العودة   منتديات فيلمى > قسم عام > القسم الادبي

مئوية الشاعر التشيلي بابلو نيرودا

مائة عام على ولادة بابلو نيرودا, العالم يحتفل او يستعد للاحتفال في هذه المناسبة من امريكا اللاتينية (قارته الواسعة) الى باريس. ونظن انه من خلال ما وصلنا من برمجات في

افتراضي مئوية الشاعر التشيلي بابلو نيرودا

مائة عام على ولادة بابلو نيرودا, العالم يحتفل او يستعد للاحتفال في هذه المناسبة من امريكا اللاتينية (قارته الواسعة) الى باريس. ونظن انه من خلال ما وصلنا من برمجات في هذه البلدان, ان الاحتفال به سيكون استثنائيا: اكثر من تكريم. وأكثر من تذكير بدوره. وأكثر من منابر وأفلام وفيديو وندوات وكتب وأمسيات وآراء. وهذا طبيعي, فنيرودا أكثر من شاعر. وأكثر من مناضل من أجل الحرية وضد الدكتاتوريات التي كانت مدعومة من الولايات المتحدة ابان الحرب الباردة.

نيرودا أكبر من حجم مرحلة. وهو كما قيل <<شاعر مرحلة>> (ولو نرى ان هذه التسمية انتقاص منه) شأنه في ذلك شأن الشعراء الذين يستوون في الجبهة ذاتها, والفنانين والكتاب أو في الفضاءات السياسية وحتى الايديولوجية والابداعية ذاتها: لوركا, البرتي, ناظم حكمت, اراغون, ايلويار... كأنما حلقة واحدة وأحيانا لغة متقاربة الرهافات والهواجس والمستويات. ونظن ان نيرودا, مع بعض هؤلاء اكتسب ما اكتسبه. من هالات واسطورة, ليس فقط بسبب نهايته <<المأساوية>>. عندما استولى بينوشيه على السلطة ومات نيرودا حرقة وألما بعد نحو اسبوعين بعدما أحرق منزله ومتاعه ومكتبته..., وانما لأنه أيضا استطاع بشعره أولا وأخيرا, وخارج الضجيج الاعلامي, أن ينجو, أو ان يبقى بعدما سقطت الايديولوجيات (وقبلها الأنظمة) التي تبناها, كيساري وشيوعي ملتزم.

بمعنى آخر, ولأن شعر نيرودا, (وحتى نيرودا كرمز), ما زال يحتفظ بقوته ونضارته بعد زوال مختلف الظروف التي ساهمت في تغذيته وشحنه, فانه يبدو الآن أكثر حضورا , مما كان في تلك المرحلة. ذلك ان الهالات السياسية التي كانت تغلف هذا الشعر وتحجب طاقته الهائلة وتقننه وتوجهه توجها <<أحاديا>> (أي توجها ايديولوجيا بالدرجة الاولى) عبر الادوار التي لعبتها الأحزاب والتنظيمات السياسية , (لأهداف أحيانا دعائية) قد تبددت, لتترك الشعر وحيدا بحياته الخاصة. بقيمته النسبية. وهذا تحديدا ما شعرت به, وأنا اراجع دواوينه: من كتاباته الأولى في العشرينيات وحتى كتاباته الأخيرة في السبعينيات أي قبل وفاته, وما صدر بعد رحيله.

شعرت أولا بأني اكتشفت حجم نيرودا الشعري. وهذا ما كان ليتم عبر قراءات متباعدة ومتفرقة لأعماله. ثانيا , شعرت بأن الاحزاب اليسارية العربية اساءت الى هذا الرجل, عندما قدمته في صورته الطاغية <<كمناضل سياسي>>, وأغفلت ما تناءى من شعره عن سياساتها. ثالثا , شعرت بأن قراءتي لهذا الشاعر الكبير قد تحررت مما يجعلها تقع في أحكام مسبقة, والتي ورثناها من <<الطليعيات>> الشعرية, والنخبوية, واعتبار أن نيرودا <<دون>> هذه الملامح التجريبية والالتباسات اللغوية, والتشريحات في بنية اللغة وصولا الى القصيدة, التي عرفتها الحداثة الشعرية منذ بودلير حتى اليوم.

