبط.
(2) قال القرطبي: أي المجاوزين الحد في الكفر، لانه كان عبدا فادعى الربوبية.
(3) انجعافها: استئصالها وإهلاكها.
[ * ]

(1/311)

بيوتكم قبلة) قيل مساجد، وقيل معناه كثرة الصلاة فيها، قاله مجاهد وأبو مالك وإبراهيم النخعي والربيع والضحاك وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن وغيرهم.
ومعناه على هذا الاستعانة
على ما هم فيه من الضر والشدة والضيق بكثرة الصلاة كما قال تعالى (واستعينوا بالصبر والصلاة) [ البقرة: 45 ] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى.
وقيل معناه أنهم لم يكونوا حينئذ يقدرون على إظهار عبادتهم في مجتمعاتهم ومعابدهم فأمروا أن يصلوا في بيوتهم عوضا عما فاتهم من إظهار شعار الدين الحق في ذلك الزمان الذي اقتضى حالهم اخفاءه خوفا من فرعون وملائه.
والمعنى الاول أقوى لقوله (وبشر المؤمنين) وإن كان لا ينافي الثاني أيضا والله أعلم.
وقال سعيد بن جبير (واجعلوا بيوتكم قبلة) أي متقابلة (وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملاه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم.
قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون) [ يونس: 88 - 89 ] هذه دعوة عظيمة دعا بها كليم الله موسى على عدو الله فرعون غضبا عليه لتكبره عن اتباع الحق، وصده عن سبيل الله، ومعاندته وعتوه وتمرده واستمراره على الباطل، ومكابرته الحق الواضح الجلي الحسي والمعنوي والبرهان القطعي فقال (ربنا إنك آتيت فرعون وملاه) يعني قومه من القبط ومن كان على ملته ودان بدينه (زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك) أي وهذا يغتر به من يعظم أمر الدنيا، فيحسب الجاهل أنهم على شئ لكون هذه الاموال وهذه الزينة من اللباس والمراكب الحسنة الهنية، والدور الانيقة، والقصور المبنية، والمآكل الشهية، والمناظر البهية، والملك العزيز، والتمكين والجاه العريض في الدنيا لا الدين (ربنا اطمس على أموالهم) قال ابن عباس ومجاهد أي أهلكها [ حتى لا ترى ] (3) وقال أبو العالية والربيع بن أنس والضحاك اجعلها حجارة منقوشة كهيئة ما كانت، وقال قتادة: بلغنا أن زروعهم [ وأموالهم ] (1) صارت حجارة.
وقال محمد بن كعب: جعل سكرهم حجارة وقال أيضا صارت أموالهم كلها حجارة.
ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز فقال عمر ابن عبد العزيز لغلام له: قم ايتني بكيس، فجاءه بكيس (2) فإذا فيه حمص وبيض قد حول حجارة * رواه ابن أبي حاتم.
وقوله (واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم) [ يونس: 88 ] قال ابن عباس: أي أطبع عليها (3)، وهذه دعوة غضب لله تعالى، ولدينه، ولبراهينه.
فاستجاب الله
تعالى لها وحققها وتقبلها، كما استجاب لنوح في قومه حيث قال (رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا.
إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) [ نوح: 26 - 27 ]
__________
(1) ما بين معكوفين زيادة من القرطبي.
(2) في الطبري: بخريطة ; والخريطة: كيس.
(3) أطبع عليها حتى لا تنشرح للايمان، وبمعنى آخر أي أمنعهم الايمان.
[ * ]

(1/312)

ولهذا قال تعالى مخاطبا لموسى حين دعا على فرعون وملائه وأمن (1) أخوه هارون على دعائه فنزل ذلك منزلة الداعي أيضا (قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون) [ يونس: 89 ] قال المفسرون وغيرهم من أهل الكتاب استأذن بنو إسرائيل فرعون في الخروج إلى عيد لهم، فأذن لهم وهو كاره، ولكنهم تجهزوا للخروج، وتأهبوا له وإنما كان في نفس الامر، مكيدة بفرعون وجنوده ليتخلصوا منهم ويخرجوا عنهم وأمرهم الله تعالى فيما ذكره أهل الكتاب أن يستعيروا حليا منهم فأعاروهم شيئا كثيرا فخرجوا بليل فساروا مستمرين ذاهبين من فورهم طالبين بلاد الشام فلما علم بذهابهم فرعون حنق عليهم كل الحنق واشتد غضبه عليهم، وشرع في استحثاث جيشه، وجمع جنوده ليلحقهم ويمحقهم، قال الله تعالى (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون.
فارسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون.
وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني اسرائيل فاتبعوهم مشرقين.
فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون.
قال كلا إن معي ربي سيهدين.
فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم.
وأزلفنا ثم الآخرين.
وأنجينا موسى ومن معه أجمعين.
ثم أغرقنا الآخرين.
إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [ الشعراء: 52 - 68 ] قال علماء التفسير: لما ركب فرعون في جنوده طالبا (2) بني إسرائيل يقفو أثرهم كان في جيش كثيف عرمرم حتى قيل كان في خيوله مائة ألف فحل (3) أدهم، وكانت عدة جنوده تزيد على ألف ألف
وستمائة ألف فالله أعلم.
وقيل إن بني إسرائيل كانوا نحوا من ستمائة ألف مقاتل غير الذرية وكان بين خروجهم من مصر صحبة موسى عليه السلام ودخولهم إليها صحبة أبيهم إسرائيل أربعمائة سنة وستا وعشرين سنة شمسية.
والمقصود أن فرعون لحقهم بالجنود فأدركهم عند شروق الشمس وتراءى الجمعان ولم يبق ثم ريب ولا لبس وعاين كل من الفريقين صاحبه وتحققه ورآه ولم يبق إلا المقاتلة والمجاولة (4) والمحاماة فعندها قال أصحاب موسى وهم خائفون إنا لمدركون وذلك لانهم اضطروا في طريقهم إلى البحر فليس لهم طريق ولا محيد إلا سلوكه وخوضه.
وهذا ما لا يستطيعه أحد ولا يقدر عليه والجبال عن يسرتهم وعن أيمانهم وهي شاهقة منيفة وفرعون قد غالقهم وواجههم وعاينوه في جنوده وجيوشه وعدده وعدده وهم منه في غاية الخوف والذعر لما قاسوا في سلطانه من الاهانة والمنكر فشكوا إلى نبي
__________
(1) كان الذي دعا موسى، وأمن هارون، والتأمين على الدعاء أن يقول: آمين، فقولك آمين دعاء أي رب استجب لي.
(2) في نسخة: في طلب بني إسرائيل.
(3) هنا: من الخيل، ولم يكن معه من الخيل أنثى بل ذكورها.
(4) وفي النسخ المطبوعة: المجادلة، وما أثبتناه مناسب للسياق.
[ * ]

(1/313)

الله ما هم فيه مما قد شاهدوه وعاينوه فقال لهم الرسول الصادق المصدوق (كلا إن معي ربي سيهدين) وكان في الساقة فتقدم إلى المقدمة ونظر إلى البحر وهو يتلاطم بأمواجه ويتزايد زبد أجاجه وهو يقول: ههنا أمرت ومعه أخوه هرون ويوشع بن نون، وهو يومئذ من سادات بني إسرائيل، وعلمائهم، وعبادهم الكبار، وقد أوحى الله إليه وجعله نبيا بعد موسى وهرون عليهما السلام، كما سنذكره فيما بعد إن شاء الله * ومعهم أيضا مؤمن آل فرعون وهم وقوف وبنو إسرائيل بكمالهم عليهم عكوف * ويقال إن مؤمن آل فرعون جعل يقتحم بفرسه مرارا في البحر هل يمكن سلوكه، فلا يمكن ويقول لموسى عليه السلام: يا نبي الله أههنا أمرت ؟ فيقول نعم.
فلما تفاقم
الامر، وضاق الحال، واشتد الامر، واقترب فرعون وجنوده في جدهم: وحدهم وحديدهم وغضبهم وحنقهم، وزاغت الابصار، وبلغت القلوب الحناجر، فعند ذلك أوحى الحليم العظيم القدير رب العرش الكريم إلى موسى الكليم (أن أضرب بعصاك البحر) فلما ضربه يقال إنه قال له: انفلق باذن الله، ويقال: إنه كناه بأبي خلد فالله أعلم، قال الله تعالى: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) [ الشعراء: 63 ] ويقال: إنه انفلق اثنتي عشرة طريقا لكل سبط (1) طريق يسيرون فيه حتى قيل إنه صار أيضا شبابيك ليرى بعضهم بعضا، وفي هذا نظر، لان الماء جرم شفاف إذا كان من ورائه ضياء حكاه.
وهكذا كان ماء البحر قائما مثل الجبال مكفوفا بالقدرة العظيمة الصادرة من الذي يقول للشئ كن فيكون.
وأمر الله ريح الدبور (2) فلقحت حال (3) البحر فأذهبته حيت صار يابسا لا يعلق في سنابك الخيول والدواب.
قال الله تعالى (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى.
فاتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأضل فرعون قومه وما هدى) [ طه: 77 - 79 ] والمقصود أنه لما آل أمر البحر إلى هذه الحال بإذن الرب العظيم، الشديد المحال، أمر موسى عليه السلام أن يجوزه ببني إسرائيل فانحدروا فيه مسرعين، مستبشرين مبادرين، وقد شاهدوا من الامر العظيم ما يحير الناظرين، ويهدي قلوب المؤمنين، فلما جاوزوه وجاوزه وخرج آخرهم منه، وانفصلوا عنه، كان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون إليه ووفودهم عليه، فأراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه.
ولا سبيل عليه فأمره القدير ذو الجلال أن يترك البحر على هذه الحال، كما قال وهو الصادق في المقال (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم أن أدوا إلى عباد الله إني لكم رسول أمين.
وان لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين.
واني عذت بربي وربكم أن ترجمون.
وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون.
فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون.
فأسر بعبادي
__________
(1) سبط: كان بنو إسرائيل اثني عشر سبطا.
والجمع أسباط.
(2) ريح الدبور: الريح الغربية.
(3) حال البحر: الطين الاسود الذي يكون في أرضه.
[ * ]

(1/314)

ليلا إنكم متبعون واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون.
كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين.
كذلك وأورثناها قوما آخرين.
فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين.
ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين.
من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين.
ولقد اخترناهم على علم على العالمين وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين) [ الدخان: 17 - 23 ] فقوله تعالى (وأترك البحر رهوا) أي ساكنا على هيئته لا تغيره عن هذه الصفة، قاله عبد الله بن عباس ومجاهد وعكرمة والربيع والضحاك وقتادة وكعب الاحبار وسماك بن حرب وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم * فلما تركه على هيئته وحالته وانتهى فرعون فرأى ما رأى وعاين ما عاين.
هاله هذا المنظر العظيم، وتحقق ما كان يتحققه قبل ذلك، من أن هذا من فعل رب العرش الكريم فأحجم (1) ولم يتقدم، وندم في نفسه على خروجه في طلبهم والحالة هذه، حيث لا ينفعه الندم لكنه أظهر لجنوده تجلدا (2) وعاملهم معاملة العدا، وحملته النفس الكافرة، والسجية الفاجرة، على أن قال لمن استخفهم فأطاعوه، وعلى باطله تابعوه، أنظروا كيف أنحسر البحر لي لادرك عبيدي الآبقين من يدي، الخارجين عن طاعتي، وبلدي، وجعل يوري في نفسه أن يذهب خلفهم، ويرجو أن ينجو، وهيهات ويقدم تارة ويحجم تارات.
فذكروا أن جبريل عليه السلام تبدى في صورة فارس راكب على رمكة (1) حايل فمر بين يدي فحل فرعون لعنه الله، فحمحم إليها، وأقبل عليها، وأسرع جبريل بين يديه، فاقتحم البحر واستبق الجواد وقد أجاد فبادر مسرعا ; هذا وفرعون لا يملك من نفسه ضرا ولا نفعا فلما رأته الجنود قد سلك البحر، اقتحموا وراءه مسرعين، فحصلوا في البحر أجمعين أكتعين أبصعين، حتى هم أولهم بالخروج منه، فعند ذلك أمر الله تعالى كليمه، فيما أوحاه إليه أن يضرب البحر بعصاه فضربه فارتطم عليهم البحر كما كان، فلم ينج منهم إنسان قال الله تعالى (وأنجينا موسى ومن معه أجمعين.
ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.
وإن ربك لهو العزيز
الرحيم) [ يونس: 90 - 92 ] أي في انجائه أولياءه فلم يغرق منهم أحد، وإغراقه أعداءه، فلم يخلص منهم أحد، آية عظيمة، وبرهان قاطع، على قدرته - تعالى - العظيمة.
وصدق رسوله فيما جاء به عن ربه من الشريعة الكريمة، والمناهج المستقيمة، وقال تعالى (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فاتبعه فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين.
فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وأن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون) [ الشعراء: 65 - 68 ] يخبر تعالى عن كيفية غرق فرعون، زعيم كفرة القبط، وأنه لما جعلت الامواج تخفضه تارة، وترفعه أخرى،
__________
(1) في نسخة: فخاف.
(2) قوله تجلدا في نسخة الجلد.
(3) رمكة حايل: الفرس التي لم تلد.
[ * ]

(1/315)

وبنو إسرائيل ينظرون إليه، وإلى جنوده، ماذا احل الله به، وبهم من الباس العظيم، والخطب الجسيم، ليكون أقر لاعين بني إسرائيل، وأشفى لنفوسهم، فلما عاين فرعون الهلكة وأحيط به، وباشر سكرات الموت أناب حينئذ وتاب، وآمن حين لا ينفع نفسا إيمانها كما قال تعالى (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الاليم) [ يونس: 96 - 97 ] وقال تعالى (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين.
فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون) [ غافر: 84 - 85 ] وهكذا دعا موسى على فرعون وملئه أن يطمس على أموالهم ويشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا (حتى يروا العذاب الاليم) أي حين لا ينفعهم ذلك ويكون حسرة عليهم وقد قال تعالى لهما أي لموسى وهرون حين دعوا بهذا (قد أجيب دعوتكما) فهذا من إجابة الله تعالى دعوة كليمه وأخيه هرون عليهما السلام.
ومن ذلك الحديث الذي رواه الامام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد (1) عن يوسف بن مهران، عن ابن
عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال فرعون (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) قال: " قال لي جبريل لو رأيتنني وقد أخذت من حال البحر فدسسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة " ورواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم عند هذه الآية من حديث حماد بن سلمة وقال الترمذي حديث حسن.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت (2) وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال لي جبريل لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فم فرعون مخافة أن تدركه (3) الرحمة ".
ورواه الترمذي وابن جرير من حديث شعبة وقال الترمذي حسن غريب صحيح.
وأشار ابن جرير في رواية إلى وقفه.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الاشج، حدثنا أبو خالد الاحمر، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أغرق الله فرعون أشار بإصبعه ورفع صوته (آمنت انه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) قال: فخاف جبريل أن تسبق رحمة الله فيه غضبه، فجعل يأخذ الحال بجناحيه، فيضرب به وجهه فيرمسه (4) * ورواه ابن جرير من حديث أبي خالد
__________
(1) وهو علي بن زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي البصري الضرير.
ضعيف من الرابعة، ليس بالثبت سمع سعيد بن المسيب وجماعة.
قال الدارقطني: لا يزال عندي فيه لين مات سنة 131 تقريب التهذيب 2 / 37 / 342 الكاشف 2 / 248 والحديث أخرجه أحمد في مسنده ج 1 / 345.
(2) هو عدي بن ثابت الانصاري تابعي كوفي في نسبه اختلاف روى عن أبيه والبراء وابن أبي أوفى، ثقة قاضي الشيعة وإمام مسجدهم بالكوفة توفي سنة 116.
الكاشف 2 / 226 ; تقريب التهذيب 2 / 16 / 135 والحديث أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده 2 / 54 / 2307.
(3) في النسخ المطبوعة: أن تناله، وأثبتنا ما في مسند الطيالسي: أن تدركه.
(4) يرمسه: يدفنه ; [ * ]

(1/316)

به.
وقد رواه ابن جرير من طريق كثير بن زاذان (1) وليس بمعروف، وعن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال قال لي جبريل يا محمد لو رأيتني وأنا أغطه وأدس من الحال في فيه
مخافة أن تدركه رحمة الله يغفر له ".
يعني فرعون.
وقد أرسله غير واحد من السلف كإبراهيم التيمي، وقتادة، وميمون بن مهران، ويقال: إن الضحاك بن قيس خطب به الناس.
وفي بعض الروايات: إن جبريل قال: ما بغضت أحدا بغضي لفرعون حين قال: أنا ربكم الاعلى ولقد جعلت أدس في فيه الطين حين قال ما قال.
وقوله تعالى (الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) إستفهام إنكار ونص على عدم قبوله تعالى منه ذلك لانه - والله أعلم: لو رد إلى الدنيا كما كان لعاد إلى ما كان عليه، كما أخبر تعالى عن الكفار إذا عاينوا النار وشاهدوها أنهم يقولون (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) [ الانعام: 27 ] قال الله (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون) [ الانعام: 28 ] وقوله (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلقك آية) [ يونس: 92 ] قال ابن عباس وغير واحد: شك بعض بني إسرائيل في موت فرعون حتى قال بعضهم: إنه لا يموت، فأمر الله البحر فرفعه على مرتفع.
قيل على وجه الماء وقيل على نجوة من الارض وعليه درعه التي يعرفونها من ملابسه ليتحققوا بذلك هلاكه ويعلموا قدرة الله عليه.
ولهذا قال (فاليوم ننجيك ببدنك) أي مصاحبا درعك المعروفة بك (لتكون) أي أنت آية (لمن خلفك) أي من بني إسرائيل (2) دليلا على قدرة الله الذي أهلكه.
ولهذا قرأ بعض السلف لتكون لمن خلقك آية.
ويحتمل أن يكون المارد ننجيك مصاحبا لتكون درعك علامة لمن وراءك من بني إسرائيل على معرفتك وإنك هلكت والله أعلم.
وقد كان هلاكه وجنوده في يوم عاشوراء، كما قال الامام البخاري في صحيحه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء.
فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنتم أحق بموسى منهم فصوموا " وأصل هذا الحديث في الصحيحين (3) وغيرهما.
والله أعلم.
__________
(1) كثير بن زاذان النخعي الكوفي، عن عاصم بن ضمرة وعنه عنبسة قاضي الري، لا يثبت حديثه أبو حاتم وأبو زرعة جهلاء.
الكاشف ج 3 / 4 تقريب التهذيب 2 / 131 / 9.
(2) زاد في القرطبي: ولمن بقي من قوم فرعون ممن لم يدركه الغرق ولم ينته إليه هذا الخبر.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه 65 / 10 / 2 / 4680 فتح الباري.
وأخرجه مسلم في صحيحه 13 / 19 / 127 وفيه: " نحن أولى بموسى منكم " فأمر بصومه.
وأخرجه ابن ماجة بنحوه: وفيه " نحن أحق بموسى منكم ".
فصامه، وأمر بصيامه.
[ * ]

(1/317)

[ فصل فيما كان من ] (1) أمر بني اسرائيل بعد هلاك فرعون قال الله تعالى: (فانتقمنا منهم فاغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين.
وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون.
وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم.
قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون.
إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون.
قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين.
وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) [ الاعراف: 136 - 141 ] يذكر تعالى ما كان من أمر فرعون وجنوده في غرقهم وكيف سلبهم عزهم وما لهم وأنفسهم وأورث بني إسرائيل جميع أموالهم وأملاكهم كما قال (كذلك وأورثناها بني إسرائيل) [ الشعراء: 59 ] وقال (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) وقال ههنا (وأرثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) [ الاعراف: 137 ] أي أهلك ذلك جميعه وسلبهم عزهم العزيز العريض في الدنيا وهلك الملك وحاشيته وامراؤه وجنوده ولم يبق ببلد مصر سوى العامة والرعايا.
فذكر ابن عبد الحكم في تاريخ مصر أنه من ذلك الزمان تسلط نساء مصر على رجالها بسبب أن نساء الامراء والكبراء تزوجن بمن دونهن من العامة فكانت لهن السطوة عليهم واستمرت
هذه سنة نساء مصر إلى يومنا هذا (2).
وعند أهل الكتاب: أن بني إسرائيل لما أمروا بالخروج من مصر، جعل الله ذلك الشهر أول سنتهم، وأمروا أن يذبح كل أهل بيت حملا من الغنم، فإن كانوا لا يحتاجون إلى حمل فليشترك الجار وجاره فيه فإذا ذبحوه فلينضحوا من دمه على أعتاب أبوابهم ليكون علامة لهم على بيوتهم ولا يأكلونه مطبوخا ولكن مشويا برأسه وأكارعه وبطنه ولا يبقوا منه شيئا ولا يكثروا له عظما ولا يخرجوا منه شيئا إلى خارج بيوتهم، وليكن خبزهم فطيرا سبعة أيام، ابتداؤها من الرابع عشر من الشهر الاول من سنتهم، وكان ذلك في فصل الربيع، فإذا أكلوا فتكن أوساطهم مشدودة، وخفافهم في أرجلهم، وعصيهم في أيديهم، وليأكلوا بسرعة قياما.
ومهما فضل عن عشائهم فما بقي إلى الغد فليحرقوه بالنار، وشرع لهم هذا عيدا لاعقابهم ما دامت التوراة معمولا بها، فإذا نسخت بطل شرعها وقد وقع.
قالوا وقتل الله عزوجل في تلك الليلة أبكار القبط وأبكار دوابهم ليشتغلوا
__________
(1) ما بين معكوفين سقط من النسخ المطبوعة.
(2) في النسخ المطبوعة: يومك ; وما أثبتناه الصواب.
[ * ]

(1/318)

عنهم وخرج بنو إسرائيل حين انتصف النهار وأهل مصر في مناحة عظيمة على أبكار أولادهم، وأبكار أموالهم، ليس من بيت إلا وفيه عويل.
وحين جاء الوحي إلى موسى خرجوا مسرعين، فحملوا العجين قبل اختماره، وحملوا الازواد في الاردية، وألقوها على عواتقهم * وكانوا قد استعاروا من أهل مصر حليا كثيرا فخرجوا وهم ستمائة ألف رجل سوى الذراري بما معهم من الانعام وكانت مدة مقامهم بمصر أربعمائة سنة وثلاثين سنة.
هذا نص كتابهم.
وهذه السنة عندهم تسمى سنة الفسخ وهذا العيد عيد الفسخ.
ولهم عيد الفطير وعيد الحمل وهو أول السنة * وهذه الاعياد الثلاثة آكد أعيادهم منصوص عليها في كتابهم، ولما خرجوا من مصر أخرجوا معهم تابوت يوسف (1) عليه السلام وخرجوا على طريق بحر سوف.
وكانوا في النهار يسيرون والسحاب بين أيديهم يسير أمامهم فيه عامود نور وبالليل أمامهم عامود نار فانتهى بهم
الطريق إلى ساحل البحر فنزلوا هنالك وأدركهم فرعون وجنوده من المصريين وهم هناك حلول على شاطئ اليم فقلق كثير من بني إسرائيل حتى قال قائلهم: كان بقاؤنا بمصر أحب إلينا من الموت بهذه البرية.
وقال موسى عليه السلام لمن قال هذه المقالة: لا تخشوا فإن فرعون وجنوده لا يرجعون إلى بلدهم بعد هذا.
قالوا: وأمر الله موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه وأن يقسمه ليدخل بنو إسرائيل في البحر واليبس.
وصار الماء من ههنا وههنا كالجبلين وصار وسطه يبسا لان الله سلط عليه ريح الجنوب والسموم فجاز بنو إسرائيل البحر، واتبعهم فرعون وجنوده، فلما توسطوه أمر الله موسى فضرب البحر بعصاه، فرجع الماء كما كان عليهم.
لكن عند أهل الكتاب أن هذا كان في الليل وأن البحر ارتطم عليهم عند الصبح وهذا من غلطهم وعدم فهمهم في تعريبهم والله أعلم.
قالوا ولما أغرق الله فرعون وجنوده حينئذ سح موسى وبنو إسرائيل بهذا التسبيح للرب وقالوا: نسبح الرب البهي، الذي قهر الجنود، ونبذ فرسانها في البحر المنيع المحمود: وهو تسبيح طويل.
قالوا وأخذت مريم (2) النبية - أخت هارون - دفا بيدها وخرج النساء في أثرها كلهن بدفوف وطبول وجعلت مريم ترتل لهن، وتقول سبحان الرب القهار، الذي قهر الخيول وركبانها إلقاء في البحر.
هكذا رأيته في كتابهم.
ولعل هذا هو من الذي حمل محمد بن كعب القرظي على زعمه أن مريم بنت عمران أم عيسى هي أخت هرون وموسى مع قوله يا أخت هرون * وقد بينا غلطه في ذلك وأن هذا لا يمكن أن يقال ولم يتابعه أحد عليه بل كل واحد خالفه فيه، ولو قدر أن هذا محفوظ فهذه مريم بنت عمران أخت موسى وهرون عليها السلام وأم عيسى عليها السلام وافقتها في الاسم واسم الاب واسم الاخ لانهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة لما سأله أهل نجران عن قوله يا أخت هرون فلم يدر ما يقول لهم، حتى سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) روى الطبري عن عروة بن الزبير عن أبيه أن الله أمر موسى أن يحتمل معه يوسف حتى يضعه بالارض، فاستخرج موسى تابوت يوسف - في ناحية من النيل - صندوقا من مرمر.
1 / 216.
(2) وهي مريم بنت عمران أخت موسى، وليست مريم بنت عمران أم عيسى عليهم السلام.
[ * ]

(1/319)

عن ذلك فقال: " أما علمت أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم، رواه مسلم (1).
وقولهم النبية كما يقال للمرأة من بيت الملك ملكة ومن بيت الامرة أميرة وإن لم تكن مباشرة شيئا من ذلك فكذا هذه استعارة لها لا أنها نبية حقيقة يوحى إليها وضربها بالدف في مثل هذا اليوم الذي هو أعظم الاعياد عندهم، دليل على أنه قد كان شرع من قبلنا ضرب الدف في العيد * وهذا مشروع لنا أيضا في حق النساء لحديث الجاريتين اللتين كانتا عند عائشة يضربان بالدف في أيام منى ورسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجع مولى ظهره إليهم ووجهه إلى الحائط فلما دخل أبو بكر زجرهن (2)، وقال: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " دعهن يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا ".
وهكذا يشرع عندنا في الاعراس، ولقدوم الغياب، كما هو مقرر في موضعه والله أعلم.
وذكروا أنهم لما جاوزوا البحر وذهبوا قاصدين إلى بلاد الشام مكثوا ثلاثة أيام لا يجدون ماء فتكلم من تكلم منهم بسبب ذلك فوجدوا ماء زعاقا أجاجا (3) لم يستطيعوا شربه فأمر الله موسى فأخذ خشبة فوضعها فيه فحلا وساغ شربه وعلمه الرب هنالك فرائض وسننا ووصاه وصايا كثيرة.
وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز المهيمن على ما عداه من الكتب (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فاتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا الها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون.
إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون) [ الاعراف: 138 ].
قالوا هذا الجهل والضلال وقد عاينوا من آيات الله وقدرته ما دلهم على صدق ما جاءهم به رسول ذي الجلال والاكرام، وذلك أنهم مروا على قوم (4) يعبدون أصناما قيل كانت على صور البقر فكأنهم سألوهم لم يعبدونها فزعموا لهم أنها تنفعهم وتضرهم ويسترزقون بها عند الضرورات فكأن بعض الجهال منهم صدقوهم في ذلك فسألوا نبيهم الكليم الكريم العظيم أن يجعل لهم آلهة كما لاولئك آلهة فقال لهم مبينا لهم أنهم لا يعقلون ولا يهتدون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون.
ثم ذكرهم نعمة الله عليهم في تفضيله إياهم على عالمي زمانهم بالعلم والشرع والرسول الذي بين أظهرهم وما أحسن به إليهم وما امتن به عليهم من إنجائهم من قبضة فرعون الجبار العنيد وإهلاكه إياه وهم ينظرون وتوريثه إياهم ما كان فرعون وملاؤه يجمعونه من الاموال والسعادة، وما كانوا يعرشون (4)، وبين لهم أنه لا تصلح العبادة
إلا لله وحده لا شريك له، لانه الخالق الرازق القهار، وليس كل بني إسرائيل سأل هذا السؤال
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه 38 كتاب الآداب (1) باب النهي عن التكني بأبي القاسم 9 / 2135 ص 3 / 1685 وفيه: انهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم.
(2) زجرهن: صرخ بهن وصاح.
(3) زعاقا أجاجا: المر الغليظ، والمالح الذي لا يطاق شربه.
(4) قال قتادة: كانوا قوما من لخم ; وكانوا نزولا بالريف.
(5) يعرشون: قال الزجاج: عرش يعرش إذا بنى.
هنا: يرفعون من الابنية المشيدة في السماء كصرح هامان وفرعون.
[ * ]

(1/320)

بل هذا الضمير عائذ على الجنس في قوله (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) [ الاعراف: 138 ] أي قال بعضهم (1) كما في قوله (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا) [ الكهف: 47 - 48 ] فالذين زعموا هذا، بعض الناس، لا كلهم، وقد قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري عن سنان بن أبي سنان الديلي، عن أبي واقد (2) الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين، فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط وكان الكفار ينوطون (3) سلاحهم بسدرة، ويعكفون حولها فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة انكم تركبون سنن الذين من قبلكم " (4).
ورواه النسائي عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به.
ورواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان بن عيينة عن الزهري به.
ثم قال حسن صحيح.
وقد روى ابن جرير من حديث محمد بن اسحق ومعمر وعقيل عن الزهري عن سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي، أنهم خرجوا من مكة، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، قال وكان للكفار سدرة يعكفون عندها
ويعلقون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط (5) قال فمررنا بسدرة خضراء عظيمة قال: فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط قال: " قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون.
إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ".
والمقصود أن موسى عليه السلام لما انفصل من بلاد مصر وواجه بلاد بيت المقدس وجد فيها قوما من الجبارين من الحيثانيين والفزاريين والكنعانيين وغيرهم فأمرهم موسى عليه السلام بالدخول عليهم ومقاتلتهم وإجلائهم إياهم عن بيت المقدس، فإن الله كتبه لهم، ووعدهم إياه على لسان إبراهيم الخليل، وموسى الكليم الجليل، فأبوا، ونكلوا عن الجهاد، فسلط الله عليهم
__________
(1) قال الرازي في تفسيره: قال بعضهم، لانه كان مع موسى عليه السلام السبعون المختارون وكان فيهم من يرتفع عن مثل هذا السؤال الباطل ; قال: والاقرب انهم طلبوا من موسى عليه السلام أن يعين لهم أصناما وتماثيل يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى.
وقولهم كفر لان الانبياء اجمعوا على أن عبادة غير الله تعالى كفر سواء اعتقد في ذلك، الغير كونه إلها للعالم، أو اعتقدوا فيه أن عبادته تقربهم إلى الله تعالى.
(2) أبو واقد الليثي المدني صحابي قيل اسمه الحارث بن مالك وقيل ابن عوف وقيل عوف بن الحارث.
روى عنه أبناه وابن المسيب وعروة مات سنة 68 ه.
الكاشف ج 3 / 343 - تقريب التهذيب 2 / 2 / 486.
(3) ينوطون: يعلقون بها سلاحهم.
(4) مسند أحمد: ج 5 / 218 ورواه الترمذي في 34 / 18 / 2180.
(5) ذات انواط: أي ينوطون بها، يعلقون بها سلاحهم.
[ * ]

(1/321)

الخوف، وألقاهم في التيه، يسيرون ويحلون ويرتحلون ويذهبون ويجيئون، في مدة من السنين طويلة هي من العدد أربعون.
كما قال الله تعالى (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين.
يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها
قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فانا داخلون قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما أدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فانكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين.
قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون.
قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين.
قال فانها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الارض فلا تأس على القوم الفاسقين) [ المائدة: 20 - 26 ] يذكرهم نبي الله نعمة الله عليهم، إحسانه عليهم بالنعم الدينية والدنيوية، ويأمرهم بالجهاد في سبيل الله، ومقاتلة أعدائه فقال (يا قوم ادخلوا الارض المقدسة (1) التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم) أي تنكصوا على أعقابكم وتنكلوا على قتال أعدائكم (فتنقلبوا خاسرين) أي فتخسروا بعد الربح وتنقصوا بعد الكمال (قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين) أي عتاة كفرة متمردين (وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا فانا داخلون) خافوا من هؤلاء الجبارين وقد عاينوا هلاك فرعون، وهو أجبر من هؤلاء وأشد بأسا وأكثر جمعا وأعظم جندا وهذا يدل على أنهم ملومون في هذه المقالة ومذومون على هذه الحالة من الذلة عن مصاولة الاعداء ومقاومة المردة الاشقياء.
وقد ذكر كثير من المفسرين ههنا آثارا فيها مجازفات كثيرة باطلة، يدل العقل والنقل على خلافها، من أنهم كانوا أشكالا هائلة ضخاما جدا حتى إنهم ذكروا أن رسل بني اسرائيل لما قدموا عليهم، تلقاهم رجل من رسل الجبارين، فجعل يأخذهم واحدا واحدا ويلفهم في أكمامه وحجزة سراويله، وهم إثنا عشر رجلا فجاء بهم، فنثرهم بين يدي ملك الجبارين، فقال: ما هؤلاء ؟ ولم يعرف أنهم من بني آدم حتى عرفوه وكل هذه هذيانات وخرافات لا حقيقية لها (2).
وأن الملك بعث معهم عنبا كل عنبة تكفي الرجل، وشيئا من ثمارهم ليعلموا ضخامة أشكالهم وهذا ليس بصحيح.
وذكروا ههنا أن عوج بن عنق خرج من عند الجبارين إلى بني إسرائيل ليهلكهم وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة ذراع وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع هكذا ذكره البغوي وغيره، وليس بصحيح، كما قدمنا بيانه عند قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم
__________
(1) تظاهرت الاخبار في الارض المقدسة ; قيل دمشق كانت قاعدة الجبارين ; والمقدسة: المطهرة قال قتادة: هي الشام وقال مجاهد: الطور وقال ابن زيد: اريحياء وقال الزجاج: دمشف وفلسطين وبعض الاردن.
(2) قال الالوسي: هذه الاخبار عندي كأخبار (عوج بن عوق) وهي حديث خرافة.
[ * ]

(1/322)

طوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن ".
قالوا فعمد عوج إلى قمة جبل فاقتلعها ثم أخذها بيديه ليلقيها على جيش موسى فجاء طائر فنقر تلك الصخرة، فخرقها فصارت طوقا في عنق عوج بن عنق (1).
ثم عمد موسى إليه فوثب في الهواء عشرة أذرع وطوله عشرة أذرع وبيده عصاه، وطولها عشره أذرع، فوصل إلى كعب قدمه فقتله.
يروى هذا عن عوف البكالي ونقله ابن جرير عن ابن عباس وفي اسناده إليه نظر * ثم هو مع هذا كله من الاسرائيليات وكل هذه من وضع جهال بني اسرائيل، فإن الاخبار الكذبة قد كثرت عندهم ولا تميز لهم بين صحتها وباطلها.
ثم لو كان هذا صحيحا لكان بنو إسرائيل معذورين في النكول عن قتالهم، وقد ذمهم الله على نكولهم، وعاقبهم بالتيه على ترك جهادهم، ومخالفتهم رسولهم، وقد أشار عليهم رجلان صالحان، منهم بالاقدام ونهياهم عن الاحجام * ويقال إنهما يوشع بن نون وكالب بن يوقنا (2) قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطية والسدي والربيع بن أنس وغير واحد (قال رجلان من الذين يخافون) أي يخافون الله وقرأ بعضهم يخافون أي يهابون (أنعم الله عليهما) أي بالاسلام والايمان والطاعة والشجاعة (ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فانكم غالبون.
وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) أي إذا توكلتم على الله، واستعنتم به، ولجأتم إليه، نصركم على عدوكم، وأيدكم عليهم وأظفركم بهم.
(قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون) فصمم ملاؤهم على النكول عن الجهاد، ووقع أمر عظيم ووهن كبير.
فيقال إن يوشع وكالب لما سمعا هذا الكلام شقا ثيابهما، وإن موسى وهرون سجدا إعظاما لهذا الكلام وغضبا لله عزوجل، وشفقة عليهم من وبيل هذه المقالة (قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) [ المائدة: 35 ] قال ابن عباس (اقض
بيني وبينهم).
(قال فانها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الارض فلا تأس على القوم الفاسقين) [ المائدة: 30 ] عوقبوا على نكولهم بالتيهان (3) في الارض يسيرون إلى غير مقصد ليلا ونهارا وصباحا ومساء ويقال إنه لم يخرج أحد من التيه ممن دخله بل ماتوا كلهم في مدة أربعين سنة ولم يبق إلا ذراريهم سوى يوشع وكالب عليهما السلام.
لكن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر لم يقولوا
__________
(1) عوج بن عنق هكذا في الاصول.
قال صاحب القاموس مادة (عوق): " وعوق كنوح والدعوج الطويل ومن قال: عوج بن عنق فقد أخطأ " وقال في شرحه: هذا الذي خطأه هو المشهور على الالسنة ; قال شيخنا: وزعم قوم من حفاظ التواريخ أن عنق هي أم عوج وعوج أباه فلا خطأ ولا غلط.
(2) كانا من النقباء الاثني عشر الذين أرسلهم موسى - من أسباط بني إسرائيل - إلى أريحياء من بلاد فلسطين يتجسسون الاخبار.
(3) التيهان: من التيه وأصل التيه في اللغة الحيرة فيها.
فكانوا سيارة لا قرار لهم يسيرون في فراسخ قليلة.
[ * ]

(1/323)

له كما قال قوم موسى لموسى، بل لما استشارهم في الذهاب إلى النفير تكلم الصديق فأحسن [ وتكلم غيره ] (1) من المهاجرين ثم جعل يقول: " أشيروا علي " حتى قال سعد بن معاذ: كأنك تعرض بنا يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته، لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن يلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.
فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد وبسطه ذلك.
وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن مخارق بن عبد الله الاحمسي، عن طارق - وهو ابن شهاب - أن المقداد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون) ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون (2) * وهذا إسناد جيد من هذا الوجه وله طرق أخرى.
قال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله بن مسعود: لقد شهدت من المقداد مشهدا لان أكون أنا صاحبه أحب إلي مما عدل به أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهو يدعو على المشركين فقال (3): والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك.
فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم: يشرق لذلك وسر بذلك، رواه البخاري في التفسير والمغازي من طرق عن مخارق به (4).
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا علي بن الحسن بن علي، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري، حدثنا حميد، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر استشار المسلمين فأشار عليه عمر، ثم أستشارهم فقالت الانصار: يا معشر الانصار (5) إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: إذا لا نقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى (إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) والذي بعثك بالحق إن ضربت أكبادها (6) إلى برك الغماد (7) لاتبعناك رواه الامام أحمد عن عبيدة بن حميد، عن حميد
__________
(1) في النسخ المطبوعة وغيره بحذف تكلم وما أثبتناه الصواب.
(2) مسند أحمد ج 4 / 314.
(3) في النسخ المطبوعة: قال.
(4) أخرجه البخاري في 64 كتاب المغازي (4) باب فتح الباري 7 / 287 وأعاد في التفسير مرتين: مرة عن أبي نعيم ومرة عن حمدان بن عمر (تفسير سورة المائدة).
وأخرجه أحمد في مسنده ج 1 / 390، 428 - 4 / 184، 314).
(5) قال العلماء: إنما قصد صلى الله عليه وسلم اختيار الانصار، لانه لم يكن بايعهم على أن يخرجوا معه للقتال وطلب العدو، وإنما بايعهم على أن يمنعوه ممن يقصده، فلما عرض الخروج لعير أبى سفيان أراد أن يعلم انهم يوافقون على ذلك.
فأجابوه أحسن جواب.
(6) كناية عن ركضها، فالفارس يركض بركوبه بتحريك رجليه على جانبيه ويضرب على موضع كبده.
(7) برك الغماد: موضع بناحية الساحل من وراء مكة، وقيل موضع بأقاصي حجر.
[ * ]

(1/324)

الطويل، عن أنس به ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن خالد بن الحارث عن حميد، عن أنس به نحوه، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى عن عبد الاعلى بن حماد عن معتمر عن حميد، عن أنس به نحوه (1).
[ فصل في ] (2) دخول بني اسرائيل التيه وما [ جرى لهم ] (2) فيه من الامور العجيبة قد ذكرنا نكول بني اسرائيل عن قتال الجبارين، وأن الله تعالى عاقبهم بالتيه، وحكم بأنهم لا يخرجون منه إلى أربعين سنة، ولم أر في كتاب أهل الكتاب قصة نكولهم عن قتال الجبارين، ولكن فيها: أن يوشع جهزه موسى لقتال طائفة من الكفار، وأن موسى وهرون وخور جلسوا على رأس أكمة، ورفع موسى عصاه، فكلما رفعها انتصر يوشع عليهم، وكلما مالت يده بها من تعب أو نحوه غلبهم أولئك وجعل هرون وخور يدعمان يديه عن يمينه وشماله ذلك اليوم إلى غروب الشمس، فانتصر حزب يوشع عليه السلام.
وعندهم أن " يثرون " كاهن مدين وختن موسى عليه السلام بلغه ما كان من أمر موسى وكيف أظفره الله بعدوه فرعون، فقدم على موسى مسلما ومعه ابنته صفورا زوجة موسى وابناها منه، جرشون وعازر فتلقاه موسى وأكرمه، واجتمع به شيوخ بني اسرائيل وعظموه وأجلوه.
وذكروا أنه رأى كثرة اجتمع بني اسرائيل على موسى في الخصومات التي تقع بينهم، فأشار على موسى أن يجعل على الناس رجالا أمناء أتقياء أعفاء، يبغضون الرشاء والخيانة، فيجعلهم على الناس رؤس مئين، ورؤس خمسين، ورؤس عشرة، فيقضوا بين الناس، فإذا أشكل عليهم أمر جاؤك ففصلت بينهم ما أشكل عليهم، ففعل ذلك موسى عليه السلام.
قالوا ودخل بنو اسرائيل البرية عند سيناء في الشهر الثالث من خروجهم من مصر وكان خروجهم في أول السنة التي شرعت لهم وهي أول فصل الربيع فكأنهم دخلوا التيه في أول فصل الصيف والله أعلم.
قالوا ونزل بنو اسرائيل حول طور سيناء وصعد موسى الجبل فكلمه ربه وأمره أن يذكر بني إسرائيل ما أنعم الله به عليهم من إنجائه إياهم من فرعون وقومه، وكيف حملهم على مثل جناحي نسر من يده، وقبضته، وأمره أن يأمر بني اسرائيل بأن يتطهروا،
ويغتسلوا ويغسلوا ثيابهم، وليستعدوا إلى اليوم الثالث، فإذا كان في اليوم الثالث، فليجتمعوا حول الجبل، ولا يقتربن أحد منهم إليه، فمن دنا منه قتل حتى ولا شئ من البهائم، ما داموا يسمعون صوت القرن (3)، فإذا سكن القرن، فقد حل لكم أن ترتقوه فسمع بنو إسرائيل ذلك
__________
(1) وأخرجه مسلم بنحوه في 32 كتاب الجهاد والسير 30 باب غزوة بدر ح 83 / 1403 - 1404 وأخرجه البيهقي في الدلائل بنحوه ج 3 / 47.
(2) سقطت من النسخ المطبوعة.
(3) القرن البوق.
[ * ]

(1/325)

وأطاعوا واغتسلوا وتنظفوا وتطيبوا، فلما كان اليوم الثالث ركب (1) الجبل غمامة عظيمة وفيها أصوات وبروق وصوت الصور شديد جدا ففزع بنو إسرائيل من ذلك فزعا شديدا، وخرجوا فقاموا في سفح الجبل، وغشي الجبل دخان عظيم، في وسطه عمود [ من ] (2) نور، وتزلزل الجبل كله، زلزلة شديدة واستمر صوت الصور وهو البوق واشتد وموسى عليه السلام فوق الجبل والله يكلمه ويناجيه، وأمر الرب عزوجل موسى أن ينزل، فأمر بني اسرائيل أن يقتربوا من الجبل ليسمعوا وصية الله ويأمر الاحبار - وهم علمائهم - أن يدنوا فيصعدوا الجبل ليتقدموا بالقرب وهذا نص في كتابهم على وقوع النسخ لا محالة فقال موسى: يا رب إنهم لا يستطيعون أن يصعدوه، وقد نهيتهم عن ذلك، فأمره الله تعالى أن يذهب، فيأتي معه بأخيه هرون وليكن الكهنة - وهم العلماء - والشعب - وهم بقية بني إسرائيل غير بعيد - ففعل موسى وكلمه ربه عزوجل فأمره حينئذ بالعشر كلمات.
وعندهم أن بني إسرائيل سمعوا كلام الله ولكن لم يفهموا حتى فهمهم موسى وجعلوا يقولون لموسى بلغنا أنت عن الرب عزوجل فإنا نخاف أن نموت، فبلغهم عنه، فقال: هذه العشر الكلمات: وهي الامر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن الحلف بالله كاذبا، والامر بالمحافظة على السبت، ومعناه تفرغ يوم من الاسبوع للعبادة * وهذا حاصل بيوم الجمعة الذي
نسخ الله به السبت.
أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الارض، الذي يعطيك الله ربك، لا تقتل.
لا تزن.
لا تسرق.
لا تشهد على صاحبك شهادة زور، لا تمد عينك إلى بيت صاحبك، ولا تشته إمرأة صاحبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئا من الذي لصاحبك.
ومعناه النهي عن الحسد.
وقد قال كثير من علماء السلف وغيرهم مضمون هذه العشر الكلمات في آيتين من القرآن وهما قوله تعالى في سورة الانعام (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده.
وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون.
وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه الآية) [ الانعام: 151 - 153 ] وذكروا بعد العشر الكلمات وصايا كثيرة، وأحكاما متفرقة عزيزة، كانت فزالت، وعمل بها حينا من الدهر * ثم طرأ عليها عصيان من المكلفين بها ثم عمدوا إليها فبدلوها وحرفوها، وأولوها.
ثم بعد ذلك كله سلبوها فصارت منسوخة مبدلة، بعد ما كانت مشروعة مكملة، فلله الامر من قبل ومن بعد،
__________
(1) في نسخة: ركبت الجبل.
(2) سقطت من النسخ المطبوعة.
وفي نسخة عمود نار.
[ * ]

(1/326)

وهو الذي يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، ألا له الخلق والامر، تبارك الله رب العالمين.
وقد قال الله تعالى (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الايمن ونزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى.
وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) [ طه: 80 - 82 ] بذكر تعالى منته وإحسانه إلى بني إسرائيل، بما أنجاهم من أعدائهم وخلصهم من الضيق والحرج وأنه وعدهم صحبة نبيهم إلى جانب الطور الايمن، أي منهم لينزل عليه أحكاما
عظيمة (1) فيها مصلحة لهم، في دنياهم وأخراهم وأنه تعالى أنزل عليهم في حال شدتهم (3) وضرورتهم في سفرهم في الارض.
التي ليس فيها زرع ولا ضرع، منا من السماء، يصبحون فيجدونه خلال بيوتهم، فيأخذون منه قدر حاجتهم في ذلك اليوم إلى مثله من الغد، ومن ادخر منه لاكثر من ذلك فسد.
ومن أخذ منه قليلا.
كفاه، أو كثيرا لم يفضل عنه، فيصنعون منه مثل الخبز، وهو في غاية البياض والحلاوة فإذا كان من آخر النهار غشيهم طير السلوى فيقتنصون منه بلا كلفة ما يحتاجون إليه حسب كفايتهم لعشاهم * وإذا كان فصل الصيف ظلل الله عليهم الغمام وهو السحاب الذي يستر عنهم حر الشمس وضوأها الباهر.
كما قال تعالى في سورة البقرة (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون.
وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون) [ البقرة: 40 - 41 ] إلى أن قال (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم.
بلاء من ربكم عظيم.
وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون.
وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون.
ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون.
واذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون.
وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم.
واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون.
ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون.
وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [ البقرة: 49 - 57 ] إلى أن قال (وإذ إستسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه إثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الارض مفسدين.
وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها
__________
(1) أي التوراة ; وكان موسى قد خرج إلى الطور - طور سيناء - في سبعين من خيار بني إسرائيل وصعدوا الجبل.
(2) أي خلال وقوعهم في التيه ثم رحمهم فمن عليهم بالسلوى.
[ * ]

(1/327)

وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) [ البقرة: 60 - 61 ] فذكر تعالى إنعامه عليهم وإحسانه إليهم بما يسر لهم من المن والسلوى طعامين شهيين بلا كلفة ولا سعي لهم فيه بل ينزل الله المن باكرا (1) ويرسل عليهم طير السلوى عشيا وأنبع الماء لهم بضرب موسى عليه السلام حجرا كانوا يحملونه معهم بالعصا فتفجر منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين منه تنبجس * ثم تتفجر ماءا زلالا فيستقون ويسقون دوابهم ويدخرون كفايتهم.
وظلل عليهم الغمام من الحر * وهذه نعم من الله عظيمة وعطيات جسيمة فما رعوها حق رعايتها ولا قاموا بشكرها وحق عبادتها ثم ضجر كثير [ منهم ] (2) منها وتبرموا بها وسألوا أن يستبدلوا منها ببدلها مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها (3) وعدسها وبصلها.
فقرعهم الكليم ووبخهم وأنبهم على هذه المقالة وعنفهم قائلا (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم) [ البقرة: 61 ] أي هذا الذي تطلبونه وتريدونه بدل هذه النعم التي أنتم فيها حاصل لاهل الامصار الصغار والكبار موجود بها وإذا هبطتم إليها أي ونزلتم عن هذه المرتبة التي لا تصلحون لمنصبها تجدوا بها ما تشتهون وما ترومون مما ذكرتم من المآكل الدنية والاغذية الردية (4) ولكني لست أجيبكم إلى سؤال ذلك ههنا ولا أبلغكم ما تعنتم به من المنى وكل هذه الصفات المذكورة عنهم الصادرة منهم تدل على أنهم لم ينتهوا عما نهوا عنه كما قال تعالى (ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد
__________
(1) قال القرطبي: المن: هو الترنجبين: (وهو طلل يقع من السماء وهو ندى شبيه بالعسل جامد متحبب قاله ابن البيطار) وقيل صمغة حلوة وقيل عسل.
وروي انه كان ينزل عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
كالثلج.
فيأخذ الرجل ما يكفيه ليومه، فإن ادخر منه شيئا فسد عليه، إلا في يوم الجمعة، فانهم كانوا يدخرون ليوم السبت فلا يفسد عليهم لان يوم السبت يوم عبادة، وما كان ينزل عليهم يوم السبت شئ.
(2) سقطت من النسخ المطبوعة.
(3) فوم: اختلف في الفوم فقيل هو الثوم: وقيل: الفوم الحنطة وقال ابن دريد: السنبلة وقال عطاء وقتادة: الفوم كل حب يختبز.
(4) قال القرطبي في تعليله فضل المن والسلوى على الاشياء التي طلبوها.
قال وجوه خمسة توجب فضلهما: 1 - إن البقول لما كانت لا خطر لها بالنسبة إلى المن والسلوى كانا أفضل ; قاله الزجاج.
2 - لما كان المن والسلوى طعاما من الله به عليهم وأمرهم بأكله وكان في استدامة أمر الله وشكر نعمته أجر وذخر في الآخرة، والذي طلبوه عار من هذه الخصال، كان أدنى في هذا الوجه.
3 - لما كان الله ما من به عليهم أطيب وألذ من الذي سألوه، كان ما سألوه أذنى من هذا الوجه لا محالة.
4 - لما كان ما أعطوه لا كلفة فيه ولا تعب، والذي طلبوه لا يجئ إلا بالحرث والزراعة والتعب، كان أدنى.
5 - لما كان ما ينزل عليهم لا مرية في حله وخلوصه لنزوله من عند الله، والحبوب والارض يتخللها البيوع والغصب وتدخلها الشبه، كانت أدنى من هذا الوجه.
[ * ]

(1/328)

هوى) [ طه: 81.
أي فقد هلك وحق له والله الهلاك والدمار وقد حل عليه غضب الملك الجبار ولكنه تعالى مزج هذا الوعيد الشديد بالرجاء لمن أناب وتاب (1) ولم يستمر على متابعة الشيطان المريد فقال (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) [ طه: 82 ].
سؤال الرؤية قال تعالى (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لاخيه هرون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين.
ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا.
فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين.
قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين.
وكتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة وأمر قومك
يأخذونها بأحسنها سأريكم دار الفاسقين سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق.
وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا.
ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين.
والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) [ الاعراف: 142 - 147 ].
قال جماعة من السلف منهم ابن عباس ومسروق ومجاهد: الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة بكماله، وأتمت أربعين ليلة بعشر ذي الحجة.
فعلى هذا يكون كلام الله له يوم عيد النحر، وفي مثله أكمل الله عزوجل لمحمد صلى الله عليه وسلم دينه وأقام حجته وبراهينه.
والمقصود أن موسى عليه السلام لما استكمل الميقات.
وكان فيه صائما يقال إنه لم يستطعم الطعام، فلما كمل الشهر أخذ لحا (2) شجرة فمضغه ليطيب ريح فمه، فأمر الله أن يمسك عشرا أخرى، فصارت أربعين ليلة.
ولهذا ثبت في الحديث: " أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " (3).
فلما عزم على الذهاب استخلف على شعب بني إسرائيل أخاه هرون، المحبب المبجل الجليل، وهو ابن أمه وأبيه، ووزيره في الدعوة إلى مصطفيه، فوصاه، وأمره وليس في هذا لعلو منزلته في نبوته منافاة، قال الله تعالى (ولما جاء موسى لميقاتنا) أي في الوقت الذي أمر بالمجئ فيه (وكلمه ربه) أي كلمه الله من وراء حجاب، إلا أنه أسمعه الخطاب، فناداه وناجاه، وقربه وأدناه، وهذا مقام رفيع ومعقل منيع، ومنصب شريف ومنزل منيف، فصلوات الله عليه تترى، وسلامه عليه في الدنيا
__________
(1) أي تاب من الشرك.
وأقام على إيمانه حتى مات عليه دون شك فيه.
(2) قال القرطبي: بعود خرنوب.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الصوم (9) باب: هل يقول إني صائم (ج 2 / 228 دار الفكر) من طريق ابن جريج عن عطاء عن أبي صالح الزيات عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ولفظه: لخلوف فم الصائم..[ * ]

(1/329)