المغامـــــرة

اذا هنا تبدأ المغامرة: ان تقرأ عاري الذهن, نصا , تريد ان تتوغل فيه, لا بحثا عن أفكار ومواقف ايديولوجية وثورية وملتزمة, وانما بحثا عن طاقات هذه الشعرية وتعابيرها, وأسرارها, ومتونها, وفضاءاتها, وتراكيبها, ومنتوجاتها وكانت قراءاتي على مدى أكثر من شهر قمة المتعة. والسعادة. والحرية أيضا. فأخيرا وجدنا الشاعر بعدما كان ضائعا في متاهات ما <<أغدق>> عليه من شعارات وخانات... لكن كل هذا لا يعني وضع حدود بين الشاعر وقصيدته ومضامينها وأطرها الفكرية والسياسية.

على مدى قراءاتي لأعمال هذا الشاعر التشيلي الكبير وجدت انه لم <<يتخل>> لحظة عن الغنائية. شاعر غنائي بامتياز. نقول هذا لأن هناك اتجاهات راهنة (كانت موجودة من قبل) ت نكر على الشعر أي غنائية أو عاطفية أو حتى رومانسية. ويمثل هذه الاتجاهات شعراء كبار في فرنسا مثلا كبرنار نويل أو دنيس روس أو غينيك او غرومون, او شارل دوبزنسكي من دون أن ننسى أن جزءا من ارث السوريالية القائم على التداعيات واقتباس الصورة المجانية والهذر المجاني (التلقائي الآلي) واللاوعي السحيق ينفي طغيان الغنائية او يختزلها او يحولها في اتجاهات اخرى, من دون أن تغفل المنحى الصوفي الشرقي فيها.

الشاعر الغنائي نيرودا.. ينتمي في غنائيته هذه الى سلالة ضاربة الجذور في أمريكا اللاتينية وفي اوروبا, منذ ردنار, ودوبيليه وحتى الرمزية (في بعض جوانبها) مرورا بالينبوع المتدفق: الرومانطيقية: من لامرتين الى هولدرلين الى كيتس وبايرون وويتمان وغوته ونوفاليس (شاعر الليل). موروث غني ومتنوع يختزن العاطفية المبسطة اختزانه الميتافيزيقيا والفلسفة والتأملية, الى حدود الادراكات الحدسية في اكتشاف العالم, وكذلك الادراكات الذهنية والعقلانية.

لكن أين نيرودا من كل ذلك? أين غنائيته? لا نبالغ اذا قلنا انه تأثر او استوعب او اغترف من كل هذه الغنائيات. فمن حالات <<رومانسية>> مبسطة وحميمة وخصوصية رافقته منذ بداياته وهو في العشرينيات, حتى آخر ايامه, الى غنائية اختلطت فيها الاحاسيس والمناخات التي توجهها نحو الخارج. نحو الآخر. وهنا لابد من أن نشير الى ان نيرودا كماركسي, (أي كعقلاني), واجه العالم بعاطفية واعية, مجمل التناقضات والاوضاع الانسانية من ظروف الاستبداد, الى واقع العمال والفلاحين, والشعوب المسحوقة, والظلم الاجتماعي والتاريخ المرتبط بالحاضر, والحاضر المفتوح على التواريخ, بفروعها الاسطورية والخرافية والحكائية والقصصية. (تراث أمريكا اللاتينية ثري جدا بها).