والاخرى * ولما أعطى هذه المنزلة العلية والمرتبة السنية، وسمع الخطاب، سأل رفع الحجاب، فقال للعظيم الذي لا تدركه الابصار القوي البرهان: (ربي ارني أنظر إليك قال لن تراني).
ثم
بين تعالى أنه لا يستطيع أن يثبت عند تجليه تبارك وتعالى لان الجبل الذي هو أقوى وأكبر ذاتا وأشد ثباتا من الانسان، لا يثبت عند التجلي من الرحمان ولهذا قال (ولكن أنظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني).
وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال له: يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده (1) وفي الصحيحين (2) عن أبي موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " حجابه النور.
وفي رواية النار (3) لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " (4).
وقال ابن عباس في قوله تعالى (لا تدركه الابصار) ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى لشئ لا يقوم له شئ ولهذا قال تعالى (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين).
قال مجاهد (ولكن أنظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني) فإنه أكبر منك وأشد خلقا فلما تجلى ربه للجبل فنظر إلى الجبل لا يتمالك وأقبل الجبل فدك على أوله ورأى موسى ما يصنع الجبل فخر صعقا * وقد ذكرنا في التفسير ما رواه الامام أحمد والترمذي وصححه ابن جرير والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت.
زاد ابن جرير وليث عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) قال هكذا بإصبعه ووضع للنبي صلى الله عليه وسلم الابهام على المفصل الاعلى من الخنصر، فساخ الجبل لفظ ابن جرير.
وقال السدي عن عكرمة وعن ابن عباس ما تجلى يعني من العظمة إلا قدر الخنصر، فجعل الجبل دكا قال ترابا (وخر موسى صعقا) أي مغشيا عليه وقال قتادة ميتا.
والصحيح الاول لقوله (فلما أفاق) فإن الافاقة إنما تكون عن غشى قال (سبحانك) تنزيه وتعظيم وإجلال أن يراه بعظمته أحد (تبت إليك) أي فلست أسأل بعد هذا الرؤية (وأنا أول المؤمنين) أنه لا يراك حي إلا مات ولا يابس إلا
__________
(1) تدهده: خسف به وتدحرج.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه 1 / 79 / 293 ورواه أحمد في مسنده 4 / 401 - 405 وابن ماجة في سننه المقدمة 13 / 195.
(3) وهي رواية أبي بكر - انظر المرجع السابق.
(4) السبحات جمع سبحة.
قال صاحب العين والهروي معنى سبحات وجهه: نوره وجلاله وبهاؤه.
والحجاب: المنع والستر.
وحقيقة الحجاب إنما تكون للاجسام المحدودة، والله تعالى منزه عن الحد والجسم، والمراد هنا المانع من رؤيته، ولذلك سمي المانع نورا أو نارا لانهما يمنعان من الادراك في العادة لشعاعهما.
والوجه - هنا - الذات.
(5) البخاري في 44 كتاب الخصومات 1 باب ما يذكر في الاشخاص..ومسلم في 43 كتاب الفضائل (ح 163) ص 4 / 1845.
ورواه أحمد في مسنده من طريق أبي هريرة.
ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي في الدلائل ج 5 / 493.
[ * ]

(1/330)

تدهده.
وقد ثبت في الصحيحين من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني الانصاري عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تخيروني من بين الانبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أو جوزي بصعقة الطور " لفظ البخاري وفي أوله قصة اليهودي الذي لطم وجهه الانصاري حين قال لا والذي اصطفى موسى على البشر فقال رسول الله: " لا تخيروني من بين الانبياء " (1).
وفي الصحيحين من طريق الزهري عن أبي سلمة وعبد الرحمن الاعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وفيه: " لا تخيروني على موسى " (2) وذكر تمامه.
وهذا من باب الهضم والتواضع أو نهي عن التفصيل بين الانبياء على وجه الغضب والعصبية أو ليس هذا إليكم بل الله هو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات وليس ينال هذا بمجرد الرأي بل بالتوقيف.
ومن قال: إن هذا قاله قبل أن يعلم أنه أفضل ثم نسخ باطلاعه على أفضليته عليهم كلهم ففي قوله نظر، لان هذا من رواية أبي سعيد وأبي هريرة وما هاجر أبو هريرة إلا عام حنين متأخرا فيبعد أنه لم يعلم بهذا، إلا بعد هذا، والله أعلم، ولا شك أنه صلوات الله وسلامه عليه أفضل البشر، بل الخليفة.
قال الله تعالى (وكنتم خير أمة أخرجت للناس) آل عمران: 110 ] وما كملوا إلا بشرف نبيهم.
وثبت بالتواتر عنه، صلوات الله وسلامه عليه، أنه قال: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر " (3) ثم ذكر اختصاصه بالمقام المحمود الذي يغبطه به الاولون والآخرون، الذي
تحيد عنه الانبياء والمرسلون، حتى أولو العزم الاكملون، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: " فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش) أي آخذا بها، " فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور " (4) دليل على أن هذا الصعق الذي يحصل للخلائق في عرصات القيامة، حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين عباده، فيصعقون من شدة الهيبة والعظمة والجلاء (5) فيكون أولهم إفاقة محمد خاتم الانبياء، ومصطفى رب الارض والسماء على سائر الانبياء، فيجد موسى باطشا بقائمة العرش قال الصادق المصدوق: " لا أدري أصعق فأفاق قبلي ؟ " أي وكانت صعقته خفيفة، لانه قد ناله بهذا السبب في الدنيا صعق " أو جوزي بصعقة الطور ؟ " يعني فلم يصعق بالكلية.
وهذا فيه شرف كبير لموسى عليه السلام من هذه الحيثية.
ولا يلزم تفضيله بها مطلقا من كل وجه * ولهذا نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على شرفه وفضيلته بهذه الصفة،
__________
(1) صحيح البخاري 60 / 13 / 3408 فتح الباري.
(2) في صحيح مسلم (ح 160) والبخاري كتاب الخصومات (44) (1) باب.
(3) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 5 / 481 عن ابن عباس من طريق علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، تقدم التعليق.
(4) تقدم التعليق وتخريج الحديث ; فليراجع.
(5) في نسخة مطبوعة: " والجلال " وهو تحريف.
[ * ]

(1/331)

لان المسلم لما ضرب وجه اليهودي حين قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، قد يحصل في نفوس المشاهدين لذلك هضم بجناب موسى عليه السلام فبين النبي صلى الله عليه وسلم فضيلته وشرفه.
وقوله تعالى (قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي) [ الاعراف: 144 ] أي في ذلك الزمان، لا ما قبله، لان إبراهيم الخليل أفضل منه، كما تقدم بيان ذلك في قصة إبراهيم، ولا ما بعده، لان محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل منهما، كما ظهر شرفه ليلة الاسراء على جميع المرسلين والانبياء، وكما ثبت أنه قال: " سأقوم مقاما يرغب إلى الخلق حتى إبراهيم " وقوله تعالى (فخذ ما
آتيتك وكن من الشاكرين) [ الاعراف: 144 ] أي فخذ ما أعطيتك من الرسالة والكلام، ولا تسأل زيادة عليه، وكن من الشاكرين على ذلك.
قال الله تعالى (وكتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ) [ الاعراف: 145 ] وكانت الالواح من جوهر نفيس، ففي الصحيح: أن الله كتب له التوراة بيده وفيها مواعظ من الآثام، وتفصيل لكل ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام.
(فخذها بقوة) أي بعزم ونية صادقة قوية (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) [ الاعراف: 145 ] أي يضعوهما على أحسن وجوهها وأجمل محاملها (سأريكم دار الفاسقين) أي ستر وعاقبة الخارجين عن طاعتي، المخالفين لامري، المكذبين لرسلي.
(سأصرف عن آياتي) عن فهمها وتدبرها، وتعقل معناها، الذي أريد منها ودل عليه مقتضاها (الذين يتكبرون في الارض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها) [ الاعراف: 146 ] أي ولو شاهدوا مهما شاهدوا من الخوارق والمعجزات لا ينقادوا لاتباعها (وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا) أي لا يسلكوه ولا يتبعوه (وإن يرو سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا) أي صرفناهم عن ذلك لتكذيبهم بآياتنا، وتغافلهم عنها، وإعراضهم عن التصديق بها، والتفكر في معناها وترك العمل بمقتضاها (والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) [ الاعراف: 147 ].
قصة عبادتهم العجل في غيبة [ كليم الله عنهم ] (1) قال الله تعالى (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين.
ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين.
ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقي الالواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الاعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين.
قال رب اغفر لي ولاخي وادخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين.
إن الذين اتخذوا العجل سينالهم
__________
(1) في نسخة: موسى.
[ * ]

(1/332)

غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين.
والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الالواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون) [ الاعراف: 148 - 154 ].
وقال تعالى (وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى قال فانا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فاخلفتم موعدي قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا * وقد قال لهم هرون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري.
قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع الينا موسى.
قال يا هرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن أفعصيت أمري قال يابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني اسرائيل ولم ترقب قولي فما خطبك يا سامري قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي.
قال فاذهب فان لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شئ علما) [ طه: 93 - 98 ] يذكر تعالى ما كان من أمر بني إسرائيل حين ذهب موسى عليه السلام إلى ميقات ربه، فمكث على الطور يناجيه ربه، ويسأله موسى عليه السلام عن أشياء كثيرة، وهو تعالسى يجيبه عنها، فعمد رجل منهم يقال له: هرون السامري (1) فأخذ ما كان استعاره من الحلي فصاغ منه عجلا، وألقيى فيه قبضة من التراب، كان أخذها من أثر فرس جبريل حين رأه - يوم أغرق الله فرعون على يديه، فلما ألقاها فيه خار كما يخور العجل الحقيقي.
ويقال إنه استحال عجلا جسدا أي لحما ودما حيا يخور.
قاله قتادة وغيره، وقيل: بل كانت الريح إذا دخلت من
دبره خرجت من فمه فيخور كما تخور البقرة، فيرقصون حوله ويفرحون: (فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسى) أي فنسيي موسى ربه عندنا، وذهب يتطلبه وهو ههنا ! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وتقدست أسماؤه وصفاته، وتصاعفت آلاؤه وهباته (2).
قال الله تعالى مبينا بطلان ما ذهبوا إليه، وما عولوا عليه من إلهية هذا الذي قصاراه أن يكون حيوانا بهيما وشيطانا رجيما (أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا) وقال (ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم
__________
(1) السامري واسمه موسى بن ظفر، ينسب أل قرية تدعى سامرة، ولد عام قتل الابناء - بعد مجئ موسى مصر - وأخفته أمه في كهف جبل فغذاه جبريل فعرفه لذلك.
انظر القرطبي أحكام القرآن 7 / 284.
(2) في النسخ المطبوعة: عداته.
وهو تحريف.
[ * ]

(1/333)

سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين) [ الاعراف: 148 ] فذكر أن هذا الحيوان لا يتكلم ولا يرد جوابا، ولا يملك ضرا ولا نفعا، ولا يهدي إلى رشد، اتخذوه وهم ظالمون لانفسهم، عالمون في أنفسهم بطلان ما هم عليه من الجهل، والضلال.
(ولما سقط في أيديهم) أي ندموا على ما صنعوا (ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين).
ولما رجع موسى عليه السلام إليهم، ورأى ما هم عليه من عبادة العجل، ومعه الالواح المتضمنة التوراة ألقاها فيقال إنه كسرها.
وهكذا هو عند أهل الكتاب وإن الله أبدله غيرها، وليس في اللفظ القرآني ما يدل على ذلك، إلا أنه القاها حين عاين ما عاين.
وعند أهل الكتاب: أنهما كانا لوحين، وظاهر القرآن أنها ألواح متعددة، ولم يتأثر بمجرد الخبر من الله تعالى عن عبادة العجل فأمره بمعاينة ذلك.
ولهذا جاء في الحديث الذي رواه الامام أحمد وابن حبان عن ابن عباس قال قال رسول الله: " ليس الخبر كالمعاينة " (1) ثم أقبل عليهم فعنفهم ووبخهم وهجنهم في صنيعهم هذا القبيح فاعتذروا إليه بما ليس بصحيح قالوا إنا (حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري) [ طه: 87 ] تحرجوا من تملك حلى آل فرعون، وهم أهل حرب، وقد أمرهم الله بأخذه وأباحه لهم، ولم يتحرجوا بجهلهم، وقلة علمهم، وعقلهم، من عبادة العجل
الجسد الذي له خوار مع الواحد الاحد الفرد الصمد القهار.
ثم أقبل على أخيه هرون عليهما السلام قائلا له (يا هرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن) [ طه: 92 ] أي هلا لما رأيت ما صنعوا اتبعتني فأعلمتني بما فعلوا فقال (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل) أي تركتهم وجئتني وأنت قد أستخلفتني فيهم (قال رب اغفر لي ولاخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين) [ الاعراف: 151 ].
وقد كان هرون عليه السلام نهاهم عن هذا الصنيع الفظيع أشد النهي، وزجرهم عنه، أتم الزجر قال الله تعالى (ولقد قال لهم هرون من قبل يا قوم إنما فتنتم به) أي إنما قدر الله أمر هذا العجل، وجعله يخور فتنة واختبارا لكم (وإن ربكم الرحمن) أي لا هذا (فاتبعوني) أي فيما أقول لكم (وأطيعوا أمري.
قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى) [ طه: 90 - 91 ] يشهد الله لهرون عليه السلام (وكفى بالله شهيدا) أنه نهاهم وزجرهم عن ذلك فلم يطيعوه ولم يتبعوه ثم أقبل موسى على السامري (قال ما خطبك يا سامري) أي ما حملك على ما صنعت (قال بصرت بما لم يبصروا به) أي رأيت جبرائيل وهو راكب فرسا (فقبضت قبضة من أثر الرسول) [ طه: 96 ] أي من أثر فرس جبريل.
وقد ذكر بعضهم أنه رآه وكلما وطئت بحوافرها على موضع أخضر وأعشب فأخذ من أثر حافرها فلما ألقاه في هذا العجل المصنوع من الذهب كان من أمره ما كان ولهذا قال (فنبذتها
__________
(1) مسند أحمد ج 1 / 215 - 271 ورواه الحاكم في مستدركه مطولا 2 / 321 وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
[ * ]

(1/334)

وكذلك سولت لي نفسي.
قال فاذهب فان لك في الحياة أن تقول لا مساس) [ طه: 96 - 97 ] وهذا دعاء عليه بأن لا يمس أحدا معاقبة له على مسه ما لم يكن له مسه.
هذا معاقبة له في الدنيا ثم توعده في الاخرى فقال (وإن لك موعدا لن تخلفه) وقرئ لن نخلفه (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا) [ طه: 97 ] قال فعمد موسى عليه السلام إلى هذا العجل فحرقه [ قيل ] (1) بالنار كما قاله قتادة وغيره.
وقيل بالمبارد (2) كما قاله علي وابن عباس
وغيرهما وهو نص أهل الكتاب ثم ذراه في البحر وأمر بني إسرائيل فشربوا فمن كان من عابديه علق على شفاههم من ذلك الرماد منه ما يدل عليه، وقيل بل اصفرت ألوانهم ثم قال تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لهم (إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شئ علما) [ طه: 98 ] وقال تعالى (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين) [ الاعراف: 152 ] وهكذا وقع وقد قال بعض السلف (وكذلك نجزي المفترين) مسجلة لكل صاحب بدعة إلى يوم القيامة.
ثم أخبر تعالى عن حلمه ورحمته بخلقه وإحسانه على عبيده في قبوله توبة من تاب إليه بتوبته عليه فقال (والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم) [ الاعراف: 153 ] لكن لم يقبل الله توبة عابدي العجل إلا بالقتل كما قال تعالى (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم) [ البقرة: 154 ] فيقال إنهم أصبحوا يوما وقد أخذ من لم يعبد العجل في أيديهم السيوف وألقى الله عليهم ضبابا (3) حتى لا يعرف القريب قريبه ولا النسيب نسيبه.
ثم مالوا على عابديه فقتلوهم وحصدوهم فيقال إنهم قتلوا في صبيحة واحدة سبعين ألفا.
ثم قال تعالى (ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الالواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون) [ الاعراف: 154 ] إستدل بعضهم بقوله وفي نسختها على أنها تكسرت وفي هذا الاستدلال نظر وليس في اللفظ ما يدل على أنها تكسرت والله أعلم.
وقد ذكر ابن عباس في حديث الفتون كما سيأتي أن عبادتهم العجل كانت على أثر خروجهم من البحر وما هو ببعيد لانهم حين خرجوا (قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) [ الاعراف: 138 ].
وهكذا عند أهل الكتاب فإن عبادتهم العجل كانت قبل مجيئهم بلاد بيت المقدس وذلك أنهم لما أمروا بقتل من عبد العجل قتلوا في أول يوم ثلاثة آلاف.
ثم ذهب موسى يستغفر لهم فغفر لهم بشرط أن يدخلوا الارض المقدسة.
(واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) يقال للمبرد: المحرق.
(3) عند القرطبي: ظلاما.
[ * ]

(1/335)

قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وآنت خير الغافرين.
واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا اليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون.
الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) [ الاعراف: 155 - 157 ] ذكر السدي وابن عباس وغيرهما أن هؤلاء السبعين كانوا علماء بني إسرائيل ومعهم موسى وهرون ويوشع (1) وناذاب وابيهوا ذهبوا مع موسى عليه السلام ليعتذروا عن بني إسرائيل في عبادة من عبد منهم العجل.
وكانوا قد أمروا أن يتطيبوا ويتطهروا ويغتسلوا، فلما ذهبوا معه واقتربوا من الجبل وعليه الغمام وعمود النور ساطع وصعد موسى الجبل.
فذكر بنو إسرائيل أنهم سمعوا كلام الله.
وهذا قد وافقهم عليه طائفة من المفسرين وحملوا عليه قوله تعالى (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون) [ البقرة: 75 ] وليس هذا بلازم لقوله تعالى (فأجره حتى يسمع كلام الله) أي مبلغا.
وهكذا هؤلاء سمعوه مبلغا من موسى عليه السلام وزعموا أيضا أن السبعين رأوا الله وهذا غلط منهم لانهم لما سألوا الرؤية أخذتهم الرجفة كما قال تعالى (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون.
ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون) [ البقرة: 55 ] وقال ههنا (فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي الآية) [ الاعراف: 155 ] قال محمد بن اسحق اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلا الخير
فالخير.
وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه وكان لا يأتيه إلا باذن منه وعلم فطلب منه السبعون أن يسمعوا كلام الله فقال: أفعل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ودنا موسى فدخل في الغمام وقال للقوم: أدنوا وكان موسى إذا كلمة الله وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمر وينهاه افعل ولا تفعل * فلما فرغ الله من أمره وانكشف عن موسى الغمام أقبل إليهم قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الرجفة وهي الصاعقة فالتقت أرواحهم فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول (رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا)
__________
(1) ذكر الرازي ان موسى اختار من قومه اثني عشر سبطا من كل سبط ستة، فصاروا اثنان وسبعين، فقال ليختلف منكم رجلان فتشاجروا: فقال إن لمن قعد منكم مثل أجر من تخلف ; فقعد كالب ويوشع.
[ * ]

(1/336)

أي لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء (1) الذين عبدوا العجل منا فإنا براء مما عملوا.
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج إنما أخذتهم الرجفة لانهم لم ينهوا قومهم عن عبادة العجل وقوله (إن هي إلا فتنتك) أي اختبارك وابتلاؤك وامتحانك قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس وغير واحد من علماء السلف والخلف.
يعني أنت الذي قدرت هذا وخلقت ما كان من أمر العجل إختبارا تختبرهم به كما (قال لهم هرون من قبل يا قوم إنما فتنتم به) [ طه: 90 ] أي اختبرتم ولهذا قال (تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء) أي من شئت أضللته باختبارك إياه ومن شئت هديته * لك الحكم والمشيئة ولا مانع ولا راد لما حكمت وقضيت (أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك) [ الاعراف: 155 - 156 ] أي تبنا إليك ورجعنا وأنبنا قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو العالية وإبراهيم التيمي والضحاك والسدي وقتادة وغير واحد وهو كذلك في
اللغة.
(قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ) أي أنا أعذب من شئت بما أشاء من الامور التي أخلقها وأقدرها (ورحمتي وسعت كل شئ) كما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله لما فرغ من خلق السموات والارض كتب كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي " (2) (فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون) [ الاعراف: 156 ] أي فسأوحيها حتما لمن يتصف بهذه الصفات (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الآية) [ الاعراف: 157 ] وهذا فيه تنويه بذكر محمد صلى الله عليه وسلم وأمته من الله لموسى عليه السلام في جملة ما ناجاه به وأعلمه وأطلعه عليه * وقد تكلمنا على هذه الآية وما بعدها في التفسير بما فيه كفاية ومقنع ولله الحمد والمنة.
وقال قتادة قال موسى يا رب أجد في الالواح أمة خير أمة أخرجت الناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر رب اجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد.
قال رب إني أجد في الالواح أمة هم الآخرون في الخلق السابقون في دخول الجنة رب اجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة أحمد.
قال: رب إني أجد في الالواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونها وكان من قبلهم يقرأون كتابهم نظرا حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئا ولم يعرفوه وإن الله أعطاكم أيتها الامة من الحفظ شيئا لم يعطه أحدا عن الامم قال رب اجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد قال: رب إني أجد في الالواح أمة يؤمنون بالكتاب الاول وبالكتاب الآخر ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلوا الاعور الكذاب فاجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة أحمد.
قال رب إني أجد في الالواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون عليها وكان من قبلهم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها نارا فأكلتها وإن ردت عليه تركت فتأكلها السباع والطير وإن الله أخذ صدقاتكم من
__________
(1) قال القرطبي: قيل المرد بالسفهاء: السبعون ; والمعنى أتهلك بني إسرائيل بما فعل هؤلاء السفهاء في قولهم " أرنا الله جهرة ".
(2) تقدم تخريجه في هذا الجزء فليراجع.
[ * ]

(1/337)

غنيكم لفقيركم قال رب فاجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة أحمد.
قال رب فإني أجد في الالواح أمة
إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعماية ضعف قال رب اجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد.
قال ربي إني أجد في الالواح أمة هم المشفعون المشفوع لهم فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد * قال قتادة فذكر لنا أن موسى عليه السلام نبذ الالواح وقال اللهم اجعلني من أمة أحمد.
وقد ذكر كثير من الناس ما كان من مناجاة موسى عليه السلام وأوردوا أشياء كثيرة لا أصل لها ونحن نذكر ما تيسر ذكره من الاحاديث والآثار بعون الله وتوفيقه وحسن هدايته ومعونته وتأييده.
قال الحافظ أبو حاتم محمد بن حاتم بن حبان في صحيحه: ذكر سؤال كليم الله ربه عز وجل عن أدنى أهل الجنة وأرفعهم منزلة " أخبرنا عمر بن سعيد الطائي ببلخ (1) حدثنا حامد بن يحيى البلخي، حدثنا سفيان، حدثنا مطرف بن طريف وعبد الملك بن أبجر شيخان صالحان [ قالا ]: سمعنا الشعبي يقول: سمعت المغيرة بن شعبة يقول على المنبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن موسى عليه السلام سأل ربه عزوجل: أي أهل الجنة أدنى منزلة ؟ فقال: رجل يجيئ بعدما يدخل أهل الجنة الجنة، فيقال [ له ] أدخل الجنة.
فيقول: كيف أدخل الجنة وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخاذاتهم (2) ؟ فيقال له: [ أ ] ترضى أن يكون لك من الجنة مثل ما كان لملك من ملوك الدنيا ؟ فيقول: نعم أي رب، فيقال: لك هذا ومثله ومثله فيقول: أي رب رضيت، فيقال له: لك مع هذا ما اشتهت نفسك ولذت عينك.
وسأل ربه: أي أهل الجنة أرفع منزلة ؟ قال: سأحدثك عنهم، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " * ومصداق ذلك في كتاب الله عزوجل (فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين الآية) وهكذا رواه مسلم والترمذي (3) كلاهما عن ابن أبي عمر عن سفيان - وهو ابن عيينة - به ولفظ مسلم: " فيقال له أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا ؟ فيقول: رضيت رب فيقول (4): لك ذلك ومثله ومثله ومثله، فيقول في الخامسة: رضيت رب فيقال: هذا لك وعشرة أمثاله.
ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول رضيت رب.
قال: رب فأعلاهم منزلة ؟ قال: أولئك الذين أردت غرس (5) كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين
__________
(1) في النسخ المطبوعة: بمنبج وهو تحريف.
(2) أخاذاتهم: قال القاضي: هو ما أخذوه من كرامة مولاهم، وحصلوه.
(3) أخرجه مسلم في 1 كتاب الايمان 84 باب أدنى أهل الجنة ح 312 / 189 ص 1 / 176 والترمذي في 48 كتاب تفسير القرآن باب 33 ومن سورة السجدة ح 3198.
(4) في نسخة: فيقال له، واثبتنا ما جاء عند مسلم.
(5) أردت: اخترت واصطفيت.
غرس: وعند مسلم غرست معناه: اصفطيتهم وتوليتهم فلا يتطرق إلى كرامتهم تغيير.
[ * ]

(1/338)

ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر (1) " قال ومصداقه (2) من كتاب الله (فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) [ السجدة: 17 ] وقال الترمذي حسن صحيح.
قال: ورواه بعضهم عن الشعبي عن المغيرة فلم يرفعه، والمرفوع أصح.
وقال ابن حبان: " ذكر سؤال الكليم ربه عن خصال سبع ": حدثنا عبد الله بن محمد بن مسلم ببيت المقدس، حدثنا حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن أبا السمح حدثه عن ابن حجيرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سأل موسى ربه عزوجل عن ست خصال كان يظن أنها له خالصة، والسابعة لم يكن موسى يحبها: قال: يا رب أي عبادك اتقى ؟ قال: الذي يذكر ولا ينسى.
قال: فأي عبادك أهدى ؟ قال: الذى يتبع الهدى.
قال: فأي عبادك أحكم ؟ قال: الذي يحكم للناس كما يحكم لنفسه.
قال: فأي عبادك أعلم ؟ قال: عالم لا يشبع من العلم، يجمع علم الناس إلى علمه.
قال: فأي عبادك أعز ؟.
قال: الذي إذا قدر غفر.
قال: فأي عبادك أغنى ؟ قال: الذي يرضى بما يؤتى.
قال: فأي عبادك أفقر ؟ قال: صاحب منقوص ".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس الغنى عن ظهر إنما الغنى غنى النفس "، وإذا أراد الله بعبد خيرا جعل غناه في نفسه وتقاه في قلبه، وإذا أراد بعبد شرا جعل فقره بين عينيه " (3).
قال ابن حبان قوله " صاحب منقوص " يريد به منقوص حالته يستقل ما أوتي ويطلب
الفضل.
وقد رواه ابن جرير في تاريخه عن ابن حميد عن يعقوب [ القمي عن هارون بن عنترة ] (4) عن أبيه عن ابن عباس قال: سأل موسى ربه عزوجل فذكر نحوه وفيه: " قال: أي رب فأي عبادك أعلم ؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يجد (5) كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى.
قال: أي رب فهل في الارض أحد أعلم مني ؟ قال: نعم [ قال: رب فمن هو ؟ قال ]: (6) الخضر.
فسأل السبيل إلى لقيه.
فكان ما سنذكره بعد إن شاء الله وبه الثقة.
__________
(1) لم يخطر على قلب بشر: أي لم يخطر على قلب بشر ما أكرمتهم به وأعددته لهم.
(2) مصداقه: دليله وما يصدقه.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه 81 / 5 / 6446 فتح الباري من طريق أبي هريرة ولفظه فيه: " ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى عنى النفس " وبلفظه أخرجه مسلم في 12 كتاب الزكاة 40 باب ليس الغنى عن كثرة العرض 120 / 105 ص 2 / 726 عن أبي هريرة وأخرجه أحمد في مسنده ج 2 / 243 - 261.
(4) ما أثبتناه من الطبري 1 / 191 وما في الاصول يعقوب التميمي، وهارون بن عبيرة تحريف.
- ويعقوب القمي: بن عبد الله بن سعد الاشعري، أبو الحسن القمي صدوق من الثامنة مات سنة أربع وسبعين وقيل 172.
تقريب التهذيب 2 / 376 الكاشف 3 / 255.
- وهارون بن عنترة: ابن عبد الرحمن الشيباني، أبو عبد الرحمن ثقة تقريب التهذيب 3 / 312 الكاشف 3 / 6018 / 189.
(5) في الطبري: يصيب.
(6) زيادة من الطبري.
[ * ]

(1/339)