هذا يعني انه نيرودا الغنائي هو شاعر الداخل. الداخل الذي يتدفق على الخارج. وشاعر الخارج الذي يمتزج في الداخل, العقلاني الذي ينظر الى عقلانية حسية وعاطفية, ورومانسي يوظف شغفه في فضاء أوسع من الذاتية وحدودها الضيقة (كما نرى عند لامرتين ودوموسيه ودو فيني), من منطلق المغادرة الدائمة للذات الى الآخر. فهذا (في غنائيته) شاعر الذات بقدر ما هو شاعر الآخر. أي ان غنائيته هذه, وان راوحت في مجانية خصوصية (وإن مفتوحة), تخرج الى ما هو أرحب: الى الشارع. الى المصانع , الى السجون الى المنافي,. الى الفقراء... الى التفاوت الاجتماعي, والدكتاتورية, غنائية نقدية إذا في بعض وجوهها.

الحــــــب

فهو اكثر شعراء أمريكا اللاتينية كتابة عن الحب فمنذ بداياته: <<عشرون قصيدة حب>>. الى مراحله المتقدمة (مائة قصيدة حب). وقد عرف كيف يجمع بين البوحية (المباشرة), وبين ربط هذا الحب <<الشقي>> الجارف المجنون بالأرض والطبيعة والناس وبالزمن أيضا. وألاحظ هنا ان نيرودا في ابرز كتابين عن الحب <<عشرون قصيدة حب>> و<<مائة قصيدة حب>> يعود في نهاية العملين الى نوع من الميلودراما, او الاحرى الدرامية: خط بياني يبدأ باللحظات الباهرة, والعشق المتفتح, لينتهي الى الفراق. تطور درامي عند نيرودا وكأنه . في عبره غير المباشرة, يجعل الزمن ينتصر.

لكن علينا ان نتبع هذه الغنائية الرقيقة والعنيفة والفاجعة في عشقه الى ما هو أضخم وأوسع عندما تعانقا, وباجواء خيالية واسطورية عالية الملحمية لا سيما في <<النشيد العمومي>> (تحفته الكبرى), أو <<سيف اللهب>>, حيث يمتزج الحس الخاص بالحس التاريخي والاسطوري, لتتداخل فيها الخوارق والحكايات والاساطير والتواريخ في بنية متماسكة ومفتوحة. فهو في هذين الكتابين عرف كيف يعد الغنائية المتفجرة بالملحمية العالية ووصولا الى صفاء النشيد.

فغنائيته هنا تخترق المخيلة التاريخية والذاكرة الجماعية. في لغة متماسكة, وموصولة يبني عمارتها حجرا حجرا , ونشيدا نشيدا , ومشهدا مشهدا , ولحظة لحظة. انه الوعي الحاد بالتاريخ اكتسبه من انتمائه الايديولوجي, وهو الوعي الحاد بالاسطورة اكتسبه من تراثه اللاتيني, وهو يمر بكيمياء العناصر اللغوية والصورية والايقاعية اكتسب بعضها من ثقافته الاوروبية لا سيما الفرنسية (هذا ما فعله ماركيز وبورخيس).

هذه المناخات <<الغرائبية>> التي نقرأها في <<النشيد العمومي>> و<<سيف اللهب>> (متأثرا بهذا الأخير بحكاية التكوين بارودي للواقع), هل تلتقي السوريالية التي تعمقها نيرودا. هل عناصر الصورة: جمع المتباعد, أو لم المتنافر, من ارث الدادائية او السوريالية?

علينا ان نعرف ان نيرودا التقى السوريالية وافترق عنها (كرينيه شار, وبريتير وارطو وايلويار وحتى لوركا): اقصد انه اختزن هذه اللعبة السوريالية القائمة على <<المدهش..., والغرائبي, والصدمة في الصورة والتراكيب. هذا موجود في شعره: المزيج من الابهار الغريب في تركيب الصورة نجده حتى في قصائده الاولى (صدرت في ثلاثة أجزاء), وفي مجمل أعماله حتى في قصائده الغنائية <<الصافية>>.

لكن علينا أيضا ان نعرف ان نيرودا يبتعد بحكم تكوينه الايديولوجي والنفسي على المجانية. فالصورة المتداعية عند السورياليين مجانية. يسمها الغياب. او الغيبوبة. ولا تذهب ابعد من ذاتها, أي انها لا توظف في خدمة رؤيا أبعد منها. وتحديدا رؤيا يتخللها وعي <<صارم>> بالعالم.

الصورة السوريالية تلتقي مناخات الصوفية, والصوفية حواس متلاشية, او ذائبة, او نائمة, او حالمة... عند نيرودا الصورة جزء من الصمد: الصوفيون <<ذوو عيون مغلقة>> يستنبطون بها العالم. عند نيرودا الصورة طالعة من <<عين مفتوحة>> على العالم. أي ذاهبة الى وظيفة ومعنى وايحاء وفكرة أي حقيقة ما. أي مغادرة لقيمتها <<الادهاشية>> ومجانيتها.. يعني ان نيرودا استفاد والى حد كبير من <<تقنيات>> السورياليين, ليدرجها في رؤيا <<نقدية.. للعالم. أو في نسيج متماسك للقصيدة (السورياليون رفضوا مبدأ القصيدة كبناء واع في اتجاه ان الجمالية المشغولة بعيدة عنهم>>.

لكن اذا كان نيرودا ترك ما ترك من السوريالية, واخذ ما أخذ, فلأنه تأثر أيضا بالرمزية (البرسامان, جان بول رو, هنري جايمس, بول فور, وصولا الى مالرمه نفاليري وصعودا الى بودلير وفرين وحتى رومبو). اقصد ان نيرودا لعب لعبة الظاهر والباطن (وهي أيضا عند الصوفيين), الرمز والمرموز اليه. أي المجاز الذي يحبك عناصره حبكا مشدودا , أو حبكا يستغل فيها مبدأ <<الايماء>> بدلا من التفسير المباشر, سواء عبر الصورة (رامبو), او الموسيقى (فرلين), او الاثنين معا (فاليري)









مئوية الشاعر التشيلي بابلو نيرودا
افتراضي مئوية الشاعر التشيلي بابلو نيرودا

مائة عام على ولادة بابلو نيرودا, العالم يحتفل او يستعد للاحتفال في هذه المناسبة من امريكا اللاتينية (قارته الواسعة) الى باريس. ونظن انه من خلال ما وصلنا من برمجات في هذه البلدان, ان الاحتفال به سيكون استثنائيا: اكثر من تكريم. وأكثر من تذكير بدوره. وأكثر من منابر وأفلام وفيديو وندوات وكتب وأمسيات وآراء. وهذا طبيعي, فنيرودا أكثر من شاعر. وأكثر من مناضل من أجل الحرية وضد الدكتاتوريات التي كانت مدعومة من الولايات المتحدة ابان الحرب الباردة.

نيرودا أكبر من حجم مرحلة. وهو كما قيل <<شاعر مرحلة>> (ولو نرى ان هذه التسمية انتقاص منه) شأنه في ذلك شأن الشعراء الذين يستوون في الجبهة ذاتها, والفنانين والكتاب أو في الفضاءات السياسية وحتى الايديولوجية والابداعية ذاتها: لوركا, البرتي, ناظم حكمت, اراغون, ايلويار... كأنما حلقة واحدة وأحيانا لغة متقاربة الرهافات والهواجس والمستويات. ونظن ان نيرودا, مع بعض هؤلاء اكتسب ما اكتسبه. من هالات واسطورة, ليس فقط بسبب نهايته <<المأساوية>>. عندما استولى بينوشيه على السلطة ومات نيرودا حرقة وألما بعد نحو اسبوعين بعدما أحرق منزله ومتاعه ومكتبته..., وانما لأنه أيضا استطاع بشعره أولا وأخيرا, وخارج الضجيج الاعلامي, أن ينجو, أو ان يبقى بعدما سقطت الايديولوجيات (وقبلها الأنظمة) التي تبناها, كيساري وشيوعي ملتزم.