حديث آخر بمعنى ما ذكره ابن حبان قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن اسحق، حدثنا ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " إن موسى قال: أي رب عبدك المؤمن مقتر عليه في الدنيا.
قال: ففتح له باب من الجنة فنظر إليها قال يا موسى: هذا ما أعددت له.
فقال
موسى: يا رب وعزتك وجلالك لو كان مقطع اليدين والرجلين يسحب على وجهه، منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة وكان هذا مصيره لم ير بوءسا قط.
قال: ثم قال: أي رب عبدك الكافر موسع عليه في الدنيا.
قال: ففتح له باب إلى النار فيقول: يا موسى هذا ما أعددت له فقال: أي رب وعزتك وجلالك لو كانت له الدنيا منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة وكان هذا مصيره لم ير خيرا قط " (1).
تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وفي صحته نظر والله أعلم.
وقال ابن حبان: " ذكر سؤال كليم الله ربه جل وعلا أن يعلمه شيئا يذكره به " حدثنا ابن سلمة، حدثنا حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث إن دراجا حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " قال موسى: " يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به " قال: قل يا موسى (لا إله إلا الله) قال: يا رب كل عبادك يقول هذا.
قال: قل لا إله إلا الله.
قال: إنما أريد شيئا تخصني به.
قال: يا موسى لو أن أهل السموات السبع والارضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهم لا إله إلا الله " (2).
ويشهد لهذا الحديث البطاقة.
وأقرب شئ إلى معناه الحديث المروي في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: " قال أفضل الدعاء دعاء عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبييون من قبلي (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير) (3) وقال ابن أبي حاتم عند تفسير آية الكرسي: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدسكي، حدثني أبي عن أبيه، حدثنا أشعث بن اسحق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن بني إسرائيل قالوا لموسى: هل ينام ربك ؟ قال: أتقوا الله فناداه ربه: يا موسى سألوك هل ينام ربك ؟ فخذ زجاجتين في يديك فقم الليل، ففعل موسى، فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه ثم انتعش فضبطهما، حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا.
فقال: يا موسى لو كنت أنام لسقطت السموات والارض فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك.
قال: وأنزل الله على رسوله آية الكرسي.
وقال ابن
__________
(1) مسند الامام أحمد ج 4 / 322 - 345 - 346.
(2) رواه النسائي والحاكم من طريق دراج عن أبي الهيثم عنه وقال الحاكم صحيح الاسناد.
مالت بهم: رجع ثوابها وزاد أجرها.
الترغيب والترهيب كتاب الدعاء - فضل لا إله إلا الله ج 2 / 415.
(3) أخرجه المنذري في الترهيب كتاب الدعاء - الترغيب في قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: ورواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
ج 2 / 419.
[ * ]

(1/340)

جرير حدثنا اسحق بن أبي إسرائيل حدثنا هشام بن يوسف عن أمية بن شبل عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى عليه السلام على المنبر قال: " وقع في نفس موسى عليه السلام هل ينام الله عزوجل ؟ فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا ثم أعطاه قارورتين.
في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما قال: فجعل ينام وكادت يداه تلتقيان - فيستيقظ فيحبس إحداهما على الاخرى حتى نام نومة فاصطفقت يداه، فانكسرت القارورتان قال: ضرب الله له مثلا أن لو كان ينام لم يستمسك السماء والارض ".
وهذا حديث غريب رفعه.
والاشبه أن يكون موقوفا.
وأن يكون أصله إسرائيليا.
وقال الله تعالى (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون.
ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين) [ البقرة: 63 - 64 ] وقال تعالى (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) [ الاعراف 171 ] قال ابن عباس وغير واحد من السلف لما جاءهم موسى بالالواح فيها التوراة أمرهم بقبولها والاخذ بها بقوة وعزم فقالوا: أنشرها علينا، فإن كانت أوامرها ونواهيها سهلة قبلناها، فقال: بل اقبلوها بما فيها، فراجعوه مرارا فأمر الله الملائكة فرفعوا الجبل على رؤوسهم حتى صار كأنه ظلة أي غمامة على رؤوسهم، وقيل لهم: إن لم تقبلوها بما فيها وإلا سقط هذا الجبل عليكم، فقبلوا ذلك وأمروا بالسجود، فسجدوا فجعلوا ينظرون إلى الجبل بشق وجوههم، فصارت سنة لليهود إلى اليوم، يقولون لا سجدة أعظم من سجدة رفعت عنا العذاب.
وقال سنيد بن داود، عن حجاج بن محمد، عن أبي بكر بن عبد الله قال: فلما نشرها لم يبق على وجه الارض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز، فليس على وجه الارض يهودي صغير
ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونفض لها رأسه.
قال الله تعالى (ثم توليتم من بعد ذلك) أي ثم بعد مشاهدة هذا الميثاق العظيم والامر الجسيم نكثتم عهودكم ومواثيقكم (فلولا فضل الله عليكم ورحمته) بأن تدارككم بالارسال إليكم وإنزال الكتب عليكم (لكنتم من الخاسرين).
قصة بقرة بني إسرائيل قال الله تعالى (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة.
قالوا أتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين.
قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون.
قالوا دع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين.
قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقى الحرث مسلمة لا شية فيها.
قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون.
وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون.
فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم

(1/341)

تعقلون) [ البقرة: 67 - 73 ] قال ابن عباس وعبيدة السلماني وأبو العالية ومجاهد والسدي وغير واحد من السلف: كان رجل (1) في بني إسرائيل كثير المال، وكان شيخا كبيرا، وله بنو أخ وكانوا يتمنون موته ليرثوه، فعمد أحدهم فقتله في الليل وطرحه في مجمع الطرق، ويقال على باب رجل منهم، فلما أصبح الناس اختصموا فيه، وجاء ابن أخيه فجعل يصرخ ويتظلم، فقالوا ما لكم تختصمون ولا تأتون نبي الله، فجاء ابن أخيه فشكى أمر عمه إلى (2) رسول الله موسى عليه السلام فقال موسى عليه السلام: أنشد الله رجلا عنده علم من أمر هذا القتيل إلا أعلمنا به فلم يكن عند أحد منهم علم منه، وسألوه أن يسأل في هذه القضية ربه عزوجل فسأل ربه عزوجل في ذلك فأمره الله أن يأمرهم بذبح بقرة ؟ فقال: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا) يعنون نحن نسأل عن أمر هذا القتيل، وأنت تقول هذا (قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) أي أعوذ بالله أن أقول عنه غير ما أوحى إلي.
وهذا هو الذي أجابني حين سألته عما سألتموني عنه أن
أسأله فيه.
قال ابن عباس وعبيدة ومجاهد وعكرمة والسدي وأبو العالية وغير واحد فلو أنهم عمدوا إلى أي بقرة فذبحوها لحصل المقصود منها، ولكنهم شددوا، فشدد عليهم، وقد ورد فيه حديث مرفوع.
وفي إسناده ضعف فسألوا عن صفتها ثم عن لونها ثم عن سنها فأجيبوا بما عز وجوده عليهم، وقد ذكرنا في تفسير ذلك كله في التفسير.
والمقصود أنهم أمروا بذبح بقرة عوان وهي الوسط بين النصف (3)، الفارض وهي الكبيرة (4)، والبكر وهي الصغيرة، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والحسن وقتادة وجماعة.
ثم شددوا وضيقوا على أنفسهم فسألوا عن لونها فأمروا بصفراء فاقع لونها أي مشرب بحمرة تسر الناظرين * وهذا اللون عزيز.
ثم شددوا أيضا (فقالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون) ففي الحديث المرفوع الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مردوية: " لولا أن بني إسرائيل إستثنوا لما أعطوا (5) وفي صحته نظر، والله أعلم (قال انه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها.
قالوا ألآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون) وهذه الصفات أضيق مما تقدم حيث أمروا بذبح بقرة ليست بالذلول وهي المذللة بالحراثة وسقي الارض بالسانية مسلمة وهي
__________
(1) اسمه عاميل كما في أحكام القرآن.
(2) وكان هذا الامر قبل نزول القسامة في التوراة ; والقسامة أن يبدأ المدعون بالايمان فإن حلفوا استحقوا، وإن نكلوا حلف المدعي عليهم خمسين يمينا وبرءوا.
(3) عوان: النصف التي ولدت بطنا أو بطنين.
(4) الفارض: أي المسنة، وقيل التي ولدت بطونا كثيرة فيتسع جوفها لذلك.
(5) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 6 / 314 وقال: رواه البزار وفيه عباد بن منصور وهو ضعيف وبقية رجاله ثقات.
عباد بن منصور: الناجي، قال النسائي ليس بالقوي / الكاشف ج 2 / 56.
أبو سلمة البصري صدوق رمي بالقدر وكان يدلس تغير بآخرة تقريب التهذيب 2 / 107 / 393.
[ * ]

(1/342)

الصحيحة، التي لا عيب فيها ; قاله أبو العالية وقتادة.
وقوله (لا شية فيها) أي ليس فيها لون
يخالف لونها بل هي مسلمة من العيوب ومن مخالطة سائر الالوان غير لونها فلما حددها بهذه الصفات وحصرها بهذه النعوت والاوصاف (قالوا الآن جئت بالحق) ويقال إنهم لم يجدوا هذه البقرة بهذه الصفة إلا عند رجل منهم كان بارا بأبيه فطلبوها منه، فأبى عليهم، فأرغبوه في ثمنها حتى أعطوه فيما ذكره السدي بوزنها ذهبا فأبى عليهم حتى أعطوه بوزنها عشر مرات، فباعها منهم فأمرهم نبي الله موسى بذبحها (فذبحوها وما كادوا يفعلون) أي وهم يترددون في أمرها.
ثم أمرهم عن الله أن يضربوا ذلك القتيل ببعضها.
قيل بلحم فخذها.
وقيل بالعظم الذي يلي الغضروف.
وقيل بالبضعة التي بين الكتفين فلما ضربوه ببعضها أحياه الله تعالى فقام وهو يشخب أوداجه فسأله نبي الله من قتلك قال قتلني ابن أخي.
ثم عاد ميتا كما كان، قال الله تعالى (كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون) [ البقرة: 73 ] أي كما شاهدتم إحياء هذا القتيل عن امر الله له كذلك أمره في سائر الموتى إذا شاء إحياءهم أحياهم في ساعة واحدة كما قال (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة الآية) [ لقمان: 28 ].
قصة موسى والخضر عليهما السلام قال الله تعالى (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا.
فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا.
قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا.
قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا.
فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما.
قال له موسى هل اتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا.
قال إنك لن تستطيع معي صبرا.
وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا.
قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا.
قال فان اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا.
فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها.
قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا أمرا.
قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا.
قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا.
فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا
نكرا.
قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عزرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا.
قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غضبا.
وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما.
وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من

(1/343)

ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا) [ الكهف: 60 - 82 ].
قال بعض أهل الكتاب إن موسى هذا الذي رحل إلى الخضر هو موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم الخليل وتابعهم على ذلك بعض من يأخذ من صحفهم وينقل عن كتبهم منهم نوف بن فضالة الحميري الشامي البكالي.
ويقال إنه دمشقي وكانت أمه زوجة كعب الاحبار * والصحيح (1) الذي دل عليه ظاهر سياق القرآن ونص الحديث الصحيح الصريح المتفق عليه أنه موسى بن عمران صاحب بني إسرائيل.
قال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل.
قال ابن عباس كذب عدو الله.
حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم ؟ فقال: أنا فعتب الله عليه، إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك.
قال موسى: يا رب وكيف لي به ؟ قال تأخذ معك حوتا فتجعله بمكتل (2) فحيثما فقدت الحوت فهو ثم.
فأخذ حوتا فجعله بمكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه، فسقط في البحر واتخذ سبيله في البحر سربا.
وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه
مثل الطاق فلما استيقظ.
نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد (قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) [ الكهف: 62 ] ولم يجد موسى النصب (3) حتى جاوز المكان الذي آمره الله به [ قال ] له فتاه: (أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا) [ الكهف: 63 ] قال فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا (قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا) قال فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر وإني بأرضك السلام قال أنا موسى فقال: موسى بني إسرائيل ؟ قال: نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا (قال إنك لن تستطيع معي صبرا) يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه فقال (ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا) قال له الخضر (فان اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا) فانطلقا يمشيان على ساحل البحر [ ليس لهما سفينة ] فمرت
__________
(1) قال الطبري في معرض تشكيكه: ويزعم أهل التوراة أن الذي طلب الخضر موسى بن ميشا ; ويتابع في رواية أخرى: وكان الخضر في أيام موسى بن عمران.
(2) مكتل: زنبيل يسع خمسة عشر صاعا.
(3) في البخاري: مسا من النصب.
[ * ]

(1/344)

[ بهما ] سفينة فكلمهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر [ فحملوهما ] بغير نول.
فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى قوم حملونا بغير نول (1) عمدت إلى سفينتهم فخرقتها (لتغرق أهلها لقد جئت شيئا أمرا.
قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا) قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الاولى من موسى نسيانا قال: " وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا
البحر.
ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ بصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله فقال له موسى (أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك انك لن تستطيع معي صبرا) قال وهذه أشد من الاولى (قال إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض) قال: مائل.
فقال الخضر بيده (فأقامه) فقال موسى قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا (لو شئت لا تخذت عليه أجرا.
قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما " (2).
قال سعيد بن جبير فكان ابن عباس يقرأ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا وكان يقرأ وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين.
ثم رواه البخاري أيضا عن قتيبة عن سفيان بن عيينة بإسناده نحوه.
وفيه فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ومعهما الحوت حتى انتهيا إلى الصخرة فنزلا عندها قال فوضع موسى رأسه فنام قال سفيان وفي حديث غير عمرو قال: وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شئ إلا حيى، فأصاب الحوت من ماء تلك العين، قال: فتحرك وانسل من المكتل، ودخل البحر فلما استيقظ (قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا) وساق الحديث وقال ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر فقال الخضر لموسى ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره وذكر تمام الحديث.
وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير يزيد أحدهما على صاحبه.
وغيرهما قد سمعته يحدثه عن
__________
(1) نول: أجر.
(2) في البخاري: أمرهما وفي الطبري: قصصهم.
أخرجه البخاري في (3) كتاب العلم 44 باب ما يستحب للعالم إذا سئل ح: 22 فتح الباري وأخرجه مسلم في صحيحه 43 / 46 / 170 والترمذي في سننه 48 / 19 / 3149 ورواه الطبري بإسناده في تاريخه ج 1 / 189 -
190.
ما بين معكوفين في الحديث زيادة من البخاري.
[ * ]

(1/345)

سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال: سلوني فقلت: أي أبا عباس جعلني الله فداك بالكوفة رجل قاص يقال له نوف يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل أما عمرو فقال لي: قال: قد كذب عدو الله، وأما يعلى فقال لي: قال ابن عباس حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " موسى رسول الله قال: ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى، فأدركه رجل فقال أي رسول الله هل في الارض أحد أعلم منك ؟ قال: لا.
فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله * قيل: بلى قال: أي رب فأين قال بمجمع البحرين، قال: أي رب اجعل لي علما أعلم ذلك به قال لي عمرو قال: حيث يفارقك الحوت وقال لي يعلى قال خذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح، فأخذ حوتا فجعله في مكتل فقال لفتاه لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلفت كبيرا فذلك قوله (وإذ قال موسى لفتاه) يوشع بن نون.
ليست عن سعيد بن جبير قال فبينما هو في ظل صخرة في مكان ثريان إذ تضرب الحوت وموسى نائم فقال فتاه: لا أوقظه حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرب الحوت حتى دخل البحر فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كأن أثره في حجر قال لي عمرو، هكذا كان أثره في حجر وحلق بين إبهاميه واللتين تليان (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) قال وقد قطع الله عنك النصب ليست هذه عن سعيد أخبره فرجعا فوجدا خضرا قال لي عثمان بن أبي سليمان على طنفسة خضراء على كبد البحر قال سعيد: مسجى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال: هل بأرض من سلام من أنت ؟ قال: أنا موسى قال: موسى بني إسرائيل ؟ قال: نعم.
قال فما شأنك ؟ قال: جئتك (لتعلمني مما علمت رشدا) قال أما يكفيك أن التوراة بيديك ؟ وأن الوحي يأتيك يا موسى ؟ إن لي علما لا ينبغي لك أن تعلمه وإن لك علما لا ينبغي لي أن أعلمه فأخذ طائر بمنقاره من البحر، فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب
علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر (حتى إذا ركبا في السفينة) وجدا معابر صغارا تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر عرفوه فقالوا عبد الله الصالح.
قال فقلنا لسعيد " خضر " قال نعم.
لا نحمله بأجر (فخرقها) ووتد فيها وتدا (قال) موسى (أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا) قال مجاهد منكرا (1) (قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا) كانت الاولى نسيانا والوسطى شرطا والثالثة عمدا (قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا.
فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله) قال يعلى قال سعيد وجد غلمانا يلعبون فأخذ غلاما كافرا ظريفا فاضجعه ثم ذبحه بالسكين (قال أقتلت نفسا زكية) لم تعمل بالخبث (2) * ابن عباس قرأها زكية زاكية مسلمة كقولك غلاما زكيا (فانطلقا فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه) قال بيده هكذا ورفع يده فاستقام قال يعلى: حسبت أن سيعدا قال:
__________
(1) قال القتبي: إمرا: معناه عجبا، وقال أبو عبيدة: الامر: الداهية العظيمة.
(2) وقيل: بالحنث: لانها لم تبلغ الحلم ; وهو تفسير لقوله نفسا زكية.
[ * ]

(1/346)

فمسحه بيده فاستقام (قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا) قال سعيد: أجرا نأكله (وكان وراءهم) وكان أمامهم قرأها ابن عباس أمامهم (1).
ملك يزعمون - عن غير سعيد - أنه هدد بن بدد والغلام المقتول يزعمون جيسور (2) (ملك يأخذ كل سفينة غصبا) فإذا هي مرت به يدعها بعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها.
منهم من يقول سدوها بقارورة ومنهم من يقول بالقار (كان أبواه مؤمنين) وكان كافرا (فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا) أي يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة) لقوله أقتلت نفسا زكية (وأقرب رحما) هما به أرحم منهما بالاول الذي قتل خضر * وزعم سعيد بن جبير أنه ابن لا جارية وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد إنها جارية * وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خطب موسى بني اسرائيل فقال: ما أحد أعلم بالله وبأمره مني فأمر أن يلقى هذا الرجل.
فذكر نحو ما تقدم وهكذا رواه محمد بن اسحق عن الحسن بن عمارة
عن الحكم بن عيينة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كنحو ما تقدم أيضا.
ورواه العوفي عنه موقوفا * وقال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى فقال ابن عباس: هو خضر فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه فهل سمعت من رسول الله فيه شيئا قال: نعم.
وذكر الحديث وقد تقصينا طرق هذا الحديث وألفاظه في تفسير سورة الكهف ولله الحمد.
وقوله (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة) قال السهيلي وهما أصرم وصريم ابنا كاشح.
(وكان تحته كنز لهما) قيل كان ذهبا قاله عكرمة، وقيل علما قاله ابن عباس (3).
والاشبه أنه كان لوحا من ذهب مكتوبا
__________
(1) قال الماوردي: اختلف أهل العربية في استعمال وراء موضع أمام على ثلاثة أقوال: - أحدها: يجوز استعمالها بكل حال وفي كل مكان وهو من الاضداد قال الله تعالى: (من ورائهم جهنم) أي من أمامهم.
- الثاني: أن وراء تستعمل في موضع أمام في المواقيت والازمان.
- الثالث: أنه يجوز في الاجسام التي لا وجه لها كحجرين متقابلين كل واحد منهما وراء الآخر ولا يجوز في غيرهما.
(2) قال الكلبي: شمعون وقال الضحاك: حيسون، وقال وهب: اسم أبيه سلاس واسم أمه رحمى أما السهيلي فقال: اسم أبيه: كازير واسم أمه: سهوى.
واسم الملك: قيل هود بن بدد - كما في البخاري - وقيل الجلندي قاله السهيلي وقيل جيسور راجع أحكام القرآن ج 11 / 36.
(3) قال القرطبي: وعن ابن عباس أيضا: قال: كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن لها، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
ج 11 / 38.

(1/347)

فيه علم.
قال البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا بشر بن المنذر، حدثنا الحرث بن عبد الله اليحصبي، عن عياش بن عباس الغساني، عن بن حجيرة، عن أبي ذر رفعه قال إن الكنز الذي ذكر الله في كتابه لوح من الذهب مصمت: عجبت لمن أيقن بالقدر كيف نصب وعجبت لمن ذكر النار لم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت كيف غفل لا إله إلا الله.
وهكذا روي عن الحسن البصري وعمر مولى عفرة وجعفر الصادق نحو هذا وقوله (وكان أبوهما صالحا) وقد قيل إنه كان الاب السابع وقيل العاشر.
وعلى كل تقدير فيه دلالة على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته فالله المستعان.
وقوله (رحمة من ربك) دليل على أنه كان نبيا وأنه ما فعل شيئا من تلقاء نفسه بل بأمر ربه فهو نبي وقيل رسول وقيل ولي وأغرب من هذا من قال كان ملكا قلت وقد أغرب جدا من قال هو ابن فرعون وقيل إنه ابن ضحاك الذي ملك الدنيا ألف سنة.
قال ابن جرير (1): والذي عليه جمهور أهل الكتاب أنه كان في زمن أفريدون ويقال: إنه كان على مقدمة ذي القرنين الذي قيل إنه كان أفريدون، وذو الفرس هو الذي كان في زمن الخليل.
وزعموا أنه شرب من ماء الحيوة فخلد وهو باق إلى الآن.
وقيل إنه من ولد بعض من آمن بإبراهيم وهاجر معه من أرض بابل وقيل إسمه ملكان وقيل أرميا بن خلقيا وقيل كان نبيا في زمن سباسب بن لهراسب قال ابن جرير وقد كان بين أفريدون وبين سباسب (2) دهور طويلة لا يجهلها أحد من أهل العلم بالانساب.
قال ابن جرير: والصحيح أنه كان في زمن أفريدون واستمر حيا إلى أن أدركه موسى عليه السلام وكانت نبوة موسى في زمن منوشهر الذي هو من ولد ايرج بن أفريدون أحد ملوك الفرس وكان إليه الملك بعد جده أفريدون لعهده وكان عادلا (3) وهو أول من خندق الخنادق وأول من جعل في كل قرية دهقانا (4) وكانت مدة ملكه قريبا من مائة وخمسين سنة ويقال إنه كان من سلالة إسحاق بن إبراهيم (5) وقد ذكر عنه من الخطب الحسان والكليم البليغ النافع الفصيح ما يبهر العقل ويحير السامع وهذا يدل على أنه من سلالة الخليل.
والله أعلم.
وقد قال الله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمه ثم جائكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أءقررتم الآية) [ آل عمران: 84 ].
فأخذ الله ميثاق كل نبي على أن يؤمن بمن يجئ بعده من الانبياء وينصره [ واستلزم ذلك الايمان وأخذ الميثاق لمحمد صلى الله عليه وسلم لانه خاتم الانبياء فحق على كل نبي أدركه أن يؤمن به
__________
(1) تاريخ الطبري: 1 / 188.
(2) في الطبري: يشتاسب في المكانين.
(3) زاد الطبري 1 / 195: وكان منوشهر يوصف بالعدل والاحسان وهو أول من جمع آلة الحرب.
(4) زاد الطبري: وجعل أهلها له خولا وعبيدا والبسهم لباس المذلة وأمرهم بطاعته.
(5) قال الطبري: وقد زعم بعض أهل الاخبار أنه: منوشهر بن منشخرنر بن افريقيس بن إسحاق بن إبراهيم وقد أنكر الفرس هذا النسب، ولم تقر بالملك لغيرهم.
[ * ]

(1/348)

وينصره ] (1).
فلو كان الخضر حيا في زمانه، لما وسعه إلا اتباعه والاجتماع به والقيام بنصره، ولكان من جملة من تحت لوائه يوم بدر، كما كان تحتها جبريل وسادات من الملائكة.
وقصارى الخضر عليه السلام أن يكون نبيا، وهو الحق، أو رسولا كما قيل أو ملكا فيما ذكر وأياما كان فجبريل رئيس الملائكة، وموسى أشرف من الخضر، ولو كان حيا لوجب عليه الايمان بمحمد ونصرته فكيف إن كان الخضر وليا كما يقوله طوائف كثيرون ؟ فأولى أن يدخل في عموم البعثة وأحرى.
ولم ينقل في حديث حسن بل ولا ضعيف يعتمد أنه جاء يوما واحدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا اجتمع به وما ذكر من حديث التعزية فيه، وإن كان الحاكم قد رواه فإسناده ضعيف والله أعلم وسنفرد لخضر ترجمة على حدة بعد هذا.
[ ذكر الحديث الملقب ] (2) بحديث الفنون المتضمن قصة موسى من أولها إلى آخرها قال الامام أبو عبد الرحمن النسائي في " كتاب التفسير " من سننه عند قوله تعالى في سورة طه (وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا) [ طه: 40 ] حديث الفتون (3) حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا اصبغ بن زيد، حدثنا القاسم بن
أبي أيوب، أخبرني سعيد بن جبير قال: سألت عبد الله بن عباس عن قول الله تعالى [ لموسى ] (4) (وفتناك فتونا) فسألته عن الفتون ما هو ؟ فقال: استأنف النهار يا ابن جبير فإن لها حديثا طويلا فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس لانتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم عليه السلام أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان وعد إبراهيم، فقال فرعون: فكيف ترون ؟ فأتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة ومن نسخة مطبعة السعادة واستدركت من النسخة المحفوظة بدار الكتب الوطنية مصر - مصور عن نسخة الاستانة - رقم (تاريخ 1110).
(2) سقطت من النسخ المطبوعة.
(3) رواه ابن كثير في تفسيره مطولا (ج 3 / 245 - 252 احياء التراث - بيروت) وقال في نهايته معقبا: هكذا رواه النسائي في السنن الكبرى وأخرجه أبو جعفر بن جرير (الطبري) وابن أبي حاتم في تفسيريهما، كلهم من حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس وليس فيه مرفوع إلا قليل منه وكأنه تلقاه ابن عباس رضي لله عنهما مما أبيح نقله من الاسرائيليات عن كعب الاحبار، أو غيره، والله أعلم.
وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضا.
(4) سقطت من النسخ المطبوعة واستدركت من النسائي.
[ * ]

(1/349)

ذبحوه، ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون قالوا: توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الاعمال والخدمة التي (1) كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر واتركوا (2) بناتهم، ودعوا عاما فلا تقتلوا منهم أحدا، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولن تفتنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى
بهارون في العام الذي لا يذبح (3) فيه الغلمان فولدته علانية آمنة.
فلما كان من قابل، حملت بموسى عليه السلام فوقع في قلبها الهم والحزن، وذلك من الفتون - يا ابن جبير - ما دخل عليه في بطن أمه مما يراد [ به ] (4) فأوحى الله إليها أن لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت وتلقيه في اليم، فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها: ما فعلت بابني لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه.
فانتهى الماء به حتى أوفى عند فرضة مستقي (5) جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه فهممن أن يفتحن التابوت فقال بعضهن: إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه، فحملته كهيئته لم يخرجن منه شيئا حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه غلاما، فألقى عليه منها محبة لم تلق منها على أحد قط (أصبح فؤاد أم موسى فارغا) [ من ] (6) ذكر كل شئ إلا من ذكر موسى.
فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون - يا ابن جبير - فقالت لهم أقروه فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتي فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه مني كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم فأتت فرعون فقالت: (قرة عين لي ولك) فقال فرعون: يكون لك، فأما لي فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له، كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها، ولكن حرمه ذلك " فأرسلت إلى من حولها إلى كل امرأة لها لان تختار [ له ] (7) ظئرا فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك فأمرت به، فأخرج إلى السوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئرا تأخذه منها فلم يقبل.
وأصبحت أم موسى والها، فقالت لاخته: قصي أثره واطلبيه
__________
(1) في نسخة الذي.
وما أثبتناه المناسب.
(2) في نسخة: فتقل.
(3) في نسخة: لا تقتل.
(4) سقطت من النسخ المطبوعة.
(5) في نسخة: تستقي منها.
(6) سقطت من النسخ المطبوعة.
(7) سقطت من النسخ المطبوعة.
[ * ]

(1/350)

هل تسمعين له ذكرا ؟ أحي إبني أم قد أكلته الدواب ؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه (فبصرت به) أخته (عن جنب وهم لا يشعرون) والجنب أن يسمو بصر الانسان إلى شئ بعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به.
فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤرات أنا (أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) [ فأخذوها ] (1) فقالوا ما يدريك ما نصحهم [ له ] (2) هل [ تعرفينه ] (3) حتى شكوا في ذلك.
وذلك من الفتون - يا ابن جبير - فقالت: نصحهم إله وشفقتهم عليه ورغبتهم في صهر الملك ورجاء منفعة الملك.
فأرسلوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلا جنباه ريا، وانطلق البشير إلى امرأة فرعون يبشرها أن قد وجدنا لابنك ظئرا.
فأرسلت إليها فأتت بها وبه.
فلما رأت ما يصنع بها قالت: أمكثي ترضعي ابني هذا، فإني لم أحب شيئا حبه قط، قالت أم موسى: لا أستطيع أن أترك بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه، فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا، فعلت، فإني غير تاركة بيتي وولدي وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله منجز موعوده، فرجعت إلى بيتها من يومها وأنبته الله نباتا حسنا وحفظه لما قد قضى فيه.
فلم يزل بنو اسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة والظلم.
ما كان فيهم، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لام موسى: أزيريني ابني فوعدتها يوما [ تزيرها ] (4) إياه فيه، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظئورها وقهارمتها، لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لارى ذلك فيه، وأنا باعثة أمينا يحصي كل ما يصنع كل إنسان منكم فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل (5) تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون.
فلما دخل عليها
نحلته وأكرمته وفرحت به ونحلت أمه بحسن أثرها عليه.
ثم قالت لآتين به فرعون فلينحلنه وليكرمنه، فلما دخلت به عليه جعله في حجره، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الارض، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه ؟ أنه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه.
وذلك من الفتون - يا بن جبير - بعد كل بلاء ابتلى به وأريد به، فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون.
فقالت ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي ؟ فقال: ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني ؟ فقالت: اجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق، أئت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه ! فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنه
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) سقطت من النسخ المطبوعة.
(3) في نسخة: يعرفونه.
(4) في نسخة: أريني ابني فوعدتها يوما تريها.
(5) النحل: العطايا.
[ * ]

(1/351)

يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين، علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرب إليه فتناول الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده، فقالت المرأة ألا ترى ؟ فصرفه الله عنه بعدما كان هم به، وكان الله بالغا فيه أمره.
فلما بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة، حتى امتنعوا كل الامتناع.
فبينما موسى عليه السلام يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي.
فاستغاثه الاسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى غضبا شديدا لانه تناوله وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل وحفظه لهم [ لا يعلم الناس إلا أنه من الرضاع إلا أم موسى، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ] (1) ما لم يطلع عليه غيره.
فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله عزوجل والاسرائيلي فقال موسى حين قتل الرجل (هذا من عمل الشيطان إنه
عدو مضل مبين) [ القصص: 15 ] ثم قال (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين فأصبح في المدينة خائفا يترقب) [ القصص: 16 ] الاخبار فأتي فرعون، فقيل له: إن بني اسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون، فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم، فقال: ابغوني قاتله من يشهد عليه فإن الملك وإن كان صفوة مع قومه، لا ينبغي له أن يقتل بغير بينة، ولا ثبت، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة، إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الاسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر، فاستغاثه الاسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى قد ندم على ما كان منه وكره الذي رأى، فغضب الاسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للاسرائيلي لما فعل بالامس واليوم (إنك لغوي مبين) فنظر الاسرائيلي إلى موسى بعدما قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالامس الذي قتل فيه الفرعوني فخاف أن يكون بعدما قال له إنك لغوي مبين أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده، إنما أراد الفرعوني فخاف الاسرائيلي * وقال: (يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس) وإنما قال له مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الاسرائيلي من الخبر حين يقول: (أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس) فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون الطريق الاعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقا حتى سبقهم إلى موسى فأخبره.
وذلك من الفتون - يا ابن جبير - فخرج موسى متوجها نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك، وليس له بالطريق علم، إلا حسن ظنه بربه عزوجل، فإنه قال (عسى ربي ان يهديني سواء السبيل.
ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان) يعني بذلك حابستين غنمهما فقال لهما (ما خطبكما) معتزلتين
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة، واستدركت من مخطوطه بدار الكتب المصرية رقم 2442 وقورنت على حديث النسائي ورواية ابن كثير في التفسير.
[ * ]

(1/352)

لا تسقيان مع الناس ؟ قالتا: ليس لنا قوة تزاحم القوم وإنما ننتظر فضول حياضهم، فسقى لهما فجعل يغترف (1) من الدلو ماء كثيرا حتى كان أول الرعاء وانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى فاستظل بشجرة وقال: (رب إني لما انزلت الي من خير فقير) واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا (2) بطانا فقال: إن لكما اليوم لشأنا، فأخبرتاه بما صنع موسى فأمر إحداهما أن تدعوه، فأتت موسى فدعته فلما كلمه (قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين) ليس لفرعون ولا قومه علينا من سلطان ولسنا في مملكته فقالت احداهما: (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين) [ القصص: 27 ] فاحتملته الغيرة على أن قال لها: ما يدريك ما قوته وما أمانته ؟ فقالت: أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه.
وأما الامانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأة صوب رأسه فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك.
ثم قال لي: امشي خلفي وانعتي لي الطريق فلم يفعل هذا إلا وهو أمين.
فسرى عن أبيها وصدقها، وظن به الذي قالت.
فقال له هل لك (إن أنكحك احدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن اتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين) [ القصص: 27 ] ففعل فكانت على نبي الله موسى ثمان سنين واجبة، وكانت السنتان عدة منه، فقضى الله عنه عدته فأتمها عشرا.
قال سعيد - هو ابن جبير - فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم، قال: هل تدري أي الاجلين قضى موسى ؟ قلت: لا.
وأنا يومئذ لا أدري.
فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له، فقال: أما علمت أن ثمانية كانت على نبي الله واجبة، لم يكن نبي الله لينقص منها شيئا ؟ وتعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التي وعده ; فإنه قضى عشر سنين.
فلقيت النصراني فأخبرته ذلك، فقال: الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك ؟ قلت: أجل وأولى.
فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصى ويده، ما قص الله عليك في القرآن.
فشكا إلى الله تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هرون، يكون له ردأ ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فأتاه الله عزوجل [ سؤله ] (3) وحل
عقدة من لسانه، وأوحى الله إلى هرون فأمره أن يلقاه.
فاندفع موسى بعصاه حتى لقى هرون.
فانطلقا جميعا إلى فرعون، فأقاما على بابه حينا لا يؤذن لهما.
ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا: (إنا رسولا ربك) فقال: فمن ربكما ؟ فأخبره بالذي قص الله عليك في القرآن.
قال: فما تريدان ؟ وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت، قال: أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل، فأبى عليه وقال (أئت بآية إن كنت من الصادقين) فألقى عصاه فإذا هي [ حية
__________
(1) في نسخة: يغرف.
(2) حفلا بطانا: درت ضروعها وشبعت بطونها.
(3) سقطت من النسخ المطبوعة.
[ * ]

(1/353)

تسعى ] (1) عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون، فلما رآها (2) فرعون قاصدة إليه خافها فأقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل.
ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء، يعني من غير برص.
ثم ردها فعادت إلى لونها الاول.
فاستشار الملا حوله فيما رأى فقالوا له (هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى) يعني ملكهم الذي هم فيه والعيش، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئا مما طلب، وقالوا له: إجمع السحرة فإنهم بأرضك كثير، حتى تغلب بسحرك سحرهما.
فأرسل إلى المدائن فحشر به كل ساحر متعالم (2) فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعمل [ هذا الساحر ] ؟ (3) قالوا: يعمل بالحيات، قالوا: فلا والله ما أحد [ في (4) الارض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل، وما أجرنا إن نحن غلبنا ؟ قال: لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع إليكم كل شئ أحببتم فتواعدوا (يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى) قال سعيد: فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة، وهو يوم عاشوراء.
فلما اجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الامر لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين يعنون موسى وهرون استهزاء بهما فقالوا يا موسى بعد تريثهم بسحرهم (إما أن
تلقى وإما أن نكون نحن الملقين) [ الاعراف: 115 ] قال بل ألقوا (فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون) فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة فأوحى الله إليه (أن ألق عصاك) فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيمة فاغرة فاها فجعلت العصى تلتبس بالحبال حتى صارت جرزا على الثعبان أن تدخل فيه (5) حتى ما أبقت عصا ولا حبلا إلا ابتلعته.
فلما عرف السحرة ذلك، قالوا: لو كان هذا سحرا لم يبلغ (6) من سحرنا كل هذا، ولكنه أمر من الله تعالى، آمنا بالله وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله مما كنا عليه.
فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وامرأة فرعون بارزة مبتذلة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمها لموسى فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة، كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف من غده، وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا ؟ فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد
__________
(1) في نسخة: ثعبان.
(2) في نسخة: رأى.
(3) في نسخة: السحر.
(4) في نسخة: من.
(5) في نسخة: صارت حرزا للثعابين تدخل فيه.
(6) في النسخ المطبوعة: يبلع.
[ * ]

(1/354)

والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات.
كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه، ويوافقه (1) على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كف ذلك عنه أخلف بوعده ونكث عهده حتى أمر موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين فتبعه بجنود عظيمة كثيرة وأوحى الله إلى البحر إذا ضربك موسى عبدي بعصاه فانفلق
اثنتي عشرة فرقة حتى يجوز موسى ومن معه * ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه.
فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصى وانتهى إلى البحر وله قصيف (2) مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيا لله عزوجل فلما تراءى الجمعان وتقاربا قال أصحاب موسى: (إنا لمدركون) إفعل ما أمرك به ربك فإنه لم يكذب ولم تكذب قال: وعدني ربي إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتي أجاوزه، ثم ذكر بعد ذلك العصى فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى، فانفرق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى فلما [ أن ] (3) جاوز موسى وأصحابه كلهم البحر ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم البحر كما أمر، فلما جاوز موسى [ البحر ] (4) قال أصحابه: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه، فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه.
ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم (قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون) [ الاعراف: 138 ] قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم.
ومضى فأنزلهم موسى منزلا وقال: أطيعوا هارون فإن الله قد استخلفه عليكم، فإني ذاهب إلى ربي، وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع إليهم فيها.
فلما أتى ربه عزوجل وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوما، وقد صامهن ليلهن ونهارهن، وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم، فتناول موسى شيئا من نبات (5) الارض فمضغه، فقال له ربه حين أتاه: لم أفطرت ؟ - وهو أعلم بالذي كان - قال: يا رب إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح.
قال: أوما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب [ عندي ] من ريح المسك ؟ إرجع فصم عشرا ثم ائتني، ففعل موسى ما أمره به ربه.
فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الاجل ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم فقال: إنكم خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع (6) ولكم فيها مثل ذلك، وأنا
__________
(1) في نسخة: ليوافقه، وعند النسائي: ويواثقه.
(2) قصيف: هشيم الشجر، هنا: صليل البحر وهديره.
(3) سقطت من النسخ المطبوعة واثبتت من النسائي وتفسير ابن كثير.
(4) سقطت من النسخ المطبوعة.
واستدركت من النسائي وتفسير ابن كثير.
(5) عود من خرنوب.
(6) كان بنو إسرائيل قد استعاروا حلى وزينة من آل فرعون ليلة خروجهم من مصر بحجة التزين بها في عيد لهم - عيد الزينة.
[ * ]

(1/355)

أرى أن تحتسبوا مالكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية، ولسنا برادين إليهم شيئا من ذلك ولا ممسكيه لانفسنا، فحفر حفيرا وأمر كل قوم عندهم من ذلك متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير.
ثم أوقد عليه النار فأحرقه، فقال: لا يكون لنا ولا لهم.
وكان السامري من قوم يعبدون البقر، جيران لبني إسرائيل، ولم يكن من بني إسرائيل فاحتمل مع موسى وبني اسرائيل حين احتملوا فقضى له أن رأى أثرا فقبض منه قبضة فمر بهارون، فقال له هارون: يا سامري ألا تلقي ما في يديك (1) ؟ وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك، فقال هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا ألقيها لشئ، إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد، فألقاها ودعا له هارون.
فقال أريد أن تكون عجلا فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد، فصار عجلا أجوف، ليس فيه روح له خوار.
قال ابن عباس لا والله ما كان فيه صوت قط إنما كانت الريح تدخل من دبره وتخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك، فتفرق بنو اسرائيل فرقا فقالت فرقة: يا سامري ما هذا وأنت أعلم به ؟ قال: هذا ربكم، ولكن موسى أضل الطريق.
وقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا (2) فيه حتى رأيناه وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى، وقالت فرقة: هذا من عمل الشيطان، وليسر بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق: بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكديب به.
فقال لهم هارون عليه السلام (يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن) [ طه: 90 ] ليس هذا.
قالوا فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا.
هده أربعون يوما قد مضت، قال سفهاؤهم: أخطأ ربه فهو
يطلبه ويبتغيه.
فلما كلم الله موسى وقال له ما قال، أخبره بما لقى قومه من بعده، (فرجع إلى قومه غضبان أسفا) فقال لهم: ما سمعتم ما في القرآن ؟ (وأخذ برأس أخيه يجره إليه) وألقى الالواح من الغضب، ثم إنه عذر أخاه بعذره واستغفر له فانصرف إلى السامري فقال له ما حملك على ما صنعت ؟ قال: قبضت قبضة من أثر الرسول، وفطنت لها وعميت عليكم فقذفتها (وكذلك سولت لي نفسي قال فاذهب فان لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى الهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لنننسفنه في اليم نسفا) [ طه: 96 - 97 ] ولو كان إلها لم يخلص إلى ذلك منه فاستيقن بنو اسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هرون، فقالوا لجماعتهم: يا موسى سل لنا [ ربك ] أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فتكفر عنا ما عملنا، فاختار موسى [ من ] قومه سبعين رجلا لذلك، لا يألوا الخير خيار بني إسرائيل، ومن لم يشرك في الحق، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة فرجفت بهم الارض.
__________
(1) في سنن النسائي وتفسير ابن كثير: يدك.
(2) في نسخة: وعكفنا ; وفي النسائي وتفسير ابن كثير فكالاصل.
[ * ]

(1/356)

فاستحيا نبي الله عليه السلام من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل فقال: (رب لو شئت لاهلكتهم من قبل وإياي، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به.
فلذلك رجفت بهم الارض فقال (رحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون.
الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل) فقال يا رب سألتك التوبة لقومي، فقلت: إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي فليتك أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحوم (1) فقال له: إن توبتهم أن يقتل كل رجل [ منهم ] من لقي من والد وولد، فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن.
وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهرون [ أمرهم ] واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا وغفر الله للقاتل والمقتول.
ثم سار
بهم موسى عليه السلام متوجها نحو الارض المقدسة، وأخذ الالواح بعد ما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمر به من الوظائف فثقل ذلك عليهم وأبوا أن يقروا بها وفتق (2) الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، وأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون إلى الجبل والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم.
ثم مضوا حتى أتوا الارض المقدسة، فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون، خلقهم خلق منكر، وذكر من ثمارهم أمرا عجبا (3) من عظمها، فقالوا: (يا موسى إن فيها قوما جبارين) لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها (فإن يخرجوا منها فإنا داخلون).
(قال رجلان من الذين يخافون) قيل ليزيد: هكذا قرأه ؟ قال: نعم، من الجبارين، آمنا بموسى وخرجنا إليه، فقالوا: نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم، فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ويقول أناس: إنهم من قوم موسى.
فقال الذين يخافون من بني إسرائيل (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) فاغضبوا موسى، فدعا عليهم وسماهم فاسقين ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم، حتى كان يومئذ فاستجاب الله له، وسماهم كما سماهم [ موسى ] فاسقين فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الارض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ وجعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا، وأمر موسى فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، في كل ناحية ثلاثة أعين وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها، فلا يرتحلون من محلة - إلا وجدوا
__________
(1) في تفسير ابن كثير: المرحومة.
(2) في نسخة: ونتق.
(3) في تفسير ابن كثير: عجيبا.
[ * ]

(1/357)

ذلك الحجر [ بينهم ] بالمكان الذي كان فيه [ بالمنزل الاول ] (1) بالامس * رفع ابن عباس هذا
الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس [ يحدث ] هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل.
فقال: كيف يفشى عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الاسرائيلي الذي حضر ذلك ؟ فغضب ابن عباس، فأخذ بيد معاوية فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري فقال له: يا أبا اسحق، هل تذكر يوم حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون ؟ الاسرائيلي الذي أفشى عليه أم الفرعوني ؟ قال: إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع [ من ] الاسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره.
هكذا ساق هذا الحديث الامام النسائي وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيرهما من حديث يزيد بن هرون والاشبه والله أعلم أنه موقوف وكونه مرفوعا فيه نظر.
وغالبه متلقى من الاسرائيليات وفيه شئ يسير مصرح برفعه في أثناء الكلام.
وفي بعض ما فيه نظر ونكارة، والاغلب أنه [ من ] كلام كعب الاحبار وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزى يقول ذلك [ أيضا ]، والله أعلم (2).
[ ذكر ] (3) بناء قبة الزمان قال أهل الكتاب وقد أمر الله موسى عليه السلام بعمل قبة من خشب الشمشاز وجلود الانعام وشعر الاغنام وأمر بزينتها بالحرير المصبغ والذهب والفضة على كيفيات مفصلة عند أهل الكتاب، ولها عشر سرادقات، طول كل واحد ثمانية وعشرون ذراعا وعرضه أربعة أذرع ولها أربعة أبواب وأطناب من حرير ودمقس مصبغ، وفيها رفوف وصفائح من ذهب وفضة ولكل زاوية بابان وأبواب أخر كبيرة، وستور من حرير مصبغ وغير ذلك مما يطول ذكره.
وبعمل تابوت من خشب الشمشاز يكون طوله ذراعين ونصفا، وعرضه ذراعين وارتفاعه ذراعا ونصفا، ويكون مضببا بذهب خالص من داخله وخارجه، وله أربع حلق في أربع زواياه، ويكون على حافتيه كروبيان من ذهب - يعنون صفة ملكين بأجنحة، وهما متقابلان صنعه (4) رجل اسمه بصليال.
وأمراه أن يعمل مائدة من خشب الشمشاز طولها ذراعان وعرضها ذراعان ونصف لها ضباب ذهب وإكليل ذهب، بشفة مرتفعة بإكليل من ذهب، وأربع حلق من نواحيها من ذهب، مغرزة في مثل الرمان من خشب ملبس ذهبا [ وأن يعمل ] صحافا ومصافي وقصاعا على المائدة، [ وأن
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
(2) ما ذكر بين معكوفين في حديث الفنون سقط مجمله من نسخ البداية والنهاية المطبوعة واستدرك بمقارنته بنص النسائي وتفسير ابن كثير.
(3) سقطت من النسخ المطبوعة.
(4) في نسخة: صفة وهو تحريف.
[ * ]

(1/358)

يصنع ] (1) منارة من الذهب دلى فيها ست قصبات من ذهب، من كل جانب ثلاثة.
على كل قصبة ثلاث سرج، وليكن في المنارة أربع قناديل، ولتكن هي وجميع هذه الآنية من قنطار من ذهب صنع ذلك بصليال أيضا، وهو الذي عمل المذبح أيضا.
ونصب هذه القبة أول يوم من سنتهم، وهو أول يوم من الربيع ونصب تابوت الشهادة وهو - والله أعلم - المذكور في قوله تعالى (ان آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة ان في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين) [ البقرة: 248 ] وقد بسط هذا الفصل في كتابهم مطولا جدا (2)، وفيه شرائع لهم وأحكام وصفة قربانهم، وكيفيته وفيه إن قبة الزمان كانت موجودة قبل عبادتهم العجل الذي هو متقدم على مجئ بيت المقدس، وأنها كانت لهم كالكعبة يصلون فيها وإليها، ويتقربون عندها، وأن موسى عليه السلام كان إذا دخلها يقفون عندها، وينزل عمود الغمام على بابها، فيخرون عند ذلك سجدا لله عزوجل.
ويكلم الله موسى عليه السلام من ذلك العمود الغمام الذي هو نور ويخاطبه ويناجيه، ويأمره وينهاه وهو واقف عند التابوت صامد إلى ما بين الكروبيين فإذا فصل الخطاب يخبر بني إسرائيل بما أوحاه الله عزوجل، إليه من الاوامر والنواهي.
وإذا تحاكموا إليه في شئ ليس عنده من الله فيه شئ يجئ إلى قبة الزمان، ويقف عند التابوت ويصمد لما بين ذينك الكروبيين فيأتيه الخطاب بما فيه فصل تلك الحكومة وقد كان هذا مشروعا لهم في زمانهم أعني استعمال الذهب والحرير المصبغ واللآلئ في معبدهم وعند مصلاهم فأما في شريعتنا فلا بل قد نهينا عن زخرفة المساجد وتزيينها لئلا تشغل المصلين كما قال عمر بن
الخطاب رضي الله عنه لما وسع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي وكله على عمارته: ابن للناس ما يكنهم وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس * وقال ابن عباس لنزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى كنائسهم وهذا من باب التشريف والتكريم والتنزيه فهذه الامة غير مشابهة من كان قبلهم من الامم، إذ جمع الله همهم في صلاتهم على التوجه إليه والاقبال عليه، وصان أبصارهم وخواطرهم عن الاشتغال والتفكر في غير ما هم بصدده، من العبادة العظيمة.
فلله الحمد والمنة.
وقد كانت قبة الزمان هذه مع بني اسرائيل في التيه، يصلون إليها وهي قبلتهم وكعبتهم وإمامهم كليم الله موسى عليه السلام، ومقدم القربان أخوه هارون عليه السلام * فلما مات هارون ثم موسى عليهما السلام استمر بنو هارون في الذي كان يليه أبوهم، من أمر القربان وهو فيهم إلى الآن.
وأقام بأعباء النبوة بعد موسى وتدبير الامر بعده فتاه يوشع بن نون عليه السلام، وهو الذي دخل بهم بيت المقدس كما سيأتي بيانه.
والمقصود هنا أنه لما استقرت يده على البيت المقدس نصب هذه القبة على صخرة بيت المقدس فكانوا يصلون إليها، فلما بادت صلوا إلى محلتها وهي الصخرة، فلهذا كانت قبلة الانبياء بعده إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صلى إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) في نسخة: واعمل صحافا ; واصنع منارة.
(2) التوراة المتداولة - سفر التثنية الذي تذكر فيه شرائعهم وأحكامهم.
[ * ]

(1/359)

قبل الهجرة، وكان يجعل الكعبة بين يديه * فلما هاجر أمر بالصلاة إلى بيت المقدس فصلى إليها ستة عشر - وقيل سبعة عشر - شهرا * ثم حولت القبلة إلى الكعبة وهي قبلة إبراهيم في شعبان سنة ثنتين في وقت صلاة العصر وقيل الظهر، كما بسطنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها - إلى قوله - قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام) الآيات [ البقرة 142 - 143 وما بعدها ].
قصة قارون مع موسى عليه السلام
قال الله تعالى (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما احسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الارض إن الله لا يحب المفسدين قال إنما أوتيته على علم عندي أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا ياليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم.
وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون - فخسفنا به وبداره الارض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين.
وأصبح الذين تمنوا مكانه بالامس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) [ القصص: 76 - 83 ] قال الاعمش عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان قارون ابن عم موسى، وكذا قال إبراهيم النخعي وعبد الله بن الحرث بن نوفل، وسماك بن حرب وقتادة ومالك بن دينار، وابن جريج وزاد فقال: هو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى بن عمران بن قاهث (1): قال ابن جريج (2) وهذا قول أكثر أهل العلم: أنه كان ابن عم موسى.
ورد قول ابن اسحاق إنه كان عم موسى، قال قتادة: وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله.
وقال شهر بن حوشب زاد في ثيابه شبرا طولا ترفعا على قومه.
وقد ذكر الله تعالى كثرة كنوزه، حتى أن مفاتيحه كان يثقل حملها
__________
(1) في نسخة: هافت وهو تحريف والصواب ما أثبتناه.
(2) هكذا في الاصول: ابن جريج وهو تحريف والصواب ابن جرير، ولعل هناك سهوا في النسخ والعبارة كما في الطبري، وأما أهل العلم من سلف أمتنا ومن أهل الكتابين فعلى ما قال ابن جريج.
[ * ]

(1/360)

على الفئام (1) من الرجال الشداد، وقد قيل إنها كانت من الجلود وإنها كانت تحمل على ستين (2) بغلا، فالله أعلم.
وقد وعظه النصحاء من قومه قائلين " لا تفرح " أي لا تبطر بما أعطيت وتفخر على غيرك (ان الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة) يقولون لتكن همتك مصروفة لتحصيل ثواب الله في الدار الآخرة، فإنه خير وأبقى، ومع هذا (لا تنس نصيبك من الدنيا) أي وتناول منها بمالك ما أحل الله لك، فتمتع لنفسك بالملاذ الطيبة الحلال (وأحسن كما أحسن الله اليك) أي وأحسن إلى خلق الله كما أحسن الله خالقهم، وبارئهم إليك (ولا تبغ الفساد في الارض) أي ولا تسئ إليهم، ولا تفسد فيهم، فتقابلهم ضد ما أمرت فيهم فيعاقبك ويسلبك ما وهبك (إن الله لا يحب المفسدين) فما كان جواب قومه.
لهذه النصيحة الصحيحة الفصيحة إلا أن (قال إنما أوتيته على علم عندي) يعني أنا لا أحتاج إلى استعمال ما ذكرتم ولا إلى ما إليه أشرتم فإن الله إنما أعطاني هذا لعلمه أني أستحقه وأني أهل له ولولا أني حبيب إليه وحظي عنده لما أعطاني ما أعطاني قال الله تعالى ردا عليه ما ذهب إليه (أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون) أي قد أهلكنا من الامم الماضين بذنوبهم وخطاياهم من هو أشد من قارون قوة وأكثر أموالا وأولادا فلو كان ما قال صحيحا لم نعاقب أحدا ممن كان أكثر مالا منه ولم يكن ماله دليلا على محبتنا له واعتنائنا به كما قال تعالى (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا) [ سبأ: 56 ] وقال تعالى (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين.
نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) [ المؤمنون: 55 - 56 ] وهذا الرد عليه يدل على صحة ما ذهبنا إليه من معنى قوله (إنما أوتيته على علم عندي) وأما من زعم أن المراد من ذلك أنه كان يعرف صنعة الكيمياء أو أنه كان يحفظ الاسم الاعظم فاستعمله في جمع الاموال فليس بصحيح لان الكيمياء تخييل وصبغة لا تحيل الحقائق ولا تشابه صنعة الخالق والاسم الاعظم لا يصعد الدعاء به من كافر به، وقارون وكان كافرا في الباطن منافقا في الظاهر.
ثم لا يصح جوابه لهم بهذا على هذا التقدير ولا يبقى بين الكلامين تلازم وقد وضحنا هذا في كتابنا التفسير ولله الحمد.
قال الله تعالى (فخرج على قومه في
زينته) ذكر كثير من المفسرين أنه خرج في تجمل عظيم من ملابس (3) ومراكب وخدم وحشم فلما رآه من يعظم زهرة الحياة الدنيا تمنوا أن لو كانوا مثله وغبطوه بما عليه وله فلما سمع مقالتهم العلماء ذوو الفهم الصحيح الزهاد الالباء قالوا لهم: (ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا) أي ثواب الله في الدار الآخرة خير وأبقى وأجل وأعلى قال الله تعالى ولا يلقاها الا الصابرون، أي وما
__________
(1) الفئام: جمع فئة وهي الجماعة.
(2) في رواية للطبري: أربعين بغلا.
وذكر القشيري: سبعين بغلا.
(3) قال الغزنوي: خرج يوم السبت، وكان أول من صبغ له الثياب المعصفرة.
وقال مجاهد: كان ذلك أول يوم رؤى فيه المعصفر.
[ * ]

(1/361)

يلقى هذه النصيحة وهذه المقالة وهذه الهمة السامية إلى الدار الآخرة العلية عند النظر إلى زهرة هذه الدنيا الدنية إلا من هدى الله قلبه، وثبت فؤاده، وأيد لبه، وحقق مراده، وما أحسن ما قال بعض السلف إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند حلول الشهوات.
قال الله تعالى فخسفنا به وبداره الارض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين لما ذكر تعالى خروجه في زينته واختياله فيها، وفخره على قومه بها، قال: فخسفنا به وبداره الارض كما روى البخاري من حديث الزهري، عن سالم عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بينا رجل يجر إزاره إذ خسف به فهو يتجلجل (1) في الارض إلى يوم القيامة (2) ".
ثم رواه البخاري من حديث جرير بن زيد عن سالم عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
وقد ذكر ابن عباس والسدي أن قارون أعطى امرأة بغيا مالا على أن تقول لموسى عليه السلام وهو في ملاء من الناس إنك فعلت بي كذا وكذا فيقال إنها قالت له ذلك، فأرعد من الفرق (3) وصلى ركعتين.
ثم أقبل عليها فاستحلفها من ذلك على ذلك وما حملك عليه، فذكرت أن قارون هو الذي حملها على ذلك، واستغفرت الله وتابت إليه، فعند ذلك خر موسى لله ساجدا ودعا الله على قارون، فأوحى الله إليه إني قد أمرت الارض أن تطيعك فيه فأمر موسى الارض أن تبتلعه وداره فكان ذلك فالله
أعلم.
وقد قيل إن قارون لما خرج على قومه في زينته مر بجحفله وبغاله وملابسه على مجلس موسى عليه السلام، وهو يذكر قومه بأيام الله فلما رآه الناس، انصرفت وجوه كثير من الناس ينظرون إليه فدعا موسى عليه السلام فقال له: ما حملك على هذا فقال: يا موسى أما لئن كنت فضلت علي بالنبوة فلقد فضلت عليك بالمال، ولئن شئت لتخرجن فلتدعون علي ولادعون عليك فخرج وخرج قارون في قومه فقال له موسى: تدعو أو أدعو ؟ قال: ادعو أنا، فدعى قارون، فلم يجب في موسى، فقال موسى أدعو ؟ قال: نعم.
فقال موسى: اللهم مر الارض فلتطغى اليوم فأوحى الله إليه إني قد فعلت فقال موسى: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى أقدامهم، ثم قال خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم ثم إلى مناكبهم ثم قال اقبلي بكنوزهم وأموالهم فأقبلت بها حتى نظروا إليها ثم أشار موسى بيده فقال: اذهبوا بني لاوي فاستوت بهم الارض.
وقد روي عن قتادة أنه قال يخسف بهم كل يوم قامة إلى يوم القيامة.
وعن ابن عباس أنه قال خسف بهم إلى الارض السابعة.
وقد ذكر كثير من المفسرين ههنا إسرائيليات كثيرة أضربنا عنها صفحا وتركناها قصدا.
وقوله تعالى (فما
__________
(1) يتجلجل: أي يغوص في الارض حين يخسف به.
والجلجلة: حركة مع الصوت.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 77 / 5 / 5790 فتح الباري وأخرجه مسلم في 37 كتاب اللباس 10 باب تحريم التبختر في المشي 49 / 2088 بنحوه عن أبي هريرة.
ورواه النسائي في سننه 48 / 101 والدارمي في سننه المقدمة 40 / 443 وأحمد في مسنده 2 / 66 - 267 - 315 - 390 - 456.
(3) الفرق: بالفتح: الخوف والفزع.
[ * ]

(1/362)

كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين) لم يكن له ناصر من نفسه ولا من غيره كما قال (فما له من قوة ولا ناصر) [ الطارق: 10 ] ولما حل به ما حل من الخسف وذهاب الاموال وخراب الدار وإهلاك النفس والاهل والعقار ندم من كان تمنى مثل ما أوتي، وشكروا الله تعالى الذي يدبر عباده بما يشاء من حسن التدبير المخزون ولهذا قالوا (لولا أن من الله علينا لخسف
بنا وبك انه لا يفلح الكافرون) وقد تكلمنا على لفظ ويك في التفسير وقد قال قتادة ويكأن بمعنى ألم تر أن وهذا قول حسن من حيث المعنى والله أعلم.
ثم أخبر تعالى (أن الدار الآخرة) وهي دار القرار وهي الدار التي يغبط من أعطيها ويعزى من حرمها إنما هي سعدة للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا.
فالعلو هو التكبر والفخر والاشر والبطر والفساد هو عمل المعاصي اللازمة (1)، والمتعدية من أخذ أموال الناس وإفساد معايشهم والاساءة إليهم وعدم النصح لهم ثم قال تعالى (والعاقبة للمتقين) وقصة قارون هذه قد تكون قبل خروجهم من مصر لقوله فخسفنا به وبداره الارض فإن الدار ظاهرة في البنيان وقد تكون بعد ذلك في التيه وتكون الدار عبارة عن المحلة التي تضرب فيها الخيام كما قال عنترة.
يا دار عبلة بالجواء تكلمي * وعمي صباحا دار عبلة واسلمي والله أعلم.
وقد ذكر الله تعالى مذمة قارون في غير ما آية من القرآن.
قال الله (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب) [ غافر: 23 - 24 ] وقال تعالى في سورة العنكبوت بعد ذكر عاد وثمود.
وقارون وفرعون وهامان (ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات فاستكبروا في الارض وما كانوا سابقين فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الارض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [ العنكبوت: 30 - 40 ] (2) فالذي خسف به الارض قارون كما تقدم والذي أغرق فرعون وهامان وجنودهما أنهم كانوا خاطئين.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا سعيد، حدثنا كعب بن علقمة، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يوما فقال: " من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف " (3).
انفرد به أحمد رحمه الله.
__________
(1) في نسخة القاصرة.
واللازمة هي المعاصي التي يقتصر ضررها على فاعلها دون تعديه للغير.
(2) وفيها: ولقد جاءهم موسى بالبينات.
(3) مسند أحمد 2 / 169.
[ * ]

(1/363)

باب [ ذكر ] (1) فضائل موسى عليه السلام وشمائله وصفاته ووفائه قال الله تعالى (واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الايمن وقربنا نجيا ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا) [ مريم: 51 - 53 ] وقال تعالى (قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي) [ الاعراف: 144 ].
وتقدم في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تفضلوني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش فلا أدري أصعق فأفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور " (2) وقدمنا أنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب الهضم والتواضع وإلا فهو صلوات الله وسلامه عليه خاتم الانبياء وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة قطعا جزما لا يحتمل النقيض.
وقال تعالى (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط) [ النساء: 163 ] إلى أن قال (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما) [ النساء: 164 ] وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها) [ الاحزاب: 69 ].
قال الامام أبو عبد الله البخاري: حدثنا اسحق بن ابراهيم بن روح بن عبادة، عن عوف، عن الحسن.
ومحمد وخلاس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى جلده شئ استحياء منه فأذاه من أذاه من بني إسرائيل، فقالوا ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص أو أدرة (3) وإما آفة، وأن الله عزوجل أراد أن يبرأه مما قالوا لموسى فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ، أقبل على ثيابه ليأخذها، وأن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملا من بني اسرائيل، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله، وبرأه مما يقولون، وقام الحجر
فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا قال فذلك قوله عزوجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها) [ الاحزاب: 69 ] (4).
وقد رواه الامام أحمد من حديث عبد الله بن
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
واستدركت من قصص الانبياء لابن كثير.
(2) تقدم تخريجه قريبا في هذا الجزء فليراجع.
(3) أدرة: فتق في إحدى الخصيتين (قاموس).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه 5 / 20، 60 / 28 وأخرجه مسلم في صحيحه 43 / 155 / 156 والترمذي في سننه 44 / 33 وأحمد في مسنده 2 / 315 - 324 - 392 - 535.
[ * ]

(1/364)

شقيق وهمام بن منبه عن أبي هريرة به وهو في الصحيحين من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عنه به ورواه مسلم من حديث عبد الله بن شقيق العقيلي عنه.
قال بعض السلف كان من وجاهته أنه شفع في أخيه عند الله وطلب منه أن يكون معه وزيرا فأجابه الله إلى سؤاله وأعطاه طلبته وجعله نبيا كما قال (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا) ثم قال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، حدثنا الاعمش.
سألت أبا وائل قال: سمعت عبد الله قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما فقال رجل إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فغضب، حتى رأيت الغضب في وجهه ثم قال: " يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر " (1) وكذا رواه مسلم من غير وجه عن سليمان بن مهران الاعمش به.
وقال الامام أحمد: حدثنا أحمد بن حجاج، سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هاشم - مولى لهمدان بن عن زيد بن أبي زائد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: " لا يبلغني أحد عن أحد شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر " (2).
قال وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مال فقسمه قال: فمررت برجلين، وأحدهما يقول لصاحبه ; والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله، ولا الدار الآخرة فثبت حتى سمعت ما قالا.
ثم أتيت رسول الله، فقلت:
يا رسول الله، إنك قلت لنا: " لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا " وإني مررت بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشق عليه.
ثم قال: " دعنا منك فقد أوذي موسى أكثر من ذلك فصبر ".
وهكذا رواه أبو داود والترمذي من حديث إسرائيل، عن الوليد بن أبي هاشم به، وفي رواية للترمذي ولابي داود من طريق ابن عبد عن إسرائيل عن السدي، عن الوليد به، وقال الترمذي غريب من هذا الوجه.
وقد ثبت في الصحيحين في أحاديث الاسراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بموسى وهو قائم يصلي في قبره.
ورواه مسلم عن أنس.
وفي الصحيحين من رواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر ليلة أسري به بموسى في السماء السادسة فقال له جبريل: هذا موسى، فسلم عليه، قال: " فسلمت عليه " فقال: مرحبا بالنبي الصالح والاخ الصالح.
" فلما تجاوزت " بكى.
قيل له: ما يبكيك قال: أبكي لان غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي (3).
وذكر إبراهيم في السماء السابعة.
وهذا هو المحفوظ وما وقع في حديث شريك ابن أبي نمر عن أنس من أن ابراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله فقد ذكر غير واحد من الحفاظ أن الذي عليه
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه 80 / 19 / 6336 فتح الباري وأخرجه مسلم في صحيحه 12 / 46 / 140.
(2) مسند أحمد ج 1 / 396.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه في رواية طويلة في 18 / 1 / 349 فتح الباري.
وأخرجه مسلم في صحيحه 1 كتاب الايمان / 259 والنسائي في سننه في (5) كتاب الصلاة (1) باب فرض الصلاة في رواية طويلة.
[ * ]

(1/365)

الجادة أن موسى في السادسة وإبراهيم في السابعة وأنه مسند ظهره إلى البيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم.
واتفقت الروايات كلها على أن الله تعالى لما فرض على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته خمسين صلاة في اليوم والليلة فمر بموسى قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف لامتك، فإني قد عالجت بني إسرائيل قبلك أشد المعالجة وإن أمتك أضعف اسماعا وأبصارا وأفئدة فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله عزوجل ويخفف عنه في كل مرة حتى
صارت إلى خمس صلوات في اليوم والليلة.
وقال الله تعالى هي خمس وهي خمسون (1) أي بالمضاعفة فجزى الله عنا محمدا صلى الله عليه وسلم خيرا وجزى الله عنا موسى عليه السلام خيرا.
وقال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا حصين بن نمير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوما فقال: " عرضت علي الامم ورأيت سوادا كثيرا سد الافق فقيل هذا موسى في قومه ".
هكذا روى البخاري هذا الحديث ههنا مختصرا.
وقد رواه الامام أحمد مطولا فقال: حدثنا شريح، حدثنا هشام، حدثنا حصين بن عبد الرحمن.
قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة قلت: أنا ثم قلت: إني لم أكن في صلاة ولكن لدغت.
قال وكيف فعلت قلت استرقيت.
قال وما حملك على ذلك ؟ قال: قلت: حديث حدثناه الشعبي عن بريدة الاسلمي أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة فقال سعيد - يعني ابن جبير - قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ثم قال: حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: عرضت علي الامم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي معه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فقلت: هذه أمتي فقيل هذا موسى وقومه ولكن انظر إلى الافق فإذا سواد عظيم * ثم قيل انظر إلى هذا الجانب فإذا سواد عظيم فقيل: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل فخاض القوم في ذلك فقالوا: من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ؟ فقال بعضهم لعلهم الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال بعضهم لعلهم الذين ولدوا في الاسلام ولم يشركوا بالله شيئا قط وذكروا أشياء فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما هذا الذي كنتم تخوضون فيه ؟ " فأخبروه بمقالتهم فقال: " هم الذين لا يكنوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون " فقام عكاشة بن محيصن الاسدي فقال: أنا منهم يا رسول الله ؟ قال: " أنت منهم " * ثم قام آخر فقال: أنا منهم يا رسول الله ؟ فقال: " سبقك بها عكاشة " (2).
وهذا الحديث له طرق كثيرة جدا وهو في الصحاح والحسان وغيرها وسنوردها إن شاء الله تعالى في باب صفة الجنة عند ذكر أحوال القيامة وأهوالها.
وقد ذكر الله تعالى موسى عليه السلام في القرآن كثيرا، وأثنى عليه، وأورد قصته في كتابه
__________
(1) قال السيوطي في شرح سنن النسائي 1 / 221: المراد خمس عددا باعتبار الفعل وخمسون اعتداد باعتبار الثواب.
(2) مسند الامام أحمد ج 1 / 271 - 401 - 403 - 420 - 454، 2 / 302 - 351 - 456، 4 / 436.
[ * ]

(1/366)

العزيز مرارا وكررها كثيرا، مطولة ومبسوطة ومختصرة، وأثنى عليه بليغا.
وكثيرا ما يقرنه الله ويذكره ويذكر كتابه مع محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه كما قال في سورة البقرة (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) [ البقرة: 101 ] وقال تعالى (آلم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والانجيل من قبل هدى للناس وانزل الفرقان أن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام) [ آل عمران: 1 - 4 ] وقال تعالى في سورة الانعام (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباءكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون.
وهذا كتاب انزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالاخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون) [ الانعام: 91 - 92 ] فأثنى تعالى على التوراة، ثم مدح القرآن العظيم مدحا عظيما وقال تعالى في آخرها (ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شي وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون.
وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون) [ الانعام: 154 ] وقال تعالى في سورة المائدة (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) [ المائدة: 44 ] إلى أن قال: (وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون.
وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه
الآية) [ المائدة: 47 - 48 ] فجعل القرآن حاكما على سائر الكتب غيره وجعله مصدقا لها ومبينا ما وقع فيها من التحريف والتبديل فإن أهل الكتاب استحفظوا على ما بأيديهم من الكتب، فلم يقدروا على حفظها، ولا على ضبطها، وصونها، فلهذا دخلها ما دخلها من تغييرهم وتبديلهم لسوء فهو مهم وقصورهم في علومهم وردائة قصودهم، وخيانتهم لمعبودهم، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة ولهذا يوجد في كتبهم من الخطأ البين على الله وعلى رسوله ما لا يحد ولا يوصف وما لا يوجد مثله ولا يعرف.
وقال تعالى في سورة الانبياء (ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكرى للمتقين.
الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون.
وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون) [ الانبياء: 48 - 50 ] وقال الله تعالى في سورة القصص.
(فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون.
قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين) [ القصص: 48 - 49 ] فأثنى الله على الكتابين وعلى الرسولين عليهما السلام.
وقالت الجن

(1/367)

لقومهم إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى.
وقال ورقة بن نوفل لما قص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى من أول الوحي وتلا عليه (اقرأ باسم ربك الذي خلق.
خلق الانسان من علق.
اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم.
علم الانسان ما لم يعلم) [ العلق: 1 - 5 ] قال سبوح سبوح هذا الناموس الذي انزل على موسى بن عمران، وبالجملة فشريعة موسى عليه السلام كانت عظيمة وأمته كانت أمة كثيرة ووجد فيها أنبياء، وعلماء، وعباد، وزهاد، وألباء، وملوك، وأمراء، وسادات، وكبراء.
لكنهم كانوا فبادوا، وتبدلوا، كما بدلت شريعتهم ومسخوا قردة وخنازير، ثم نسخت بعد كل حساب ملتهم، وجرت عليهم خطوب، وأمور يطول ذكرها، ولكن سنورد ما فيه مقنع لمن أراد أن يبلغه خبرها إن شاء الله * وبه الثقة وعليه التكلان.
[ ذكر حجه ] (1) عليه السلام إلى البيت العتيق [ وصفته ] (1)
قال الامام أحمد: حدثنا هشام (2)، حدثنا داود بن أبي هند، عن أبي العالية، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي الازرق فقال: أي واد هذا ؟ ".
قالوا وادي الازرق.
قال: " كأني أنظر إلى موسى وهو هابط من الثنية وله جؤار إلى الله عزوجل بالتلبية " حتى أتى على ثنية هرشاء.
فقال: " أي ثنية هذه ؟ " قالوا هذه ثنية هرشاء.
قال: " كأني أنظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء عليه جبة من صوف خطام ناقته خلبة " (3).
قال هشيم يعني ليفا وهو يلبي.
أخرجه مسلم من حديث داود بن أبي هند به.
وروى الطبراني عن ابن عباس مرفوعا إن موسى حج على ثور أحمر وهذا غريب جدا.
وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن ابن عون، عن مجاهد قال كنا عند ابن عباس فذكروا الدجال فقال إنه مكتوب بين عينيه (ك ف ر) قال ما يقولون قال يقولون مكتوب بين عينيه (ك ف ر) فقال ابن عباس لم أسمعه قال ذلك ولكن.
قال: أما ابراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى: فرجل آدم جعد الشعر على جمل أحمر مخطوم بخلبة كأني أنظر إليه وقد انحدر من الوادي يلبي " (4) قال هشيم الخلبة الليف * ثم رواه الامام أحمد: عن أسود، عن إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال
__________
(1) سقطت من النسخ المطبوعة.
وفي نسخة: حجته بدل حجة.
(2) أخرجه أحمد في مسنده ج 1 / 215 - 216 وفيه: عن هشيم وقد ورد صحيحا في نهاية الحديث، وأخرجه مسلم في صحيحه (1) كتاب الايمان 74 / 268 وابن ماجة في سننه 25 / 4 / 2891.
(3) في الحديث: - وادي الازرق: خلف أمج إلى مكة بميل.
وقد يجمع فيقال الازارق معجم ما استعجم 1 / 146.
- جؤار: قال ابن الاثير في النهاية: الجؤار رفع الصوت والاستغاثة.
- ثنية هرشاء: جبل على طريق الشام والمدينة قريب من الجحفة.
- خطام: حبل يجعل على خطم البعير، ويقاد به.
(4) أخرجه أحمد في مسنده ج 1 / 215 - 216 والبخاري في صحيحه 60 / 8 / 3355 فتح الباري.
[ * ]

(1/368)

رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عيسى بن مريم وموسى بن إبراهيم، فأما عيسى: فأبيض جعد عريض الصدر.
وأما موسى فآدم جسيم ".
قالوا فإبراهيم ؟ قال: " أنظروا إلى صاحبكم " (1).
وقال الامام أحمد حدثنا يونس، حدثنا شيبان، قال: حدث قتادة عن أبي العالية، حدثنا ابن عم نبيكم ابن عباس قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلا طوالا جعدا كأنه من رجال شنؤة، ورأيت عيسى بن مريم مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس " (1) وأخرجاه من حديث قتادة به.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، قال الزهري وأخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حين أسري به لقيت موسى فنعته.
فقال رجل: قال: حسبته - قال: مضطرب رجل الرأس، كأنه من رجال شنؤة، [ قال ]: ولقيت عيسى.
فنعته رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس يعني حماما قال ورأيت إبراهيم وأنا أشبه [ ولده ] به الحديث (3) وقد تقدم غالب هذه الاحاديث في ترجمة الخليل.
ذكر وفاته عليه السلام قال البخاري في صحيحه: " وفاة موسى عليه السلام ": حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن إبن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فلما جاءه صكه (4) فرجع إلى ربه عزوجل.
فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت قال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال: أي رب ثم ماذا ؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن.
قال: فسأل الله عزوجل أن يدنيه من الارض المقدسة رمية بحجر.
قال أبو هريرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فلو كنت ثم لاريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الاحمر " (5) قال: (6) وأنبأنا معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
وقد روى مسلم الطريق الاول من حديث عبد الرزاق به ورواه الامام أحمد من حديث
__________
(1) أحمد المصدر السابق وأخرجه البخاري في 60 / 48 / 3438.
(2) أخرجه مسلم في 1 / كتاب الايمان 74 باب الاسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم ح 267 ص 1 / 151 والبخاري في أحاديث
الانبياء، ومسلم في كتاب الايمان ح 272 كلاهما من حديث شعبة عن قتادة مختصرا.
وأخرجاه عن أبي هريرة بنحوه.
وأخرجه الترمذي في أول تفسير سورة الاسراء عن محمود بن غيلان.
(3) تقدم تخريجه - راجع الحاشية رقم 6 القسم الاخير منها.
(4) صكه: لطمه.
(5) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المناقب (60) 31 باب / 3407 فتح الباري.
وأخرجه مسلم في صحيحه في 43 كتاب الفضائل 42 / 157 والنسائي في سننه 21 / 120، وأخرجه الامام أحمد في مسنده 2 / 269 - 315 - 351 - 522.
(6) قال: أي البخاري.
[ * ]

(1/369)

حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة مرفوعا وسيأتي.
وقال الامام أحمد: حدثنا الحسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس - يعني سليم بن جبير - عن أبي هريرة، قال الامام أحمد: لم يرفعه.
قال جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام فقال: أجب ربك فلطم موسى عين ملك الموت.
ففقأها.
فرجع الملك إلى الله فقال إنك بعثتني إلى عبد لك لا يريد الموت.
قال: وقد فقأ عيني قال: فرد الله عينه، وقال: ارجع إلى عبدي فقل له الحياة تريد فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بها سنة.
قال: ثم مه ؟ قال: ثم الموت قال: فالآن يا رب من قريب ".
تفرد به أحمد وهو موقوف بهذا اللفظ.
وقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق معمر عن ابن طاووس عن أبيه، عن أبي هريرة، قال معمر: وأخبرني من سمع الحسن عن رسول الله فذكره.
ثم استشكله ابن حبان وأجاب عنه بما حاصله: أن ملك الموت لما قال له هذا لم يعرفه لمجيئه له على غير صورة يعرفها موسى عليه السلام، كما جاء جبريل في صورة أعرابي وكما وردت الملائكة على إبراهيم ولوط في صورة شباب فلم يعرفهم ابراهيم ولا لوط أولا، وكذلك موسى لعله لم يعرفه، لذلك ولطمه ففقأ عينه لانه دخل داره بغير أذنه، وهذا موافق لشريعتنا في جواز فق ء عين من نظر إليك في دارك بغير إذن * ثم أورد الحديث من طريق
عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " جاء ملك الموت إلى موسى ليقبض روحه، قال له: أجب ربك، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأ عينه وذكر تمام الحديث.
كما أشار إليه البخاري ثم تأوله على أنه لما رفع يده ليلطمه، قال له أجب ربك، وهذا التأويل لا يتمشى على ما ورد به اللفظ من تعقيب قوله أجب ربك بلطمه ولو أستمر على الجواب الاول لتمشى له، وكأنه لم يعرفه في تلك الصورة، ولم يحمل قوله هذا على أنه مطابق، إذ لم يتحقق في الساعة الراهنة أنه ملك كريم، لانه كان يرجو أمورا كثيرة، كان يحب وقوعها في حياته من خروجه من التيه، ودخولهم الارض المقدسة، وكان قد سبق في قدرة الله أنه عليه السلام يموت في التيه بعد هرون أخيه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
وقد زعم بعضهم أن موسى عليه السلام هو الذي خرج بهم من التيه ودخل بهم الارض المقدسة.
وهذا خلاف ما عليه أهل الكتاب وجمهور المسلمين.
ومما يدل على ذلك قوله لما اختار الموت: رب أدنني إلى الارض المقدسة رمية حجر.
ولو كان قد دخلها لم يسأل ذلك، ولكن لما كان مع قومه بالتيه، وحانت وفاته عليه السلام أحب أن يتقرب إلى الارض التي هاجر إليها، وحث قومه عليها، ولكن حال بينهم وبينها القدر رمية بحجر.
ولهذا قال سيد البشر، ورسول الله إلى أهل الوبر والمدر: " فلو كنت ثم لاريتكم قبره عند الكثيب الاحمر ".
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، وسليمان التيمي، عن أنس بن مالك، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لما أسري بي مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الاحمر " (1) ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به وقال السدي، عن
__________
(1) مسند أحمد ج 3 / 148 - 248 وأخرجه مسلم في 43 كتاب الفضائل حديث / 164، والنسائي في قيام الليل.
[ * ]

(1/370)

أبي مالك، وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة قالوا: ثم إن الله تعالى أوحى إلى موسى إني متوف هرون فائت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهرون نحو ذلك الجبل فإذا هم بشجرة.
لم تر شجرة مثلها، وإذا هم ببيت مبنى وإذا هم بسرير عليه فرش، وإذا فيه ريح طيبة، فلما نظر هرون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه، قال: يا موسى
إني أحب أن أنام على هذا السرير قال له موسى: فنم عليه قال: إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب علي قال: له: لا ترهب أنا أكفيك رب هذا البيت فنم.
قال: يا موسى نم معي، فإن جاء رب هذا البيت غضب علي وعليك جميعا.
فلما ناما أخذ هرون الموت فلما وجد حسه قال: يا موسى خدعتني فلما قبض رفع ذلك البيت، وذهبت تلك الشجرة، ورفع السرير به إلى السماء، فلما رجع موسى إلى قومه وليس معه هرون قالوا: فإن موسى قتل هرون وحسده حب بني إسرائيل له، وكان هرون أكف عنهم وألين لهم من موسى، وكان في موسى بعض الغلظة عليهم، فلما بلغه ذلك قال لهم: ويحكم كان أخي أفتروني أقتله.
فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله فنزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والارض.
ثم إن موسى عليه السلام بينما هو يمشي ويوشع فتاه إذ أقبلت ريح سوداء، فلما نظر إليها يوشع ظن أنها الساعة فالتزم موسى وقال: تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبي الله فاستل موسى عليه السلام من تحت القميص وترك القميص في يدي يوشع.
فلما جاء يوشع بالقميص آخذته بنو إسرائيل وقالوا: قتلت نبي الله.
فقال: لا والله ما قتلته ولكنه أستل مني فلم يصدقوه وأرادوا قتله.
قال: فإذا لم تصدقوني فأخروني ثلاثة أيام، فدعا الله فأتى كل رجل ممن كان يحرسه في المنام فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى وإنا قد رفعناه إلينا فتركوه، ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى إلا مات، ولم يشهد الفتح وفي بعض هذا السياق نكارة وغرابة والله أعلم.
وقد قدمنا أنه لم يخرج أحد من التيه ممن كان مع موسى سوى يوشع بن نون وكالب بن يوقنا وهو زوج مريم أخت موسى وهرون وهما الرجلان المذكوران فيما تقدم، اللذان أشارا على ملا بني إسرائيل بالدخول عليهم وذكر وهب بن منبه أن موسى عليه السلام مر بملا من الملائكة يحفرون قبرا فلم ير أحسن منه، ولا أنضر، ولا أبهج، فقال: يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر، فقالوا لعبد من عباد الله كريم، فإن كنت تحب أن تكون هذا العبد فادخل هذا القبر، وتمدد فيه وتوجه إلى ربك، وتنفس أسهل تنفس ففعل ذلك فمات صلوات الله وسلامه عليه فصلت عليه الملائكة ودفنوه * وذكر أهل الكتاب وغيرهم أنه مات وعمره مائة وعشرون سنة.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا أمية بن خالد ويونس قالا: حدثنا حماد بن
سلمة، عن عمار بن أبي عمار (1) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم - قال يونس رفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم - قال: كان ملك الموت يأتي الناس عيانا قال فأتى موسى عليه السلام فلطمه ففقأ عينه
__________
= وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة ج 2 / 387.
(1) عمار هذا مولى بني هاشم.
[ * ]

(1/371)

فأتى ربه فقال يا رب عبدك موسى فقأ عيني ولولا كرامته عليك لعتبت عليه.
وقال يونس لشققت عليه.
قال له: اذهب إلى عبدي.
فقل له: فليضع يده على جلد (أو) مسك ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة، فأتاه فقال له فقال ما بعد هذا قال الموت قال فالان قال فشمه شمة فقبض روحه.
قال يونس فرد الله عليه عينه وكان يأتي الناس خفية * وكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن مصعب بن المقدام عن حماد بن سلمة به فرفعه أيضا (1).
[ ذكر ] (2) نبوة يوشع وقيامه باعباء بني اسرائيل بعد موسى وهرون [ عليهما السلام ] (2) هو يوشع بن نون بن أفرائيم يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبرهيم الخليل عليهم السلام وأهل الكتاب يقولون يوشع ابن عم هود.
وقد ذكره الله تعالى في القرآن غير مصرح باسمه في قصة الخضر كما تقدم من قوله (وإذ قال موسى لفتاه) [ الكهف: 60 ] * فلما جاوزا قال لفتاه) [ الكهف: 62 ] وقدمنا ما ثبت في الصحيح من رواية أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه يوشع بن نون وهو متفق على نبوته عند أهل الكتاب فان طائفة منهم وهم السامرة لا يقرون بنبوة أحد بعد موسى إلا يوشع بن نون لانه مصرح به في التوراة ويكفرون بما وراءه وهو الحق [ مصدقا لما معهم ] (4) من ربهم فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
وأما ما حكاه ابن جرير وغيره من المفسرين عن محمد بن اسحق من أن النبوة حولت (3) من موسى إلى يوشع في آخر عمر موسى فكان موسى يلقى يوشع فيسأله ما أحدث الله [ إليه ] (4) من الاوامر والنواهي حتى قال له يا كليم الله إني كنت لا أسألك عما يوحي الله اليك حتى تخبرني أنت
ابتداء من تلقاء نفسك فعند ذلك كره موسى الحياة وأحب الموت، ففي هذا نظر لان موسى عليه السلام لم يزل الامر والوحي والتشريع والكلام من الله إليه من جميع أحواله حتى توفاه الله عزوجل ولم يزل معززا مكرما مدللا وجيها عند الله كما قدمنا في الصحيح من قصة فقئه عين ملك الموت، ثم بعثه الله إليه ان كان يريد الحياة فليضع يده على جلد ثور، فله بكل شعرة وارت يده سنة يعيشها، قال: ثم ماذا ؟ قال: الموت.
قال: فالآن يا رب وسأل الله أن يدنيه إلى بيت المقدس رمية بحجر.
وقد أجيب إلى ذلك صلوات الله وسلامه عليه فهذا الذي ذكره محمد بن اسحق إن كان إنما يقوله من كتب أهل الكتاب ففي كتابهم الذي يسمونه التوراة: أن الوحي لم يزل ينزل على
__________
(1) تاريخ الطبري ج 1 / 224.
(2) ما بين معكوفين سقط من النسخ المطبوعة.
(3) في نسخة: تحولت، وفي الطبري: فحولت.
(4) ما بين معكوفين سقط من نسخ البداية والنهاية المطبوعة ; واستدرك من نسخة قصص الانبياء لابن كثير المطبوعة.
[ * ]

(1/372)

موسى في كل حين يحتاجون إليه إلى آخر مدة موسى كما هو المعلوم من سياق كتابهم عند تابوت الشهادة في قبة الزمان.
وقد ذكروا في السفر الثالث أن الله أمر موسى وهارون أن يعدا بني اسرائيل على أسباطهم، وأن يجعلا على كل سبط من الاثني عشر أميرا، وهو النقيب وما ذاك إلا ليتأهبوا للقتال قتال الجبارين عند الخروج من التيه وكان هذا عند اقتراب انقضاء الاربعين سنة.
ولهذا قال بعضهم إنما فقأ موسى عليه السلام عين ملك الموت لانه لم يعرفه في صورته تلك، ولانه كان قد أمر بأمر كان يرتجي وقوعه في زمانه، ولم يكن في قدر الله أن يقع ذلك في زمانه، بل في زمان فتاه يوشع بن نون عليه السلام: كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد أراد غزو الروم بالشام فوصل إلى تبوك، ثم رجع عامه ذلك في سنة تسع.
ثم حج في سنة عشر، ثم رجع فجهز جيش أسامة إلى الشام، طليعة بين يديه، ثم كان على عزم الخروج إليهم امتثالا لقوله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا
الكتاب حتى يعطو الجزية عن يد وهم صاغرون) [ التوبة: 29 ] ولما جهز رسول الله جيش أسامة توفي عليه الصلاة والسلام، وأسامة مخيم بالجرف (1)، فنفذه صديقه وخليفته أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، ثما لما لم شعث جزيرة العرب وما كان دهى من أمر أهلها، وعاد الحق إلى نصابه، جهز الجيوش يمنة ويسرة إلى العراق أصحاب كسرى ملك الفرس، وإلى الشام أصحاب قيصر ملك الروم، ففتح الله لهم ومكن لهم وبهم، وملكهم نواصي اعدائهم كما سنورده عليك في موضعه.
إذا انتهينا إليه مفصلا إن شاء الله بعونه وتوفيقه وحسن ارشاده * وهكذا موسى عليه السلام كان الله قد أمره أن يجند بني إسرائيل وأن يجعل عليهم نقباء كما قال تعالى (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم أثني عشر نقيبا، وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعززتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لاكفرن عنكم سيأتكم ولادخلنكم جنات تجري من تحتها الانهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل) [ المائدة: 12 ] يقول لهم: لئن قمتم بما أوجبت عليكم، ولم تنكلوا عن القتال كما نكلتم أول مرة، لاجعلن ثواب هذه مكفرا لما وقع عليكم من عقاب تلك، كما قال تعالى لمن تخلف من الاعراب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية (قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فان تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما) [ الفتح: 16 ].
وهكذا قال تعالى لبني إسرائيل - فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل) ثم ذمهم تعالى على سوء صنيعهم ونقضهم مواثيقهم كما ذم من بعدهم من النصارى على اختلافهم في دينهم وأديانهم.
وقد ذكرنا ذلك في التفسير مستقصى ولله الحمد.
والمقصود أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يكتب أسماء المقاتلة من بني إسرائيل ممن
__________
(1) الجرف: موضع عن ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام، وبه كانت أموال لعمر بن الخطاب ولاهل المدينة وفيه بئر جشم وبئر جمل ياقوت 2 / 128.
[ * ]

(1/373)

يحمل السلاح ويقاتل ممن بلغ عشرين سنة فصاعدا وأن يجعل على كل سبط نقيبا منهم.
السبط
الاول سبط روبيل لانه بكر يعقوب كان عدة المقاتلة منهم ستة وأربعين ألفا وخمسمائة.
ونقيبهم منهم وهو اليصور بن شديئورا.
السبط الثاني سبط شمعون وكانوا تسعة وخمسين ألفا وثلاثمائة.
ونقيبهم شلوميئيل بن هوريشداي.
السبط الثالث سبط يهوذا وكانوا أربعة وسبعين ألفا وستمائة.
ونقيبهم نحشون بن عميناداب.
السبط الرابع سبط ايساخر وكانوا أربعة وخمسين ألفا وأربعمائة ونقيبهم نشائيل بن صوغر.
السبط الخامس سبط يوسف عليه السلام وكانوا أربعين ألفا وخمسمائة ونقيبهم يوشع بن نون.
السبط السادس سبط ميشا وكانوا أحدا وثلاثين ألفا ومائتين (1) ونقيبهم جمليئيل بن فدهصور.
السبط السابع سبط بنيامين وكانوا خمسة وثلاثين ألفا وأربعمائة ونقيبهم أبيدن بن جد عون.
السبط الثامن سبط حاد وكانوا خمسة وأربعة ألفا وستمائة وخمسين رجلا ونقيبهم الياساف بن رعوئيل.
السبط التاسع سبط أشير وكانوا أحدا وأربعين ألفا وخمسمائة ونقيبهم فجعيئيل بن عكرن.
السبط العاشر سبط دان وكانوا إثنين وستين ألفا وسبعمائة ونقيبهم أخيعزر بن عمشداي.
السبط الحادي عشر سبط نفتالي وكانوا ثلاثة وخمسين الفا وأربعمائة.
ونقيبهم أخيرع بن عين السبط الثاني عشر سبط زبولون وكانوا سبعة وخمسين ألفا وأربعمائة ونقيبهم الباب بن حيلون.
هذا نص كتابهم الذي بأيديهم والله أعلم.
وليس منهم بنو لاوي فأمر الله موسى أن لا يعدهم معهم، لانهم موكلون بحمل قبة الشهادة وضربها [ وخزنها ] (2) ونصبها وحملها إذا ارتحلوا وهم سبط موسى وهرون عليهما السلام وكانوا اثنين وعشرين ألفا من ابن شهر فما فوق ذلك * وهم في أنفسهم قبائل من كل قبيلة طائفة من قبة الزمان يحرسونها ويحفظونها ويقومون بمصالحها ونصبها وحملها، وهم كلهم حولها، ينزلون ويرتحلون أمامها ويمنتها وشمالها ووراءها.
وجملة ما ذكر من المقاتلة غير بني لاوي خمسمائة ألف وأحد وسبعون ألفا وستمائة وستة وخمسون.
لكن قالوا: فكان عدد بني إسرائيل ممن عمره عشرون سنة فما فوق ذلك، ممن حمل السلاح ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسة وخمسين رجلا سوى بني لاوي وفي هذا نظر.
فإن جميع الجمل المتقدمة إن كانت كما وجدنا في كتابهم لا تطابق الجملة التي ذكروها والله أعلم.
فكان بنو لاوي الموكلون بحفظ قبة الزمان يسيرون في وسط بني إسرائيل، وهم
القلب، ورأس الميمنة بنو روبيل، ورأس الميسرة بنودان (3) وبنو نفتالي يكونون ساقة * وقرر موسى عليه السلام - بأمر الله تعالى له - الكهانة في بني هرون كما كانت لابيهم من قبلهم، وهم ناداب وهو بكره، وأبيهو، والعازر، ويثمر.
والمقصود أن بني إسرائيل لم يبق منهم أحد ممن كان نكل
__________
(1) في نسخة: ومائة، وفي نسخة وأربعمائة.
(2) سقطت من النسخ المطبوعة.
(3) في نسخة ران.
[ * ]

(1/374)

عن دخول مدينة الجبارين الذين قالوا (فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) [ المائدة: 24 ] قاله الثوري عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وقال قتادة وعكرمة.
ورواه السدي، عن ابن عباس.
وابن مسعود وناس من الصحابة، حتى قال ابن عباس وغيره من علماء السلف والخلف ومات موسى وهرون قبله كلاهما في التيه جميعا (1).
وقد زعم ابن اسحق أن الذي فتح بيت المقدس هو موسى وإنما كان يوشع على مقدمته وذكر في مروره (2) إليها قصة بلعام بن باعور الذي قال تعالى فيه (وأتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب أن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث.
ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون.
ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون) [ الاعراف: 175 - 177 ] وقد ذكرنا قصته في التفسير وأنه كان فيما قاله ابن عباس وغيره يعلم الاسم الاعظم، وأن قومه سألوه أن يدعو على موسى وقومه، فامتنع عليهم ولما ألحوا عليه ركب حمارة له ; ثم سار نحو معسكر بني إسرائيل فلما أشرف عليهم ربضت به حمارته فضربها حتى قامت، فسارت غير بعيد وربضت، فضربها ضربا أشد من الاول، فقامت ثم ربضت، فضربها فقالت له يا بلعام أين تذهب، أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم، فلم ينزع عنها فضربها حتى سارت به، حتى أشرف عليهم من رأس جبل
حسبان.
ونظر إلى معسكر موسى وبني إسرائيل فأخذ يدعو علبهم فجعل لسانه لا يطيعه إلا أن يدعو لموسى وقومه، ويدعو على قوم نفسه فلاموه على ذلك، فاعتذر إليهم بأنه لا يجري على لسانه إلا هذا، واندلع لسانه حتى وقع على صدره، وقال لقومه: ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة ولم يبق إلا المكر والحيلة.
ثم أمر قومه أن يزينوا النساء ويبعثوهن بالامتعة يبعن عليهم ويتعرضن لهم حتى لعلهم يقعون في الزنا، فإنه متى زنى رجل منهم كفيتموهم، ففعلوا وزينوا نساءهم، وبعثوهن إلى المعسكر فمرت إمرأة منهم (3) اسمها كستى برجل من عظماء بني إسرائيل وهو زمري بن شلوم.
يقال إنه كان رأس سبط بني شمعون بن يعقوب فدخل بها قبته، فلما خلا بها أرسل الله الطاعون على بني إسرائيل، فجعل يحوس فيهم، فلما بلغ الخبر إلى فنحاص بن العزار بن هرون (4) أخذ حربته، وكانت من حديد، فدخل عليها القبة فانتظمهما جميعا فيها، ثم خرج بهما على الناس والحربة في يده، وقد اعتمد على خاصرته وأسندها إلى لحيته ورفعهما نحو السماء وجعل يقول: اللهم هكذا
__________
(1) انظر الطبري ج 1 / 225.
(2) نقل الخبر الطبري ج 1 / 322 وفيه: ان موسى نزل أرض بني كنعان من أرض الشام وكان بلعم ببالعة قرية من قرى البلقاء.
(3) في الطبري: من الكنعانيين واسمها: كسبى ابنة صور.
(4) في الطبري: فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى.
[ * ]

(1/375)

تفعل بمن يعصيك، ورفع الطاعون فكان جملة من مات في تلك الساعة سبعين ألفا والمقلل يقول عشرين ألفا وكان فنحاص بكر أبيه العزار بن هرون فلهذا يجعل بنو اسرائيل لولد فنحاص من الذبيحة اللية (1) والذراع واللحى ولهم البكر من كل أموالهم وأنفسهم.
وهذا الذي ذكره ابن اسحق من قصة بلعام صحيح قد ذكره غير واحد من علماء السلف لكن لعله لما أراد موسى دخول بيت المقدس أول مقدمه من الديار المصرية ولعله مراد بن اسحاق، ولكنه ما فهمه بعض الناقلين عنه وقد قدمنا عن نص التوراة ما يشهد لبعض هذا والله أعلم.
ولعل هذه قصة أخرى
كانت في خلال سيرهم في التيه فإن في هذا السياق ذكر حسبان وهي بعيدة عن أرض بيت المقدس أو لعله كان هذا لجيش موسى الذين عليهم يوشع بن نون حين خرج بهم من التيه قاصدا بيت المقدس كما صرح به السدي.
والله أعلم.
وعلى كل تقدير فالذي عليه الجمهور أن هرون توفي بالتيه قبل موسى أخيه بنحو من سنتين.
وبعده موسى في التيه أيضا كما قدمنا وأنه سأل ربه أن يقرب إلى بيت المقدس فأجيب إلى ذلك فكان الذي خرج بهم من التيه وقصد بهم بيت المقدس هو يوشع بن نون عليه السلام فذكر أهل الكتاب وغيرهم من أهل التاريخ أنه قطع بني اسرائيل نهر الاردن وانتهى إلى أريحا وكانت من أحصن المدائن سورا وأعلاها قصورا وأكثرها أهلا فحاصرها ستة أشهر.
ثم إنهم أحاطوا بها يوما وضربوا بالقرون يعني الابواق وكبروا تكبيرة رجل واحد فتفسخ سورها وسقط وجبة واحدة فدخلوها وأخذوا ما وجدوا فيها من الغنائم، وقتلوا إثني عشر ألفا من الرجال والنساء، وحاربوا ملوكا كثيرة.
ويقال إن يوشع ظهر على أحد وثلاثين ملكا من ملوك الشام.
وذكروا أنه انتهى محاصرته لها إلى يوم جمعة بعد العصر.
فلما غربت الشمس أو كادت تغرب ويدخل عليهم السبت الذي جعل عليهم وشرع لهم ذلك الزمان قال لها إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علي فحبسها الله عليه حتى تمكن من فتح البلد، وأمر القمر فوقف عند الطلوع، وهذا يقتضي أن هذه الليلة كانت الليلة الرابعة عشرة من الشهر الاول، وهو قصة الشمس المذكورة في الحديث الذي سأذكره.
وأما قصة القمر فمن عند أهل الكتاب ولا ينافي الحديث بل فيه زيادة تستفاد فلا تصدق ولا تكذب ولكن ذكرهم أن هذا في فتح اريحا فيه نظر، والاشبه والله أعلم أن هذا كان في فتح بيت المقدس الذي هو المقصود الاعظم وفتح اريحا كان وسيلة إليه والله أعلم.
قال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس " (2).
انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط البخاري.
وفيه دلالة على أن الذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون عليه السلام لا موسى، وأن حبس الشمس كان في فتح بيت
__________
(1) في الطبري: القبة.
(2) مسند أحمد ج 2 / 325.
[ * ]

(1/376)

المقدس لا أريحا (1) كما قلنا.
وفيه أن هذا كان من خصائص يوشع عليه السلام، فيدل على ضعف الحديث الذي رويناه أن الشمس رجعت حتى صلى علي بن أبي طالب صلاة العصر بعد ما فاتته بسبب نوم النبي صلى الله عليه وسلم على ركبته فسأل رسول الله أن يردها عليه حتى يصلي العصر فرجعت.
وقد صححه علي بن صالح المصري ولكنه منكر ليس في شئ من الصحاح ولا الحسان وهو مما تتوفر الدواعي على نقله وتفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها والله أعلم.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " غزا نبي من الانبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها ولما يبن.
ولا آخر قد بنى بنيانا، ولم يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات (2) وهو ينتظر أولادها، فغزا فدنا من القرية حين صلى العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علي شيئا (3)، فحبست عليه حتى فتح الله عليه، فجمعوا ما غنموا، فأتت النار لتأكله فأبت أن تطعمه، فقال فيكم غلول، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فبايعوه فلصقت يد رجل بيده، فقال فيكم الغلول ولتبايعني قبيلتك، فبايعته قبيلته، فلصق بيد رجلين أو ثلاثة فقال فيكم الغلول أنتم غللتم.
فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب، قال فوضعوه بالمال وهو بالصعيد، فأقبلت النار فأكلته، فلم تحل الغنائم لاحد من قبلنا ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا " (4).
انفرد به مسلم من هذا الوجه.
وقد روى البزار من طريق مبارك بن فضالة، عن عبيدالله عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
قال ورواه محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، قال ورواه قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والمقصود أنه لما دخل بهم باب المدينة أمروا أن يدخلوها سجدا أي ركعا متواضعين شاكرين لله عزوجل على ما من به عليهم من الفتح العظيم الذي كان الله وعدهم
إياه وأن يقولوا حال دخولهم " حطة أي حط عنا خطيانا التي سلفت من نكولنا الذي تقدم منا.
ولهذا لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم فتحها دخلها وهو راكب ناقته، وهو متواضع حامد شاكر، حتى أن عثنونه - وهو طرف لحيته - ليمس مورك رحله، مما يطأطئ رأسه خضعانا لله عزوجل ومعه الجنود والجيوش ممن لا يرى منه إلا الحدق، ولا سيما الكتيبة الخضراء التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) روى الطبري الخبر وفيه أن يوشع مات [ وهو يقاتل سائر ملوك الشام ] ودفن في جبل افراييم وقام بعده سبط يهوذا وسبط شمعون بحرب الكنعانيين ودخلوا أورشليم وحارب بنو يهوذا سائر الكنعانيين واستولوا على أرضهم ج 1 / 229.
(2) خلفات: جمع خلفة ; وهي الحامل من الابل.
(3) قال القاضي: اختلف في حبس الشمس المذكور هنا.
فقيل ردت على أدراجها.
وقيل وقفت ولم ترد.
وقيل أبطئ بحركتها.
(4) أخرجه الامام أحمد في مسنده 2 / 318 وأخرجه مسلم في صحيحه في 32 كتاب الجهاد (11) باب تحليل الغنائم لهذه الامة 32 / 1747 وأخرجه البخاري في صحيحه 67 / 58 / 5157 فتح الباري - مختصرا.
[ * ]

(1/377)

ثم لما دخلها اغتسل وصلى ثماني ركعات، وهي صلاة الشكر على النصر، على المشهور من قولي العلماء.
وقيل إنها صلاة الضحى، وما حمل هذا القائل على قوله هذا إلا لانها وقعت وقت الضحى.
وأما بنو اسرائيل فإنهم خالفوا ما أمروا به قولا وفعلا دخلوا الباب يزحفون على أستاههم يقولون: حبة في شعرة، وفي رواية: حنطة في شعرة.
وحاصله أنهم بدلوا ما أمروا به، واستهزؤا به، كما قال تعالى حاكيا عنهم في سورة الاعراف وهي مكية (وإذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فارسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون) [ الاعراف: 161 - 162 ] وقال في سورة البقرة وهي مدينة مخاطبا لهم (وإذ
قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين.
فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون) [ البقرة: 58 - 59 ].
وقال الثوري عن الاعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (وادخلوا الباب سجدا) قال: ركعا من باب صغير.
رواه الحاكم وابن جرير وابن أبي حاتم.
وكذا روى العوفي عن ابن عباس، وكذا روى الثوري عن ابن اسحاق، عن البراء.
قال مجاهد والسدي والضحاك والباب هو باب حطة من بيت إيلياء ببيت المقدس.
قال ابن مسعود فدخلوا مقنعي رؤوسهم ضد ما أمروا به وهذا لا ينافي قول ابن عباس: أنهم دخلوا يزحفون على أستاههم.
وهكذا في الحديث الذي سنورده بعد فإنهم دخلوا يزحفون وهم مقنعوا رؤوسهم.
وقوله: وقولوا: " حطة " الواو هنا حالية لا عاطفة أي ادخلوا سجدا في حال قولكم حطة.
قال ابن عباس وعطاء والحسن وقتادة والربيع أمروا أن يستغفروا * قال البخاري: حدثنا محمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قيل لبني اسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فدخلوا يزحفون على استاههم فبدلوا وقالوا حطة حبة في شعرة " (1).
وكذا رواه النسائي من حديث ابن المبارك ببعضه، ورواه عن محمد بن اسماعيل بن إبراهيم، عن ابن مهدي به موقوفا.
وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله لبني اسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم فقالوا: حبة في شعرة " (2).
ورواه البخاري
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه 6 / 2 / 3، 8 / 125 / 228 فتح الباري.
وأخرجه أحمد في مسنده ج 2 / 318.
(2) أخرجه مسلم في 54 كتاب التفسير 1 / 3015 والبخاري حديث رقم 1602.
وأخرجه الترمذي في 48 كتاب تفسير القرآن 3 باب من سورة البقرة حديث 2956 وفيه قال: " دخلوا متزحفين على أوراكهم ".
[ * ]

(1/378)

ومسلم والترمذي من حديث عبد الرزاق وقال الترمذي حسن صحيح.
وقال محمد بن اسحاق: كان تبديلهم كما حدثني صالح بن كيسان، عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة وعمن لا أتهم، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة في شعيرة ".
وقال اسباط عن السدي عن مرة عن ابن مسعود قال في قوله (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) قال قالوا: " هطى سقانا ازمة مزيا " فهي في العربية: " حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعرة سوداء ".
وقد ذكر الله تعالى أنه عاقبهم على هذه المخالفة، بإرسال الرجز الذي أنزله عليهم، وهو الطاعون، كما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن عامر بن سعد، ومن حديث مالك عن محمد بن المنكدر وسالم أبي النضر، عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن هذا الوجع (أو) السقم رجز عذب به بعض الامم قبلكم " (1).
ورى النسائي وابن أبي حاتم وهذا لفظه من حديث الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الطاعون رجز عذاب عذب به من كان قبلكم " وقال الضحاك عن ابن عباس: الرجز العذاب.
وكذا قال مجاهد وأبو مالك والسدي والحسن وقتادة.
وقال أبو العالية ; هو الغضب.
وقال الشعبي: الرجز إما الطاعون وإما البرد.
وقال سعيد بن جبير هو الطاعون.
ولما أستقرت يد بني إسرائيل على بيت المقدس أستمروا فيه، وبين أظهرهم نبي الله يوشع يحكم بينهم بكتاب الله التوراة حتى قبضه الله إليه وهو ابن مائة وسبع وعشرين (2) سنة فكان مدة حياته بعد موسى سبعا وعشرين سنة (3).
[ ذكر قصتي ] (4) الخضر والياس عليهما السلام أما الخضر: فقد تقدم أن موسى عليه السلام رحل إليه في طلب ما عنده من العلم اللدني، وقص الله من خبرهما في كتابه العزيز في سورة الكهف، وذكرنا في تفسير ذلك هنالك، وأوردنا هنا ذكر الحديث المصرح بذكر الخضر عليه السلام وأن الذي رحل إليه هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل عليه السلام الذي أنزلت عليه التوراة.
وقد اختلف في الخضر في اسمه ونسبه ونبوته وحياته، إلى الآن - على أقوال - سأذكرها لك
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده ج 1 / 193 والبخاري في صحيحه 90 / 13 / 6974 فتح الباري.
(2) في الطبري: مائة وست وعشرون سنة، وفيه: انها مات قبل فتح بيت المقدس، مات وهو يقاتل ملوك الشام ; وأما من فتح بيت المقدس.
وذكر المسعودي: كان عمره مائة وعشرون سنة.
(3) ذكر المسعودي 1 / 48: بقي بعد موسى تسعا وعشرين سنة، وأما الطبري فكالاصل.
(4) في النسخ المطبوعة: قصتا.
[ * ]

(1/379)

ههنا إن شاء الله وبحوله وقوته.
قال الحافظ ابن عساكر: يقال إنه الخضر بن آدم عليه السلام لصلبه، ثم روى من طريق الدارقطني: حدثنا محمد بن الفتح القلانسي، حدثنا العباس بن عبد الله الرومي، حدثنا رواد بن الجراح، حدثنا مقاتل بن سليمان، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: الخضر بن آدم لصلبه ونسئ له في أجله حتى يكذب الدجال.
وهذا منقطع وغريب.
وقال أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني: سمعت مشيختنا منهم أبو عبيدة وغيره قالوا: إن أطول بني آدم عمرا الخضر، واسمه خضرون بن قابيل بن آدم.
قال: وذكر ابن إسحق: أن آدم عليه السلام لما حضرته الوفاة أخبر بنيه أن الطوفان سيقع بالناس، وأوصاهم إذا كان ذلك أن يحملوا جسده معهم في السفينة، وأن يدفنوه [ معهم ] (1) في مكان عينه لهم.
فلما كان الطوفان حملوه معهم، فلما هبطوا إلى الارض أمر نوح بنيه أن يذهبوا ببدنه فيدفنوه حيث أوصى.
فقالوا إن الارض ليس بها أنيس وعليها وحشة فحرضهم وحثهم على ذلك.
وقال إن آدم دعا لمن يلي دفنه بطول العمر، فهابوا المسير إلى ذلك الموضع في ذلك الوقت، فلم يزل جسده عندهم حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه، وأنجز الله ما وعده فهو يحيى إلى ما شاء الله له أن يحيي.
وذكر ابن قتيبة في المعارف (2) عن وهب بن منبه أن اسم الخضر " بليا " * ويقال ايليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام.
وقال إسماعيل بن أبي
أويس اسم الخضر فيما بلغنا والله أعلم: المعمر بن مالك بن عبد لله بن نصر بن لازد.
وقال غيره هو خضرون بن عمياييل بن اليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل.
ويقال هو أرميا (3) بن خلقيا فالله أعلم.
وقيل إنه كان ابن فرعون صاحب موسى ملك مصر وهذا غريب جدا.
قال ابن الجوزي رواه محمد بن أيوب، عن ابن لهيعة وهما ضعيفان.
وقيل إنه ابن مالك.
وهو أخو الياس قاله السدي كما سيأتي.
وقيل أنه كان على مقدمة ذي القرنين.
وقيل كان ابن بعض من آمن بإبراهيم الخليل وهاجر معه وقيل كان نبيا في زمن بشتاسب بن لهراسب.
قال ابن جرير والصحيح أنه كان متقدما في زمن أفريدون ابن اثفيان حتى أدركه موسى عليهما السلام.
وروى الحافظ ابن عساكر عن سعيد بن المسيب أنه قال الخضر أمه رومية وأبوه فارسي.
وقد ورد ما يدل على أنه كان من بني إسرائيل في زمان فرعون أيضا.
قال أبو زرعة في
__________
(1) سقطت من نسخ البداية والنهاية المطبوعة.
(2) المعارف ص 19 وزاد وكان أبوه ملكا.
(3) علق الطبري ج 1 / 194 قال: ويدل على خطأ قول من قال انه أو رميا بن خلقيا (قال بنو إسرائيل انه أو رميا - الكامل في التاريخ) لان أو رميا كان في أيام بختنصر وبين عهد موسى وبختنصر من المدة لا يشكل قدرها على أهل العلم ; أكثر من ألف عام كما في الكامل لابن الاثير.
ج 1 / 160 - 163.
[ * ]

(1/380)

" دلائل النبوة ": حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدثنا الوليد، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ليلة أسرى به وجد رائحة طيبة فقال: " يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة ؟ " قال: هذه ريح قبل الماشطة وابنتها وزوجها.
وقال وكان بدء ذلك أن الخضر كان من أشراف بني إسرائيل وكان ممره براهب في صومعته فتطلع عليه الراهب فعلمه الاسلام فلما بلغ الخضر زوجه أبوه امرأة فعلمها الاسلام، وأخذ عليها أن لا تعلم أحدا، وكان لا يقرب النساء، ثم طلقها ثم زوجه أبوه بأخرى فعلمها
الاسلام، وأخذ عليها أن لا تعلم أحدا ثم طلقها، فكتمت إحداهما وأفشت عليه الاخرى، فانطلق هاربا حتى أتى جزيرة في البحر فأقبل رجلان يحتطبان، فرأياه فكتم أحدهما وأفشى عليه الآخر، قال: قد رأيت العزقيل ومن رآه معك قال: فلان، فسئل فكتم، وكان من دينهم أنه من كذب قتل، فقتل وكان قد تزوج الكاتم المرأة الكاتمة، قال: فبينما هي تمشط بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها فقالت نعس فرعون فأخبرت أباها وكان للمرأة ابنان وزوج، فأرسل إليهم فراود المرأة وزوجها أن يرجعا عن دينهما فأبيا فقال: إني قاتلكما، فقالا: احسان منك إلينا إن أنت قتلتنا أن تجعلنا في قبر واحد فجعلهما في قبر واحد، فقال: وما وجدت ريحا أطيب منهما، وقد دخلت الجنة وقد تقدمت قصة مائلة بنت فرعون وهذا المشط في أمر الخضر قد يكون مدرجا من كلام أبي بن كعب أو عبد الله بن عباس والله أعلم.
وقال بعضهم كنيته أبو العباس، والاشبه والله أعلم أن الخضر لقب غلب عليه.
قال البخاري - رحمه الله: حدثنا محمد بن سعيد الاصبهاني، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنما سمي الخضر لانه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه، خضراء " (1) تفرد به البخاري وكذلك رواه عبد الرزاق عن معمر به.
ثم قال عبد الرزاق الفروة: الحشيش الابيض وما أشبهه يعني: الهشيم اليابس، وقال الخطابي وقال أبو عمر الفروة: الارض البيضاء التي لا نبات فيها، وقال غيره هو الهشيم اليابس شبهه بالفروة ومنه قيل فروة الرأس وهي جلدته بما عليها من الشعر كما قال الراعي: ولقد ترى الحبشي حول بيوتنا * جذلا إذا ما نال يوما ما كلا صعلا أصك كأن فروة رأسه * بذرت فأنبت جانباه فلفلا (2) قال الخطابي: إنما سمي الخضر خضرا لحسنه وإشراق وجهه.
قلت: هذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح فإن كان ولا بد من التعليل بأحدهما فما ثبت في الصحيح أولى، وأقوى بل لا يلتفت
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه 60 كتاب المناقب 27 / 3402 فتح الباري، وأحمد في مسنده ج 2 / 312 - 318.
والترمذي في سننه.
(2) في نسخة: جعدا أصك.
والصعل: الصغير الرأس، والاصك: المعوج الركبتين والعقبين.
[ * ]

(1/381)

إلى ما عداه وقد روى الحافظ ابن عساكر هذا الحديث أيضا من طريق إسماعيل بن حفص بن عمر الايلي، حدثنا عثمان وأبو جزي وهمام بن يحيى، عن قتادة، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنما سمي الخضر خضرا لانه صلى على فروة بيضاء فاهتزت خضراء ".
وهذا غريب من هذا الوجه.
وقال قبيصة عن الثوري عن منصور عن مجاهد قال إنما سمي الخضر لانه كان إذا صلى اخضر ما حوله وتقدم أن موسى ويوشع عليهما السلام رجعا يقصان الاثر وجداه على طنفسة خضراء على كبد البحر، وهو مسجى بثوب، قد جعل طرفاه من تحت رأسه وقدميه، فسلم عليه السلام فكشف عن وجهه فرد وقال: أني بأرضك السلام ؟ من أنت ؟ قال: أنا موسى.
قال: موسى [ نبي ] (1) بني إسرائيل.
قال: نعم فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه عنهما.
وقد دل سياق القصة على نبوته من وجوه.
أحدها: قوله تعالى (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من من لدنا علما) [ الكهف: 65 ].
الثاني: قول موسى له (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا.
قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا.
قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا.
قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا) [ الكهف: 66 - 70 ] فلو كان وليا وليس بنبي لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة، ولم يرد على موسى هذا الرد، بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصه الله به دونه، فلو كان غير نبي لم يكن معصوما، ولم تكن لموسى، وهو نبي عظيم ورسوله كريم، واجب العصمة، كبير رغبة ولا عظيم طلبة، في علم ولي غير واجب العصمة، ولما عزم على الذهاب إليه والتفتيش عليه، ولو أنه يمضي حقبا من الزمان قيل ثمانين سنة، ثم لما اجتمع به تواضع له وعظمه واتبعه في صورة مستفيد منه،
دل على أنه نبي مثله يوحى إليه كما يوحى إليه، وقد خص من العلوم اللدنية، والاسرار النبوية، بما لم يطلع الله عليه موسى الكليم نبي بني إسرائيل الكريم، وقد احتج بهذا المسلك بعينه الرماني (2) على نبوة الخضر عليه السلام.
الثالث: أن الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلام.
وهذا دليل مستقل على نبوته.
وبرهان ظاهر على عصمته لان الولي لا يجوز له الاقدام على قتل النفوس، بمجرد ما يلقي في خلده، لان خاطره ليس بواجب العصمة إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق.
ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام، الذي لم يبلغ الحلم علما منه بأنه إذا بلغ يكفر.
__________
(1) سقطت من نسخ البداية المطبوعة.
(2) في نسخة البلقاني.
[ * ]

(1/382)

ويحمل أبويه عن الكفر لشدة محبتهما له فيتابعانه عليه، ففي قتله مصلحة عظيمة تربو عل بقاء مهجته، صيانة لابويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته، دل ذلك على نبوته وانه مؤيد من الله بعصمته.
وقد رأيت الشيخ أبا الفرج ابن الجوزي طرق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوة الخضر وصححه.
وحكى الاحتجاج عليه الرماني أيضا.
الرابع: أنه لما فسر الخضر تأويل تلك الافاعيل لموسى، ووضح له عن حقيقة أمره وجلى، قال بعد ذلك كله (رحمة من ربك وما فعلته من أمري) [ الكهف: 82 ] يعني ما فعلته من تلقاء نفسي، بل [ أمر ] (1) بل أمرت به وأوحى إلي فيه.
فدلت هذه الوجوه على نبوته.
ولا ينافي ذلك حصول ولايته، بل ولا رسالته كما قاله آخرون، وأما كونه ملكا من الملائكة [ فقول ] (2) غريب جدا، وإذا ثبتت نبوته كما ذكرناه لم يبق لمن قال بولايته وإن الولي قد يطلع على حقيقة الامور دون أرباب الشرع الظاهر، مستند يستندون إليه، ولا معتمد يعتمدون عليه.
وأما الخلاف في وجوده إلى زماننا هذا، فالجمهور على أنه باق إلى اليوم.
قيل لانه دفن آدم بعد خروجهم من الطوفان فنالته دعوة أبيه آدم بطول الحياة.
وقيل لانه شرب من عين الحياة
فحيى (3).
وذكروا أخبارا استشهدوا بها على بقائه إلى الآن وسنوردها [ مع غيرها ] (4) إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
وهذه وصيته لموسى حين (قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئكم بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا) [ الكهف: 78 ] روي في ذلك آثار منقطعة كثيرة.
قال البيهقي: أنبأنا أبو سعيد بن أبي عمرو، وحدثنا أبو عبد الله الصفار، حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا جرير، حدثني أبو عبد الله الملطي قال: لما أراد موسى أن يفارق الخضر، قال له موسى: أوصني قال: كن نفاعا ولا تكن ضرارا.
كن بشاشا ولا تكن غضبان.
ارجع عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة.
وفي رواية من طريق أخرى زيادة: (ولا تضحك إلا من عجب).
وقال وهب بن منبه: قال الخضر: يا موسى إن الناس معذبون في الدنيا على قدر همومهم بها، وقال بشر بن الحارث الحافي: قال موسى للخضر: أوصني، فقال: يسر الله عليك طاعته، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى الوقاد إلا أنه من الكذابين الكبار.
قال قرئ على عبد الله بن وهب وأنا أسمع قال الثوري: قال مجالد: قال أبو الوداك: قال أبو سعيد الخدري، قال عمر بن الخطاب، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال أخي موسى يا
__________
(1) سقطت من نسخ البداية المطبوعة.
(2) سقطت من نسخ المطبوعة.
(3) تناول الرازي في التفسير موضوعة الخضر بتفاصيل واسعة ومسائل كثيرة.
انظر ج 21 / 158 وما بعدها.
(4) سقطت من نسخ البداية المطبوعة.
[ * ]

(1/383)

رب - وذكر كلمته - فأتاه الخضر وهو فتى طيب الريح حسن بياض الثياب، مشمرها فقال: السلام عليك ورحمة الله يا موسى بن عمران، إن ربك يقرأ عليك السلام.
قال موسى: هو السلام وإليه السلام، والحمد لله رب العالمين، الذي لا أحصى نعمه، ولا أقدر على أداء شكره إلا بمعونته.
ثم قال موسى: أريد أن توصيني بوصية ينفعني الله بها بعدك.
فقال الخضر: يا
طالب العلم إن القائل أقل ملالة (1) من المستمع، فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم، وأعلم أن قلبك وعاء فانظر ماذا تحشو به وعاءك.
واعزف (2) عن الدنيا وانبذها وراءك.
فإنها ليست لك بدار ولا لك فيها محل قرار، وإنما جعلت بلغة للعباد والتزود منها ليوم المعاد، ورض نفسك على الصبر تخلص من الاثم.
يا موسى تفرغ للعلم إن كنت تريده، فإنما العلم لمن تفرغ له.
ولا تكن مكثارا للعلم مهذارا فإن كثرة المنطق تشين العلماء وتبدي مساوي السخفاء.
ولكن عليك بالاقتصاد فإن ذلك من التوفيق والسداد.
وأعرض عن الجهال وماطلهم، واحلم عن السفهاء، فإن ذلك فعل الحكماء وزين العلماء، وإذ شتمك الجاهل فاسكت عنه حلما.
وجانبه حزما، فإن ما بقي من جهله عليك وسبه إياك أكثر وأعظم.
يا ابن عمران ولا ترى أنك أوتيت من العلم إلا قليلا.
فإن الاندلاث والتعسف من الاقتحام والتكلف.
يا ابن عمران لا تفتحن بابا لا تدري ما غلقه، ولا تغلقن بابا لا تدري ما فتحه.
يا ابن عمران من لا ينتهي من الدنيا نهمته، ولا تنقضي منها رغبته ومن يحقر حاله، ويتهم الله فيما قضى له كيف يكون زاهدا (3).
هل يكف عن الشهوات من غلب عليه هواه ؟ أو ينفعه طلب العلم والجهل قد حواه ؟ لان سعيه إلى آخرته وهو مقبل على دنياه.
يا موسى تعلم ما تعلمت لتعمل به، ولا تعلمه لتحدث به، فيكون عليك بواره، ولغيرك نوره، يا موسى بن عمران، اجعل الزهد والتقوى لباسك، والعلم والذكر كلامك، واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات، وزعزع بالخوف قلبك فإن ذلك يرضى ربك واعمل خيرا فإنك لا بد عامل سوء.
قد وعظت إن حفظت * قال فتولى وبقي موسى محزونا مكروبا يبكي.
لا يصح هذا الحديث وأظنه من صنعة زكريا بن يحيى الوقاد المصري كذبه غير واحد من الائمة والعجب أن الحافظ بن عساكر سكت عنه * وقال الحافظ أبو نعيم الاصبهاني: حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، ثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي، حدثنا محمد بن الفضل بن عمران الكندي، حدثنا بقية بن الوليد (4) عن محمد بن زياد، عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه: " ألا أحدثكم عن الخضر ؟ " قالوا: بلى يا رسول الله قال:
__________
(1) في نسخ البداية المطبوعة: ملامة: وهو تحريف.
(2) في نسخ البداية المطبوعة: واغرق من الدنيا وهو تحريف.
(3) في نسخة: عابدا.
(4) بقية بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي ; أبو يحمد صدوق كثير التدليس عن الضعفاء من الثامنة مات سنة سبع وتسعين وله سبع وثمانون.
تقريب التهذيب 1 / 105.
[ * ]

(1/384)

" بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل أبصره رجل مكاتب فقال: تصدق علي بارك الله فيك فقال الخضر: آمنت بالله ما شاء من أمر يكون ما عندي من شئ أعطيكه فقال المسكين أسألك بوجه الله لما تصدقت علي فإني نظرت إلى السماء في وجهك ورجوت البركة عندك فقال الخضر: آمنت بالله ما عندي من شئ أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني فقال المسكين: وهي يستقيم هذا ؟ قال: نعم الحق لك لقد سألتني بأمر عظيم أما أني لا أخيبك بوجه ربي بعني قال: فقدمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم فمكث عند المشتري زمانا لا يستعمله في شئ.
فقال له: إنك ابتعتني التماس خير عندي فأوصني بعمل قال: أكره أن أشق عليك إنك شيخ كبير ضعيف.
قال ليس يشق علي.
قال فانقل هذه الحجارة وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم فخرج الرجل لبعض حاجاته ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة.
فقال: أحسنت وأجملت وأطقت ما لم أرك تطيقه.
ثم عرض للرجل سفر فقال إني أحسبك أمينا فاخلفني في أهلي خلافة حسنة قال: فأوصني بعمل قال: إني أكره أن أشق عليك قال: ليس تشق علي قال: فاضرب من اللبن لبيتي حتى أقدم عليك، فمضى الرجل لسفره فرجع وقد شيد بناؤه فقال أسألك بوجه الله ما سبيلك ؟ وما أمرك ؟ فقال: سألتني بوجه الله والسؤال بوجه الله أوقعني في العبودية سأخبرك من أنا، أنا الخضر الذي سمعت به سألني مسكين صدقة فلم يكن عندي من شئ أعطيه، فسألني بوجه الله فامكنته من رقبتي، فباعني وأخبرك أنه من سئل بوجه الله فرد سائله وهو بقدر، وقف يوم القيامة جلده لا لحم له، ولا عظم يتقعقع.
فقال الرجل آمنت بالله، شققت عليك يا نبي الله ولم أعلم، فقال لا بأس أحسنت وأبقيت.
فقال الرجل بأبي وأمي يا نبي الله أحكم في أهلي ومالي بما أراك الله أو
أخيرك فأخلي سبيلك فقال: أحب أن تخلي سبيلي فأعبد ربي فخلى سبيله.
فقال الخضر الحمد لله الذي أوقعني في العبودية ثم نجاني منها ".
وهذا حديث رفعه خطأ والاشبه أن يكون موقوفا وفي رجاله من لا يعرف فالله أعلم.
وقد رواه ابن الجوزي في كتابه " عجالة المنتظر في شرح حال الخضر " من طريق عبد الوهاب بن الضحاك وهو متروك عن بقية.
وقد روى الحافظ ابن عساكر بإسناده إلى السدي: أن الخضر وإلياس كانا أخوين وكان أبوهما ملكا فقال إلياس لابيه: إن أخي الخضر لا رغبة له في الملك، فلو أنك زوجته لعله يجئ منه ولد يكون الملك له فزوجه أبوه بامرأة حسناء بكر، فقال لها الخضر: إنه لا حاجة لي في النساء فإن شئت أطلقت سراحك وإن شئت أقمت معي تعبدين الله عزوجل وتكتمين علي سري ؟ فقال: نعم وأقامت معه سنة.
فلما مضت السنة دعاها الملك فقال إنك شابة وابني شاب فأين الولد فقالت: إنما الولد من عند الله إن شاء كان وإن لم يشأ لم يكن.
فأمره أبوه فطلقها وزوجه بأخرى ثيبا قد ولد لها فلما زفت إليه قال لها كما قال للتي قبلها فأجابت إلى الاقامة عنده.
فلما مضت السنة سألها الملك عن الولد فقال إن ابنك لا حاجة له بالنساء فتطلبه أبوه فهرب، فأرسل وراءه فلم يقدروا عليه.
فيقال إنه قتل المرأة الثانية لكونها

(1/385)

أفشت سره فهرب من أجل ذلك، وأطلق سراح الاخرى، فأقامت تعبد الله في بعض نواحي تلك المدينة، فمر بها رجل يوما فسمعته يقول بسم الله فقالت له: أنى لك هذا الاسم فقال إني من أصحاب الخضر فتزوجته فولدت له أولادا.
ثم صار من أمرها ماشطة بنت فرعون فبينما هي تمشطها إذ وقع المشط من يدها فقالت: بسم الله فقالت إبنة فرعون: أبي ؟ فقالت: لا ربي وربك ورب أبيك الله فأعلمت أباها فأمر بنقرة من نحاس، فأحميت ثم أمر بها فألقيت فيه، فلما عاينت ذلك تقاعست أن تقع فيها فقال لها ابن معها صغير يا أمه أصبري فإنك على الحق فألقت نفسها في النار فماتت رحمها الله.
وقد روى ابن عساكر عن أبي داود الاعمى نفيع وهو كذاب وضاع عن أنس بن مالك، ومن طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف وهو كذاب أيضا عن
أبيه عن جده أن الخضر جاء ليلة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو ويقول: " اللهم أعني على ما ينجيني مما خوفتني وارزقني شوق الصالحين إلى ما شوقتهم إليه فبعث إليه رسول الله أنس بن مالك فسلم عليه فرد عليه السلام وقال: قل له: إن الله فضلك على الانبياء كما فضل شهر رمضان على سائر الشهور وفضل أمتك على الامم كما فضل يوم الجمعة على غيره.
الحديث (1) وهو مكذوب لا يصح سندا ولا متنا كيف لا يتمثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجئ بنفسه مسلما ومتعلما وهم يذكرون في حكاياتهم وما يسندونه عن بعض مشايخهم أن الخضر يأتي إليهم ويسلم عليهم ويعرف أسماءهم ومنازلهم ومحالهم وهو مع هذا لا يعرف موسى بن عمران كليم الله الذي اصطفاه الله في ذلك الزمان على من سواه حتى يتعرف إليه بأنه موسى بني إسرائيل.
وقد قال الحافظ أبو الحسين بن المنادي بعد إيراده حديث أنس هذا وأهل الحديث متفقون على أنه حديث منكر الاسناد، سقيم المتن يتبين فيه أثر الصنعة.
فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي (2) قائلا: أخبرنا أبو عبد الله
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 423 ولفظه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المسجد فسمع كلاما من زاوية وإذا هو بقائل يقول: اللهم أعني على ما ينجيني مما خوفتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع ذلك: ألا تضم إليها أختها ؟ فقال: اللهم ارزقني شوق الصادقين إلى ما شوقتهم إليه.
قال رسول الله لانس بن مالك وكان معه: اذهب يا أنس فقل له: يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي ; فجاء أنس فبلغه فقال له الرجل: يا أنس أنت رسول الله إلي ؟ فقال كما انت فرجع فاستثبته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل له: نعم فقال: نعم فقال له: اذهب فقل له فضلك الله..الحديث.
وتمامه على سائر الايام فذهبوا ينظرون فإذا هو الخضر عليه السلام.
رواه ابن عدي عن كثير بن عبد الله بن عمر بن عوف، عن أبيه عن جده، ورواه الطبراني في الاوسط واورده جلال الدين السيوطي في اللالئ المصنوعة 1 / 164 وختمه بقوله: عبد الله بن نافع ليس بشئ متروك.
وفي المجروحين 2 / 221 كثير هذا: منكر الحديث جدا.
وقال الشافعي عنه: ركن من أركان الكذب.
(2) دلائل النبوة ج 7 / 269 وفيه عباد بن عبد الصمد ابن معمر البصري.
[ * ]

(1/386)

الحافظ، [ قال ] أخبرنا أبو بكر بن بالويه، [ قال ] حدثنا محمد بن بشر بن مطر، [ قال ] حدثنا كامل بن طلحة، [ قال ] حدثنا عباد بن عبد الصمد، عن أنس بن مالك قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدق به أصحابه، فبكوا حوله، واجتمعوا فدخل رجل أشهب اللحية، جسيم صبيح، فتخطى رقابهم، فبكى ثم التفت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن في الله عزاء من كل مصيبة وعوضا من كل فائت، وخلفا من كل هالك، فإلى الله فانيبوا وإليه فارغبوا، ونظر إليكم في البلاء فانظروا فإن المصاب من لم يجبر وانصرف فقال بعضهم لبعض، تعرفون الرجل ؟ فقال أبو بكر وعلي نعم هو أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم الخضر عليه السلام.
وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن كامل بن طلحة بن وفي متنه مخالفة لسياق البيهقي ثم قال البيهقي: عباد بن عبد الصمد ضعيف، وهذا منكر بمرة.
قلت: عباد بن عبد الصمد هذا هو ابن معمر البصري.
روى عن أنس نسخة قال ابن حبان والعقيلي أكثرها موضوع.
وقال البخاري منكر الحديث.
وقال أبو حاتم ضعيف الحديث جدا منكره.
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه في فضائل علي وهو ضعيف غال في التشيع وقال الشافعي في مسنده: أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده علي بن الحسين قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب.
قال علي بن الحسين أتدرون من هذا.
هذا الخضر.
شيخ الشافعي القاسم العمري متروك.
قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يكذب.
زاد أحمد ويضع الحديث ثم هو مرسل ومثله لا يعتمد عليه ههنا والله أعلم.
وقد روي من وجه آخر ضعيف عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده، عن أبيه عن علي.
ولا يصح.
وقد روى عبد الله بن وهب عمن حدثه، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن المنكدر، أن عمر بن الخطاب بينما هو يصلي على جنازة إذ سمع هاتفا وهو يقول لا تسبقنا يرحمك الله، فانتظره حتى لحق بالصف، فذكر دعاءه للميت إن تعذبه فكثيرا عصاك وإن تغفر له ففقير إلى رحمتك.
ولما دفن قال
طوبى لك يا صاحب القبر، إن لم تكن عريفا أو جابيا أو خازنا أو كاتبا أو شرطيا فقال عمر خذوا الرجل نسأله عن صلاته وكلامه عمن هو.
قال فتوارى عنهم فنظروا فإذا أثر قدمه ذراع.
فقال عمر هذا والله الخضر الذي حدثنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الاثر مبهم وفيه انقطاع ولا يصح مثله.
وروى الحافظ ابن عساكر عن الثوري، عن عبد الله بن محرز (1) عن يزيد بن الاصم، عن علي بن أبي طالب قال: دخلت الطواف في بعض الليل فإذا أنا برجل متعلق بأستار الكعبة وهو
__________
(1) في قصص الانبياء: ابن المحرر، قال في الهامش: " في المطبوعة ابن محرز وقد صححه محقق الاولى (من قصص الانبياء) من ميزان الاعتدال 2 / 500 وانظر الكنى والاسماء للدولابي 258 " قلت: ولم أجد فيما لدي من مراجع عبد الله بن المحرز.
[ * ]

(1/387)

يقول: يا من لا يمنعه سمع من سمع ويامن لا تغلطه المسائل، ويامن لا يبرمه إلحاح الملحين، ولا مسألة السائلين ارزقني برد عفوك، وحلاوة رحمتك، قال: فقلت أعد علي ما قلت: فقال لي: أو سمعته ؟ قلت: نعم فقال لي: الذي نفس الخضر بيده، قال: وكان هو الخضر.
لا يقولها عبد خلف صلاة مكتوبة إلا غفر الله له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر وورق الشجر وعدد النجوم لغفرها الله له.
وهذا ضعيف من جهة عبد الله بن المحرز فإنه متروك الحديث ويزيد بن الاصم لم يدرك عليا ; ومثل هذا لا يصح، والله أعلم.
وقد رواه أبو إسماعيل الترمذي: حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا صالح بن أبي الاسود، عن محفوظ بن عبد الله الحضرمي، عن محمد بن يحيى قال: بينما علي بن أبي طالب يطوف بالكعبة إذا هو برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا يغلطه السائلون، ويا من لا يتبرم بإلحاح الملحين، أرزقني برد عفوك، وحلاوة رحمتك، قال: فقال له علي: يا عبد الله أعد دعاءك هذا قال: وقد سمعته ؟ قال: نعم قال: فادع به في دبر كل صلاة فوالذي نفس الخضر بيده، لو كان عليك من الذنوب عدد نجوم السماء ومطرها، وحصباء الارض وترابها لغفر لك أسرع من طرفة
عين.
وهذا أيضا منقطع وفي اسناده من لا يعرف والله أعلم.
وقد أورد ابن الجوزي من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا: حدثنا يعقوب بن يوسف، حدثنا مالك بن إسماعيل فذكر نحوه.
ثم قال وهذا إسناد مجهول منقطع وليس فيه ما يدل على أن الرجل الخضر.
وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: أنبأنا أبو القاسم بن الحصين، أنبأنا أبو طالب محمد بن محمد، أنبأنا أبو إسحق المزكي، حدثنا محمد بن إسحق بن خزيمة، حدثنا محمد بن أحمد بن يزيد، أملاه علينا بعبادان، أنبأنا عمرو بن عاصم، حدثنا الحسن بن رزين عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: ولا أعلمه إلا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يلتقي