بمعنى آخر, ولأن شعر نيرودا, (وحتى نيرودا كرمز), ما زال يحتفظ بقوته ونضارته بعد زوال مختلف الظروف التي ساهمت في تغذيته وشحنه, فانه يبدو الآن أكثر حضورا , مما كان في تلك المرحلة. ذلك ان الهالات السياسية التي كانت تغلف هذا الشعر وتحجب طاقته الهائلة وتقننه وتوجهه توجها <<أحاديا>> (أي توجها ايديولوجيا بالدرجة الاولى) عبر الادوار التي لعبتها الأحزاب والتنظيمات السياسية , (لأهداف أحيانا دعائية) قد تبددت, لتترك الشعر وحيدا بحياته الخاصة. بقيمته النسبية. وهذا تحديدا ما شعرت به, وأنا اراجع دواوينه: من كتاباته الأولى في العشرينيات وحتى كتاباته الأخيرة في السبعينيات أي قبل وفاته, وما صدر بعد رحيله.

شعرت أولا بأني اكتشفت حجم نيرودا الشعري. وهذا ما كان ليتم عبر قراءات متباعدة ومتفرقة لأعماله. ثانيا , شعرت بأن الاحزاب اليسارية العربية اساءت الى هذا الرجل, عندما قدمته في صورته الطاغية <<كمناضل سياسي>>, وأغفلت ما تناءى من شعره عن سياساتها. ثالثا , شعرت بأن قراءتي لهذا الشاعر الكبير قد تحررت مما يجعلها تقع في أحكام مسبقة, والتي ورثناها من <<الطليعيات>> الشعرية, والنخبوية, واعتبار أن نيرودا <<دون>> هذه الملامح التجريبية والالتباسات اللغوية, والتشريحات في بنية اللغة وصولا الى القصيدة, التي عرفتها الحداثة الشعرية منذ بودلير حتى اليوم.

المغامـــــرة

اذا هنا تبدأ المغامرة: ان تقرأ عاري الذهن, نصا , تريد ان تتوغل فيه, لا بحثا عن أفكار ومواقف ايديولوجية وثورية وملتزمة, وانما بحثا عن طاقات هذه الشعرية وتعابيرها, وأسرارها, ومتونها, وفضاءاتها, وتراكيبها, ومنتوجاتها وكانت قراءاتي على مدى أكثر من شهر قمة المتعة. والسعادة. والحرية أيضا. فأخيرا وجدنا الشاعر بعدما كان ضائعا في متاهات ما <<أغدق>> عليه من شعارات وخانات... لكن كل هذا لا يعني وضع حدود بين الشاعر وقصيدته ومضامينها وأطرها الفكرية والسياسية.

على مدى قراءاتي لأعمال هذا الشاعر التشيلي الكبير وجدت انه لم <<يتخل>> لحظة عن الغنائية. شاعر غنائي بامتياز. نقول هذا لأن هناك اتجاهات راهنة (كانت موجودة من قبل) ت نكر على الشعر أي غنائية أو عاطفية أو حتى رومانسية. ويمثل هذه الاتجاهات شعراء كبار في فرنسا مثلا كبرنار نويل أو دنيس روس أو غينيك او غرومون, او شارل دوبزنسكي من دون أن ننسى أن جزءا من ارث السوريالية القائم على التداعيات واقتباس الصورة المجانية والهذر المجاني (التلقائي الآلي) واللاوعي السحيق ينفي طغيان الغنائية او يختزلها او يحولها في اتجاهات اخرى, من دون أن تغفل المنحى الصوفي الشرقي فيها.

الشاعر الغنائي نيرودا.. ينتمي في غنائيته هذه الى سلالة ضاربة الجذور في أمريكا اللاتينية وفي اوروبا, منذ ردنار, ودوبيليه وحتى الرمزية (في بعض جوانبها) مرورا بالينبوع المتدفق: الرومانطيقية: من لامرتين الى هولدرلين الى كيتس وبايرون وويتمان وغوته ونوفاليس (شاعر الليل). موروث غني ومتنوع يختزن العاطفية المبسطة اختزانه الميتافيزيقيا والفلسفة والتأملية, الى حدود الادراكات الحدسية في اكتشاف العالم, وكذلك الادراكات الذهنية والعقلانية.

لكن أين نيرودا من كل ذلك? أين غنائيته? لا نبالغ اذا قلنا انه تأثر او استوعب او اغترف من كل هذه الغنائيات. فمن حالات <<رومانسية>> مبسطة وحميمة وخصوصية رافقته منذ بداياته وهو في العشرينيات, حتى آخر ايامه, الى غنائية اختلطت فيها الاحاسيس والمناخات التي توجهها نحو الخارج. نحو الآخر. وهنا لابد من أن نشير الى ان نيرودا كماركسي, (أي كعقلاني), واجه العالم بعاطفية واعية, مجمل التناقضات والاوضاع الانسانية من ظروف الاستبداد, الى واقع العمال والفلاحين, والشعوب المسحوقة, والظلم الاجتماعي والتاريخ المرتبط بالحاضر, والحاضر المفتوح على التواريخ, بفروعها الاسطورية والخرافية والحكائية والقصصية. (تراث أمريكا اللاتينية ثري جدا بها).

هذا يعني انه نيرودا الغنائي هو شاعر الداخل. الداخل الذي يتدفق على الخارج. وشاعر الخارج الذي يمتزج في الداخل, العقلاني الذي ينظر الى عقلانية حسية وعاطفية, ورومانسي يوظف شغفه في فضاء أوسع من الذاتية وحدودها الضيقة (كما نرى عند لامرتين ودوموسيه ودو فيني), من منطلق المغادرة الدائمة للذات الى الآخر. فهذا (في غنائيته) شاعر الذات بقدر ما هو شاعر الآخر. أي ان غنائيته هذه, وان راوحت في مجانية خصوصية (وإن مفتوحة), تخرج الى ما هو أرحب: الى الشارع. الى المصانع , الى السجون الى المنافي,. الى الفقراء... الى التفاوت الاجتماعي, والدكتاتورية, غنائية نقدية إذا في بعض وجوهها.

الحــــــب

فهو اكثر شعراء أمريكا اللاتينية كتابة عن الحب فمنذ بداياته: <<عشرون قصيدة حب>>. الى مراحله المتقدمة (مائة قصيدة حب). وقد عرف كيف يجمع بين البوحية (المباشرة), وبين ربط هذا الحب <<الشقي>> الجارف المجنون بالأرض والطبيعة والناس وبالزمن أيضا. وألاحظ هنا ان نيرودا في ابرز كتابين عن الحب <<عشرون قصيدة حب>> و<<مائة قصيدة حب>> يعود في نهاية العملين الى نوع من الميلودراما, او الاحرى الدرامية: خط بياني يبدأ باللحظات الباهرة, والعشق المتفتح, لينتهي الى الفراق. تطور درامي عند نيرودا وكأنه . في عبره غير المباشرة, يجعل الزمن ينتصر.

لكن علينا ان نتبع هذه الغنائية الرقيقة والعنيفة والفاجعة في عشقه الى ما هو أضخم وأوسع عندما تعانقا, وباجواء خيالية واسطورية عالية الملحمية لا سيما في <<النشيد العمومي>> (تحفته الكبرى), أو <<سيف اللهب>>, حيث يمتزج الحس الخاص بالحس التاريخي والاسطوري, لتتداخل فيها الخوارق والحكايات والاساطير والتواريخ في بنية متماسكة ومفتوحة. فهو في هذين الكتابين عرف كيف يعد الغنائية المتفجرة بالملحمية العالية ووصولا الى صفاء النشيد.

فغنائيته هنا تخترق المخيلة التاريخية والذاكرة الجماعية. في لغة متماسكة, وموصولة يبني عمارتها حجرا حجرا , ونشيدا نشيدا , ومشهدا مشهدا , ولحظة لحظة. انه الوعي الحاد بالتاريخ اكتسبه من انتمائه الايديولوجي, وهو الوعي الحاد بالاسطورة اكتسبه من تراثه اللاتيني, وهو يمر بكيمياء العناصر اللغوية والصورية والايقاعية اكتسب بعضها من ثقافته الاوروبية لا سيما الفرنسية (هذا ما فعله ماركيز وبورخيس).

هذه المناخات <<الغرائبية>> التي نقرأها في <<النشيد العمومي>> و<<سيف اللهب>> (متأثرا بهذا الأخير بحكاية التكوين بارودي للواقع), هل تلتقي السوريالية التي تعمقها نيرودا. هل عناصر الصورة: جمع المتباعد, أو لم المتنافر, من ارث الدادائية او السوريالية?

علينا ان نعرف ان نيرودا التقى السوريالية وافترق عنها (كرينيه شار, وبريتير وارطو وايلويار وحتى لوركا): اقصد انه اختزن هذه اللعبة السوريالية القائمة على <<المدهش..., والغرائبي, والصدمة في الصورة والتراكيب. هذا موجود في شعره: المزيج من الابهار الغريب في تركيب الصورة نجده حتى في قصائده الاولى (صدرت في ثلاثة أجزاء), وفي مجمل أعماله حتى في قصائده الغنائية <<الصافية>>.

لكن علينا أيضا ان نعرف ان نيرودا يبتعد بحكم تكوينه الايديولوجي والنفسي على المجانية. فالصورة المتداعية عند السورياليين مجانية. يسمها الغياب. او الغيبوبة. ولا تذهب ابعد من ذاتها, أي انها لا توظف في خدمة رؤيا أبعد منها. وتحديدا رؤيا يتخللها وعي <<صارم>> بالعالم.

الصورة السوريالية تلتقي مناخات الصوفية, والصوفية حواس متلاشية, او ذائبة, او نائمة, او حالمة... عند نيرودا الصورة جزء من الصمد: الصوفيون <<ذوو عيون مغلقة>> يستنبطون بها العالم. عند نيرودا الصورة طالعة من <<عين مفتوحة>> على العالم. أي ذاهبة الى وظيفة ومعنى وايحاء وفكرة أي حقيقة ما. أي مغادرة لقيمتها <<الادهاشية>> ومجانيتها.. يعني ان نيرودا استفاد والى حد كبير من <<تقنيات>> السورياليين, ليدرجها في رؤيا <<نقدية.. للعالم. أو في نسيج متماسك للقصيدة (السورياليون رفضوا مبدأ القصيدة كبناء واع في اتجاه ان الجمالية المشغولة بعيدة عنهم>>.

لكن اذا كان نيرودا ترك ما ترك من السوريالية, واخذ ما أخذ, فلأنه تأثر أيضا بالرمزية (البرسامان, جان بول رو, هنري جايمس, بول فور, وصولا الى مالرمه نفاليري وصعودا الى بودلير وفرين وحتى رومبو). اقصد ان نيرودا لعب لعبة الظاهر والباطن (وهي أيضا عند الصوفيين), الرمز والمرموز اليه. أي المجاز الذي يحبك عناصره حبكا مشدودا , أو حبكا يستغل فيها مبدأ <<الايماء>> بدلا من التفسير المباشر, سواء عبر الصورة (رامبو), او الموسيقى (فرلين), او الاثنين معا (فاليري)









افتراضي مئوية الشاعر التشيلي بابلو نيرودا

شكرا على الموضوع الاكثر من رائع







مئوية الشاعر التشيلي بابلو نيرودا
افتراضي رد: مئوية الشاعر التشيلي بابلو نيرودا

شكرا على الموضوع الاكثر من رائع







تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 07:34 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO